موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
نحن ... والصليب ... وإيماننا
يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل كورنتس: "فإِنَّ المسيحَ لم يُرسِلْني لأَُعَمِّد، بل لأُبَشِّر، غَيرَ مُعَوِّلٍ على حِكمَةِ الكَلام لِئَلاَّ يَبطُلَ صَليبُ المَسيح. فإِنَّ لُغَةَ الصَّليبِ حَماقةٌ عِندَ الَّذينَ يَسلُكونَ سَبيلَ الهَلاك، وأَمَّا عِندَ الَّذينَ يَسلُكونَ سَبيلَ الخَلاص، أَي عِندَنا، فهي قُدرَةُ اللّهُ" (1كور 17:1-18).
الصليب هو الحكمة السامية، والروح المسيحية لا تتعلق بقناعة البرهان ولباقة الحجج بل بالخضوع للحدث التاريخي، والاشتراك في حكمة الله المتجلّية في سرّ يسوع المسيح. إنه فائق الطبيعة، مثل الإيمان الذي يُفحم حجج العقل البشري "فإِنِّي لم أَشَأْ أَن أًَعرِفَ شَيئاً، وأَنا بَينَكُم، غَيرَ يسوعَ المسيح، بل يسوعَ المسيحَ المَصْلوب" (1كور2:2).
إنّ هذه العبارة توجز المُثُل الإنجيلية، وهي تجعل من المسيحي "رجلاً روحانياً" يتميز عن "الإنسان البشري" أي الإنسان الذي يعتمد على قِواه البشرية وحدها ولن يأبه لعون الله من لدنه ولمعرفه المسيح. وهذه مقتضيات شمولية، فهي معرفة واقعية تتطلّب هبة الشخص بأكمله "وأَمَّا الإِنسانُ الرُّوحِيّ، فيَحكُمُ في كُلِّ شَيء ولا يَحكُمُ فيه أَحَد" (2كور 15:2)، ذلك لأنّ "فكر الرب هو الذي يُرشده في كل شيء". وهنا تتلاقى فكرة بولس الرسول وعبارة المسيح "مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صليبَه ويَتبَعْني" (متى 24:16).
معرفة المسيح خير من التظاهر بالمسيحية، ومن تعليق الصلبان في الرقاب وعلى الصدور، وإلا خلت هذه المبادرة من معناها العميق واكتفت بالزينة والفخر، وبكونها علامة الانتماء إلى ديانة معينة... ليس إلا!.
فالصليب رمز الفداء وعلامة المحبة العظمى التي أبداها المسيح لنا وأدّت إلى بذل ذاته واحتمال أقسى الآلام لأجلنا. والصليب أيضاً نداءٌ مستمر، يتوجه إلى كلٍّ منّا. فيه يدعونا المسيح إلى الاشتراك معه في فداء العالم دون قيد أو شرط في خدمة ملكوته وفي خدمة إخوتنا البشر لتحقيق هذا الفداء لنا ولهم.
لذا ينبغي للمسيحيين ألا يسعوا إلى الألم، لكن إذا ما واجهوا ألماً يصعب تفاديه فعليهم أن يأخذوا عبرة بأنهم يقرنون آلامهم بآلام المسيح "فقَد تأَلَّمَ المسيحُ أَيضاً مِن أَجلِكم وترَكَ لَكم مِثالاً لِتقتَفوا آثارَه" (1بط 21:2) لأنّ المسيح قال:"مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صَليبَه ويَتبعْني" (مر34:8).
رسالتنا المسيحية ... والصليب
رسالة المسيحيين أنْ يخفّفوا الألم عن العالم. ولكن الألم يستمر، عند ذاك يمكننا بالإيمان تقبّل ألمنا والمشاركة في ألم الآخرين، وبالتالي يصير جزءاً من القوة الإلهية التي تبدّل العالم إلى الخير، فنموت مع يسوع لنتمكن من الاحتفال معه بعيد القيامة.
ما هو درب الصليب؟ هو ممارسة كنسية عريقة، تقام خصوصاً أيام الصوم وفي الأسبوع المقدس (عند الشرقيين طوال الصوم). لماذا هكذا كان على يسوع أنْ يخلّصنا بهذا الشكل على الصليب.
فمار فرنسيس يقول:"ليس باستطاعة الله أن يُظهر محبته لنا إلا عندما سمح أنْ يُعلَّق على الصليب لأجلنا"، وأيضاً:"ليس الشياطين مَن صلبوا يسوع، بل أنتَ الذي صلبته معهم. وأنتَ لا تزال تصلبه عندما تصنع الرذائل والخطيئة".
وتقول القديسة روزادي ليما:"هذا سلّم الفردوس الوحيد الحقيقي، وما مِن سلّم للصعود إلى السماء غير الصليب".
وتقول القديسة رفقا:"مهما تألمتُ، يسوع تألّم أكثر مني".
ويقول پول كلوديل:"لم يأتِ الله ليُنهي الألم، ولا ليفسّر الألم. جاء لكي يملأ الألم من حضوره".
والقديس أوغسطينوس يقول: "نحن المسيحيين لا نغرق في عواصف هذا العالم بسببٍ واحد، هو أننا محمولون على خشبة الصليب".
والقديس كيرلّس الأورشليمي يقول:"مَدَّ الربُّ يديه على الصليب ليعانق حدود الكون".
ويقول القديس فرنسيس فينيون:"يجب أن نحمل الصليب لا أن نجرّه. ويجب أن نعتبره كنزاً لا عبئاً. فبالصليب وحده نستطيع أنْ نتشبّه بالمسيح".
يقول يوحنا بولس الثاني:"عندما جعل المسيح الفداء بواسطة الألم، رفع الألم البشري إلى مرتبة الفداء. يستطيع كل إنسان بآلامه أنْ يشارك المسيح آلامه الخلاصية". ويقول أيضاً:"عندما ننظر إلى الصليب، نفهم عظمة محبته. وعندما ننظر إلى المغارة، نفهم لطف محبة الله لكَ ولي، لعائلتكَ ولكل العائلات".
وتقول الأمّ تيريزا دي كلكوتا:"إذا حملتَ صليبَكَ بسرور، فهو يحملكَ".
وتوما الكمبي يقول:"تباركتَ أيها الصليب المقدس، خشبة الحياة وحامل أسرارها المجيدة، وواهب الخلاص للعالم. تباركتَ يا علامةَ الرجاء ورايةَ الظفر. تباركتَ يا مَن بكَ صُنِعَت الآيات المجيدة، وأبطَلْتَ الذبائحَ الدموية، واكتملت الأمور" (الليتورجية المارونية).
مات المسيح فعلاً على الصليب، وجسده دُفِنَ. وهذا ما تثبّته وتشهد عليه كل المصادر.
إنّ الذي معه قد كُسِرَت ساقاهما، أمّا بالنسبة إلى يسوع فلم يكن من الضروري إجراء ذلك لأنّ موته كان قد تمّ "فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب" (فيلبي 8:2).
الخاتمة
لقد احتلّ الصليب عنصراً أساسياً للفداء. والوجهة السلبية في الصليب، أي الإخفاق البشري، إنما هو الشرط للانتصار الإلهي. وهذا الانتصار يهيمن في وسط أهوال العذاب. ومن هذا الصليب تتدفق ديناميّة تتعدّى الحدث وظروفه المحدودة، وقوة يعجز التاريخ عن ضمّ حقيقتها الكاملة. إنها حقيقة الفداء ذات الأبعاد اللامتناهية، فمار بولس يجعل الصليب في محور التطلّعات التاريخية للبشرية جمعاء. فالصليب يحتّم علينا مجابهه مصائرنا الفردية والجماعية على ضوء ارتباط وثيق بمصير المسيح المائت والمنبعث.