موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ١٨ فبراير / شباط ٢٠٢١

إن صمتم فلا تكونوا معبّسين

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
الأحد الأوّل من الصّيام (الإنجيل مر 1: 12-15)

الأحد الأوّل من الصّيام (الإنجيل مر 1: 12-15)


الأحد الأوّل من الصّيام (الإنجيل مر 1: 12-15)

 

بعد انتشار الكورونا في السنة الماضية، تعوّدنا على سماع كلمة الحجر الصّحي لمدة أربعين يوماً (كارانتين)، وذلك للشفاء من كارثة وعدم نشرهذا الوباء للقريب منّا لئلا يصاب هو أيضاً بالعدوى. وهذا يتكرر في السنين الآخيرة بلا نهاية، إذ رغم العلم المُتقدِّم، لا تزال الأمراض تتناقل وتتعاقب، كذلك الحجر والعزل يتكرر ويتعاقب. نعم أكثر كلمات تتكرّر، أثناء هذه الأمراض المُعدية، هي الحجر والعزل.

 

ابتدأنا زمن حجرِنا عن العالم وشروره. وما الصّيام إلّا حجرٌ وعزلٌ عن مرض الخطيئة. نعم الخطيئة مرض مُعدي ويتكرّر يوميا فينا وفي العالم من حولِنا، ولتحاشيه لا بدّ من اتّخاذِ إجراءٍ فعّال، كالإجراآت ضدّ الكورونا، يحمل إسم زمن الصيام الأربعيني،الذي من مفاعيله توصيلُنا، إلى حالة شفاء داخلي، من وباء الخطيئة.

 

نعم وقت الحجر الرّوحي، وقت الصيام قد ابتدأ. لكن للأسف ما عاد النّاس اليوم يُعيرون هذا الصّيام أيَّ انتباه، حتّى لا نقول أنّه أصبح غيرُ معروفٍ لهم. كل تعليمات تأتي من الكنيسة اليوم أصبحت غير مُهمّة، حتى لا نَقل مرفوضة وغير معروفة. أمّاً للكلِّ، فمعروف صوم آخر، ويمارسه الكثيرون، خاصة بعد الأعياد أو الإجازات الطّويلة، حفاظا على الصّحة والنحافة البدنيّة والوزن القياسي، ولو أنّ ذلك يبدو مُضنياً، إلاّ أنَّ كثيرين يُمارسونه، بإرادة حرّة متينة وبافتخار. فهذا دينيّا لا قيمة له، وهو غير مطلوب لا من الدّين ولا من الكنيسة ووصاياها. وأمّا الصوم تمثُّلاً بالمسيح، الذي صام أربعين يوما وليلة، قبل أن يبدأ رسالته التّبشيريّة، او لأن لكنيسة تطلب ذلك، فنلاقي اليوم، جبهة مُعارضة واسعة، في المُجتمع عليه، لأنّ الصّحةَ الرّوحية، ما عادت تَهُّمُ حتّى المؤمن، بينما الصّوم في غير الدّيانات، فهو رُكنٌ من أركانها المّهمّة، يُمارَسُ طوعاً وجماعيّاً، فهو علامة من علامات الإنتماء الهامة لهذه أو تلك من الدّيانات.

 

إنني أعتقد أنَّ الصوم الدّيني ما عاد يُمارَس لأنّه أُسئَ فهمُه. فإهماله، بل وعدمَ مُمارستِه، هو أعمق من رفض تعليمات الدّين أو الكنيسة، بل هو علامة أكيدة لفقدان الإيمان، وهذا يعني فقدانَ معنى الخطيئة، التي تُعرِّفُها الكنيسة بالكلمة: مُخالفة وصايا الله. أن الجميع يُخالفها "سبع مرات في اليوم" كما تقول التوراة، فما عاد الإنسان يكترث للخروج منها، بل هو قابع رأسه في الرّمل، لايعرف كيف يخرج من قابوسها. أمّا الصوم فهو طريق الخروج من الخطيئة، كما قال يسوع لتلاميذه: "هناك بعض الأرواح لا تخرج إلاّ بالصوم والصّلاة"(مر 9. 29). ممارسة الصّوم هي مناسبة، تحيي فينا الإيمان من جديد. من لا يتذكّر بهذه المناسبة، ما قام به البابا الفخري بندكنوس السادس عشر، قبل أن يتنازل عن حبريّته بسنة أي عام 2013 وهو أنه نادي بسنة إحياء الإيمان في العالم، خاصة في القلوب ، لكي نرجع ونتصرف بحسب تعاليم الإيمان السلميّة وفتح المجال له ليؤثّر على تصرُّفاتنا وقوانينا، التي راحت تحتلّ قوانين ووصايا الله. حان الوقت، قال البابا لنعيش من الإيمان لا بالتكلّم عليه.

 

نقول: يفهم الخطيئة أنها إهانة، سواء ضدّ الله أو ضدّ  القريب، فقط ذاك الّذي يملك ضميرا حيّاً. فالضمير الحي، هو علامة الإنذار، كشرايين الحاسّة الخامسة، فهو الشريان الّذي يُنَبِّه، بوجود ألم في أحد أعضاء الجسم. هناك بعض النّاس مريضون، ولا يشعرون بألم، لأنّ شريان الحساسية، لسبب أو لآخر قد تعطّل، وما عاد يشعر به. هكذا ضمائر الكثيرين اليوم، فهي ما عادت تشعر بألم الخطيئة، لذا فالشعور أيضا بضرورة الصوم عن الشرّ ما عاد يَهمُّهم. من أهمّيّة الصيام الذي ابتدأناه، لإحياء الضمير المائت فينا، لنفهم أن الخطيئة هي فعل شخصي،مسؤول عنها الشخص نفسه، الّذي يقترفها، فلا تزول إلّا بتوبة شخصية. من هنا أهمّيّة زمن التوبة الرّسمي، الّذي هو مناسبة حقيقية، لتثقيف الضمير وإحياءه، وبالتالي يفهم أن التوبة وفقط التوبة، هي الوسيلة الوحيدة، للتّغلُّب على الخطيئة. فالصوم هو زمن كنسيٌّ مفيد ومُهم، لأنّه، كما قال بولس " أنا أنسى ما ورائي وأمتدُّ إلى ما هو قدّامي"(فيلبي 3: 13).قدام بولس كانت تنتظره الإضطهادات والتجارب، التي سيمرُّ بها، لكن بالدّرجة الأولى دائما يسوع القائم من بين الأموات وخاصة نداءُه وحثُّهُ على التوبة وتغيير مجرى الحياة، وهكذا يتضح للمؤمنين، ما هو دور الصوم الإيجابي للحياة. فنحن يمكن أن نتعلّم درسا من خطابات الكارنفال قبل بداية الصوم بأيام، حيث يحق لمُلقيها الإنتقاد، فيستفيد منه السامع، خاصّة إذا كان ربُّ العمل، فهو سيسعى بتحسين ما يسمع عن نفسه. فهذي هي فائدة الصوم والتوبة، أن نفكِّر بما هو مهم في الحياة، ننتقد تصرّفاتنا لمدة أربعين يوما، لنُحسِّنها، بحيث نُلقي نظرةً على مؤهِّلاتِنا، وعلى المهمّة التي نحن مرسلون هنا على الأرض من أجلها ولتتميمها.

 

إنّ يسوع نفسه، قبل أن يبدأ حياته العامة، قد اختلى بالصّلاة والصّوم، ليُهيء نفسه لمسيرة حياته. وها هو ينادى بممارسة الصّوم، كلاماً وعملاً. وها التوراة نفسها، كما نقرأ، تقدِّم الصّومَ كأحد تعاليمها المفيدة، تأمر بلبس المُسوح والرّماد(أشع 58: 5) وعندما تكلّم يسوع عن الحكم النّهائي، راح يُوبِّخ القرى، الّتي صُنِعت فيها أكثر قوّاته، صور وصيدا وكاروزيم، ولكنها لم تتب ولم يلبس سكانُها المسوح ولا رشّوا على رءوسهم الرماد ولم يتوبوا، فآخِرَتهم الهلاك.(متى 11: 21).

 

زمن الصيام كان مهمّا في السنة الليتورجيّة، وكان له طابعه وعلاماته الخارجية، منها لبس المسوح، أي القماش الخشن ورش الرّاس بالرّماد. هذه المظاهر ما كانت هي التوبة، بل علامةً أن لابسها هو من التّائبين. وفي القرون الوسطى كان على التائبين أن يتركوا العالم وعائلاتٍم ويمضون الأربعين يوما في التوبة بجوار الكنيسة، يمضونها بالصلاة واستماع شروحات الدين. هذا الحضور لم يكن مشكلة لهم، فما كان من وظائف ملزمة تأخذ وقتهم، لذا فكانوا سعيدين، أنّ الكنيسة كانت تعتني وتهتم بهم، ولو بشكل صارم في هذا الزمن، أي زمن الصيام. أما حضورهم واشتراكهم بالإحتفال بالذبيحة الإلهيية يوم الأحاد، فكان يُميِّزُ هؤلاء التائبين، أنّهم بعد سماع كلمة الله (أعني من بداية القداس وإلى بعد الوعظة)، كانوا يتركون الكنيسة، إذ ما كانت الكنيسة تسمح لهم حضور قسم الإفخارستيا كالباقين، وذلك إلى أن يتصالحوا مع الله ومع مَنْ حولَهُم. فالتوبة يجب أن تحدث أوّلا في القلب، ويُعبِّر عنها التّائب نحو الخارج من خلال تصرُّفه.

 

هذا ونجد مثلا عن التوبة بعد عيد حلول العنصرة الأول، حيث يحثُّ بطرس سامعيه أن يتوبوا عن خطاياهم ويعتمدوا ويعترفوا بيسوع إبنِ الله (أعمال 2 38). ففي خطابه يوبِّخهم على أنهم رفضوا يسوع، بل واشتركوا بقتله. والآن عليهم أن يجحدوا بتصرُّفِهم السيئ ويعلموا في جميع إسرائيل، أنَّ الله جعل يسوع، الّذي أنتم صلبتموه ، ربّاً ومسيحاُ.(أعمال 2: 36). فماذا كانت النتيجة؟ تبعوا بطرس قولا وعملا. تابوا وانضمً إلى جماعة الرسل أكثر من 3 آلاف نفس " وكانوا يواظبون على تعليم الرّسل والشّركة وكسر الخبز والصّلوات"(أع. 2: 42).

 

فيوم أربعاء الرّماد، عندما يرش الكاهن جبيننا بالرّماد المقدّس، لنقبل بذلك، كعلامة توبتنا وإيماننا بيسوع ابن الله، ليس بالكلام فقط، كما نُعلن ذلك كلّ مرّة نصلي قانون الإيمان، فما يهمُّ الله في حياتنا هو ليس الكلام لكن الفعل: أي ما نقوم به في حياتنا، محبّة لله والقريب. فزمن الصيام يريد أن يُقرِّبنا لله وذلك بالحفاظ على وصاياه، بهذا تتقوّى إرادتنا وتفرح بعمل الخير

 

 الله يحب الإنسان ويدعوه الى المحبة والتوبة والكمال والقداسة والتضامن والخدمة والعطاء، قائلا: "كونوا كاملين كما ان اباكم السماوي هو كامل." فهذا هو الوقت المُكرَّس للكمال الروحي فينا. آمين

 

تذاع الكرزة عبر أثير راديو مريم بحسب المواعيد التالية:

السبت الساعة 5.30 من بعد الظهر. ويوم الأحد: الساعة 8 صباحًا، والساعة 2.30 بعد الظهر، بتوقيت الأردن