موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٢٥ أغسطس / آب ٢٠٢٦

إلى الراعي المُتيقِّظِ في حقلِ الرَّبِ سِيادة المُونسنيور د. حنَّا سعيد كلداني

حنا ميخائيل سلامة

حنا ميخائيل سلامة

حنا ميخائيل سلامة :

 

لَئِن طوَيتَ صَفَحاتٍ مِن حياتِك الرَّعائية والإدارية -الرَّسمية- بمهمَّاتها المختلفة ومتطلباتها المُتشعِّبة، وقد آذنَتْ لتدنو مِن خمسةِ عُقودٍ مِن الخِدمة المُتَّصِلة المتواصِلة، غيرَ أنَّ صَفحةَ مَسيرتكَ الكهنوتية للرسالة الرَّعائية المقدسة، والتبشير بإنجيل الخلاص، وتوجيه النفوس لِما هو أقْوَمُ وأعْدَلُ بتلكَ الغَيْرَةِ إيَّاها التي ازدادت اضطراماً مع تتابع الأعوام، ستبقى نشيطة فاعلة تُؤتِي أُكُلَها كلَّ حينٍ بمعونة الرَّب.

 

وإنِّي لأراك الان، تَنظُر إلى الفَضاء العَرَيض وقد ازدحمت الخواطر في ذهنكَ؛ تَطوي فيها ما تَطوي مِن ذكرياتٍ حَيَّة؛ مُذ انطلقتَ في الثالثة عشر من عُمركَ مُلبِّياً دعوة الرب التي سَرعانَ ما وَصَلتْ إلى قرارة نفسِكَ: هَيَّا؛ اصطفيتكَ؛ اتبعني؛ أريدُكَ أن تعملَ في حقلي وتكون أداةً لِما أنا مُزمِعٌ بشأنِكَ!

 

وَمضيتَ مُندفعاً وَمُقاداً مِن الرُّوح غير مُلتفتٍ إلى ما ورائكَ، ولسان حالِكَ " ليس أحدٌُ يضعُ يَدَهُ على المِحراث وينظُرُ إلى الوراء يَصلُح لِملكوت الله". ذلكَ القولُ القُدسيُّ للسيد المسيح الذي كان يترددُ مع القراءات الإنجيلية والابتهالات التي كانت ترتفع من البيت الوالِدِي الدَّافِئ حُنُواً وَحَمِيمِيَّةً، وَالمُشع بالإيمان وَالمُسَيَّج بالفضائِلِ والشَّمائِل، الذي أبصرت النور فيه؛ وقد استودعتَ شأنَه وَمَن فيهِ وأنتَ تُغادره لِمَن دعاكَ واصطفاكَ.

 

وَيَنتصرُ نداءُ الرَّبِ فيكَ مع دخولكَ إلى صَرحِ المعهد الإكليريكي العريقِ في بيت جالا، حيث أخذتَ بهمةٍ وَجَلدٍ وَثباتٍ تنهلُ مِن مَعينٍ عُلومِ هذا الصَّرح الديني التعليمي، الذي صارَ عَبرَ أحدَ عشرَ عاماً أمضيتها في أفيائهِ للتنشِئَةِ الرُّوحية واللاهوتيَّة، والإعْدَادِ المَعْرفِي الشامِل، وَعيش الخبرات الرُّوحية بشعائرها وطُقُوسِها مَهوىً لِفؤادكَ.

 

أمَّا وقد بَلغتَ مُرادَ الرُّوح الخافق في صَدركَ مع إطلالة ساعة الكهنوت المُقدَّس؛ ساعة الخِدمة الرُّوحية والرَّعائية والتعليمية والإنسانية، انطلقت وَبِتُرس الإيمان وَدِرعهِ الرُّوحي تستنفر عزيمتك، وَتوظِّف نِعمة النور الإلهي المُشِّع التي انسكبت عليكَ في الكنائس، المحروسة من الله، التي أدَّيتَ فيها رسالتك الكهنوتية؛ في أرجاء الأردن وفلسطين والخليج العربي ومواقعَ أخرى. تَرعى النفوس بالنِّعمة والفضيلة وَتقودها بأنوار الإنجيل كيْمَا يُشِعَّ نوره الوهاج في الأفئدة.. وَتُدَبِّر وَتَخدم مُحافظاً على وديعة الإيمان، وَمنادياً بعهود الرَّب ومواعيده ووصاياه.

 

وحيثُما حللتَ كنتَ رمزاً للسلام؛ تَمُدُّ جُسور الإخاء بين الناس بأطيافهم ومكوِّناتِهم، وَتُوَطِّد المحبة في قلوبهم، وَتجمع شَملَهم على الفضائل الرُّوحية "الإيمان الرجاء المحبة"، وَتوجِّه بوصلةَ حياتهم نحو القِيَمِ واحترام كرامة الإنسان وحقوقه.

 

وَسيبقى حاضراً في الذاكرة، وَمُخلداً في سِجِلِّ التاريخ، سَهركَ وَتعَبكَ وما بذلت من جهودٍ وما قُمتَ به - لمجد الله - في إنجاز مشروع " كنيسة شهداء الأردن من فجر المسيحية " في مَرْج الحَمَام، عمَّان. تلك الكنيسة التي بارك حجرَ الأساس فيها غبطة البطريرك ميشيل الصباح حفِظَه الله، وذلكَ في العام 2007 وَجعلتَ بغبطةِ قلبٍ ولِتسعةِ أعوامٍ مُتتالية تُكافح وَتُراقب وتُتابع مسارَ كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ فيها لتكونَ الكنيسة مِعراجاً بَهياً للقداسة والهَدي والهُدى. وَكُنتَ " كانتظار الرُّقباء للصُبح والساهرين للفجر" تنتظرُ ساعةَ تدشينها فتمَّ ذلك ببركة غبطة البطريرك فؤاد الطوال حَفِظَه الله.

 

ولن تطوي ذاكرة ذوي البصائر، مَا طُبِعتََ عليهِ مِن اتِّضاعٍ وَتواضعٍ؛ فَلا اعتدادَ بالنفس عِندكَ ولا استكبارَ، يتجلى في ذلك التفعيل الحَقّ لروح الانجيل. تُشَرِّع الأبوابَ حيثما كانت مَقرات خِدمتكَ الرَّعائية أو الإدارية أو التربوية، بِسَعة صَدرٍ وَحِلمٍ وَدَعَةٍ تتصفحُ عن قُربٍ أحوالَ مَن تلتقيهم، وَتستمع باهتمامٍ لِما يجيشُ في حَنِيَّاتِ ضُلوعِ صدورهمٍ، فتُوجِّه وَتُرشِد وتستنهض الهِمَم؛ فإذا بالقلوب تَميلُ إليكَ ولا تَميلُ عنكَ! 

 

وها أنتَ ذا، بسكينةِ نَفْسٍ وَصفاء سَريرةٍ وَراحةِ ضَميرٍ، تُسلِّم راية الخدمة الرَّعائية والإدارية -الرسمية- بمِلءِ حُرِّيتك وَبِتَجرُّدٍ، شأنكَ في هذا شأن الخُلَّصِ الشُّرفاءِ الأنقياء، الذينَ يَزِنٌونَ الأمورَ بموازيين العقل وَمُقتضى الحَال. بعدَ تَحَمُّلٍ لإجهادٍ ألَمَّ بِبَعضِ الجَّسَد، تُخفيه مُلتمِساً الراحة في الصلاة وترانيم الشكر؛ وصابراً عليه صَبرَ المؤمنِ الواثق؛ إذ جعلته يَنصَهِر مع اوجاع المتألمين. جاء ذلك إثرَ تَزاحم المسؤوليات، وَضغطِ الالتزامات، وتتابع الواجبات مِن مَطلع الشمس إلى أن يُوشِكُ الليل أن يتقدَّمَ.. تلكَ التي لم تَكُن لنفسِك أن تستكينَ أو لضميرك اليقظ أن يرتاحَ إلا إذا أتمَمْتَها على الوجه الأمثلِ وأنجزتها بنفسِكَ!

 

وإزاء هذا، ولأنَّكَ وضعتَ نُصبَ عَينكَ قول القديس بولسَ" بقوةِ مَن يقويني.." ستواكبُ الكنيسة بالصلاة وإقامة القدَّاسات والكرازة والتعليم والمشورة تتويجاً للرسالة المقدسة التي نذرتَ لها النَّفس مِن سنواتٍ طويلة خَلَتْ، غَرستَ خلالها بُذور المحبة والرَّحمة والإنسانية في النفوس، وأنقذتَ بما مُنِحتَ مِن نعمة الروح القُدس كثرةً كانت تسير في عَتَمات الدروب، وَكثرةً كانت تتجه إلى مَجاهِل المَصائر!

 

 وليس يغيبُ عن الخاطرِ، تلكَ العِظات المَشهود بِغناها الرُّوحي التي ألقيتها في القُدَّاسات والمناسبات الدينية المختلفة؛ تُحدِّث بِرَحمةِ الله الغامرة ومحبته اللامحدودة وعدالته المطلقة على ضَوءِ هَدْي إنجيل الحياة وإشراقاتهِ. كما تُحَدِّّث بلُغةٍ فصيحة البيان، عن تاريخ الكنيسة، كنيسةِ القداسة والبِرِّ، التي صَمَدت بوجه التحديات والاضطهادات، وعَن إرثِها الروحي والطَّقْسِي المجيد، وعن شُهدائها القديسين مُذ كانت نواقيسها تُقرَع في بادية العرب وما حولها، ليترسَّخَ ذلكَ في أذهان جمهور المؤمنين وفي بُؤرة شُعورهم، لِيُدركوا أصالتهم وَعُمقهم الضارب في تاريخ المنطقة، ولِتثبيتِ ذلكم الارتباط الوثيق بأرضٍ هُم فيها مُتجذِّرون وليسوا بطارئِين أو عابِرين!

 

المونسنيور د. حنا سعيد كلداني

أَبَتِ حنَّا ؛ أيها الغُصْنُ المثمر في كَرْمَةِ كرَّامُها الآب السماوي، لقد عرفناك مِن مَعشرِ الآباء الذين تفجَّرت فيهم "ينابيع ماءِ الحياةِ" بمفاعيل الروح القُدس، فانفتَحَت بَصائِرهم وََقَويَِت عزائِمُهم وتدفَّقت طاقاتهم لِرِيِّ النفوس؛ وها أنتَ ذا وبحياتك الحافلة بالخدمة الرسولية وبما رُزقتَ من مواهبَ وَنِعَمٍ عُلويَّةٍ، تختزِنُ في ذهنِك ومع مرور الأعوام بفيضٍ مِن الخِبرات الرُّوحية الغَنيَّة؛ إلى جانب ما تختزنه مِن درايةٍ حكيمةٍ وَتَمَرُّسٍ في إدارة الشؤون الكنائسية والرَّعائية والتَّعليمية وما يتفرَّع عَنها؛ أَلاَ اجْعَلْ مِن ذلك كله رِفداً وَمَدَداً ليترسَّمَ الجيل السَّائر على درب الكهنوت الخُطى، وَليَمضوا وغيرهم على النهج الذي انتهجتَ، فيكون عطاؤهم أجدى مِن جانبٍ، ومن جانبٍ آخرَ ليجتازوا ما قد يعترضهم مِن تحدياتٍ على ضَوءِ عُصارة خبراتِك وَهدْي مَسيرتِكَ.

 

وَلا إخالُكَ أيُّها الحارسُ الأمينُ على كلمة الرَّب، إلاَّ وَسَتمُدُّ المكتبة العربية بمؤَّلفٍ يجمعُ ذلك كلِّه، إلى جانب إطلالةٍ على سيرتك الذاتية الغنيِّة، مِن البيت الوالدي العامِرِ مَحبةً، الذي أبصرت النورَ فيه تحتَ فضاءِ مدينة الكرك، ثم إلى حيثُ نشأتَ وترعرعتَ في مدينة مأدبا التي تمت سِيامتك فيها كاهناً ببركة طيِّبِ الذِّكرِ المطران نعمة السمعان رَحِمَه الله، إلى الكنائس التي فيها تركتَ بَصماتٍ وبركات وذكريات، تشهدُ على هذا ضمائر مؤمنيها وسرائرهم. إلى تسنُّمِك نائباً بطريركياً على الناصرة وشمال فلسطين، وهكذا مِن محطاتٍ عُمْريَّةٍ ومراحِلَ أُخرى كثيرة؛ تخلّلَها نَيل دَرجة دكتوراة لتوثيقكَ المُحكَّم في الأطروحة المقدَّمة بعد أعوامٍ من البحث والدراسة وتقليب المراجع، تاريخ الكنيسة في شرقنا العربي؛ وقد اختصَصت بلادنا المقدَّسة بالحِصَّة الراجحةِ مِنها، وقد أحسنتَ صنيعاً في نشرها في مُؤلَّفٍ قيِّمٍ عنوانه "المسيحية المعاصرة في الأردن وفلسطين" ضمَّ بين دَفَّتيه أربعمائة وَسِتٍ وستينَ صفحةً، وتمَّت ترجمته للإنجليزية حيث تَوَلَّت دار نشرٍ أمريكيةٍ توزيعه لعدم وجود نَظيرٍ لمضامينه القيِّمة.

 

ولعلَّ ما يُبهجَ القلب؛ تلك العلائق الوثيقة وأواصِر الاحترام والمودَّة التي عَقدَّتَ مع بني وطنِك بأطيافهم ومكوناتهم   المختلفة. ولِثقافتك الواسعة وَمخزونِكَ المَعرِفِيّ وَمُناداتك بالسَّلام والعدالةِ وتحقيق كرامة الإنسان في جميع بقاع كونِنا الرَّحيب، نِلتَ حُظوةً عند الهيئات الدَّولية العاملة بالسِّلم العالمي بالإضافة لِوكالاتٍ إخبارية مُعتَبَرة وَمَحطاتِ تَلفَزَةٍ مُلتَزِمَة.

 

بقيَ أن نرفعَ الشُّكرَ والتسبيح لِراعي الرُّعاة الصالح الرَّب يسوع، الذي وبمشيئته القُدُّوسة هيَّأكَ أبَانا لتكونَ "إناءً مُختاراً " لخدمة الكلمة والمذابح المقدسة وَللكرازة باسمهِ لخلاص النفوس.

 

أدامَ الرَّبُ إنعاماتِه عليكَ، وَأمطَركَ بِبَرَكاتِهِ؛ أيُّها الراعي السَّاهر المُتيقظ على حقل الرَّب؛ سِيادةَ المونسنيور الدكتور حنَّا سعيد كلداني؛ وَمتَّعكَ بموفور الصَّحةِ والعافية، وَحَفِظكَ حياةً كهنوتيةً مُقدسةً لا يَنضُبُ مَعِينُها حافِلة بالفضائل والمَبَرَّات.