موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ١٦ فبراير / شباط ٢٠٢١

أُذكر يا إنسان

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
أهم علامة في بداية الصوم، هي رشُّ الجبين بالرّماد، علامة الزوال والفناء

أهم علامة في بداية الصوم، هي رشُّ الجبين بالرّماد، علامة الزوال والفناء

 

أربعاء الرّماد (الإنجيل متى 6: 1-6 مع 16-18)

 

كما للسنة أربعة فصولها التي تُميِّزها عن بعضها بمظاهرة واضحة لعيوننا: فصل الشتاء يتميّز بالبرد والمطر والثلوج (مثل هذه السنة التي عادت بعد 40 سنة-1979). الربيع بجمال الطبيعة التي تلبس حُلَلاُ خلابة جميلة. فصل الصيف بِحَرِّه وشمسه. والخريف بموت الطبيعة والظلام الكثيف. هكذا السنة الكنسية، فهي لها أيضا أربعة فصولها: زمن المجيء الذي ينتهي بانتها زمن الميلاد. زمن الصوم ثم زمن القيامة وآخيرا الزمن العادي، الذي نلاحق فيه التأمل بتعاليم وأقوال المسيح، لكي نمارسها في حياتنا اليومية، وعلاقتنا مع البشر، لكي نصل إلى خلاص نفوسنا.

 

مع أربعاء الرّماد نبدأ زمنا مهمّا لحياتنا الخاصة والعامة، وبالأخص لحياتنا الدينية الروحية.

 

يوم أربعاء الرّماد تتردد كلمة: كل شيء قد انتهى! أي وقت الأفراح والإحتفالات الشعبية، إذ سنويا يعيش العالم، الثلاثة أيام المضحكة قبل إبتداء الصوم أعني قبل أربعاء الرّماد اليوم، واسمها أيام الكارنفال. مبدئيا تعني كلمة كارنفال لحم، أي إنتهاء أكل اّللّحوم مع ابتداء الوقت المقدّس، الذي كان من أهم قوانينة الإنقطاع عن أكل اللحوم والمواد الدّسِمة، واستبدالها بمنتجات الطبيعة النباتية : أعشاب، خضار، فواكه. أحد الرّهبان النسّاك وجد في الحلزونة رمزا للصوم، حيث قال: الحلزون بطيء في سيره كأنّه يتأمّل. أكلُه بسيط وقائم على الأعشاب والخضروات من حوله. فعلى الإنسان أن يهدأ في زمن الصيام ويتغذّى من منتوجات الطبيعة الغنية حوله.

 

أثناء جلسات الإحتفال بالكارنفال، كم من مرّة نسمع الأغنية المضحكة : نحن كلّنا محترمين، فكلُّنا سندخل الجنة. لا أدري من أي مرجع أخذوا هذه المقولة، فهي لا ذكر لها في التوراة! فكيف يزعم أحدٌ، بأن السّماء طبقٌ مفتوح ومجّاني له، لا يحتاج عمل أي شيء حتى يحصل عليه. فهل هو ملاك على الأرض، فقط بدون جنحان، حتى يزعمَ هذا؟ ألا يعلم أنّها هي الكنيسة التي تقول لنا، كيف ندخل السماء، وما علينا فعلُه حتى ندخلها، ولسنا نحن الذين نُقرر ذلك.

 

فمع أربعاء الرّماد اليوم، نَبدأُ زمنا كنسيّاً جَدِيّاً. بل تبدأ الكنيسة بتوجيهنا، كما يبدأُ توجيه الطّلاب في بداية السّنة الدّراسيّة، وتقول لنا ماذا علينا أن نعمله، وكيف نستغلُّ أوقات الصّوم، كي ندخل السماء. علينا في الأربعين يوماً القادمة، أن نُمارس صوما مقبولا، وأن نسلك طريقا صعبا وَعْرا، إن حقَّ التّعبير، لمدة أربعين يوماً، فيها كانت الكنيسة تفرض قوانينها وتعليماتها الصارمة، فيشعر النّاس فعلا بما عليهم فعلُه أو تحاشيه، إن كانوا يريدون الدّخول إلى السّماء، وهذي هي أمنية كلِّ مؤمنٍ.

 

نعم كان الصوم هو العلامة المُمَيَّزة لهذا الوقت، وكانت الكنيسة تعطي أهمِّيَّة كبرى للصوم عن المأكولات، وهو تمرين معروف ومُجرّب، لتقوية الإرادة، والسيطرة على الذّات. فكما الرياضة للبدن، هكذا الصوم للروح، حيث يتقوى الروح ليتحكم بمتطلّبات وشهوات الجسد، وهذا يعني مُقاصصة الجسد، بوضع حدٍّ في الإستجابة لمطالِبه الجسدية والتّغلِّب على شهواته، فهو بالتالي علامة توبة واضحة عن سيئآت الماضي.

 

الصوم هو ليس اختراع دائرة اخصائية للتغذيه، بل إنَّ الإمتناع عن الأكل له في كلِّ الدّيانات معناه المفيد. فإلى اليوم يحمل التقشُّف في طيّاته علامة التوبة والندم عن الإفراح والتبذير والبذخ. فها الرهبان البوذيّون مثلا، يعطون لحرمانهم عن الكحول معنى تقليل العوامل المُضرَّة. والشعوب الهندية تمارس الصيام  إذ ترى فيه عامل التطهير، أثناء وبعد الطقوس الدّينيّة المهمّة. في الإسلام يلعب الصّيام طيلة شهر رمضان دورا رئيسيًّا في الديانة، إذ هو ركن من أركانها الخمسة، يُذكِّرُهم بصيام مؤسس الدّيانة الذي انتهى باستلامه نسخة كتاب القرآن من يدي جبريل، ولذا مع الصيام يُفرض عليهم قراءة القرآن بل وتحفيضه غيبا لمن يقدر.. وأمّا في الدّيانة المسيحيّة، فالصّوم له تقليده. وكما نعرف، بدأ يسوع حياته العلنية بالصّيام أربعين يوما، تحضيراً لرسالته العلنية، وبالتالي خرج بقوة داخلية جعلته بنتصر على إبليس المُجرِّب.

 

وبين السنين 50-70 بعد المسيح، ظهر كتاب تعليم الرسل الإثني عشر، فيه يحدّدون الصّوم على يومين في الأسبوع، أي الأربعاء والجمعة، وكتفسير جانبي يقول هذا الكتاب: صوموا من أجل مُبغضيكم. قديسون كثيرون كتبوا وفسّروا للناس فوائد الصوم. فما منهم واحد ذكر أنَّ للصّوم مضار، بل كلّه منفعة للنفس والجسد. فالصيام هو ليس لهدف خاصٍّ به، وإنّما للموصول إلى نتيجة أفضل، وهو الإبتعاد عن الشّر، يعني التّقرّب إلى الله. وبدل الإهتمام بالذّات، يتفرّغ الإنسان لمشاكل تهم الغير أكثر، مثل مكافحة الفقر وهضم الحقوق وممارسة الرّحمة والتّفرّغ للصلاة وإعطاء حسنة لمن هم بحاجة لها، إذ الكتاب يقول: العطاء يجلب فرحاً أكثر من الأخذ . قال البابا ليون الكبير: مَن يمارس الصوم، يقترب من الله. وللعلم هو هذا البابا، الذي قرّر مدة الصيام لأربعين يوما، والّتي كانت مُتَّبعةً في العالم كله حتى المجمع الفاتيكاني الثاني، الّذي ما ألغاها بل خفّفها لمتطلبات الوضع والظروف الإجتماعية عامة(كالعمل المُرهق).  ويُقال عن مارتن لوثر كنج، المُدافع عن حقوق الزنوج في أمريكا، في أواخر القرن الماضي، أنه كلَّ مرّة كان يُدخَل السّجن، كان يصوم أول 24 ساعة عن كلِّ طعام وشراب، كي ينتصر على شعور وفَوْرَة الغضب في نفسه.

 

أمّا البابا القديس يوحنا بولس الثاني فقد ذكر في رسالته عن الصيام عام2000  الموجّهة لجميع الكاثوليك في العالم والأساقفة، قال: الصيام يحرّر من الأنانية والتعلّق بالمادّيات. لذا فالتّوبة ما هي إذلال، إنّما طريق التّقرّب إلى الله، خاصة إذا رافقها عمل خير روحي أو مادي، كالدفاع عن المهظومة حقوقه أو إطعام الجائع وكسوة العريان

 

وأما عن مفعول الصوم، فها القديس أغسطينوس في القرن الرّابع، يقول: إنه يُنقّي النّفس، ويرفع العقل، ويخلق التّواضعَ والنّدمَ في القلب، ويبدد ضباب الشهوات. وأمّا توما الأكويني فيقول: من يصبو إلى القداسة والكمال، عليه أن يلجأ إلى الصّوم. هذا والصوم ما كان في القرون الوسطى ليس مُقتصرا فقط على هذه الأربعين يوما، بل قد أضافت عليه الكنيسة وخلقت أوقاتا ومناسبات عديدة إضافية، كان الناس يُحافظون عليها، منها كل أيام جُمَع السّنة، والأيام السايقة لأعياد مهمة، كما وقبل أعياد العذراء ووقت المجيء، أستعداداً لعيد الميلاد، فكانت أيام الصيام، زائد ناقص، ما يقارب ال 200 يوم في السنة. كما وكانت لائحة الحرمان عن أطعمة معيّنة، قاسية وشاملة أكثر من اليوم، ليس فقط الإمتناع عن اللحوم والكحول، بل وعن المواد الدّسمة كالسّمك والبيض والجبنة والزبدة، كل ذلك كان على لائحة الممنوعات والمحرّمات. هذا ما كان مشكلة للأديرة والأغنياء، فكما قال المثل: الجوع هو أحسن طبّاخ، فكان الطّبّاخون يتفننون بوجود البديل من الوصفات الغذائية، بينما بقية الشعب فكان يعيش حياة تقشّف صعبة. كان أكثرهم يعيش من شوربة الماء والخبز الجاف، كما يقول المثل. هذا ولقد تغيّرت الأحوال والظروف الإجتماعية، التي أجبرت الكنيسة على التخلّي عن قوانين الصوم الصارمة، وبالتالي ما بقى إلزامي إجباري منه إلاّ يومان، هما أول يوم في الصيام أعني أربعاء الرّماد، ويوم الجمعة الحزينة. ولئلا يبقى هذان اليومان فقط أمرا خارجيا، توصي الكنيسة مَلأَهما بأعمال رحمة ومحبّة شخصية خيرية، لمن يحتاجها، مقرونة بالصلاة " صلوا ولا تملّوا بهذا الوقت لئلا تدخلوا في تجربة، إذ القوى الشيطانية مُحيطة بنا دائما، لذا فنحن بحاجة الى حماية الله ومساعدته. نعم الصلاة تُقوي الحياة الرّوحيّة. أما قال البابا يوحنا الثالث والعشرون: المؤمن يصلّي، والصلاة تقوّي الإيمان؟

 

الغنى والإزدهار هما أكبر أعداء الإيمان: لا يستطيع الإنسان أن يعبد ربين. الذهاب إلى الكنيسة والإشتراك بالصلاة هو درجة حراراة الإيمان بين الناس. للأسف قلّ ذهاب الناس إلى الكنيسة. فكما يقول المثل: الكنيسة لا تزال في القرية، لكن القرية، ليست بعد في الكنيسة. وهذا ما نلاحظه، ليس فقط في المدن بل وفي القرى، فإن عدد المواظبين على صلاة الأحد وحضور القداس قد خفّ، هذا ليس فقط الآن في وقت الكورونا الّتي أجبرت الكنيسة عبى إغلاق أبوبها، خوقا من انتشار العدوى، ليس فقط في المدن بل وفي القُرى، ورغم جهدها لم تجد الكنيسة حتى الآن حلاً لهذه الظاهرة العصرية، التي من نتائجها السّيئة، أنّها تُلغي تقاليد وثقافات قديمة، لها تاريخها العريق، دون أن تلاقي لها بديلا؟ تُرى ألا يُذكّرنا ذا بقول يسوع: لو عاد ابن البشر، هل سيد إبمانا بعد على الأرض؟ (لو 8:18) أيها الجيل الغير مؤمن الملتوي (متى 17:17). من يحب كنيسته، التي صلّت فيها كل الأجيال السابقة، يزورها هو أيضا إكراما واحتراما لهم. كما وعليه أن يُحبِّب ممارسة الإيمان لأولاده وفي كنيستهم. لكن كم عائلة وكم ولد، لا يزالون متعلقين بكنيستهم ويحبونها ويأتون لصلاة الأحد سوية؟ الولد يقتدي بالأهل

 

هذا وإنَّ الكنيسة تدعو لممارسة أنواع صلاة مكثّفة، أكثر من باقي الأوقات، فهي تدعو لممارسة صلاة درب الصليب، وخدمة الكلمة بطقس خاص للتوبة. قراءة القرآن اليومية عند المسلمين في شهر رمضان مهمة جدّا، ولذا تحث الكنيسة المؤمنين أيضا على قراْة التوراة والتأمّل بأسرار وأفعال الله الخلاصيّة. يقولون التوراة هي الكتاب الأكثر مبيعا في كل أنحاء العالم، لكن هذا لا يعني أنها الكتاب الأكثر مقروءً، بل هي للكثيرين الكتاب المختوم بسبع سجلات.هنالك الكثيرون ما تصفّحوا بحياتهم كتاب التوراة، ولو مرّة واحدة. فيا حبّذا لو نرجع إلى العادة القديمة الحميدة، ونبدأ بقراءة التوراة، في هذا الوقت المقدّس؟ فهو الله الذي يتكلم لنا فيها ويرينا إرادته

 

هذا وليكن معروفا، إنَّ الصوم لا يقوم على ممارسات خارجية، ليراها غيرنا ويمدحونا عليها، فكما قال يسوع لتلاميذه: إن صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين، فإنهم يظهرون معبّسي الوجوه لكي يظهروا للناس  صائمين. الحقّ أقول لكم إنهم استوفوا أجرهم. أما أنت، فمتى صمت، فادهن رأسك واغسل وجهك، لكي لا تظهر للناس صائما (متى 6. 16). إذ الصوم الذي يقبله الله هو: "فكُّ عُقَدَ النّير، وإطلاق المسجونين أحراراً.. وأن تكسر للجائع خبزك وأن تُدخِل المساكين التّائهين إلى بيتك. إذا رأيت عُرياناً أن تُكسوه"(أشع. 58. 6). وهوذا يوئيل النبيّ مثلًا يبلّغ الشعب كلام الربّ: "إرجعوا إليّ بكلّ قلوبكم، بالصوم والبكاء والإنتحاب". ويضيف: "مزّقوا قلوبكم لا ثيابكم، وارجعوا إلى الربّ إلهكم، فإنّه حنون رحيم، طويل الأناة وكثير الرحمة، ونادم على الشرّ" (يوئيل 2: 12-13).

 

 آباءَ الكنيسة يقولون: الصوم له ثلاث إشارات: الصوم والصلاة، لكنهما غير كافيين، إذا ما اختتمناه بالثالث، وهو تقديم حسنة مالية لمشاريع الكنيسة المعروفة:  الرحمة Misereor للكنيسة الكاثوليكية أي التّبرّع بقيمة مالية لفقراء أفريقيا، وBrot für die Welt، للكنيسة البروتستانتية التي تكون قد أعلنت عنها سنويّاً قبل بداية الصوم، ومن تريد أن تساعد بها. وهذه الحسنة ترمز إلى ما وفّرنا على أنفسنا بالصيام، لنعمل به خيراً للفقراء. فقراء، سيكون عندكم دائما، قال يسوع. أَعطُوا تُعطوا. الكنيسة لم تُلغِ الصّوم بل نسبة للظروف، فهي تنصح إبداله بأعمال الرحمة المعروفة، إذ هذا هو الصوم الذي يَرْضى به الرب.

 

من الذكريات المفيدة لنا من هذا اليوم، أن الّذين كانوا يبدأون الصوم، كانوا يُلقون ملابسهم الناعمة الفاخرة، ويبدلوها بمسوح التوبة الخشنة، كما مارسها الملك نبوكنصّر وشعبه في نينوى (العراق اليوم)، على طلب من النبي يونان، وإلاّ فكان الله ينوي تدمير المدينة. هذا ورشّوا رؤوسهم بالرّماد (علامة التواضع وزوال الحياة بعد الموت)، وهكذا عفى الله نينوى من الدّمار.

 

نعم أهم علامة في بداية الصوم، هي رشُّ الجبين بالرّماد، علامة الزوال والفناء، مع العبارة: أذكر يا إنسان أنّك تراب وإلى التّراب تعود. فكلاهما، أي المسوح والرّماد، كانا في العهد القديم، رمزي الحزن والندم. وهذا ما عناه يسوع حينما لفظ بكلمات الويلات ضد خورازيم وبيت صيدا، قال: لو حدث في صور وصيدا ما جرى فيكُما من العجائب :لتابتا في المسوح والرّماد" (متى 11: 21). هذا ومنذ تجديد الطقوس الليتورجية بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، يبتدئ زمن الصوم برش الرّماد وفعل توبة لكل المؤمنين، أثناء الإحتفال بالقداس الإلهي. ومن صلاة مباركة الرّماد، نفهم معنى وهدف رش الرّماد،، إذ الصلاة تقول: "الّلهم الذي يسرُّه التّواضع وترضيه التوبة، أفض بركتك الغزيرة على عبادك، وقد أتوا لذرِّ هذا الرّماد على رؤوسهم، لكي تُطهِّر التّوبةُ نفوسهم، عِبر مسيرة هذا الزمن الأربعيني المقدّس ويكونوا أهلاً للإحتفال بالسّرِّ الفصحي المجيد. .. كما والصّلاة الثانية تحمل نفس التعليمات وتعطيها دعما حيث تقول: أيها الإله الرّحيم، الّذي لا يرغب في موت الخطأة، بل في توبتهم، إسمع تضرُّعنا وارحمنا. تعطّف وبارك هذا الرّماد، وقد نوينا ذرّه على رؤوسنا، ونحن على يقين، من أننا تراب وإلى التراب نعود، وطّد عزائمنا لنُقبل على أعمال التوبة في هذا الزمن الأربعيني، فننال غفران الخطايا، ونحيا لحياةٍ جديدة على صورة ابنك القائم من القبر".

 

وبالتالي نحني رأسنا ويرشُّ الكاهن هذا الرّماد على رؤوسنا ويقول: أُذكر يا إنسان أنّك تراب وإلى التراب تعود. ونحن نعرف هذا، إذ تُذكِّرنا التوراة في بدايتنا, وكيف خرجنا من يد الله. بعرق وجهك تأكل خبزك، حتى تعود إلى الأرض الّتي أُخِذت منها. لأنّك تراب وإلى التراب تعود" (تكو 3: 19). هذا وكبديل لهذه العبارة المعروفة، نسمع مرة هنا ومرّة هناك، عبارة يسوع، وهي من أول الكلمات التي نطق بها في بداية كرازته العلنية:"توبوا وآمنوا في الإنجيل" (مر 1: 15).

 

هذا ومن الجميل، أنّ للصوم ترانيم مؤثِّرة، تُعبِّر عن الندم الصّادق الصّادر من القلب، ولكنّ أيضا مزامير التوبة والحنين إلى الخلاص لا تُعدُّ ولا تُحصى. ومن أشهرها المزمور 50 حيث نتوسّل: إرحمني يا الله على قدر رحمتك، وعلى قدر رأفتك اُمحُ مآثمي. هذا وكل نصوص الرحمة لا تتطرّق للإسترحام عن الماضي، وإنما عن التوبة ورحمة الله اليوم.

 

الصوم يذكرنا من أين أتينا وإلى أين نحن ذاهبون،"فلماذا نحن حزينون؟ يتساءل لوثر. ستحتفل الكنيسة بآخر الصيام بيوم الجمعة العظيمة، يوم موت يسوع على الصليب من أجلنا، إذ هو قال: وأنا متى ارتفعت على الصليب، جذبت إليّ الجميع (يو 12: 32). فأعمالنا الصللجة التي نقوم بها في زمن الصّيام هي كنز ثمين يسبقنا. فمن يمنعنا من تجميع كنوز خلاصيّة؟ "إكنزوا لكم كنوزا في السّماء (متى 6. 19) آمين