موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ٢١ أغسطس / آب ٢٠٢٣

أيُّهَا المَصْلُوبُ، اخرجْ مِن حَيَاتِي!

بقلم :
د. أشرف ناجح عبد الملاك - كولومبيا
أيُّهَا المَصْلُوبُ، اخرجْ مِن حَيَاتِي!

أيُّهَا المَصْلُوبُ، اخرجْ مِن حَيَاتِي!

 

أيُّها المصلوبُ، لماذا تتعذَّب حتّي اليوم، وتعذِّبني معكَ؟! فبصدقٍ، قد يكون أفضل لكَ ولي أنْ تخرجَ مِن حياتي! فيتسنّى لكَ عندئذ أنْ تبحث عمَّن يستحقّك، ويستحقّ صليبك، ويمكنني أنْ أرتاح أنا مِن هذا العذاب والتّعب. إنّني أعيد اليوم على مسامعك الكلمات التي نطق بها يومًا ما تلميذُك بطرس، أعيدها عليك بخوفٍ ورعدةٍ ورعبٍ يفوقون خوفه ورعدته ورعبه، أعيدها باكيًا: «يا ربّ، تَباعَدْ عَنِّي، إِنِّي رَجُلٌ خاطِئ» (لو 5/ 8). إنّني لم أعد حقًّا أحتمل أنْ أُصلب معكَ، ولم أعد أقوى على احتمال الجلدات والعذابات والجروح، فإنّ جسدي ضعيف ومنهك، والمسامير التي في يدايّ وأرجلي تفاقمت آلامها. وما أقسه إكليل الشّوك الذي يكلّل رأسي! أجل، إنّ قلبي مكسور، وأجنحتي مقصوصة، ومَجادِيفي متهالكة، ودموعي جارحة!

 

إنّ صليبك، أيّها المصلوبُ، صعب الاحتمال جدًّا؛ فمَن هذا الذي يقدر على احتماله؟! لقد جئتَ يومًا معلنًا شريعة الشّرائع وغاية كلّ الغايات، لقد أتيتَ مناديًا بالمحبّة إلي المنتهى نحو الجميع، فقلتَ: «أَحِبُّوا أَعداءَكم وصَلُّوا مِن أَجلِ مُضطَهِديكُم» (متى 5/ 44)! فمَن هذا الذي يرضى بمثل هذا المنطق الجديد الفريد؟! فلذا، لَيْتكَ تخرج مِن حياتي! فإنّ صليبك أطهر مِن أن يحمله إنسان مسكين مثلي؛ فهو وإنْ كان مصنوعًا مِن خشبٍ، ولكنّه مرصّع وفائِض وفيّاض بالمجد الذي لا أستحقه. فمِن فضلك، يا سيّدي النّاصريّ، اذهبْ باحثًا عمَّن يستحقونك، فلستُ أنا واحدًا منهم، لأنّني «يا رَبّ، لَستُ أَهْلاً لأَن تَدخُلَ تَحتَ سَقفِي» (متى 8/ 8).

 

لقد علّمتني، أيّها المصلوبُ، أنّ صليبك كان بإرادتك وحرّيّتك (يو 10/ 18)، حبًّا للبشر وطاعةً لإبيك السّمائيّ (مت 26/ 39). وقد عرفتُ هذا جيّدًا، وآمنتُ به، منذ نُعُومَةِ أَظْفَارِي؛ بل ورغبتُ في أنْ أقتدي بك فيه. واخترتُ بإرادتي وحرّيّتي يومًا ما أنْ أحمل معكَ الصّليب حتّى المنتهى؛ بل وقبلتُ– بكلِّ سرورٍ وبهجة– أنْ أُولد مِن الصّليب، وأعيش في الصّليب، وأموت على الصّليب. ولكنّني اليوم لا أحيا ما تعلّمته وعرفته واخترته؛ فما أشقني أنا المسكين؟!

 

كنتُ أظنّ أنّني بعد سنين هذا عددها، سأزدَاد إيمانًا وحبًّا ورجاءً وتواضعًا ورأفةً ومسامحةً، بل وسأنمو أكثر في الفضائل الإلهيّة والإنسانيّة؛ ولكنّني الآن– وآسفاه– إنسان شَقِي يبدو أنّه يحصد حصاد السّنين قمحًا هزيلًا بدلًا مِن سنابل مكتظّة، وثمارًا فاسدة بدلًا مِن أشجار يانعة. أجل، تجرِي الرّياحُ بمَا لا ترغب وتَشتَهي السّفُنُ المُبْحِرة. لقد صرتُ حقًّا "شَقِيًّا بائِسًا فَقيرًا أَعْمى عُرْيانًا" (رؤ 3/ 17). إنَّ ما أقوله لكَ اليوم، يا مصلوب الجلجثة، ليس تواضعًا أو قُنُوطًا، وإنّما الحقيقة المرّة التي أحياها وأشعرها يوميًّا، وترهقني مِرارًا وتكرارًا.

 

أيّها المصلوبُ، إنّ حبّك يجرحني ويربكني، لأنّني عندما أقارنه بأنانيّتي، وقلة محبّتي، وعدم غفراني، فإنّني أشعر بآلام تفوق مِرارًا كثيرة آلام المسامير والأشواك والحربة. فإنّ الآلام التي لم أعد احتملها ما هي حقًّا إلا آلام أنانيتي، وعدم محبّتي وغفراني! يا لَيْتك تأخذني مجدّدًا إلى جبل الجلجثة، لتصلب هناك أنانيّتي، وإنساني العتيق الذي لا يزال يحيا فيَّ، ويتصارع معيّ (أف 4/ 22)! فبحقٍّ، عندما أتذوّق حبّك، وأختبره أكثر فأكثر، سأكون قادرًا على الغفران الحقيقيّ، باقتناع تامّ وبدون إشفاق على الذّات، وقادرًا على المحبّة النّقيّة والنّاصعة؛ لا وبل، سأقبل الصّليب راضيًا وفرحًا.

 

أيّها النّاصريّ المصلوب، لَيْتك تبلغ بي، بواسطة روحك القدوس والمقدِّس، إلى قيامتك المجيّدة، لأتذوّق هناك تمجيدك ومجدك، وأتذكّر «أَنَّ آلامَ الزَّمَنِ الحاضِرِ لا تُعادِلُ المَجدَ الَّذي سيَتَجَلَّى فينا» (روم 8/ 18)! وعندها سأعود حاملًا من جديد صليبك، بحماسٍ يفوق حماس الماضي؛ وسأعود إلى استقبال الحبّ المعطَى لي مِن لدنك، وسأشارك فيه الآخرين كلّهم، حتّى الأعداء منهم. فأنسلخ عن أنانيّتي وعدم محبّتي، وأغفرُ راضيًا مِن أعماقي. أجل، فما المعنى الحقيقيّ والأصيل للصليب إلَّا هذا السّعي المستمرّ الشّاق إلى محبّة الله والقريب على نحو جادٍ وعميق؟!

 

وأخيرًا، يا سيّدي النّاصريّ المصلوب، لقد تكلّمتُ أوّلًا كإنسان يشعر بثقل صليبه، ويسقط تحته من جَرّاء الآلام؛ ولكنّني عندما دخلتُ متألمًّا ومتأمّلًا إلى حضرتك الإلهيّة، وأقداسك السّرّيّة، متذكّرًا قيامتك، اكتشفتُ أنّه ينقصني النّظر المستمرّ إليك، وإلى حبّك وقيامتك، وإلى كونك المصلوب القائم أبدًا. لذا، فإنّني أتضرّع إليك– باتّضاع وإصرار– قائلًا: ربّي وإلهي، إنْ كنتَ تبحث عن خاطِئٍ، فهَأَنَذَا! مِن فضلك، اصفح عني، وعضدني في مسيرتي، واجعلني أؤمن بك كقائم، وأتبعك كمصلوب؛ وقبل هذا كلّه، لا تخرج مِن حياتي!!!