موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
من قلب عجلون، حيث يعانق عبق الصنوبر جبالها الشامخة، وقفت رعية الوهادنة هذا العام لتضيء شمعة مئوية من الإيمان والرجاء والعطاء. مائة عام مضت منذ أن رُفعت أول صلاة في هذه الرعية، مائة عام من صوت الأجراس التي أيقظت الفجر في بيوت تضع المسبحة الوردية بجانب رغيف الخبز... هذه البيوت التي أنجبت قلوبًا زُرعت في تراب هذه الأرض.
مائة عام مضت... أبصر النور فيها كهنة وراهبات حملوا اسم الوهادنة إلى أبعد من حدود الجبل. فالوهادنة لم تكن يومًا مجرد بلدة، بل كانت أمًّا تلد الدعوات الكهنوتية والرهبانية، ومدرسة تعلّم أن القداسة تبدأ من العائلة، من جدة توقد البخور، ومن شيخ جليل يسقي الزيتون ويردد المزامير. فمن هذه الأرض الطيبة رأى النور كهنة وراهبات من آل بدر، الذين حملوا اسم الوهادنة في خدمتهم، فكانوا شهادة حية أن هذه التربة تعرف كيف تنبت خدامًا للكلمة وشهودًا للإيمان.
في هذا اليوم المميز من تاريخ هذه البلدة الشامخة، أتى "ابن مادبا" البار المطران إياد الطوال ليشارك المؤمنين فرحتهم بيوم رعيتهم المئوي. وكيف لا، وهو يتجذر في مادبا، مدينة الفسيفساء، وهي التي، كعجلون، تدعى بمحبة المسيح. فقد جاء ليشارك أهل الوهادنة فرحتهم، كما فعل المسيح يومًا في عرس قانا الجليل. جاء ليبارك هذا الجبل، ويشهد مع أبنائه على أمانة مائة عام، بحضور لفيف من الكهنة والراهبات وأبناء الرعية، فتحولت الذكرى إلى عرس إيماني مليء بالحبور والبهجة. هنا قال الراعي لأبنائه: اثبتوا كما ثبت آباؤكم.
فها قد جاءت المئوية مميزة، إذ إنها تخطت حدود جغرافيتها؛ فهي لم تكن احتفالًا محليًا، بل كانت لقاء جبلٍ مع جبل. فمن لبنان القداسة، من جبال الأرز الذي يقف شامخًا مصليًا صوب الغيوم، جاءت المرنمة اللبنانية كريستيان النجار، حاملة معها صوتًا ترعرع على صخور البترون، ليرنم اليوم ويصدح في سماء الأردن، أرض المعمدان. في مئوية الرعية، وقفت ابنة لبنان، لبنان شربل ورفقة، لبنان القداسة، في ساحة كنيسة الرعية، ضمن أمسية إيمانية، لا لتطرب الآذان فحسب، بل لتشارك المحتفلين فرحتهم بصوتها الخاشع المصلي، وتشهد معهم لإيمانهم. فقد غدا صوتها صلاة ممتدة، وجسرًا معلقًا بين دير في الشمال اللبناني وكنيسة في شمال الأردن. وعندما ارتفعت الترانيم، رأى الحاضرون في عيون قلوبهم جبال لبنان تنحني باحترام لجبال عجلون، وسنديان الأردن يصافح أرز لبنان، وأننا، رغم المسافات، جسد واحد، نستنشق المحبة من رئة واحدة، هي الإيمان.
ومن قلب الحدث ابتدأ مشوار الأمسية بترنيمة "طوبى للساعين إلى السلام"، في تطويبة رائعة وعادلة، لأردن الخير وإيليا والمعمدان، ولأردن الهاشميين الداعين دائمًا إلى حلول سلمية، لا حربية، لأزمات الشرق الجريح.
وكم ازداد هذا اللقاء بهاءً، إذ تزامن مع عيد مار الياس الحي، شفيع الوهادنة. وما أبلغ الرمز... فإيليا، الذي صعد في مركبة من نار، علّم أهل هذا الجبل أن النار لا تحرق من كان قلبه على المذبح، وأن الثبات في العاصفة هو عين البطولة. وفي العيد اكتسى المذبح بالزنابق البيضاء والصفراء، فسار موكب المحتفلين، وارتفعت الصلوات، ومن ثم أتت مشاركة المرنمة من لبنان إكليلًا على جبين المائة عام، وتذكيرًا بأن القداسة لا تعرف الحدود، وأن التسبيح لغة يفهمها كل من أحب المسيح وأمه مريم.
وفي ختام هذه المئوية، لا بد من وقفة شكر لكل من مر يومًا كاهنًا لهذه الرعية، ولكل من سهر وصلى وشهد بإيمانه وعطائه ومحبته طيلة العقد الماضي. والشكر الموصول للأب سلام حداد، كاهن الرعية، الذي حضّر لهذه المئوية وصلى حتى صارت حجرًا وفرحًا. وشكرًا لكل يد خفية رتبت، ولكل قلب أحب، فسهل مجيء المرنمة من لبنان، فكانوا كمن يفرش الطريق بالزنابق ليعبر التسبيح.
مائة عام مضت، أيتها البلدة الأبية... مائة عام فيها بُنيت الكنائس، وكبرت العائلات، وفيها تعلم أبناؤكِ أن يكونوا شهودًا في العالم، فخرج منكِ الكهنة الذين يخدمون المذابح، والراهبات اللواتي يصلين لأجل العالم، والعلمانيون الذين يحملون الإنجيل في مكاتبهم وحقولهم.
واليوم تقفين وتقولين للجميع: نحن هنا، صامدون كالجبال، نرتل كما رتل آباؤنا، وسنرتل كما سيرتل أبناؤنا.
وختمت كريستيان النجار الأمسية بكلمة شكر وتقدير: "من لبنان جئت لأقول لكم إن صلاتكم وصلتنا، وها نحن جئنا نصلي معكم. فليبقَ هذا الجبل منارة، وليبقَ هذا الصوت شاهدًا أن المسيح حيّ في عجلون، كما هو حيّ في لبنان."
فكل عام والوهادنة بألف خير، نحو مئوية ثانية بعزم ومحبة وإيمان.