موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
تنويه من الكاتب
هذه المقالة هي الجزء الأول من سلسلة بحثية تتناول سفر أخنوخ الأول بوصفه نصًا مهمًا لفهم بعض اتجاهات الفكر اليهودي في فترة الهيكل الثاني، ولرصد حضوره في العهد الجديد والتقاليد المسيحية. لا تهدف السلسلة إلى تغيير قانون الأسفار أو الخلط بين الكتاب القانوني والكتابات المنحولة، بل إلى قراءة النص قراءة تاريخية ولاهوتية مقارنة، مع التمييز بين ما يقوله السفر، وما تقوله الكنيسة عن قانونيته، وما يمكن للباحث استخلاصه من شواهده. تتناول السلسلة في أجزائها اللاحقة رواية المراقبين والمعرفة المحرّمة، وصور الدينونة و«ابن الإنسان»، ثم تصوّر الزمن والكون في كتاب الأجرام السماوية.
مقدمة
ترد شخصية أخنوخ في سفر التكوين بإيجاز لافت: «وسار أخنوخ مع الله، ولم يوجد لأن الله أخذه» (تك 5: 24). غير أن هذا الإيجاز لم ينهِ الاهتمام به؛ بل فتح المجال أمام تراث واسع من النصوص التي جعلت أخنوخ شاهدًا على أسرار العالم السماوي، ورؤى الدينونة، ومصير الأبرار، والأشرار.
ومن أبرز هذه الكتابات ما يُعرف اليوم باسم سفر أخنوخ الأول. وقد أسهم هذا السفر في تشكيل صور وأفكار مهمة في الأدب اليهودي القديم، كما أن رسالة يهوذا تتضمن اقتباسًا مشهورًا من أوله. لكن دراسة أثره لا تتطلب اعتباره جزءًا من قانون الكتاب المقدس لدى كل الكنائس. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين ثلاثة أسئلة كثيرًا ما تختلط: ما منزلة السفر في قانون كل تقليد ديني؟ ما قيمته شاهدًا تاريخيًا على الفكر القديم؟ وكيف استُخدمت بعض عباراته أو تقاليده في نصوص لاحقة؟
أولًا: من هو أخنوخ في الكتاب المقدس؟
يميّز سفر التكوين بين أكثر من شخص يحمل اسم أخنوخ، لكن الشخصية التي يعنينا أمرها هي أخنوخ بن يارد، من نسل شيث، وأبو متوشالح. ويقدمه النص في سلسلة الأنساب السابقة للطوفان، ويخصّه بعبارتين قصيرتين: «وسار أخنوخ مع الله» (تك 5: 22)، ثم «ولم يوجد لأن الله أخذه» (تك 5: 24).
لا يقدّم سفر التكوين شرحًا تفصيليًا لما جرى لأخنوخ، ولا يذكر رحلة له في السماوات أو كتابًا كتبه. أما رسالة العبرانيين فتقرأ انتقاله في ضوء الإيمان: «بالإيمان نُقل أخنوخ لكيلا يرى الموت» (عب 11: 5). وتذكره رسالة يهوذا في سياق التحذير من الأشرار، ناقلةً نبوءة منسوبة إليه (يه 14–15). كما يرد اسمه في نسب المسيح في إنجيل لوقا (لو 3: 37).
من المهم هنا أن نبقى قريبين من حدود النصوص: فالقول إن أخنوخ «سار مع الله» هو شهادة سفر التكوين، أما التفاصيل الواسعة عن أسفاره ورؤاه فترد في الأدب الأخنوخي اللاحق. وهذه التفرقة لا تنتقص من قيمة ذلك الأدب؛ بل تساعدنا على قراءته بحسب نوعه وسياقه.
ثانيًا: ما المقصود بسفر أخنوخ الأول؟
يُسمّى هذا الكتاب أخنوخ الأول لتمييزه من كتابين آخرين ارتبطا باسم أخنوخ في تاريخ الأدب الديني: أخنوخ الثاني، المعروف غالبًا بالسلافي، وأخنوخ الثالث، المرتبط بالأدب العبري الصوفي. وهذه الكتب ليست أجزاء من مؤلَّف واحد، بل نصوص مختلفة تشترك في اسم الشخصية القديمة.
أما أخنوخ الأول، فهو مجموعة كتابات يهودية قديمة جُمعت في صيغة معروفة من 108 فصول. ويُقسّمه الباحثون عادةً إلى أقسام رئيسية، منها: كتاب المراقبين (الفصول 1–36)، والأمثال أو التشبيهات (37–71)، وكتاب الأجرام السماوية (72–82)، ورؤى الأحلام (83–90)، ورسالة أخنوخ (91–108). وتكشف هذه الأقسام عن تنوع في الموضوع والأسلوب، وهو أحد أسباب حديث الباحثين عن مراحل متعددة في تكوين السفر، لا عن كتاب أُلّف دفعة واحدة. [1]
ووصفه بأنه «منحول» هو وصف لتقليد أدبي نُسب فيه نص إلى شخصية ذات مكانة من الماضي. ولا ينبغي أن يُحمّل المصطلح وحده حكمًا أخلاقيًا مبسطًا على كل من تداول النص؛ فدراسة الكتاب تتطلب النظر في أساليب التأليف والنقل القديمة، وفي كيفية استعمال المجتمعات لهذه الكتابات.
ثالثًا: مكانة السفر القانونية
لا يرد سفر أخنوخ الأول في قائمة أسفار العهد القديم التي تعتمدها الكنيسة الكاثوليكية؛ فقائمة قانون الكتاب المقدس في التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية لا تتضمنه. وفي المقابل، تقبله الكنيسة الأرثوذكسية التوحيدية الإثيوبية ضمن أسفارها المقدسة، وتذكره الكنيسة الإثيوبية نفسها في عرضها لقانونها الكتابي. كما يُدرج ضمن قانون الكنيسة الأرثوذكسية التوحيدية الإريترية. [2][3]
لذلك فالأدق، عند الكتابة لجمهور كنسي، ألا نقول إن السفر «مرفوض عند المسيحيين» بإطلاق، ولا أن نصفه بأنه كتاب قانوني لدى جميع الكنائس. بل نحدد التقليد الذي نتحدث عنه: فهو خارج قانون الكنيسة الكاثوليكية، بينما له مكانة قانونية في تقليدي التوحيد الإثيوبي والإريتري. واختلاف القوانين بين الكنائس حقيقة تاريخية ولاهوتية ينبغي عرضها باحترام، من غير تحويل المقالة إلى مرافعة ضد تقليد كنسي أو لمصلحة آخر.
كذلك لا تتطابق مصطلحات «الأبوكريفي» و«المنحول» في استعمال جميع الكنائس والباحثين. ولهذا ستستخدم هذه السلسلة وصف الأدب الأخنوخي أو سفر أخنوخ الأول عند الحديث عن النص، وتوضح معنى «غير القانوني» كلما احتاج السياق إلى ذلك.
رابعًا: كيف وصل السفر إلينا؟
أهمية أخنوخ الأول لا تأتي من مضمونه وحده، بل أيضًا من تاريخ انتقاله. فالنص الكامل وصل إلينا باللغة الجعزية، وهي اللغة التي حُفظ بها في تقليد الكنيسة الإثيوبية. وتشير الشواهد النصية إلى أن الترجمة الجعزية انتقلت عبر ترجمة يونانية، وأن أجزاء أقدم من السفر كُتبت بالآرامية.
وقد وُجدت بين مخطوطات البحر الميت في قمران شواهد آرامية لأقسام من الأدب الأخنوخي. وتؤكد هذه المخطوطات أن عددًا من أقسام السفر كان معروفًا ومتداولًا قبل العصر المسيحي، لكنها لا تثبت أن أخنوخ التاريخي ألّفها، ولا تحدد وحدها التاريخ الدقيق لكل قسم. فهي شواهد مادية على تاريخ النص وانتشاره، وليست شهادة مباشرة على مؤلفه أو على قانونيته في كل جماعة. [4]
وتعتمد النسخة التي نبدأ منها في هذه السلسلة على ترجمة جورج شُدّه الإنجليزية المنشورة سنة 1882. ولأنها ترجمة قديمة، فسنتعامل معها بوصفها مدخلًا إلى قراءة النص، مع مقابلة المواضع الأساسية بالدراسات الحديثة والشواهد الأقدم كلما كان ذلك ضروريًا. فالنص المترجم ليس بديلًا عن دراسة تاريخ النسخ والاختلافات بين الشواهد.
خامسًا: الاقتباس في رسالة يهوذا
تتضمن رسالة يهوذا كلمات منسوبة إلى أخنوخ: «هوذا قد جاء الرب في ربوات قديسيه، ليصنع دينونة على الجميع…» (يه 14–15)، ويقابلها نص في أخنوخ الأول 1: 9. وهذه الصلة تجعل السفر مهمًا لدراسة البيئة الفكرية التي كُتبت فيها بعض أسفار العهد الجديد.
لكن ينبغي التفريق بين استخدام نص أو تقليد وبين إقرار قانونية الكتاب كله. فالاستشهاد بعبارة من كتاب لا يكفي وحده لإثبات أن الجماعة التي استشهدت به عدّت الكتاب بأكمله ضمن قانونها. وفي الوقت نفسه، لا يصح التقليل من دلالة الاقتباس: فهو شاهد على معرفة تقليد أخنوخي وعلى حضوره في عالم يهوذا الفكري. وقد ناقش الباحثون طبيعة هذه العلاقة ودرجة اعتماد الرسالة على نص أخنوخ أو على تقاليد مرتبطة به. [5]
وبالمثل، يورد العهد الجديد أسماء ينيس ويمبريس في 2 تيموثاوس 3: 8 من دون أن يذكرها سفر الخروج، وهو ما يفتح باب البحث في التقاليد اليهودية المتداولة خارج نصوص العهد القديم. إلا أن هذه المقارنة تبقى محدودة: فهي تساعد على فهم تداول الروايات، لكنها لا تجعل كل رواية متداولة مساوية للنص القانوني أو مثبتةً تاريخيًا بمجرد ورودها.
سادسًا: بين الأثر والقانونية
قد تؤثر كتابة غير قانونية في الفن أو في بعض التقاليد التعبدية، من دون أن تصبح لذلك مصدرًا مستقلًا لعقيدة كنسية. ومن الأمثلة المعروفة إنجيل يعقوب التمهيدي، الذي ارتبطت به تقاليد عن يواكيم وحنة وعن طفولة مريم، كما أثّر في صور وروايات دينية لاحقة. ويشير الفاتيكان إلى ارتباط تقليد تكريم يواكيم وحنة بهذا الإنجيل المنحول. [6]
هذا المثال يساعدنا على صياغة سؤال مهم في دراستنا لأخنوخ: ما الفرق بين أن يترك كتاب أثرًا في الخيال الديني أو أن يقتبس كاتب منه، وبين أن يكون الكتاب نفسه جزءًا من قانون الكتاب المقدس؟ لا توجد إجابة واحدة تختصر جميع الحالات، لكن وضوح السؤال يمنع الخلط بين التاريخ والتقليد والسلطة القانونية.
ومن هنا، لن نقول إن الكنيسة «استندت إلى كتب منتحلة لإعلان عقائدها»؛ فهذه العبارة تعمم وتوحي بأن العقائد الكنسية قائمة على تلك الكتب. الأدق أن ندرس، حالة / حالة، كيف استقبلت التقاليد المسيحية بعض الروايات خارج القانون، وكيف ميّزت بين أثرها الثقافي أو التعبدي وبين تعليمها الرسمي.
خاتمة
يقف أخنوخ عند تقاطع نصوص متعددة: شخصية وجيزة الذكر في سفر التكوين، وشاهد في العهد الجديد، وبطل لمجموعة من الكتابات اليهودية القديمة التي وصلت إلينا عبر تاريخ طويل من النسخ والترجمة. ويمنحنا هذا التقاطع فرصة لفهم عالم الأفكار في فترة الهيكل الثاني، ولرؤية الكيفية التي حفظت بها جماعات مختلفة نصوصًا وتقاليد متباينة.
أما المقالة التالية فستنتقل إلى كتاب المراقبين، ولا سيما الفصول 6–11، لتدرس كيف يروي السفر تمرد المراقبين، وارتباطه بالعنف ونقل المعرفة. وستكون المقارنة مع تكوين 6: 1–4 مدخلًا لطرح أسئلة عن السلطة والمسؤولية وحدود المعرفة، لا لإسقاط تصورات العصر الحديث على نص قديم.
مراجع مختارة