موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٤ نوفمبر / تشرين الثاني ٢٠٢٦

آنية إيماني: بين كاتبي سفر الحكمة والإنجيل الأول

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سلسلة قراءات كتابية بين العهدين (حك 6: 12-16؛ مت 25: 1-13)

سلسلة قراءات كتابية بين العهدين (حك 6: 12-16؛ مت 25: 1-13)

 

الأحد الثاني والثلاثون من الزمن العادي (أ)

 

المقدمة

 

يساعدنا نصا هذا المقال على التعرف إلى مفاهيم كتابية جديدة، مثل الحكمة والزيت والنور، وما العلاقة بينها؟ فمن خلال النص الأول من العهد القديم، في سفر الحكمة (6: 12-16)، يفاجئنا الحكيم بسمات الحكمة كامرأة خدومة تأتي للقاء الإنسان الذي يتعرف إليها ويستقبلها في حياته وبيته، حيث تفاجئه بأنها قريبة منه.

 

وبناء على هذا الضوء الأول، يأتينا النور الجديد الذي نكتشفه من خلال تعليم يسوع بحسب متى (25: 1-13)، إذ يشير إلى أن العلاقة بالحكمة ضرورية لانتظار كل نفس بشرية لقاء العريس الإلهي، الذي يأتي وسيأتي لإتمام العرس الأبدي.

 

نهدف من خلال هذا المقال إلى استقبال فضيلة الحكمة في حياتنا، فهي التي تعلمنا في حياتنا الروحية كيف ننتظر، دون ملل، وتهيئنا بالمصباح والزيت المناسبين لنكون على استعداد للقاء العريس، رأس العروس، أي الكنيسة. وحتى متى جاء، تكون الحكمة معلمتنا ومرافقتنا في مسيرة الانتظار، فندخل إلى العرس كنفوس بشرية تمثل الكنيسة، التي هي بمثابة جسد العريس.

 

يدعونا هذان النصان إلى التفكير العميق في أفق تاريخنا والعيش في زمننا البشري كمن ينتظرون شخصا ما، هو المسيح الآتي. زمننا المسيحي هو زمن يملؤه الانتظار والاشتياق إلى لقاء العريس، والحكمة تهيئنا لهذا اللقاء المنتظر. وهذا ما يضفي على زمننا قيمته الحقيقية.

 

 

1. نور الحكمة (حك 6: 12-16)

 

يصف الحكيم في قراءتنا الأولى من سفر الحكمة، بشكل رمزي، الحكمة بصفات امرأة تغير حياة من يلتقي بها ويرتبط بها، قائلا: «الحِكمةُ ساطِعةٌ لا تَذبُل تَسهُلُ مُشاهَدَتُها على الَّذين يْحِبَونَها وَيهتَدي إِلَيها الَّذينَ يَلتَمِسونَها. تَسبِقُ فتُعَرِّفُ نَفْسَها إِلى الَّذين يَرغَبون فيها. ومَن بَكَّر َفي طَلَبِها لا يَتعَب لأنّه يَجِدُها جالِسةً عِندَ بابه. فالتَّأَمُّلُ فيها كَمالُ الفِطنَة ومَن سَهِرَ لأَجلِها لا يَلبَثُ أَن يَخلُوَ مِنَ الهُموم. لأَنَّ الَّذينَ أَهلٌ لَها هي الَّتي تَجولُ في طَلَبِهم وفي سُبُلِهم تَظهَرُ لَهم بِعَطْف وفي كُل خاطِرٍ يَخطر لَهم تأتي لِمُلاقاتِهما» (حك 6: 12-16).

 

بهذه الصفات، يشير الكاتب إلى قدرة فضيلة الحكمة على لقاء الإنسان. فهي بمثابة امرأة تصبح مصدر فرح لمن يحبها ويجدها. فاللقاء بهذه المرأة، التي أُطلق عليها اسم «الحكمة»، هو بمثابة لقاء يغير حياة الإنسان ويجعله إنسانا صالحا، بل يجعل من يلتقي بها إنسانا تكتمل حياته في علاقته بالله وبالآخرين.

 

وهذه هي استجابة المؤمن الجديرة بإلهه في الحياة الأرضية، فيصير من يلتقي بها حكيما بفضل لقائه بالحكمة التي بادرت إلى لقاء الإنسان. هذه هي المفاجأة: الحكمة تأتي لملاقاة الإنسان!

 

أما الأحمق، بخلاف ذلك، فهو رجل ينكر الله وينكر الإنسانية، حيث إن وجوده ليس كاملا، بل يتجه نحو الخراب والشقاء.

 

وبناء على خطوات الحكمة التي تجعل الإنسان حكيما، يعطينا السرد التعليمي ليسوع بحسب متى (25: 1-13) نورا جديدا على دور الحكمة التي تكمن في فكر وقلب من التقى بها، فترشده وتعاون كلا منا على تهيئة مخزونه الاحتياطي من الزيت، ليتمتع بالنور أثناء مسيرة انتظاره، بشكل يليق بالعريس الإلهي الآتي.

 

 

2. آنية إيماني (مت 25: 1-13)

 

يفتتح الإنجيلي متى الإصحاح الخامس والعشرين (1-13) بمثل تعليمي من يسوع، الذي يُنتظر بوصفه العريس من عروسه التي تُدعى الكنيسة، والمتمثلة في العذارى العشر اللواتي ينتظرن العريس.

 

هذا النص الكتابي يكشف عن مسار حياة الكنيسة في التاريخ. ويمكن للمرء أن يعيش في التاريخ البشري كأحمق أو كحكيم. وهذه طريقة كتابية نموذجية لوصف حياتنا البشرية، أي إن هناك إمكانية لاتباع أحد المسارين.

 

وقبل هذا النص، أشار الإنجيلي إلى مثل البيتين (راجع مت 7)، حيث قارن فيه بين الأحمق والحكيم، من خلال رجلين بنيا بيتيهما، أحدهما على الرمل والآخر على الصخر. وركز على أن الحكيم الذي يبني بيته على الصخر هو من يصغي إلى كلمة الله ويطبقها.

 

ومن جديد، في مثل العذارى العشر، يؤكد أن هناك خمسا منهن أحضرن آنية الزيت، ووصفهن بالحكيمات، أما الخمس اللواتي أحضرن المصابيح فقط، فوصفهن بالجاهلات.

 

يضيء وصف المقطع الإنجيلي بحسب متى، من جديد، على سمة الحكمة الكتابية. وهنا أيضا، يلح على الفرق بين الحكمة والحماقة.

 

وفي مثل الفتيات أو العذارى العشر، يكمن تعليم يسوع في وصفه لملكوت السماوات بما يشبه وليمة العرس وطقوسه، قائلا: «عِندَئِذٍ يكون مَثَلُ مَلكوتِ السَّمَواتِ كَمَثلِ عَشْرِ عَذارى أَخَذنَ مَصابيحَهُنَّ وخَرَجنَ لِلِقاءِ العَريس. خَمسٌ مِنهُنَّ جاهِلات، وخَمسٌ عاقِلات [حكيمات]. فأَخذَتِ الجاهِلاتُ مَصابيحَهُنَّ ولَم يَأخُذنَ معَهُنَّ زَيتاً. وأَمَّا العاقِلات [حكيمات]، فَأَخَذنَ معَ مَصابيحِهِنَّ زَيتاً في آنِية» (مت 25: 1-5).

 

هؤلاء العذارى العشر يمثلن العروس، أي الكنيسة، ونحن في يومنا هذا. فهل التقين بالسيدة الحكمة أثناء استعدادهن للقاء العريس والدخول إلى العرس؟

 

يشير يسوع في المثل إلى المقارنة بين خمس عذارى جاهلات، والسبب هو: «ولَم يَأخُذنَ معَهُنَّ زَيتاً». أما الأخريات فحكيمات، والسر يكمن في أنهن: «فَأَخَذنَ معَ مَصابيحِهِنَّ زَيتاً في آنِية».

 

ما شكل الاستعداد للقاء العريس؟ المصباح مع آنية الزيت الاحتياطي. هذا هو سر الحكيمات اللواتي التقين بالسيدة الحكمة ورافقنها في تهيئتهن للقاء العريس.

 

نعم، وبحسب منطق يسوع نفسه، فإن الملكوت هو العرس الأبدي الذي يدعونا الرب إليه بشكل يومي. فكل منا، امرأة كان أم رجلا، هو النفس البشرية التي تمثل العروس التي تنتظر عريسها في عودته الأخيرة، ليأخذنا إلى وليمة العرس معه. لكن، في انتظارنا، هل نشبه العذارى الحكيمات أم الجاهلات؟

 

وفي تأكيد يسوع على حكمة العاقلات بقوله: «وأَمَّا العاقِلات [حكيمات]، فَأَخَذنَ معَ مَصابيحِهِنَّ زَيتاً في آنِية» (مت 25: 4)، يكتسب هذا التفصيل المتعلق بالآنية الاحتياطية دلالة خاصة إذا قارناه بسفر الخروج.

 

فقد قال الله لموسى: «أَنتَ فمُرْ بَني إِسْرائيلَ أَن يأْتوكَ بِزَيتِ زَيتونٍ مَدْقوقٍ صافٍ لِيوقَدَ بِه سِراجٌ دائماً. في خَيمةِ الـموعِد [...] لِيَكونَ من الـمساءِ إِلى الصَّباحِ أَمامَ الرَّبّ» (خر 27: 20).

 

لذلك، لا يمكن أن ينطفئ النور. ولهذا السبب، يجب توفير الزيت وحفظه وتجديده. ويتحمل بنو إسرائيل مسؤولية الحفاظ على استمرار اشتعال السراج، ليبقى النور الموكل إليهم متقدا أمام الرب.

 

ويتناول متى هذه الصورة ويدخلها في تعليم يسوع من خلال مثل الفتيات العشر اللواتي ينتظرن العريس.

 

في واقع الأمر، ليس الفرق في المصباح، بل فيما يغذيه من زيت. فالزيت لا يوضع في أوان كبيرة، بل في أوان صغيرة ليسهل حملها.

 

إنها صورة رائعة للحياة الروحية، فالرب لا يطلب منا بالضرورة أعمالا عظيمة، بل إيمانا يوميا صغيرا يغذي مصباح إيماننا به.

 

قد يكون زيتنا اليوم تكريس وقت للقاء الرب، أو اللقاء به من خلال قراءة مقطع من كلماته المقدسة، أو القيام بعمل خير لشخص آخر، أو ممارسة الغفران، أو البقاء في لحظة صمت أمام الرب.

 

فهذه تعبيرات إيمانية وبشرية عن كميات قليلة من الزيت، يمكن لكل منا أن يجمعها يوما بعد يوم في آنيته، لأن ليل انتظار العريس الإلهي قد يطول.

 

إن الاهتمام بتعبئة آنيتي الحكيمة وحملها هو ما يمنع مصباحي من الانطفاء؛ فليس حماسي العابر، بل الزيت الذي جمعه كل منا بإيمان، يوما بعد يوم، هو ما يحافظ على اشتعاله.

 

لذا، تعدنا آنية الإيمان للخروج للقاء العريس. فهل لدي آنية صغيرة أجمع فيها إيماني وثقتي بالرب يوما بعد يوم؟

 

لعل حكمة العذارى تكمن تحديدا في علمهن أن نور الليل يُهيأ خلال النهار، بل يُعبأ في آنية الإيمان الباطنية.

 

 

3. الانتظار! (مت 25: 6-13)

 

جميع العذارى لديهن مصابيح، وجميعهن ينتظرن، وأثناء الانتظار يغفون جميعا في النوم. ولكن عندما يسمعن النداء في منتصف الليل قائلا: «هُوذا العَريس! فَاخرُجْنَ لِلِقائِه!» (مت 25: 6)، يظهر الفرق جليا في هذه اللحظة، فمنهن من يملك الزيت، ومنهن من لا يملكه.

 

هذا هو صميم المثل التعليمي، إذ يحمل المثل صورتي المصباح والزيت. وهذان الرمزان حاضران بقوة في اللغة الكتابية.

 

الصورة الأولى هي المصباح: في دعوة يسوع لنا لنكون نور العالم (راجع مت 5: 13)، حيث شدد على أنه لا يمكن وضع المصباح تحت مكيال. ويذكرنا ذلك بأننا لا نستطيع إضاعة حياتنا، ولا يمكننا الاختباء تحت مكيال هربا من أن نحيا حياتنا بملئها. كما يذكرنا بمكان المصباح على منارة في البيت، لينير لساكنيه، مما يشير إلى حياتنا التي تستنير ثم تنير الآخرين.

 

الصورة الثانية هي الزيت: حيث تذكرنا العذارى العشر اللواتي يحملن مصابيحهن بصورة الجماعة المدعوة إلى الرقص فرحا، احتفالا بقدوم العريس: «فدخَلَت مَعَه الـمستَعِدَّاتُ [الحكيمات] إِلى رَدهَةِ العُرْس وأُغلِقَ الباب» (مت 25: 10).

 

هؤلاء الخمس يمثلن بشريتنا، أنا وأنت، ككنيسة مدعوة إلى انتظار المسيح الآتي بفرح.

 

ربما يعود تفسير هذه الصورة إلى تفسير الربانيين للعذارى في سفر نشيد الأناشيد، بوصفهن صورة للتلاميذ الذين يحملون نور الشريعة وينتظرون المسيّا الآتي (المسيح).

 

لكن المصباح يحتاج إلى زيت ليظل مضيئا، فهو يرمز إلى زيت الانتظار والحب والفرح بوصول العريس، الذي يُستخدم تحديدا لإضاءة مصابيح المنتظرين للعريس.

 

وهو أيضا الزيت الذي تُدهن به جراح من أنهكتهم الحياة، كما في مثل السامري (راجع لو 10). وفوق كل ذلك، هو الزيت الذي يُمسح به المسيّا المنتظر، الذي ننتظره ويكرس ذاته لخلاصنا نحن البشر.

 

لذلك، يُعد الزيت رمزا لإشارات شخصية وعميقة للغاية، ولعل هذا هو سبب استناد المثل إليه، لتوافره في السوق، وربما بسعر جيد.

 

هناك أعمال في حياتنا لا يمكن لأحد غيرنا القيام بها، ولا يمكن تأجيلها. وهناك مواقف تتطلب منا أن نكون مستعدين، لأنه لن تكون هناك فرصة أخرى.

 

في جوف الليل، حتى في أحلك الظلام، ستوقظنا صرخة فرح. الليل لا يدوم، وسيعود العريس.

 

لذا، لا نضع مصباحنا تحت المكيال، بل نحاول إبقاءه مضاء، حتى لو بدا ذلك بلا جدوى وغير مفهوم للعالم، إذ إن نوره يخترق ظلام ليالي الانتظار.

 

إذن، أين يكمن الفرق بين الفتيات الحكيمات والجاهلات؟ ليس في النوم بالتأكيد، بل في تهيئة مصابيحهن بالزيت الذي حملنه، بالإضافة إلى آنية الزيت الاحتياطية.

 

قد ينطفئ المصباح أحيانا، لكن إن تدربنا على إشعاله واستخدامه في حياتنا، فسنعرف في لحظات الظلام أين نضع أيدينا.

 

معضلة الجاهلات ليست النوم، بل عدم اعتنائهن بآنيات صغيرة.

 

في الواقع، نسمع العريس موجها كلامه إليهن قائلا: «الحَقَّ أَقولُ لَكُنَّ: إِنِّي لا أَعرِفُكُنَّ!» (مت 25: 12).

 

لم يكلفن أنفسهن عناء التعرف إلى العريس طوال حياتهن، ولهذا السبب هن الآن غير مستعدات، ومن دون آنية زيت.

 

قد يدفعنا سياق العرس في نص هذا المثل إلى القول إن الفرق بين الحماقة والحكمة لا يكمن في الحسابات، بل في الحب الذي ينتظر.

 

في النهاية، يحضر كل منهما شيئا، ويبني كلاهما، لكن السمة المميزة هي أن أحدهما أحضر آنية من الزيت، بالإضافة إلى الزيت الموجود في المصباح، بينما نسي الآخر ذلك، مثل من يبني بيته على الصخر ومن يبنيه على الرمل (راجع مت 7).

 

في نهاية المطاف، يدعونا نص الإنجيل الذي يتناول هذا السؤال إلى التساؤل تحديدًا عن الفرق بين الحكمة والحماقة، وماهيته العملية في طريقة انتظارنا للقاء العريس الذي سيأتي في قلب الليل.

 

 

الخلاصة

 

في القراءة الأولى من سفر الحكمة في العهد القديم (حك 6: 12-16)، ناقشنا كيف يمكننا أن نلتقي بالحكمة. وأكد الحكيم أن الحكمة متاحة للجميع، وليست بعيدة المنال عن الإنسان الراغب فيها.

 

ونحن مدعوون إلى لقاء هذه الحكمة المتاحة والقريبة. والمفاجأة هي أن الحكمة نفسها تبحث عن الراغبين فيها.

 

وفي المرحلة الثانية، ناقشنا المثل الإنجيلي بحسب متى، على لسان يسوع، الذي تحدث عن الملكوت، مشبها إياه بالعذارى الحكيمات والجاهلات.

 

وأعلن بوضوح أهمية الحكمة التي رافقت العاقلات، إذ هيأتهن بتحضير آنيات الزيت الصغيرة الاحتياطية، تحسبا لتأخر العريس.

 

وبالفعل، حينما تأخر، وجدن في آنياتهن الزيت الذي يرمز إلى إيمانهن وانتظارهن بحب للعريس، ففتح لهن أبواب العرس، ودخلن معه ليتمتعن بهذا العرس الأبدي.

 

أختتم مقالي هذا بقول القديس أنطونيوس الكبير: «يا رب، لا تأخذني ومصباحي منطفئ. تمهل علي لأشعله بزيت التوبة والحب».

 

دمنا حاملين مصابيحنا أثناء انتظارنا لعريس نفوسنا، دون أن ننسى آنية زيت الحكمة.