موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ١٩ يوليو / تموز ٢٠٢٥

كاهن غزة الجريح

الأب جبرائيل رومانيلي يتلقى العلاج بعد إصابته

الأب جبرائيل رومانيلي يتلقى العلاج بعد إصابته

الأب رفعت بدر :

 

الأب جبرائيل رومانيلي كاهن شاب يتبع لجمعية الكلمة المتجسد التي أسّست في الأرجنتين منذ عام 1985. وكان أوّل كاهن يدخل الأردن للخدمة الرعوية والروحيّة منذ عام 1996. وقد تشرّفت أن أكون أول المستقبلين له في أثناء عملي في مادبا، جاء يتعلّم العربيّة رويدًا رويدًا إلى أن أصبح بارعًا فيها.

 

الأب جبرائيل يمثّل الكهنة الأفاضل والرعاة الأتقياء الذين عاشوا مع شعبهم. وأذكر أنّه في الثلاثين من أيلول عام 2023، كان في روما للمشاركة بتنصيب بطريرك القدس بييرباتيتسا بيتسابالا كاردينالاً في الكنيسة الكاثوليكيّة الجامعة. بعدها بأيام حصل ما حصل في 7 أكتوبر عام 2023، وبقي جبرائيل في روما لمدة أيام، إلى أن عاد إلى القدس. وكم كان حزينًا عندما كان يرى العدوان على غزة وهو في القدس، وكان يطمح يوميًّا للذهاب إلى غزة، من أجل أن يكون إلى جوار شعبه.

 

في هذه الأثناء، كان الأب يوسف أسعد، مصري الجنسيّة والتابع لذات الرهبانية، موجودًا هناك، وعاش مع شعبه في غزة. ومنذ 7 أكتوبر، كان عليه أن يقدّم كل غالٍ ورخيص، وفعلاً قد أبدع في إظهار صورة الراعي الصالح الأمين. وما كان يشجّع أبناء غزة على الصمود هو الاتصال الهاتفي شبه اليوميّ من قبل البابا الراحل فرنسيس، بدون أي انقطاع، إلا اللهمّ حين تكون الاتصالات متعثرة في غزة. لكن هذه العادة قد كانت تمّد شعب غزة بالطمأنينة والشجاعة والصبر والصمود.

 

رأينا يوم أمس الأب جبرائيل رومانيلي مصابًا يتفقّد المصابين، ويطمئن عليهم. لم تهمّه جراحاته هو، بل كان يهتمّ لجراحات أبنائه وشعبه في غزة. غزة التي تحمل بين ثناياها عددا قليلا من المسيحيين الذين تناقصوا تبعًا لمرارة الزمن وتبعًا للأحداث الداميّة التي حصلت في هذا القطاع المنكوب. كان الحضور المسيحيّ في غزة زاهيًا ورائدًا ورائعًا، لكنه تقلّص الى بضع مئات من الأشخاص الذين آووا إلى جانب كنيسة العائلة المقدّسة إلى كنيسة القديس بيرفيريوس.

 

فحيث وجد الألم، ووجد الجرح، ووجد الموت، تتناقص الروح الطائفيّة والتنافسيّة، وتبقى الإنسانيّة بأبهى تجلياتها. وكم كنّا نسرّ في الأعياد حين كنا نرى الكهنة، بالرغم من قساوة الأيام، يرافقون شعبهم، ويذهبون من هذه الكنيسة إلى تلك، يقدّمون التهاني لراعي الكنيسة ولشعبه المبارك.

 

إنّ الآلام والدماء التي تعرّض لها المسيحيون في غزة ليست إلا جزءًا من المعاناة التي يعيشها كلّ الشعب الفلسطيني بأطيافه كافة، ويعيشها يوميًّا في هذا الصراع الدامي الذي عمره أكثر وأبعد من 7 أكتوبر، بل عمره 76 عامًا من المعاناة اليوميّة ومن التوق والعطش اليوميّ إلى الحريّة والسلام والعدالة والاستقلال.

 

نُحيي الشعب الفلسطيني على صموده الأسطوري الذي سيذكره التاريخ يومًا بأنّه واحد من أعظم قصص الصمود والبطولات التي يعيشها الشعب يوميًّا. هنيئًا للشعب الفلسطيني لحمته الوطنيّة، وتماسكه، المسيحي والمسلم، فهذا أكبر عنوان للتصدي لقوة الاحتلال التي أردات أحيانًا أن تفصل بين أطياف الشعب الدينيّة لكي تقول بأنّ المسيحيين هم حياديون.

 

المسيحي في غزة هو جزء لا يتجزأ من تركيبة الشعب الفلسطيني، لذلك فإنّ استشهاد ثلاثة أشخاص في الكنيسة يوم أمس هو عنوان الوحدة الوطنيّة الفلسطينية التي ستنال يومًا استقلالها على ترابها الوطنيّ.