موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أعادت العملية الجراحية التي خضع لها البابا لاون الرابع عشر، الثلاثاء 13 تشرين الأول، لاستئصال ورم سرطاني من رئته، الأنظار إلى زيارته الرسولية الأخيرة إلى مزار سيدة لورد في فرنسا، حيث التقى المرضى والحجاج، وصلّى أمام مغارة الظهورات، وشارك في تطواف الشموع. وهي مشاهد تكتسب اليوم بُعدًا إنسانيًا وروحيًا خاصًا، بعدما أصبح الحبر الأعظم نفسه يمرّ بتجربة المرض التي كانت محورًا أساسيًا في كلماته ولقاءاته خلال تلك الزيارة.
ففي لورد، أحد أبرز المزارات المريمية في العالم، لم تكن كلمات البابا عن الألم والرجاء مجرد تأملات روحية، بل رسالة وجّهها مباشرة إلى المرضى والمتألمين، مؤكدًا كرامتهم ومكانتهم في قلب الكنيسة. واليوم، وبعد أقل من ثلاثة أسابيع على تلك اللقاءات، تعود كلماته إلى الواجهة، فيما تتجه صلوات المؤمنين من مختلف أنحاء العالم نحو الحبر الأعظم، راجين له الشفاء والتعافي.
في 27 أيلول الماضي، التقى البابا المرضى والعاملين في مركز "استقبال سيدتنا مريم العذراء" في مزار لورد، حيث شدّد على أن المرض والضعف لا ينتقصان من كرامة الإنسان، وأن الأشخاص المتألمين ليسوا على هامش حياة الكنيسة، بل في صميم رسالتها.
وقال مخاطبًا المرضى: "أنتم لستم عبئًا، بل أنتم قلب إنسانيّتنا النّابض، وكنز ثمين للكنيسة". وأضاف: "أرافق بالصلاة المحن التي تجتازونها"، مستذكرًا أيضًا الذين لم يتمكنوا من الوصول إلى المزار، لكنهم يتحدون مع الحجاج في الصلاة من منازلهم أو غرف المستشفيات.
وتحمل هذه الكلمات اليوم وقعًا خاصًا، إذ يجد الأب الأقدس نفسه في إحدى غرف مستشفى أغوستينو جيميلي بروما، يتلقى الرعاية الطبية بعد الجراحة، فيما يبادله المؤمنون الصلاة التي دعاهم إليها، ويعبّرون عن قربهم منه في محنته الصحية.
وكان البابا قد وصل إلى لورد مساء 26 أيلول، وتوجّه إلى مغارة ماسابييل حاجًا بين الحجاج، حيث صلّى أمام صورة العذراء مريم، وشرب من مياه النبع، وأشعل شمعة، ولمس صخرة المغارة، وفق التقليد الذي يتبعه زوار هذا المزار.
وفي اليوم التالي، ترأس قداسًا حاشدًا بمشاركة نحو 150 ألف مؤمن، بينهم أعداد كبيرة من المرضى والأشخاص ذوي الإعاقة. وفي عظته، قدّم لورد بوصفها مكانًا يلتقي فيه الألم بالرجاء، حيث لا يُترك الإنسان وحيدًا في ضعفه، بل يجد في الصلاة والتضامن والمرافقة مصدرًا للعزاء والقوة.
وقال الحبر الأعظم: "هنا، لا يُرفض أيّ ضعف"، في عبارة تلخّص الرسالة التي أراد إيصالها إلى الحجاج، ولا سيما الذين يحملون آلامًا جسدية أو نفسية أو روحية. وأضاف مخاطبًا المرضى: "أنتم حقًّا في قلب الكنيسة، ودوركم لا غِنَى عنه".
ولم يقتصر حديث البابا على احتمال الألم، بل دعا المؤمنين إلى أن يحملوا الرجاء إلى الآخرين، قائلًا: "لن تعودوا من لورد كما أتيتم إليها. بل ستعودون رسلًا للرجاء".
وهكذا، فإن الكلمات التي وجّهها آنذاك إلى المرضى تبدو اليوم أكثر قربًا من تجربته الشخصية؛ فالحبر الأعظم الذي دعا إلى مرافقة المتألمين وعدم تركهم وحدهم، تحيط به الآن صلوات الكنيسة ومشاعر التضامن من مختلف أنحاء العالم.
ومن أبرز مشاهد الزيارة مشاركة البابا، مساء 27 أيلول، في تطواف الشموع، حيث سار وسط الحجاج والمرضى حاملًا شعلة مضاءة، في أجواء من الصلاة والترانيم المريمية. وكان المشهد تعبيرًا عن الرسالة التي حملتها الزيارة: أن الرجاء لا يلغي الألم، لكنه يمنح الإنسان القوة لمواجهته.
وخلال عودته من فرنسا، تحدّث الحبر الأعظم إلى الصحفيين عن تأثره بلقاءاته مع المرضى والمتألمين في لورد، مشيرًا إلى ما لمسه من حضور الله في حياة أشخاص يواجهون ظروفًا صحية وإنسانية صعبة، وإلى قدرة الإيمان على منح حياتهم معنى ورجاء.
وبعد أيام قليلة، انتقل البابا من مرافقة المرضى في لورد إلى تلقي الرعاية الطبية في مستشفى جيميلي، في تحول إنساني يمنح تلك اللقاءات وكلماته خلالها دلالة جديدة، من دون أن يغيّر مضمون الرسالة التي أراد إيصالها.
فالبابا الذي وقف بين المرضى، وأصغى إلى آلامهم، ودعاهم إلى التمسك بالرجاء، يعيش اليوم تجربة المرض بنفسه، فيما يحيط به المؤمنون بالصلاة والمحبة. وبين مشاهد الشموع المضاءة في لورد والصلوات المرفوعة اليوم من أجل شفائه، تبقى كلماته في المزار المريمي خير تعبير عن هذه المرحلة: "هذه هي معجزة هذا المكان: أن يُوقظ فرح الرجاء في قلب المحنة والألم بالتحديد".