موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
بدأ هذا الأسبوع، مع أربعاء الرماد، الزمن الأربعيني المخصّص للتوبة، ويتهيّأ الكهنة لاستقبال المؤمنين أمام غرف الاعتراف بروح الفرح والخدمة. ففي الولايات المتحدة، يتجدد اهتمام المؤمنين بسرّ المصالحة، الذي لم يعد مجرّد تلاوة محرجة للذنوب، بل أصبح رحلة روحية نحو تنقية القلب ونيل نعمة الله.
يقول الأب باتريك جيلجر، الكاهن اليسوعي في شيكاغو: «يأتي المؤمنون إلى الاعتراف وهم يشعرون بثقل خطاياهم، لكن حضورهم نفسه يعكس رغبتهم في السعي إلى الصلاح. إن مجرد المجيء إلى الاعتراف يُعدّ فعلًا حيًا يظهر فيه المؤمن رغبته في النمو الروحي والقداسة».
تحتفظ معظم التقاليد الدينية بطقوس للتوبة والكفّارة، غالبًا خلال فترات محددة سنويًا قبل الأعياد. وفي الكنيسة الكاثوليكية، يُفترض أن يكون سرّ التوبة والمصالحة ممارسة منتظمة، سواء أسبوعية أو شهرية. إذ يبوح المؤمن للكاهن بخطاياه، ويعِد بعدم العودة إليها، ويحصل على المغفرة، ثم يقوم بتعويض مُحّدد يُعيده إلى المناولة، إذ لا يجوز للمعترف أن يتناول القربان قبل التوبة من الخطايا الجسيمة.
ويشير جيمس أوتول، أستاذ فخري في كلية بوسطن ومؤلف دراسة حديثة عن تاريخ الاعتراف، إلى أن هذا السرّ يشكّل علامة مميزة للكاثوليك: «إنها ممارسة روحية يلتزم بها المؤمنون، بينما جيرانهم البروتستانت وغيرهم من غير الكاثوليك لا يمارسونها».
حتى العقود الأخيرة من القرن العشرين، كان الكاثوليك يعرفون الطريقة الدقيقة لممارسة سرّ التوبة والاعتراف. كانت الأبرشيات والمدارس تحتفظ بقوائم للذنوب حسب جسامتها - من الخطايا المميتة المخالفة للوصايا، مثل الزنا، إلى الخطايا العَرَضية كالحديث أثناء القداس.
غالبًا ما كان الاعتراف سريعًا: تلاوة للذنوب وعدد مرات ارتكابها، متبوعة بفعل توبة، ثم فعل تعويض مثل تلاوة 10 من صلاة ’السلام عليك يا مريم‘. لكن، كما يوضح جيمس أوتول، شهدت هذه الممارسة انخفاضًا حادًا لاحقًا، نتيجة عوامل عدة: انتشار علوم النفس واكتشافها لتعقيدات السلوك البشري، والتغيرات الثقافية الكبرى في المواضيع الأخلاقية والجنسية، وكذلك فضائح الاعتداءات في صفوف رجال الدين.
ولا تجمع الكنيسة الكاثوليكية بيانات دقيقة حول الاعتراف، لذا من الصعب قياس الاتجاهات الحالية، حسب قول الأب توماس غونت، مدير مركز الدراسات التطبيقية للرعاية الرسولية في جامعة جورجتاون. مع ذلك، لاحظت أبرشيات الولايات المتحدة تزايدًا في عدد المعترفين، ويشير الكهنة إلى أنّ الاعتراف اليوم يركز أكثر على رحمة الله ومحبته، إلى جانب الاعتراف بالذنوب ونيل الغفران.
يقول الأب مايك نيغنت، الكاهن المرتسم عام 2023 ويخدم مساعدًا في كنيسة القديس أمبروزيوس في فيرجينيا: «هناك عدد محدود من الطرق التي يمكن أن يخطئ فيها الإنسان، لكن هناك عدد لا نهائي من الطرق لأن نعيش في الحق ونكون حاملي حياة الله فينا».
هذا لا يعني أن الكهنة اليوم يمنحون الغفران بسهولة، أو ما يُشبه "بطاقة الخلاص المجانية"، فالكاهن لا يستطيع منح المغفرة الإلهية إذا لم يُظهر المعترف رغبة حقيقية في التغيير. لكنهم يسعون لتجسيد رحمة يسوع التي تظهر في الأناجيل، وهي تفيض لكل الخطاة.
يضيف الأب جيلغر، أستاذ في جامعة لويولا: «الخطيئة، بحسب الفهم اللاهوتي للكاثوليكية، هي الابتعاد الإرادي عن الله. والغرض من الاعتراف بالذنوب ليس اللجوء إلى العقاب، بل السماح لله، الذي يريد أن يكون معنا، بأن يعود ويملأ الفراغ الذي أحدثته تلك الذنوب».
ولهذا، يتحدث العديد من الكهنة عن الاعتراف باعتباره "علاجًا"، لكل من المعترف والكاهن، خصوصًا في مجتمع يميل إلى إصدار الأحكام أكثر من إظهار الغفران. يقول الأب بريندان هيرلي، المسؤول عن برنامج التوبة في الكلية الحبرية لأمريكا الشمالية قرب الفاتيكان: «يستطيع الفرد مواجهة نفسه، والاعتراف بما ارتكبه، وفي الوقت ذاته أن يختبر، من الله ومن خلال شخص آخر، الرحمة والغفران والرجاء».
إن "سرية الاعتراف" مطلقة لدرجة أن الفاتيكان تصدّى مرارًا لمحاولات تشريعية لإجبار الكهنة على الكشف عن ما يعترف به المؤمنون.
لكن، حين يركعون أمام حاجر في غرفة الاعتراف الخشبية، أو يجلسون وجهًا لوجه مع الكاهن، يرغب معظم الناس في التخلص من عبء ثقيل والاستماع إلى كلمة تشجيع ملموسة، كما يؤكد الكهنة. يقول الأب جون كارتجي، مدير معهد منديلين في إلينوي وكاهن منذ نحو ربع قرن: «الأمر يتعلق بالشفاء الروحي. تحتاج إلى الثقة، والانفتاح، والتواضع، والصدق».
ولهذا السبب، يصف الأب مايك نيغنت الاعتراف بأنه يحظى بـ«تقييم عالٍ من رضا المؤمنين»، مع ابتسامة على وجهه. ويشير إلى أن رعيته، وكل رعايا أبرشية أرلينغتون، ستبدأ بتنظيم جلسات الاعتراف مساء كل أربعاء بداية من نهاية الشهر. ويضيف: «معرفة أنني محبوب رغم ضعفي، رغم خطيئتي، رغم الأمور الصعبة والمحرجة في حياتي، وأنني ما زلت محبوبًا تمامًا - يا لها من بشرى رائعة».
يمكن للكهنة أن يقدّموا الراحة في حالات الاعتراف العاجلة، مثل من تبقى لهم ساعات قليلة على الحياة، أو من يبوحون لكاهن الاعتراف بخطأ كبير لم يسبق لهم البوح به، كالغش أو السرقة. وفي أحيان أخرى، يحتاج الكاهن إلى توجيه المعترف الذي يكتفي بالتمتمة، مثل قول «لم أكن صادقًا مع نفسي»، أو الذي يجد صعوبة في قبول أن الكنيسة تعتبر بعض الأمور خطيئة رغم تقبلها اجتماعيًا، مثل وسائل منع الحمل.
ويؤكد الكهنة أنهم لا يسخرون أو يستخفون بما يُعترف به، ولا يعتمدون أسلوب التهديد أو الوعظ القاسي. بل يركزون على تذكير المؤمنين بأن محبة الله قريبة دائمًا. ويقول الأب جيلغر: «حينها يدرك الناس ما هو الفعل الذي يبعدهم عن الله».
يُشير جيمس أوتول إلى أنّه تاريخيًا، يدرس الطلاب الإكليريكيون اللاهوت الأخلاقي وكتبًا تمثّل «مرجعيات واضحة للقواعد»، والتي تنعكس بشكل واسع على ما يتعلمه الناس من خلال التعليم المسيحي. ورغم استمرار بعض الدروس حول التوبة في نهاية دراسة طلاب اللاهوت، إلا أنّ التركيز اليوم ينصب على «خلق مساحة يشعر فيها التائب بالراحة»، كما يوضح الأب بريندان هيرلي.
ولهذا، يتم تدريب الطلبة الإكليريكيين مع أساتذتهم وزملائهم، كما يذهبون إلى الاعتراف بانتظام، وهو ما يفعله جميع الكهنة، بما في ذلك البابا.
وفي النهاية، يُعد الذهاب إلى الاعتراف عمل إيمان.
يقول الأب جون كارتجي: «أعتقد أن أصعب ما يواجه الكهنة عند تخرجهم من المعهد الإكليريكي هو… ألا يقعوا في فخ التفكير بأن كل شيء يقع على عاتقهم، لأن ذلك أحيانًا يؤدي إلى تشدّد مفرط. أنا أستمع إلى اعترافك وأقول حلّة الغفران، لكن الشافي الحقيقي الوحيد هو الروح القدس».
إنّ شعور الكهنة بأنهم قناة لنِعم الله لشخص يعاني من الألم والصعوبات هو ما يجعل الكثير منهم يحبّون قضاء ساعات طيولة في الاستماع إلى سلسلة من الأخطاء والسلوكيات السيئة. يضيف الأب نيغنت: «أنت لست حاضرًا فقط لما يفعله يسوع في شفاء هذا الشخص، بل لديك أيضًا دور مميز في التواجد أمام شخص يظهر فضائل رائعة. عندما يأتي أحدهم ويقول: ’يا أب، هذه هي الأمور التي ارتكبتها‘، هناك صدق كبير، وتواضع عميق، وسخاء روحي، وإيمان عظيم بالله الذي سيغفر له».
نعم، الجلوس على الجانب الآخر من غرفة الاعتراف قد يكون مرهقًا، لكنه في الوقت ذاته مُجزٍ روحيًا، كما يضيف الأب جيلغر: «أتذكر بعض الاعترافات، وما قاله الناس من أمور صعبة، لكن… أغلب ما أتذكره هو روعة الناس، وهذا يمنح تعزية عميقة جدًا».