موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٢٧ فبراير / شباط ٢٠٢٦
"معًا نسير" عندما تتحول الخبرات لشهادة حياة

حاورها رافي سايغ :

 

في زمنٍ تبحث فيه الكنيسة أكثر من أي وقتٍ مضى عن الإصغاء والشركة والسير معًا، يطلّ هذا اللقاء مع الأستاذة ريتا كورومليان بوصفه شهادةَ مسيرةٍ قبل أن يكون مجرّد حوارٍ صحفي، مسيرةٍ تتشابك فيها الخبرة الشخصية مع الخدمة الكنسية، والعمل المهني مع الالتزام الإنساني، والصوت الفردي مع نبض الكنيسة الجامعة.

 

فالكاتبة التي جمعت بين تكوينٍ أكاديمي في الإدارة والمعلوماتية وخبرةٍ عملية في إدارة المشاريع، اختارت في موازاة ذلك طريق الالتزام الكنسي والاجتماعي، ناشطةً في مجالات الخدمة الرعوية والعمل الإنساني والمشاركة الكنسية، وصولًا إلى حضورها في المسار السينودسي حيث صار الإصغاء والخبرة المشتركة لغةً حيّة تُعاش لا شعارًا يُرفع.

 

وفي كتابها الصادر عن دار نعمان للثقافة، لا تقدّم كورومليان سردًا ذاتيًا تقليديًا، بل تفتح صفحاتٍ من رحلةٍ روحية بدأت منذ لحظة معموديتها التي ارتبطت فيها بعلاقة أبوةٍ روحيةٍ رافقتها عبر السنين مع صاحب الغبطة البطريرك ميناسيان، وتواصلت في مسيرتها الكنسية وخدمتها ورسالتها، حتى لقاءات السينودسية التي جمعت الخبرة الشخصية بنداء الكنيسة إلى التجدد والشهادة المشتركة.

 

من هنا، يأتي هذا الحوار محاولةً لقراءة تلك المسيرة من الداخل، والإصغاء إلى خبرةٍ تُضيء أسئلة الحاضر: كيف تُعاش الرسالة اليوم؟ كيف يتحوّل الإيمان إلى فعل خدمة؟ وكيف يصبح الإنسان شريكًا حيًا في مسيرة الكنيسة لا مجرد متلقٍ لها؟

 

إنه حوارٌ مع تجربةٍ حيّة… ومع صوتٍ اختار أن يخدم بصمتٍ حينًا، وبشهادةٍ حينًا، وبكلمةٍ مسؤولةٍ دائمًا:

 

ما الفكرة التي شعرتِ بها وتقرري بأن تجربة المشاركة في أعمال السينودس يجب أن تتحول إلى كتاب، وما الرسالة الأولى التي أردتِ إيصالها من خلاله؟

 

أحيانًا، لا تأتي فكرة الكتاب لأننا نريد أن نكتب، بل لأن تجربة ما تصبح أثقل من أن تبقى في داخلنا.

 

تجربة المشاركة في السينودس هي السير في الطريق مع الآخرين: آراء مختلفة، قصص إيمان، آلام متنوعة، وأسئلة كثيرة عن مستقبل الكنيسة. وفي لحظات ما نشعر فيها أنّ ما حدث ليس مجرد اجتماعات أو نقاشات حول مواضيع، بل خبرة روحية حيّة يجب أن تُحفظ وتُشارك.

 

أن الروح كان يعمل بين الجماعة، وأن ما قيل وما سُمِع لا يجب أن يضيع بعد انتهاء اللقاءات. لذلك هذا الكتاب هو نوعًا من الشهادة، أو ذاكرة جماعية لمسيرة حياة مع هذه الجماعة والكنيسة.

 

أما الرسالة الأولى التي يمكن أن يحملها هذا الكتاب، فهي بسيطة لكنها عميقة: أولًا، أهمية المعمودية، أولى الأسرار المقدسة، وأهمية الأسرار المقدسة بذاتها. ثانيًا، أهمية المرافقة الروحية، وأهمية الكنيسة وأهمية الأبوة الروحية في زمن ينقاض إلى المجد الباطل كما سماه قداسة البابا فرنسيس.

 

 

كيف غيّرت فيكِ شخصيًا خبرة السينودسية التي عشتِها خلال الجمعية العامة لسينودس الأساقفة في عهد قداسة البابا فرنسيس؟ وهل خرجتِ منها بقناعة جديدة حول دور العلمانيين في الكنيسة؟

 

هذه الخبرة لم تكن عادية، حولتني من تلميذة إلى رسوله لأشهد للمسيح كما شهدت له الجماعة الأولى.

 

خلال المسيرة السينودسية في الجمعية العامة لسينودس الأساقفة في حضرة قداسة البابا فرنسيس شعرت أننا لا نعيش حدثًا كنسيًا تاريخيًا فحسب، بل وكأننا في العلية حيث تجلت صورة المسيح في قداسة البابا وصورة التلاميذ في أعضاء الجمعية.

 

وما لمسني بعمق هو اختبار السير معًا: كرادلة، بطاركة، أساقفة، مكرسون ومكرسات، وعلمانيون، نساء ورجال من ثقافات مختلفة، وكل واحد يحمل جزءًا من واقعه وخبرته. عندها فهمت أن الكنيسة ليست هرمًا إداريًا، بل جسدًا حيًا يتنفس عندما يصغي أعضاؤه لبعضهم البعض.

 

أما على المستوى الشخصي، فقد خرجت بقناعة أعمق حول دور العلمانيين، الذي بت أراه دعوة حقيقية للمشاركة في التمييز والمسؤولية. العلمانيون المؤمنون لا يكمّلون الكنيسة من الخارج، بل يعبّرون عن جزء أساسي من قلبها وحياتها اليومية في العالم، من خلال الشركة والمشاركة والرسالة، ولكن الأهم بوعي وبمسؤولية وبتواضع وباحترام متبادل للإكليروس ورجال الدين.

 

هذه الخبرة جعلتني أؤمن أكثر بأن السينودسية هي أسلوب حياة للكنيسة: أن نسير معًا، نصغي معًا، ونبحث معًا عمّا يريده الله من شعبه ولشعبه.

يتضمّن الكتاب محطات مع غبطة البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان خلال الجلسات السينودسية وبعدها في بيروت. ما أكثر موقف إنساني أو كلمة منه بقيت محفورة في قلبك ودفعتك لتوثيقها؟

 

الكلمات التي قالها لي غبطة أبينا البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان كثيرة وقيّمة، ولكن التي بقيت في قلبي ولن أنساها: «نسير معًا لمجد الرب». ومن هنا جاء اسم الكتاب «معًا نسير»، أي معًا نسير كنيسة وآباء روحيون وعلمانيون لمجد الرب.

 

وهذه الكلمة تحديدًا دفعتني إلى الكتابة نوعًا ما، لأنني شعرت أنها تختصر روح الخبرة كلها: أن نسير معًا كعائلة واحدة في الروح، في الإيمان، في الصلاة، في المحبة، حيث الكلمة الصادقة والشهادة الحقيقية تستطيعان أن تتركا أثرًا كبيرًا في حياتنا أبقى من أي وثيقة.

 

 

إذا قرأ شاب أو شابة هذا الكتاب اليوم، ما الفكرة أو الشعور الذي تتمنين أن يرافقه بعد الصفحة الأخيرة، وكيف يمكن لروح السينودسية أن تُعاش فعليًا في حياتنا اليومية داخل الكنيسة والمجتمع؟

 

أتمنى عندما يصل شاب أو شابة إلى الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب لا يشعر أنه أنهى كتابًا، بل أنه بدأ طريقًا جديدة مع المسيح. وأن يبقى في داخله يقينًا جميلًا: أولًا ثم أولًا أن الله حاضر دائمًا في قلبه، وأن له مكانًا وصوتًا ودورًا في الكنيسة، وأن السير معًا لا تقتصر فئة معينة بل هو دعوة للجميع.

 

لكنني أتمنى أيضًا أن يخرجوا بقناعة داخلية، وهي أهمية احترام السلطة الكنسية وتقدير الكهنة والآباء الروحيين الذين كرّسوا حياتهم بالكامل لخدمة الله ولشعبه. فكثيرون منهم تركوا عائلاتهم وراحتهم وحياتهم الخاصة ومجدهم الذاتي ليكونوا شهودًا للرب وخدّامًا للمسيح، ولذلك خصصت الجزء الأخير من كلمات غبطة أبينا البطريرك لتظل حافزًا لكل من يقرأها للمضي قدمًا.

 

وتقديرًا لتكريس ذاتهم للرب ولهذه العطية التي من خلالهم ننالها، يجب أن يكون لدينا الوعي الكامل والروحي بأن لكل دعوة مكانها في جسد الكنيسة وعلينا احترامها. فالروح السينودسية لا تُلغي هذا الاحترام، بل تجعله أكثر نضجًا وجمالًا، وتدعونا أن نسير معًا: رعاةً ومؤمنين، نحترم بعضنا بعضًا ونصغي لبعضنا البعض بمحبة وثقة. وعندما يجتمع التواضع مع المسؤولية، والسلطة مع الخدمة، يصبح وجه الكنيسة أكثر إشراقًا. وعندها يفهم الشاب أو الشابة أن الكنيسة ليست صراع أدوار، بل عائلة كبيرة تتجلى فيها الدعوة التي تُكمّل الأخرى في طريق البحث عن الله لنسير معه ونتقدس به.

في زمن يكثر فيه الحديث عن الأزمات داخل الكنيسة والعالم، ما الكلمة التي يختصر بها كتابك «معًا نسير» الطريق نحو الرجاء، وما الذي تقولينه لكل من يشعر أن صوته غير مسموع في مسيرة الكنيسة اليوم كما دعا إليها قداسة البابا فرنسيس؟

 

إذا أردت أن أختصر هذا الكتاب بكلمة واحدة، فستكون: الرجاء. فالرجاء يولد عندما نكتشف أننا لسنا وحدنا في هذا الطريق، بل إن الله يعمل في قلب كنيسته وفي قلب كل واحد منا حتى وسط الخيبة والضلال والأسئلة على مثال تلميذي عماوس. ولكن الأهم هو أن نفتح قلوبنا له وللمشيئة السماوية كما فعلت مريم، وأن نقبل أن نسير معه ومع الكنيسة ومع آبائنا الروحيين.

 

وفي زمن تكثر فيه الأزمات والتحديات والضجيج، أود أن أقول لكل من يشعر أن صوته غير مسموع: لا تظن أن حضورك غير مرغوب به أو ليس لك مكان في الكنيسة. فالله كثيرًا ما يبدأ من الصوت الهادئ. ما تعيشه وما تقوله بصدق وجرأة له مكانته في قلب الكنيسة، كنيستك، رعيتك، بيتك الصغير، وربما من خلاله يبدأ الله شيئًا جديدًا لا نتوقعه.

 

ففي الإنجيل نرى مثالًا واضحًا في مريم العذراء، التي لم تكن صاحبة سلطة أو صوت عالٍ، بل قالت كلمة هادئة وبسيطة: ليكن لي بحسب قولك. تلك الكلمة في الخفاء أصبحت نورًا للعالم وغيّرت تاريخ الخلاص كله. فالله اختار صوتها المتواضع ليبدأ منه عملًا عظيمًا. وهذا ما حاول أن يذكّرنا به قداسة البابا فرنسيس عندما دعا الكنيسة إلى السير معًا. السينودسية ليست أن يتكلم الجميع في الوقت نفسه، بل هي طريق الذين يسيرون معًا ويصغون لبعضهم البعض. ففي قلب الكنيسة مكان لكل صوت صادق ومؤمن، لأن الروح القدس يتكلم حتى من خلال الكلمة الصغيرة التي تُقال بمحبة وإيمان.

 

لذلك رسالتي المتواضعة هي: معًا نسير لمجد الرب وبناء ملكوت الله، الذي دُعينا إليه كأبناءٍ لله بالمعمودية. لكن يبقى السؤال الأعمق أمام كل واحد منا: هل نقبل هذه النعمة حقًا؟ وهل نمتلك الشجاعة ونختار أن نسير معًا لملكوت الله؟

في ختام هذا اللقاء، يبقى الحوار مع الأستاذة ريتا شهادةً حيّة على أن الكلمة حين تولد من الإيمان تتحول إلى رسالة، وأن الفكر حين يتجذّر في الصلاة يصبح طريقًا لخدمة الكنيسة والإنسان. إن مسيرتها الثقافية والروحية تؤكد أن السير معًا ليس شعارًا يُقال، بل دعوة تُعاش ومسؤولية تُحمل بمحبةٍ وتواضع وثبات.

 

وإذ نطوي صفحات هذا الحوار، يبقى الرجاء أن تستمر هذه الشهادة الفكرية والروحية في إلهام الكثيرين، وأن تبقى الكلمة الصادقة جسرًا يجمع القلوب ويقود الخطى نحو كنيسةٍ أكثر شركةً وخدمةً ونورًا في عالمٍ يحتاج دومًا إلى شهود الرجاء.