موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
ثقافة
نشر الأربعاء، ١٥ يوليو / تموز ٢٠٢٦
كيف عرّف كاهن ماروني من لبنان أوروبا بالقهوة

أبونا :

 

عندما يحتسي ملايين الأشخاص حول العالم فنجانًا من القهوة كل صباح، قلّما يخطر ببالهم أن أول كتاب غربي خُصِّص بالكامل لهذا المشروب ألّفه كاهن ماروني لبناني رأى في القهوة أكثر من مجرد شراب، بل عطية تساعد الإنسان في حياته اليومية والروحية.

 

ففي عام 1671، نشر الأب أنطونيو فاوستو نيروني، الكاهن الماروني وأستاذ اللغة السريانية في جامعة «سابيينزا» في روما، كتابًا بعنوان «في الشراب النافع المسمى القهوة»، وهو أول مؤلَّف يُطبع في الغرب ويُخصَّص بالكامل لهذا المشروب، في وقت كانت القهوة لا تزال حديثة العهد في أوروبا، ويحيط بها كثير من الريبة وسوء الفهم.

 

 

أسطورة الراعي والماعز

 

استهل الأب نيروني كتابه بالقصة التي أصبحت لاحقًا أشهر أسطورة مرتبطة بالقهوة. ويروي أن راهبًا في جنوب الجزيرة العربية لاحظ أن قطيعًا من الماعز بقي يقظًا طوال الليل بعد تناوله ثمار شجيرة معينة، فقام بغلي تلك الثمار، ليكتشف أن الشراب الناتج يساعد على السهر.

 

ويضيف أن الرهبان استخدموا هذا الشراب خلال صلواتهم الليلية، حتى يبقوا أكثر يقظة أثناء السهرات الليتورجية، وانتشرت هذه الرواية لاحقًا بصيغ متعددة، قبل أن يُضاف إليها اسم الراعي «كالدي» في مصادر متأخرة.

 

 

جسر بين الشرق والغرب

 

لكن أهمية الأب نيروني لا تكمن في رواية هذه القصة فحسب، بل أيضًا في دوره بوصفه جسرًا ثقافيًا بين الشرق والغرب، في مرحلة كانت أوروبا لا تزال تتعرف إلى القهوة. فقد قدّم لقرائه شرحًا عن أسماء البن العربية، وطرق تحضيره، وعادات شربه في الشرق، مقدمًا هذا المشروب بوصفه جزءًا من تراث حضاري عريق، لا مجرد عادة وافدة من العالم الإسلامي.

 

ولم يتناول القهوة باعتبارها مسألة غذائية أو طبية فحسب، بل رأى فيها ثمرة من ثمار العناية الإلهية، مؤكدًا أن الله يكشف للإنسان أسرار الخليقة بطرق متعددة، وأن الطبيعة نفسها قد تكون وسيلة لاكتشاف الخير الذي أودعه الخالق فيها.

 

كما أبرز الأب نيروني في كتابه البعد الروحي للقهوة، رابطًا اكتشافها بحياة الصلاة والسهر، موضحًا أن الرهبان وجدوا فيها وسيلة تساعدهم على البقاء يقظين خلال الصلوات الليلية. وبهذه الرؤية، أسهم الكاهن الماروني في تقديم القهوة إلى أوروبا المسيحية بصورة إيجابية، في وقت كان بعض الأوروبيين ينظرون إليها بعين الشك، ويطلقون عليها «شراب الأتراك».

 

 

إرث بقي حتى اليوم

 

ساعد كتاب الأب نيروني على تعريف القارئ الأوروبي بالقهوة بوصفها مشروبًا قادمًا من الشرق، حتى أصبحت، خلال عقود قليلة، جزءًا من الحياة الاجتماعية والثقافية في مدن مثل البندقية وروما، قبل أن تنتشر في مختلف أنحاء أوروبا.

 

وبقي اسم الأب أنطونيو فاوستو نيروني شاهدًا على الدور الحضاري الذي أدّاه المسيحيون المشرقيون في نقل المعرفة بين الشرق والغرب، وعلى مساهمة كاهن ماروني لبناني في كتابة أحد الفصول المبكرة من تاريخ القهوة في الغرب.