موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٤ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦
كاهن الرعية الكاثوليكية الوحيدة في غرينلاند: وطننا ليس للبيع

أبونا :

 

«نريد أن نختار مستقبل غرينلاند بأنفسنا»

 

يسود تصميمٌ هادئ شوارع نوك الجليدية، المدينة الرئيسية لغرينلاند، التي يقطنها نحو 20 ألف نسمة.

 

بهذه الكلمات يصف الأب توماش مايسن، الراهب الفرنسيسكاني السلوفيني، الأجواء السائدة في الجزيرة القطبية، في حديثه إلى فاتيكان نيوز. فمنذ نحو عامين ونصف، يتولى خدمته ككاهن لرعية كنيسة المسيح الملك في نوك، وهي الرعية الكاثوليكية اللاتينية الوحيدة في كامل غرينلاند، الممتدة على أكثر من مليوني كيلومتر مربع من الأرض والجليد.

 

 

شعبٌ ذو تاريخ وثقافة

 

أصبحت هذه الجزيرة، التي لا يتجاوز عدد سكانها 56 ألف نسمة، في قلب تنافسٍ جيوسياسي عالمي متزايد، بسبب ما تختزنه من معادن نادرة وموارد طاقة. ويقول الأب مايسن: «الأجواء في نوك تبدو هادئة على السطح، لكن في الداخل هناك توتر حقيقي».

 

منذ قبوله طلب أسقف كوبنهاغن في صيف عام 2023 لتولي العناية الراعوية للجماعة الكاثوليكية في الجزيرة القطبية، تعرّف الكاهن السلوفيني عن قرب إلى شعب غرينلاند. ويضيف: «الناس هنا ليسوا صاخبين. يراقبون ويستمعون ويفكرون قبل أن يتكلموا. وفي الآونة الأخيرة، بات الحديث عن السياسة يتكرر أكثر في المتاجر وعلى طاولات القهوة».

 

ويشرح أن كثيرين يشعرون بـ«الألم» أكثر من الغضب عندما يسمعون سياسيين أجانب يتحدثون عن غرينلاند «كقوة أو كملكية». ويتابع الكاهن: «هذا يمسّ كرامتهم. إنهم يريدون أن يُنظر إليهم كشعب له قصته الخاصة، ولغته، وثقافته، وإيمانه. لا يوجد خوف، لكن الناس يدركون أن أصواتًا قوية من بعيد تتحدث عن غرينلاند دون أن تفهمها حقًا».

 

ويرى الأب مايسن أن هذا الواقع يولّد إحساسًا بـ«الضعف» و«الوحدة» في آنٍ واحد.

 

 

جماعة كاثوليكية صغيرة لكن نابضة بالحياة

 

هذا الشعور بالتضامن يجد جذوره ودعمه داخل المجتمعات الدينية. فحوالي 90% من سكان غرينلاند ينتمون إلى الكنيسة الإنجيلية اللوثرية، المتجذرة بعمق في تاريخ الشعب وهويته. أما الكاثوليك، فهم أقلية صغيرة جدًا، كما يقول الكاهن، «إذ يبلغ عددهم في نوك نحو 500 شخص، وفي كامل غرينلاند حوالي 800، ينتمون إلى جنسيات ولغات وخلفيات متنوعة». ويأتي العديد منهم من الفلبين ومن بلدان أوروبية.

 

ويضيف: «رعيتنا صغيرة، لكنها حية وفاعلة». ورغم ضآلة عددها، تلعب الكنيسة في غرينلاند دورًا مهمًا، بحسب راعي رعية نوك، في التذكير بأن «الأرض ليست مجرد أرض؛ بل هي دائمًا مرتبطة بالناس، والذكريات، والأسلاف، والأجيال القادمة».

 

وفي كل يوم أحد، تُرفع الصلوات في الكنائس اللوثرية من أجل مملكة الدنمارك، ومن أجل حكومة غرينلاند الذاتية. ويجري هذا التقليد، الذي تنظمه بانيراك سيغستاد مونك، أسقف غرينلاند للكنيسة الإنجيلية اللوثرية، في سياق جيوسياسي غير مسبوق.

 

ويؤكد الأب مايسن: «تقدّم الكنائس شيئًا هادئًا لكنه قوي: الصلاة، والحضور، والإصغاء، والأسس الأخلاقية. وعندما نتحدّث عن الخليقة كعطية من الله، وعن كرامة الإنسان، فإننا نقول بالفعل أمرًا قويًا ضد اختزال غرينلاند إلى مجرد أداة استراتيجية. لا ينبغي لغرينلاند أن تتحوّل إلى رقعة شطرنج للمصالح العالمية».

 

 

مسألة كرامة

 

قد تُعزز التطورات الراهنة رغبة الغرينلانديين في الاستقلال. ويلاحظ الكاهن السلوفيني: «الناس واقعيون. يدركون أن الاستقلال ليس مجرد حلم، بل مسؤولية عظيمة أيضًا. فالقضايا الاقتصادية، والتعليم، والرعاية الصحية، كلها عوامل أساسية».

 

لكن ما هو واضح تمامًا، في رأيه، أن الغرينلانديين لا يريدون «استبدال شكلٍ من أشكال التبعية بآخر». ويضيف: «فكرة أن يتم استيعابهم أو الهيمنة عليهم من قبل قوة أخرى مرفوضة على نطاق واسع. بالنسبة لكثيرين، الاستقلال هو مسألة كرامة، وبقاء ثقافي، واحترام للذات».

 

كما يصف الأب مايسن ردود الفعل تجاه وصول مجموعة صغيرة من الجنود الأوروبيين وقوات الناتو. ويقول: «أي وجود عسكري يثير تساؤلات، لكن هذا يُنظر إليه عمومًا بشكل مختلف عن المصالح الأجنبية العدوانية. فمعظم الناس يفهمونه في إطار التعاون والمسؤولية المشتركة عن أمن منطقة القطب الشمالي. لا يوجد حماس للعسكرة، لكن هناك وعي متزايد بأن القطب الشمالي أصبح ذا أهمية استراتيجية».

 

 

سلامٌ بين الجليد

 

ويقود هذا كله حتمًا إلى قضية تغيّر المناخ. ويقول راعي رعية نوك الكاثوليكية: «هنا، الأمر ليس نظرية، بل واقع يُرى بالعين المجردة. بنية الجليد تتغيّر، والفصول تتبدّل، والصيادون يتحدثون عن طبيعة لم تعد تتصرف كما كانت من قبل».

 

الحياة وسط الجليد تُجرّد الإنسان من كل ما هو فائض.

 

ويضيف: «ككاهن، أشعر غالبًا أن هذه الأرض نفسها تعلّم الصلاة. الصمت، والاتساع، والهشاشة - كلها تدعو إلى التواضع. إن الحفاظ على بيئة غرينلاند يجب أن يبدأ بالاحترام: احترام الطبيعة، والمعرفة الأصلية للسكان، وحقوق الأجيال القادمة».

 

ويختتم الأب توماش مايسن بالقول:

 

«علينا أن نستعيد فكرة أن الخليقة ليست ملكًا لنا لنستغلها، بل أمانة لنعتني بها. فالقرارات السياسية والاقتصادية يجب أن تكون بطيئة، ومتأنية، ومتجذرة في مسؤولية طويلة الأمد، لا في مكاسب سريعة. لأن هذه الأرض، إذا تضررت، فلن يكون من السهل ترميمها».