موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الأحد، ٥ ابريل / نيسان ٢٠٢٦
قيامة الإنسان: بين الأبواب المقفلة والقلوب المنتظرة

رافي سايغ :

 

وسط الصراعات والحروب التي تشهدها بلادنا اليوم، يأتي الاحتفال بالقيامة هذا العام بطعم مختلف في قلوب مسيحيي الشرق الأوسط والعالم. فالمخاوف والهواجس التي تسكن حياتنا لم تعد أخبارًا بعيدة، بل واقعًا نعيشه كل يوم. وفي صباح كل يوم جديد يزداد قلق الإنسان مما تخبئه له أيام الحاضر، ويثقل قلبه الخوف من المستقبل الغامض الذي لا نعرف إلى أين يقودنا.

 

وسط هذا الواقع القاسي، يقدم لنا الكتاب المقدس في إنجيل يوحنا حدث القيامة لا كمناسبة دينية نحتفل بها فحسب، ولا كذكرى حدثت في الماضي، بل كحقيقة أعمق بكثير: هناك قيامة لا تخص التاريخ وحده، بل تخص قلب الإنسان نفسه. فالقيامة ليست فقط قصة حدثت منذ ألفي عام، بل قصة يمكن أن تبدأ من جديد في حياة كل إنسان.

 

عالمنا اليوم يعيش حالة اضطراب وألم كبيرين. الحروب تمزق الشعوب، ومشاهد الدمار تملأ الشاشات، والإنسان يقف حائرًا أمام كل ما يحدث، يبحث عن علامة رجاء، عن بداية جديدة تعيد إليه الثقة بالحياة. وفي وسط هذا الواقع، يروي لنا يوحنا القيامة كحدث عاشه التلاميذ، لكنه في الوقت نفسه يكشف لنا بداية ولادة الرسالة المسيحية الأولى.

 

ويا للمفارقة المدهشة: القيامة بدأت بين أبواب مغلقة وقلوب خائفة منتظرة!

 

كان التلاميذ مجتمعين خلف الأبواب الموصدة، والخوف يسيطر على قلوبهم، خوف يشبه خوف إنسان اليوم وإن اختلفت الظروف. وفي تلك اللحظة، ظهر المسيح بينهم ووقف في وسطهم. لم يأتِ ليوبخهم على ضعفهم، ولم يأتِ ليعاتبهم على خوفهم، بل قال لهم الكلمات التي أصبحت أول رسالة للقيامة في العالم: "السلام لكم" !

 

بهذه الكلمات البسيطة والعميقة في آن واحد، كشف المسيح المعنى الحقيقي للقيامة. لم تكن القيامة إعلانًا لقوة غالبة كما يتخيلها البشر، ولم تكن بداية انتقام من عالم ظالم، بل كانت بداية تغيير قلب الإنسان من الداخل. أول عطية للقيامة لم تكن الغلبة ولا السيطرة، بل السلام!

 

وهكذا ندرك أن القيامة لم تأتِ أولًا لتغير العالم، بل لتغير الإنسان. فعندما يتغير قلب الإنسان، يبدأ العالم نفسه بالتغير.

 

رأى التلاميذ المسيح القائم، لكن توما لم يكن حاضرًا بينهم في ذلك اليوم. وغالبًا ما يُذكر توما كرمز للشك، لكن في قصته ما هو أعمق بكثير من مجرد شك عابر. ففي شخصية توما نرى صورة الإنسان الذي يعيش زمن الانتظار!.

 

لقد سمع توما أن الرب قام، لكنه لم يختبر اللقاء بعد. وبين الخبر واللقاء عاش ثمانية أيام من الانتظار، ثمانية أيام من الأسئلة والبحث. كان قلبه معلقًا بين الرجاء والتردد، بين الإيمان الذي يريد أن يولد وبين الشك الذي يطلب علامة.

 

ومع ذلك، لم ينسحب توما من الجماعة. بقي مع التلاميذ، وبقي منتظرًا.

 

وهنا تكمن عظمة هذا المشهد. فتوما، رغم ضعفه، بقي في طريق الانتظار. وفي هذا الانتظار يشبهنا كثيرًا نحن أيضًا، نحن الذين نعرف خبر القيامة، لكننا أحيانًا نعيش وكأننا لم نختبرها بعد. ففي أوقات الألم والاضطراب قد يتسلل إلى قلب الإنسان سؤال يشبه سؤال توما: أين حضور الله في كل ما يحدث؟

 

لكن الإنجيل يكشف لنا مفاجأة عميقة: الله لا يرفض الإنسان الذي ينتظر، ولا يعتب من أسئلته، بل يأتي إليه في لحظة ضعفه.

 

وهكذا عاد المسيح مرة أخرى بعد ثمانية أيام، ودخل المكان نفسه رغم الأبواب المغلقة، ووقف بين التلاميذ. لم يوبخ توما، ولم يرفض شكه، بل اقترب منه بمحبة وقال له: هات إصبعك وضعها في جراحي.

 

في هذه اللحظة يحدث التحول العميق. توما الذي جاء يبحث عن دليل، يجد نفسه أمام حضور حب لا يستطيع مقاومته، فيصرخ من أعماق قلبه: "ربي وإلهي".

 

هنا نكتشف سر القيامة الحقيقي.

 

فبعد القيامة لم يحدث ما يتوقعه العالم. لم يظهر يسوع لبيلاطس ولا للجنود الذين صلبوه، ولم يعد ليعلن انتصارًا سياسيًا أو ليدين الذين ظلموه. بل ظهر لمن أحبوه، للتلاميذ الذين خافوا وضعفوا، لكنه أراد أن يجعل منهم شهودًا لرسالة جديدة في العالم.

 

القيامة إذن لم تكن انتصار القوة، بل انتصار الحب.

 

فالعالم يعتقد أن القوة هي التي تغير التاريخ، وأن الغلبة هي التي تصنع المستقبل. لكن قيامة المسيح تكشف شيئًا مختلفًا تمامًا: الحب هو القوة القادرة على تغيير العالم.

 

ومن هنا تبدأ الرسالة التي أعطاها المسيح لتلاميذه، رسالة السلام في عالم يمتلئ بالعنف.

 

واليوم، ونحن نعيش في زمن حروب وصراعات تشبه في كثير من جوانبها خوف التلاميذ خلف الأبواب المغلقة، يبقى سؤال القيامة موجّهًا إلينا نحن أيضًا. فالقيامة ليست ذكرى نحتفل بها مرة في السنة، بل طريق يبدأ عندما يسمح الإنسان للمسيح أن يدخل حياته ويغيرها من الداخل.

 

عندما يصبح السلام خيارنا رغم الضجيج،

وعندما تتحول المحبة إلى أسلوب حياتنا في عالم لا يعرف إلا لغة العنف،

وعندما نختار أن نبقى أمناء للرجاء حتى في أكثر اللحظات ظلمة.

 

قد تبقى الأبواب مغلقة من حولنا، وقد تبقى المخاوف حاضرة في حياتنا، لكن القيامة تعلمنا أن الأبواب المغلقة ليست نهاية القصة. فالمسيح القائم لا تمنعه الأبواب، ولا يقف عند حدود خوف الإنسان، بل يدخل إلى قلبه ليوقظ فيه حياة جديدة.

 

وهكذا، في عالم يعتقد أن الحروب هي التي تكتب التاريخ، تبقى القيامة إعلانًا مختلفًا: أن الحب أقوى من الخوف، وأن السلام أقوى من العنف، وأن الرجاء يمكن أن يولد حتى في أكثر اللحظات ظلمة.

 

ولهذا، وبين الأبواب المقفلة والقلوب المنتظرة، تبدأ قصة القيامة من جديد.

 

إنها قيامة الإنسان.

 

المسيح قام!