موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٢٤ يونيو / حزيران ٢٠٢٦
في النرويج العلمانية: مزار جديد يكرّم المسيحيين المضطهدين

أبونا :

 

افتتحت أبرشية أوسلو في النرويج، العاصمة التي تتسم بارتفاع معدلات العلمنة وتزايد الهجرة من مختلف أنحاء العالم، مزارًا مخصصًا للمسيحيين المضطهدين في 20 حزيران. ويُعد هذا المزار الثامن من نوعه الذي تؤسسه منظمة Nasarean.org الأمريكية منذ عام 2018، والثاني في الدول الاسكندنافية بعد افتتاح مزار مماثل في ستوكهولم عام 2023.

 

وقد جرى تدشين المزار في كنيسة القديس يوحنا تحت رعاية مريم أمّ المسيحيين المضطهدين، وتولّى مباركته أسقف أوسلو المطران فريدريك هانسن، الذي تسلّم مهامه الأسقفية قبل أقل من عام.

 

وقال المطران هانسن، في حديثه إلى صحيفة National Catholic Register قبل مراسم الافتتاح، إن توقيت إنشاء المزار يحمل دلالة خاصة، إذ تشهد النرويج ما وصفه بـ«عودة متواضعة ولكن متواصلة» نحو الإيمان الكاثوليكي، ولا سيما بين الشباب النرويجيين. وأضاف أن شهادة المسيحيين المضطهدين حول العالم تمثل في الوقت نفسه تحديًا وتشجيعًا لأولئك الذين يكتشفون طريقهم إلى الإيمان داخل بلادهم.

 

 

الاضطهاد... شهادة عاشها عن قرب

 

قد يبدو هذا الربط غير متوقع، إذ لا تزال النرويج من أكثر الدول الأوروبية علمانية، ولا يواجه المسيحيون فيها تهديدات مشابهة للعنف الذي يتعرض له المؤمنون في مناطق من الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا. إلا أن المطران هانسن يرى أن شهادة المسيحيين المضطهدين في العالم تحمل رسالة مهمة أيضًا للمجتمعات الغربية، إذ تذكّر المؤمنين بثمن الإيمان وقيمته في عصر تتزايد فيه اللامبالاة تجاه الدين.

 

ويرجع اهتمامه بهذه القضية إلى ما قبل سيامته الأسقفية. فقبل تعيينه في أوسلو، خدم ضمن السلك الدبلوماسي التابع للكرسي الرسولي في فيينا لدى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وهي مؤسسة تُعنى بمتابعة قضايا جرائم الكراهية والتمييز والتعصب الديني. وهناك، كما يقول، تعرّف عن قرب إلى معاناة المسيحيين داخل أوروبا وخارجها، أولئك الذين يتعرضون للعنف أو التمييز أو الاضطهاد بسبب انتمائهم إلى المسيح.

 

وقال: «هذا أمر حملته معي طوال السنوات».

 

وعندما تواصل معه الأب بندكت كيلي، مؤسس منظمة Nasarean.org، بالتزامن تقريبًا مع سيامته الأسقفية، أوضح هانسن أنه «تحمّس للفكرة فورًا». ويرى أن المشروع يستند إلى قناعة لاهوتية متجذرة مباشرة في الكتاب المقدس، موضحًا: «كمسيحيين نحن مرتبطون بعضنا ببعض. نحن إخوة وأخوات في المسيح، ومعاناة جزء من الجسد هي معاناة الجسد كله». وأضاف أن حياة الصلاة في أي أبرشية لا يمكن فصلها عن التضامن مع الكنيسة المضطهدة في أنحاء العالم.

 

كما يدعو المزار إلى تأمل أكثر عمقًا وربما أكثر إزعاجًا. فبرغم أن النظرة السلبية إلى الدين المنظم في المجتمع النرويجي العلماني لا ترقى إلى مستوى الاضطهاد العنيف الذي يواجهه المسيحيون في أماكن أخرى، إلا أن المطران هانسن يرى أن كليهما ينبع من الجذر ذاته الذي سبق للمسيح أن تنبأ به. وقال: «هناك في هذا الواقع نوع من العداء تجاه الإيمان وتجاه الرب، يظهر بطرق مختلفة في مناطق متعددة من العالم، لكنه يعود في جوهره إلى المصدر نفسه».

 

 

بوادر نهضة هادئة

 

تزامن افتتاح المزار أيضًا مع تحوّل ملحوظ داخل الرعايا في النرويج. لطالما اعتمدت الكنيسة الكاثوليكية في البلاد على المهاجرين القادمين من بولندا وليتوانيا والفلبين وأمريكا اللاتينية. لكن خلال العامين الماضيين، بدأت الدورات التمهيدية للتعرّف على الإيمان، التي كانت تستقطب ما بين خمسة وعشرة أشخاص فقط، تجذب أكثر من ثلاثين مشاركًا، بحسب المطران هانسن. والكثير من هؤلاء الوافدين الجدد هم من الشباب النرويجيين الذين نشأوا في بيئات علمانية ولم يتلقوا المعمودية في طفولتهم.

 

وقال المطران هانسن: «عندما يبلغون أواخر سن المراهقة وبدايات العشرينيات، وينظرون إلى ما فعله بهم العالم والمجتمع، يبدأون بالبحث عن المسيح». وأضاف أن ما يجذبهم يمكن اختصاره في كلمتين: الحقيقة والليتورجيا؛ أي الانجذاب إلى كنيسة «لا تتردد في إعلان الحقيقة»، وإلى قداس يُحتفل به بخشوع وإعداد جيد ومتجذر في التقليد الليتورجي الكاثوليكي.

 

ويرى المطران أن المزار الجديد يجعل هذه العلاقة أكثر وضوحًا، موضحًا: «كلما واجهت الكنيسة تحديات، سواء بالكلمات أو بالاعتداءات الجسدية، فإنها تنمو». وأضاف: «هنا نرى العطية الحقيقية للمسيحية والبركة الحقيقية التي تأتي من اتباع الرب».

 

 

شبكة آخذة في الاتساع

 

يشكل مزار أوسلو امتدادًا لمشروع أطلقه الأب بندكت كيلي عام 2018، يرتكز على أيقونة لمريم العذراء مستوحاة من الصورة التقليدية المعروفة باسم «أم الحنان»، وقد نُقشت عليها عبارة «أم المضطهدين» باللغة الآرامية.

 

وقد أُنشئت مزارات تحمل هذا اللقب بالفعل في نيويورك، ولندن، وكلينتون بولاية ماساتشوستس، وستوكهولم، ولاندر بولاية وايومنغ، وأستانا في كازاخستان، وقرقوش في العراق، ليصبح مزار أوسلو الثامن ضمن هذه الشبكة العالمية.

 

وعقب القداس الافتتاحي، شارك الأب كيلي في حلقة نقاشية إلى جانب عدد من المنظمات النرويجية العاملة في الدفاع عن المسيحيين المضطهدين، آملًا أن يشكل ذلك بداية لتعاون طويل الأمد بين أبرشية أوسلو ومؤسسات المجتمع المدني.

 

وأوضح أن هناك خططًا لإنشاء مزارين إضافيين قبل نهاية العام: الأول في أبرشية تشارلستون بولاية كارولاينا الجنوبية الأمريكية أواخر تموز المقبل، والثاني في الكاتدرائية القبطية الكاثوليكية في الإسماعيلية بمصر خلال شهر كانون الأول، ما سيرفع العدد إلى عشرة مزارات خلال عشر سنوات، بالتزامن مع احتفال المنظمة Nasarean.org بالذكرى العاشرة لتأسيسها. وبالتوازي مع إنشاء المزارات، وسّعت المنظمة نشاطها لدعم العائلات المسيحية الراغبة في البقاء في أوطانها، وهي تدعم حاليًا مشاريع صغيرة في العراق وسوريا ولبنان ومصر وأرمينيا والأردن.

 

 

الكنيسة في الشمال ورؤية للمستقبل

 

أما بالنسبة للمطران هانسن، فإن مزار أوسلو يمثل أيضًا فرصة لوضع أبرشيته الفتية والمتنامية ضمن إطار أوسع من الشركة مع الكنيسة الجامعة.

 

وأشار إلى أن النرويج ستحتفل خلال السنوات المقبلة بمرور ألف عام على بدء تبشيرها بالمسيحية، معتبرًا أن هذا المزار يمكن أن يكون جزءًا من قصة أكبر لنهضة كاثوليكية تتشكل تدريجيًا في دول الشمال الأوروبي. وقال: «هناك شعور متزايد بوجود كاثوليكية نوردية واسكندنافية ترغب في الإسهام في حياة الكنيسة الجامعة. وواجبنا هو أن نجعل ذلك حقيقة واقعة».