موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
ثقافة
نشر الجمعة، ٢٢ مايو / أيار ٢٠٢٦
شاب فرنسي يحمل صليبًا على ظهره إلى قمة أنيتو بعد تخريب الصليب الأصلي
14 ساعة من الصعود و35 كيلوغرامًا من الإصرار والإيمان

أبونا :

 

في مبادرة لافتة جمعت بين القوة الجسدية والدافع الرمزي، نجح الشاب الفرنسي ماييل لو لاغاديك، البالغ من العمر 18 عامًا، في إعادة نصب صليب جديد على قمة أنيتو، أعلى قمم جبال البرينيه، بعد أن كان الصليب الأصلي قد تعرّض للتخريب والإسقاط قبل أسابيع.

 

ماييل، الذي يعمل في مجال تنسيق الحدائق، قطع مسافة تقارب 28 كيلومترًا، وتخطّى فرق ارتفاع يصل إلى نحو 1900 متر، في رحلة جبلية شاقة استغرقت حوالي 14 ساعة صعودًا، حاملاً على ظهره صليبًا خشبيًا يزن 35 كيلوغرامًا، صنعه بنفسه من خشب الجوز، في استجابة شخصية منه لما اعتبره اعتداءً على رمزٍ له مكانته في ذاكرة المكان والقمّة.

 

 

لم أستطع أن أبقى متفرجًا

 

كان الصليب الحديدي الذي يعلو قمة أنيتو منذ عام 1951 قد تعرّض، بحسب تقارير محلية وبلاغات متسلقين، للتخريب قبل أن يُلقى أسفل المنحدر. ويبلغ ارتفاعه نحو ثلاثة أمتار ووزنه قرابة 100 كيلوغرام، وقد شُيّد قبل 75 عامًا بمبادرة من مركز جبلي في كتالونيا، قبل أن تُضاف لاحقًا رموز دينية أخرى من قبل جمعيات جبلية في أراغون.

 

أمام هذا الحدث، قرر ماييل أن يتحرّك بطريقته الخاصة. يقول في شهادته: لم أرغب أن أكتفي بالغضب أو التعليق على وسائل التواصل الاجتماعي، بل شعرت أن عليّ أن أفعل شيئًا ملموسًا. وقد رافقه في الرحلة أحد أصدقائه، فيما تولّى هو حمل الصليب طوال الطريق.

 

ورغم صعوبة التضاريس وتقلبات الطقس في أعلى جبال البرينيه، واصل الصعود بإصرار لافت، متوقفًا مرارًا بسبب الإرهاق الشديد وآلام الظهر والكتفين. وخلال الطريق، لقي دعمًا غير متوقع من عدد من المتسلقين الذين صادفهم في الجبل، حيث شجّعوه، وقدّم له بعضهم المساعدة، ومن بينهم امرأة أعارته عصا المشي الخاصة بها في المقاطع الأكثر صعوبة. ويقول ماييل إن هذه اللحظات كانت حاسمة في مواصلة الطريق، ليس فقط جسديًا، بل نفسيًا أيضًا.

 

 

بين الرمز والطبيعة والجدل

 

يرى كثير من متسلقي الجبال أن الصليب في القمم ليس فقط رمزًا دينيًا، بل أيضًا علامة جغرافية وإنسانية تشير إلى الهدف والمسار. وفي هذا السياق، اعتبر ماييل أن وجوده جزء من هوية المكان وتاريخه.

 

لكن في المقابل، أثار تثبيت الصليب الجديد نقاشًا في بعض الأوساط المحلية، حيث عبّرت جهات تنادي بفصل الرموز الدينية عن الفضاء العام عن اعتراضها على إعادة تركيبه، فيما أعلن مسؤولون محليون في منطقة بيناسكي دعمهم للمبادرة، إلى حين البتّ في وضع الصليب الأصلي.

 

 

عندما وصلت إلى القمة… لم أصدق ما حققته

 

مع وصوله إلى القمة التي يتجاوز ارتفاعها 3000 متر، واجه الشاب ظروفًا قاسية من البرد والثلج والضباب، حيث انخفضت درجات الحرارة إلى ما دون الصفر. هناك، استخدم فأسًا جليديًا لحفر الثلج وتثبيت الصليب مؤقتًا، بانتظار تثبيته بشكل نهائي في وقت لاحق. ويصف تلك اللحظة قائلًا: «عندما وصلت إلى القمة، كان من الصعب عليّ أن أصدق ما أنجزته».

 

بالنسبة لماييل، لم تكن الرحلة مجرد تحدٍّ رياضي، بل تجربة شخصية حملت بُعدًا أعمق، حيث امتزج التعب الجسدي بالإصرار الداخلي، والدافع الرمزي بفكرة الالتزام بما يؤمن به الإنسان. ويختم الشاب الفرنسي وصفه لتجربته بالقول إنها كانت «مغامرة إنسانية ورياضية استثنائية»، لم تكتمل فقط بوصوله إلى القمة، بل بالمعنى الذي حمله الصعود نفسه.