موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ١٣ يوليو / تموز ٢٠٢٦
راهبة نجت من الحرب: إذا طُلب مني فسأعود إلى السودان لأخدم من جديد

أبونا :

 

بعد خمسة عشر عامًا أمضتها في خدمة الشعب السوداني، تؤكد الأخت سيسي ناكاغيري، الراهبة الكانوسية الأوغندية، أن الحرب التي اندلعت في السودان عام 2023 لم تُضعف دعوتها الإرسالية، بل زادتها تعلقًا بالشعب الذي خدمته. فبعد نجاتها من الحرب إثر رحلة إجلاء شاقة استمرت أسبوعين، لا تزال تحمل في قلبها آلام السودانيين ورجاءهم بالسلام.

 

والراهبات الكانوسيات، أو «بنات المحبة الكانوسيات»، هي رهبانية تهتم بخدمة الفقراء والمحتاجين ورعايتهم. وقد أسستها القديسة ماجدولين كانوسا في مدينة فيرونا بإيطاليا عام 1808، بعد أن تنازلت عن ثروتها وحياتها الأرستقراطية لتكرس نفسها لخدمة الطبقات المهمشة.

 

 

ألمي الحقيقي هو من أجل الشعب السوداني

 

وفي حديثها إلى ACI Africa، استذكرت الأخت سيسي سنوات خدمتها في أبرشية الأبيض، حيث كانت مديرة لإحدى المدرستين اللتين تديرهما الراهبات الكانوسيات. وقالت: «ليس لدي سبب لأن أنشغل بصدمتي أو بخوفي. لم أتعرض لأذى جسدي، ولم أعانِ الجوع يومًا. إن ألمي الحقيقي هو من أجل الشعب السوداني».

 

وأضافت أنها، بمجرد اندلاع القتال في 15 نيسان 2023، أدركت أن البلاد تتجه نحو حرب واسعة، فقررت المغادرة قبل أن تحصل على موافقة الأسقف، موضحة أنها سبق أن عاشت الحرب في أوغندا ولم تكن ترغب في خوض تجربة مماثلة مرة أخرى.

 

وقبل وصول المعارك إلى مدينة الأبيض، كانت الراهبات الكانوسيات في الخرطوم قد عشن ساعات من الرعب بعدما اقتحم مسلحون الدير، وأجبروهن على مغادرته، قبل أن يستولوا على الدير والمدرسة ويحولوهما إلى ثكنة عسكرية. وعندما تمكنت الراهبات من الوصول إلى الأبيض بعد أسبوع، كنّ، بحسب الأخت سيسي، «يعانين صدمة عميقة».

 

ومع اتساع رقعة الحرب، بدأت الأخت سيسي وعدد من الراهبات رحلة إجلاء شاقة نحو أوغندا استمرت نحو أسبوعين، متنقلات بين الرعايا والإرساليات الكاثوليكية كلما سمحت الظروف الأمنية بذلك، إلى أن وصلن إلى جوبا، عاصمة جنوب السودان، حيث سُجلن ضمن قوائم الإجلاء.

 

وتستذكر الراهبة تلك الأيام قائلة إن آلاف اللاجئين كانوا ينتظرون في المطار وسط نقص حاد في الطعام والمياه، قبل أن يتمكنوا، بفضل متابعة الحكومة الأوغندية، من الصعود إلى طائرة صغيرة نقلتهم لاحقًا إلى أوغندا.

 

ورغم وصولها إلى مكان آمن، تؤكد الأخت سيسي أن قلبها بقي في السودان، إذ واصلت الاتصال بالمعلمين والعائلات الذين تركتهم هناك. وقالت: «كنت أتابع معهم ما يحدث، وللأسف لم تتحسن الأوضاع يومًا. إنهم يعيشون صدمة مستمرة، وكأنهم بدأوا يعتادون على المعاناة».

 

 

إذا طُلب مني، فسأعود

 

كما روت بأسى ما حلّ بالمؤسسات الكنسية، مشيرة إلى أن المدرسة الكاثوليكية في الأبيض، التي كانت تُعد من أفضل المدارس في السودان، توقفت فجأة مع اندلاع الحرب، فيما تعرض الدير والمدرسة في الخرطوم للنهب والتخريب. وأضافت أن المهاجمين استولوا على الأموال التي كانت محفوظة في المدرسة، ودمروا محتوياتها، بل أطلقوا النار على القربان الأقدس وحطموا الصور الدينية.

 

ورغم اعتقادها أن العودة إلى الخرطوم لم تعد ممكنة بسبب قرب الدير من منشآت عسكرية، فإنها لا تستبعد العودة إلى مدينة الأبيض إذا عاد السلام إلى السودان. وتؤكد أن الحرب لم تُضعف رسالتها، بل عمّقتها أكثر، قائلة: «إذا طُلب مني، فسأعود إلى السودان لأخدم من جديد».

 

وتخدم سيسي ناكاغيري اليوم في تنزانيا ضمن مسؤوليات التنشئة في رهبانيتها، لكنها تؤكد أن الرسالة الإرسالية لا تعرف حدودًا، مضيفة: «نحن مرسلات، ولسنا رهبانية محلية. أينما تُرسلنا الكنيسة، هناك نخدم».

 

وفي ختام شهادتها، رفعت صلاة من أجل السودان وجميع البلدان التي تمزقها الحروب، ومنها الكونغو، وأوكرانيا، وجنوب السودان، مؤكدة أن السلام الحقيقي يبدأ من قلب الإنسان. وقالت: «لا أستطيع أن أتحدث عن السلام ما دامت الحرب مشتعلة في داخلي. عليّ أولًا أن أغفر، وأن أعيش بسلام مع من حولي. عندها فقط أصبح أداةً للسلام، وينتقل السلام من شخص إلى آخر».