موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
بمناسبة اليوم العالمي للمريض، أطلقت اللجنة الأسقفية لراعوية الخدمات الصحية في لبنان حملة روحية وإنسانية تمتد من 11 شباط ولغاية 19 شباط، تحت عنوان: «على خطى القديس إغناطيوس مالويان… من الفجر إلى المغيب… محبة المريض لا تغيب»، مؤكدةً من خلالها التزام الكنيسة بمرافقة المرضى والصلاة من أجلهم واستلهام شهادة القديس الشهيد الذي جعل من خدمة المتألمين رسالة حياة يومية، ورسّخ في مسيرته معنى القرب من الإنسان المتألم دون تمييز.
وفي إطار هذه الحملة، أُقيم قداس إلهي في مستشفى قلب يسوع – بعبدا، ترأسه سيادة المطران كريكور باديشاه، النائب البطريركي لأبرشية بيروت للأرمن الكاثوليك ورئيس اللجنة الأسقفية لراعوية الخدمات الصحية، بمشاركة لفيف من الكهنة والرهبان، وحضور الطاقم الطبي والإداري وجمهور المؤمنين. وقد شكّلت المناسبة محطة صلاة ولقاء روحي وإنساني، شددت على أن محبة المريض ليست مبادرة ظرفية بل مسيرة مستمرة «من الفجر إلى المغيب»، فيما ذكّر سيادته في عظته بأن أثمن ما يمكن أن يُقدَّم للمريض هو «لحظة التوقف» إلى جانبه، حيث يستعيد الإنسان في ضعفه كرامته ورجاءه.
وفي حديث لموقع أبونا، أوضح المطران باديشاه أن هذا الأسبوع الراعوي يحمل رسالة مباشرة إلى كل مريض في لبنان مفادها أنه ليس رقمًا في ملف طبي ولا عبئًا على المجتمع، بل هو في قلب الكنيسة ورسالتها. وأشار إلى أن المبادرة لا تُختصر بالصلوات والاحتفالات، بل تعبّر عن كنيسة تخرج من جدرانها لتبحث عن المسيح المتألم في غرف المستشفيات وبيوت الفقراء، وترافق الإنسان في ضعفه ووحدته، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي جعلت الدواء والاستشفاء تحديًا يوميًا لكثير من العائلات.
وأكد أن الصلاة تبقى أساس الخدمة الكنسية، لكنها لا تنفصل عن المرافقة الإنسانية الفعلية، إذ إن الكنيسة مدعوة إلى أن تصلي مع المريض لا عنه فقط، وأن تحمل معه ثقل القلق والخوف والألم، وتؤكد له أن كرامته لا تُقاس بصحته أو قدرته أو إنتاجيته، بل بمحبة الله له. ومن هنا، شدد على أن تحويل هذه المناسبة إلى مسيرة زيارات ومرافقة روحية يهدف إلى كسر عزلة المرضى ومنع شعورهم بأنهم متروكون في صمتهم.
وتوقف المطران باديشاه عند معنى «لحظة التوقف» التي شدد عليها في عظته، معتبرًا أن المجتمع اليوم يعيش في سباق دائم: الطبيب تحت ضغط إنقاذ الأرواح، والعائلة تحت ضغط تأمين كلفة العلاج، والمريض نفسه تحت ضغط الألم والخوف. وفي وسط هذا الإيقاع السريع، تصبح لحظة الإصغاء الصادق أو الإمساك بيد المريض أو منحه وقتًا إنسانيًا بسيطًا فعل شفاء حقيقي، لأنها تعيد إليه شعوره بأنه مرئي ومحبوب. ودعا إلى أن تتحول هذه اللحظة إلى ثقافة إنسانية وروحية يعيشها العاملون في القطاع الصحي والعائلات والرعايا، لأن الشفاء يبدأ من استعادة الإنسان لإنسانيته قبل أي علاج آخر.
كما أشار إلى أن حمل ذخيرة القديس إغناطيوس مالويان خلال زيارة المرضى يحمل رمزية روحية عميقة، إذ إن حياة الشهيد تشكل نموذجًا حيًا للخدمة القريبة من المتألمين وللأمانة في الشهادة حتى النهاية. ورأى أن استحضار هذه الشهادة في زمن الأزمات يذكّر بأن خدمة الإنسان الجريح هي الطريق إلى القداسة، وأن بقاء الأطباء والممرضين والعاملين الصحيين في مواقعهم رغم الصعوبات يشكل بدوره شهادة يومية للمحبة والتضحية وروح السامري الصالح، وأن حضور ذخائر القديس بين المرضى هو علامة رجاء تؤكد أن الله قريب من آلامهم وأن الكنيسة تسير معهم.
وفي سياق حديثه، شدد المطران باديشاه على أن رسالة الكنيسة اليوم هي أن تكون صوت المرضى والفقراء وأن تدافع عن كرامتهم، في وقت يواجه فيه كثيرون صعوبة في تأمين العلاج أو يخوضون معركة المرض بصمت. وأثنى على الجهود التي تبذلها المستشفيات والمؤسسات الكاثوليكية والعاملون فيها لمحاولة التوفيق بين الاستمرارية الاقتصادية واحتضان المحتاجين بكرامة إنسانية، معتبرًا أن إنسانية المجتمعات تُقاس بطريقة تعاملها مع أضعف أبنائها، وأن المجتمع الذي يحفظ كرامة المريض يحفظ في الوقت نفسه إنسانيته.
وتتواصل هذه الحملة طوال الأسبوع عبر جولة رعوية تشمل عددًا من المستشفيات والمراكز الصحية في مختلف المناطق اللبنانية، حيث تُقام قداديس ولقاءات صلاة وتتخللها زيارات مباشرة للمرضى، وبركتهم بذخائر القديس إغناطيوس مالويان، في مبادرة تؤكد أن مرافقة المتألم ليست نشاطًا موسميًا بل رسالة دائمة في قلب الكنيسة، ومسيرة محبة حيّة ترافق الإنسان من الألم إلى الرجاء.