موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ١٧ مارس / آذار ٢٠٢٦
الكاردينال بيتسابالا: استغلال اسم الله لتبرير الحروب هو أعظم خطيئة في زمننا

أبونا :

 

«إنّ إساءة استخدام اسم الله واستغلاله لتبرير هذه الحرب وأي حرب أخرى هو أعظم خطيئة يمكن أن نرتكبها في هذا الزمن. فالحرب، كما هو حال معظم الحروب، ذات طابع سياسي في المقام الأول، ولها مصالح مادية بحتة. وعلينا أن نبذل قصارى جهدنا لكي لا ندع مجالاً لهذه اللغة الزائفة التي تدّعي الدين، والتي لا تتحدث عن الله، بل عن أنفسنا».

 

هذه هي الكلمات التي أدلى بها الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك اللاتين في القدس، متحدثًا من المدينة المقدسة في ندوة عبر الإنترنت نظمتها مؤسسة «الواحة»الدولية في إيطاليا حول الصراع الذي يمزق منطقة الشرق الأوسط.

 

 

علينا ألا نترك الخطاب لهم

 

وردًا على سؤال حول تصريحات وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، الذي استشهد في إحاطة إعلامية بالمزمور 144 لاستحضار بركة إلهية للهجوم الحالي، أجاب الكاردينال بيتسابالا: «كأشخاص مؤمنين يجب أن نفعل ما في وسعنا لكي لا نترك الخطاب لهم».

 

وأضاف: «علينا أن نقول: لا، لا توجد حروب فرنجة جديدة. إذا كان الله حاضرًا في هذه الحرب، فهو بين أولئك الذين يموتون، الذين يعانون، الذين يتألمون، الذين يُظلمون بأشكال مختلفة، في كل أنحاء الشرق الأوسط، ولا أقول من جانب هذا أو ذاك. هذا الصراع له سمات دينية، لكنها مجرد تلاعبات: أولئك الذين يريدون إدخال الدين يستغلون اسم الله».

 

 

ما يُبنى بالعنف يفنى

 

وفي تعليقه على النداء المتجدّد لقداسة البابا لاون الرابع عشر يوم الأحد، قال بطريرك القدس للاتين: «لقد شهدنا خلال عقود الصراع هذه ما أفرزه العنف من دمار بشري هائل. ما يُبنى بالعنف يفنى، ولا مستقبل له، بل ويخلق فراغًا حوله: خوف، حقد، كراهية، كل ما ينتمي في اللغة المسيحية إلى عالم الموت. إنه يحجب عنك رؤية أي شيء يتجاوز ذاتك».

 

وأضاف الكاردينال بيتسابالا بمرارة: «نعلم جيدًا أن نداء البابا صادق، لكننا نعلم أيضًا أنه سيُقابل بتجاهل. ولكن لأي غرض تخدم الكنيسة إذا لم تتحدث عن واقع لم يتواجد بعد؟ علينا أن نستمر في قول هذه الأمور التي قد تبدو بعيدة المنال، لكننا نؤمن بها لأنها صحيحة. نحن بحاجة أيضًا إلى التكاتف، ومعرفة من يمكننا الاعتماد عليه والاستثمار للمستقبل».

 

 

دور الإعلام في الحرب

 

وخلال البث المباشر مع مؤسسة الواحة، أدلى الكاردينال بيتسابالا بتصريحات قوية حول دور الإعلام في هذه الحرب، قائلاً: «الإعلام جزء من الصراع؛ هو وسيلة لإعلام الناس به، بل وتبريره وجعله مقبولًا. لذا، فإن دور الصحفيين لا يقتصر على نقل الأخبار فحسب، بل يتعداه إلى التحقيق فيها بشكل نقدي، ومساعدة المتلقي على فهم ما نتوصل إليه، وتقديم تفسير دقيق قدر الإمكان، أو على الأقل مساعدته للحصول على قراءة نقدية وتكوين رأيه الخاص».

 

 

الوضع في غزة والضفة

 

وفي هذا السياق، أشار غبطته إلى الضبابية الإعلامية التي تُخيّم حاليًا على غزة والضفة الغربية.

 

وأوضح الكاردينال بيتسابالا، الذي يتواصل باستمرار مع رعية العائلة المقدسة: «لم يعد الحديث الآن يدور حول غزة، لكن الوضع لا يزال مأساويًا من الناحية الإنسانية. لم يعد هناك مشكلة جوع، لكن لا يزال هناك مليونا شخص نازح، محرومون من كل شيء. 80٪ من القطاع لا يزال مدمرًا، ولم تبدأ أي عملية إعادة إعمار. 36 مستشفى تعمل جزئيًا، لكن تنقصها الأدوية، حتى المضادات الحيوية الأساسية. الناس يعيشون حرفيًا في المجاري، الصور لا تُعبّر عن الروائح الكريهة. لا يمكن فهم كيف ومتى ستحل هذه الأزمة المأساوية: لم يحدد مجلس السلام بعد ما ينبغي أن يفعله. وعلى أي حال، إنه نوع من الدائرة المفرغة: إذا لم تُسلّم حماس أسلحتها، فلن تنسحب إسرائيل، وحماس لن تُسلم أسلحتها إذا لم تنسحب إسرائيل. كل شيء متوقف».

 

أضاف: «أما بالنسبة للضفة الغربية، فالوضع يتدهور باستمرار: تقريبًا كل يوم هناك هجمات من المستوطنين على القرى الفلسطينية. أصبح هناك تقريبًا ألف نقطة تفتيش، والفلسطينيون يجدون صعوبة دائمة في التنقل، والتصاريح تم إلغاؤها إلى حد كبير».

 

كما أعرب بطريرك القدس للاتين عن قلقه بشأن تداعيات قرارين حديثين يتعلقان بالسجل العقاري وعدم الاعتراف بالشهادات التعليمية الفلسطينية في إسرائيل التي اعتمدها مؤخرًا الحكومة الإسرائيلية. وقال: «ضعوا في اعتباركم أن العقارات في العديد من المناطق الفلسطينية غير مسجلة، وما زالت مرتبطة بالإدارة القديمة لما قبل عام 1967، لذا فالوضع معقد جدًا».

 

وأضاف: «أما بالنسبة للمشكلة الأخرى، فلدينا في مدارسنا 232 معلمًا مسيحيًا من بيت لحم، لعدم وجود معلمين في القدس. لن يتمكنوا من القدوم بعد الآن. وهذا لن يعرّض عائلاتهم للضائقة المالية فحسب، بل سيُثقل كاهل المدارس أيضًا لعدم قدرتها على إيجاد معلمين مسيحيين». وتابع: «هذان مجرد حالتان لتوضيح مدى تعقيد الوضع بالنسبة لنا جميعًا».