موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أصدر البطريرك الماروني الكاردينال بشارة بطرس الراعي رسالته لزمن الصوم لعام 2026، بعنوان: "الصوم الكبير: مسيرة صلاة وصدقة وصيام"، وفيها ذكّر بأن الصوم ليس مجرّد امتناع عن الطعام، بل هو دعوة للنمو الروحي والتوبة الحقيقية، مؤكّدًا أنّ هذا الزمن المقدّس يدعونا لعيش الثلاثية المباركة: الصلاة للتقرّب من الله، الصدقة للوصول إلى الآخرين، والصوم لتحرير النفس.
وفيما يلي النص الكامل للرسالة:
مع إشراقة زمن الصوم المبارك، يتجدّد أمامنا موسمٌ مقدّس يحمل في طيّاته نعمة خاصة، ويضعنا أمام دعوة صادقة لتقويم حياتنا الروحية والنفسية والاجتماعية. إنّ زمن الصوم ليس مجرّد فترة من الامتناع عن الطعام فقط أو ممارسة طقوس خارجيّة، بل هو زمن التقدّم والارتقاء بالفضائل، وزمن النمو الروحي والتوبة الحقيقية. هو دعوة للرجوع إلى الله، ولتجديد القلب، ولإعادة ترتيب الحياة على أساس المحبّة والإيمان والحق.
في هذا الزمن المبارك، تدعونا الكنيسة لعيش ثلاثًا: الصلاة، والصدقة، والصوم. هذه الثلاثية المتكاملة ليست ممارسات منفصلة، بل مسار واحد يقود المؤمن نحو تحوّل داخلي حقيقي، ويجعل من الصوم فرصة للنمو الروحي والتقوى العملية.
الصلاة هي القناة التي نرتبط من خلالها بالله، ونفتح قلوبنا أمام حضوره الحيّ. الصلاة في زمن الصوم ليست واجبًا روتينيًّا، بل لقاءً حيًّا مع الله، وممارسة للتواضع والإصغاء، وفرصة لإعادة النظر في حياتنا اليوميّة. بالصلاة، يتعلّم المؤمن أن يسمع صوت الله في قلبه، وأن يكتشف إرادته، وأن يسمح للنعمة بأن تغيّر حياته من الداخل. الصلاة الصادقة تمنح الروح السلام والسكينة، وتجعل القلب مستعدًّا لعيش بقية الصوم بصدق وإخلاص.
الصدقة هي ثمرة الصلاة، وتجسيد عملي للمحبة الإلهيّة في الحياة اليومية. في زمن الصوم، تصبح الصدقة أكثر من مجرّد عطاء مادي؛ إنها موقف إيماني، وأداة لشفاء النفوس، ومساهمة فعلية في بناء مجتمع يسوده الخير والعدل والمحبّة. بالصدقة، ينفتح المؤمن على احتياجات الآخرين، ويتعلّم التضحية، ويعيش معنى الكرم والرحمة كما علّمنا السيّد المسيح. هي جسور تصل بين القلوب، وتعيد للإنسان قيمة مشاركته ومحبّة أخيه الإنسان.
الصوم ليس حرمانًا عن الطعام فحسب، بل هو تدريب للروح، وتهذيب للنفس، وممارسة للضبط الداخلي. بالصوم، يتعلّم الإنسان الانفتاح على الله والآخر، ويبتعد عن كل ما يثقل القلب وسشوّش الروح. الصوم الحقيقي يشمل الفكر والكلام والسلوك، ويحوّل كل جوانب الحياة إلى مسار للنمو الروحي. بالصوم، يتعلّم المؤمن أن يقول "لا" للرغبات المعيقة، وأن يقول "نعم" للحياة المليئة بالفضيلة والمحبّة. إنّه مسار تحرّر داخلي يسمح للقلب أن يُشرق بنور الله ويشعر بالسلام الحقيقي.
وهكذا تتكامل الثلاث في زمن الصوم:
· بالصلاة نرتقي إلى الله،
· وبالصدقة نصل إلى الآخر،
· وبالصوم نتحرّر لنعيش هذا الارتباط بصدق ونضوج.
إنّ زمن الصوم هو دعوة للنمو الروحي، للعودة إلى الله، ولتصحيح مسار الحياة، وتجديد العهد معه. وهو وقت للتوبة الحقيقة التي تتجاوز الندم، لتصبح التغيير العملي والداخلي الذي ينعكس على كل جوانب حياتنا.
نتيجة هذا كلّه، هي أنّ الصوم ليس مجرّد فترة زمنيّة أو مظهر خارجي، بل هو زمن امتلاء بالنعمة، وفرصة للتقوى العملية، وطريق إلى فرح داخلي حقيقي. بالصلاة نرتقي، وبالصدقة نحب، وبالصوم نتحرّر. هذا هو زمن الصوم المجيد، زمن رسالة محبّة، زمن تهذيب الروح، وزمن شفاء النفس والارتقاء الروحي.
فلنستقبل هذا الصوم بقلوب منفتحة، ولنجعل من كلّ يوم فيه فرصة لتطبيق هذه الثلاثيّة المباركة، ولنعدّ أنفسنا بالاستعداد الحقيقي للفرح القياميّ، ولنشهد بالإيمان الحي الذي يغيّر حياتنا ويقوّي شهادتنا.