موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٥ يوليو / تموز ٢٠٢٦
الحياة الرهبانية تعود إلى إستونيا بعد أكثر من 80 عامًا
دير أرثوذكسي جديد يجذب الشباب في واحدة من أكثر دول أوروبا علمانية

أبونا :

 

بعد أكثر من ثمانية عقود على غياب الرهبان الأرثوذكس عن إستونيا، عادت الحياة الرهبانية إلى البلاد مع تأسيس دير «كيريكلا» التابع للكنيسة الأرثوذكسية الرسولية الإستونية، في خطوة تُعدّ حدثًا تاريخيًا للكنيسة المحلية، ولا سيما في واحدة من أكثر المجتمعات علمانية في أوروبا.

 

ويقيم في الدير الجديد، الذي أُسس العام الماضي داخل مزرعة تبعد نحو 40 كيلومترًا عن العاصمة تالين، الأسقف داماسكينوس (41 عامًا)، رئيس الدير، والراهب الأب باييسيوس (31 عامًا)، ليكونا أول راهبين يعيشان ويصلّيان في دير أرثوذكسي داخل إستونيا منذ أكثر من 80 عامًا.

 

 

من حقبة الإغلاق إلى ولادة جديدة

 

تضم الكنيسة الأرثوذكسية الرسولية الإستونية اليوم أكثر من ستين كنيسة وديرًا للراهبات، لكنها افتقرت طوال العقود الماضية إلى دير للرجال داخل البلاد، بعدما اختفت الحياة الرهبانية إثر الأحداث التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وخلال الحقبة السوفيتية، حين أُغلقت معظم الأديرة وتعرّضت الحياة الدينية لقيود مشددة.

 

ورغم وجود كنيسة أرثوذكسية أخرى تتبع بطريركية موسكو وتضم عددًا أكبر من المؤمنين، ظلّت الكنيسة الأرثوذكسية الرسولية الإستونية تسعى سنوات طويلة إلى إعادة تأسيس جماعة رهبانية خاصة بها داخل حدود البلاد، وهو ما تحقق أخيرًا مع افتتاح دير كيريكلا. وأوضح الأسقف داماسكينوس أن رسالة الدير تتجاوز حدود إستونيا، قائلًا: «معنى الدير عالمي أيضًا، لأننا نصلّي من أجل العالم كله».

 

وتسير الحياة اليومية في الدير وفق التقليد الرهباني الأرثوذكسي الذي تعلّمه رئيس الدير في جبل آثوس باليونان، أحد أهم مراكز الرهبنة الأرثوذكسية منذ أكثر من ألف عام. ويبدأ النهار قبل الفجر بالصلاة الفردية، تليها الصلوات الجماعية، ثم الأعمال اليومية في الزراعة والبناء، قبل أن يُختتم بخدمة مسائية، بينما يبقى استخدام الهواتف الذكية محدودًا للغاية.

 

 

اهتمام متزايد بين الشباب

 

ورغم أن إستونيا، التي يبلغ عدد سكانها نحو 1.3 مليون نسمة، تُعد من أكثر دول أوروبا علمانية، يرى باييسيوس أن أسلوب الحياة الرهبانية بدأ يجذب عددًا متزايدًا من الشباب الذين يزورون الدير للمشاركة في الصلوات والعمل والتعرّف إلى هذا النمط من الحياة.

 

من جهته، أشار أستاذ تاريخ الكنيسة في جامعة تارتو برييت روهتميتس إلى بوادر اهتمام متزايد بالدين بين الأجيال الجديدة، موضحًا أن كثيرًا من الشباب نشأوا بعد انتهاء الحقبة السوفيتية، ولم يختبروا المواقف السلبية التي ارتبطت بالدين في تلك المرحلة. وقال: «إنهم لا يحملون أي تجربة سيئة مع الدين... بل لا يحملون أي تجربة معه أصلًا، وهذا يمنح الجماعات الدينية فرصة جديدة».

 

ومن يرغب في سلوك الحياة الرهبانية يقضي أولًا فترة اختبار قد تمتد إلى ثلاث سنوات، يعيش خلالها كطالب رهبنة ملتزمًا بالنظام اليومي نفسه. وعندما يرى رئيس الدير أنه أصبح مستعدًا، ينذر نفسه للفقر والعفة والطاعة، ويتخذ اسمًا جديدًا، ملتزمًا بالحياة الرهبانية مدى الحياة. وبينما قد يتزوج الكاهن الأرثوذكسي قبل سيامته ويخدم في الرعايا، يبقى الراهب ملتزمًا بالعفة والإقامة الدائمة في الدير.

 

 

الأهم بناء الأخوية

 

ورغم أن الدير لا يضم حاليًا سوى مبنى المزرعة الذي تبرع به أحد رجال الأعمال المحليين، يأمل القائمون عليه في توسيعه مستقبلًا، مع الاعتماد على بيع منتجات الحديقة أو صناعة الشموع والبخور لتأمين جزء من احتياجاته.

 

إلا أن الأسقف داماسكينوس شدد على أن الأولوية ليست للمباني، بل للحياة الرهبانية نفسها، قائلًا: «ما يهمني أكثر من إنهاء بناء المباني هو بناء الأخوية. إنه عمل لا ينتهي أبدًا، لكنه يؤسس لاستمرار الحياة الرهبانية هنا في إستونيا».