موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
شدّد البابا لاون الرابع عشر، خلال أمسية الصلاة من أجل السلام، على أنّ الصلاة ليست هروبًا من الواقع، بل قوّة روحية قادرة على مواجهة المأساة الإنسانية وتغيير مسارها. وأكد أنّ «الحرب تُفرّق، أمّا الرجاء فيوحّد»، داعيًا إلى التمسك بالإيمان ولو بقدر «ذرّة»، لأنّه قادر على تحريك القلوب نحو السلام.
وندّد قداسته بأنّ «التوازنات داخل الأسرة البشرية قد اختلّت بشكل خطير»، بل «حتى إن اسم الله القدّوس، إله الحياة، صاروا يخلطونه بخطابات الموت، فتختفي صورة عالم الإخوة، ويتحوّل الواقع، كما في كابوس ليلي، إلى عالم يعجّ بالأعداء».
ودعا البابا قادة العالم إلى تحمّل مسؤولياتهم قائلاً: «كفى عبادةً للذات وللمال! كفى استعراضًا للقوّة! كفى حربًا»، مشدّدًا على أنّ «القوّة الحقيقيّة تتجلّى في خدمة الحياة». وأضاف: «لقد حان وقت السلام! اجلسوا إلى طاولات الحوار والوساطة، لا إلى الطاولات التي يُخطَّط عليها إعادة التسلّح واتخاذ قرارات الموت!».
وأكد أن «الصلاة تُلزمنا» أيضًا بتحويل قلوبنا ونبذ العنف، مشددًا على أن السلام ليس حلمًا، بل خيار يومي يُبنى في العائلات والمجتمعات، وأن الرجاء يبقى أقوى من كل دمار، داعيًا إلى الإيمان بالمحبة والعمل من أجل عالم يسوده اللقاء والمصالحة.
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء،
صلاتكم هي تعبير عن ذلك الإيمان الذي ينقل الجبال، بحسب كلام يسوع، (راجع متّى 17، 20). شكرًا لكم لأنّكم قبلتم هذه الدّعوة، فاجتمعتم هنا، عند قبر القدّيس بطرس، وفي أماكن كثيرة أخرى من العالم، لتتضرّعوا من أجل السّلام. الحرب تُفرّق، أمّا الرّجاء فيوحّد. التّسلّط يدوس الإنسان، أمّا المحبّة فترفعه. عبادة الأصنام تُعمي، أمّا الله الحيّ فهو نور. يكفي قليل من الإيمان، ذرّة من الإيمان، أيّها الأعزّاء، لنواجه معًا، باسم الإنسانيّة وبروح الإنسانيّة، هذه السّاعة المأساويّة من التّاريخ. في الواقع، الصّلاة، ليست ملجأً نهرب إليه لنتنصّل من مسؤوليّاتنا، وليست مخدّرًا نتجنّب به الألم الذي تسبِّبُه هذه المظالم الكثيرة. بل هي الجواب الأشدّ مجّانيّة، والأكثر شموليّة، والأقوى تأثيرًا في وجه الموت: نحن شعب قد سبق وقام! ففي داخل كلّ واحد منّا، وفي كلّ إنسان، الرّبّ المعلِّم في داخل كلّ إنسان يعلِّم السّلام، ويدفع إلى اللقاء، ويوحي بالصّلاة. فلنرفع إذًا نظرنا! ولننهض من تحت الأنقاض! لا شيء يمكنه أن يحبسنا في مصير مكتوب سلفًا، ولا حتّى في هذا العالم الذي يبدو أنّ القبور فيه لا تكفي، لأنّ الإنسان ما زال يُصلب، وما زالت الحياة قيد الإبادة، بلا قانون وبلا رحمة.
القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني، كان الشّاهد الذي لا يكلّ من أجل السّلام، قال بتأثّر في سياق الأزمة العراقيّة سنة 2003: "أنا أنتمي إلى الجيل الذي عاش الحرب العالميّة الثّانية ونجا منها. وعلَيّ واجب أن أقول لجميع الشّباب، للذين هم أصغر منّي ولم يختبروا ذلك: ”لا للحرب مرّة أخرى!“، كما قال البابا بولس السّادس في زيارته الأولى إلى الأمم المتّحدة. يجب أن نبذل كلّ ما في وسعنا! نحن نعلَم جيّدًا أنّ السّلام ليس ممكنًا بأيّ ثمن. لكنّنا نعلَم جميعًا كم هي كبيرة هذه المسؤوليّة" (صلاة الملاك، 16 آذار 2003). وأنا أكرّر هذا المساء نداءه، وما يزال ينطبق على أيامنا هذه.
الصّلاة تُربّينا على العمل. الإمكانات البشريّة المحدودة تتّحد في الصّلاة بإمكانات الله اللامتناهية. وهكذا تُحطِّم الأفكارُ والكلام والأعمال سلسلةَ الشّرّ الشّيطانيّة، وتُسخَّر لخدمة ملكوت الله: ملكوت لا سيف فيه، ولا طائرة مسيّرة، ولا انتقام، ولا يصير الشّرّ فيه مبتذلًا، ولا ربح جائرًا، بل فقط كرامة وتفاهم ومغفرة. لدينا هنا سدٌّ منيع في وجه هذيان القدرة المطلقة الذي يُحيط بنا، والذي يزداد جنونًا وعدوانية. التّوازنات داخل الأسرة البشريّة قد اختلّت بشكل خطير. بل إنّ اسم الله القدّوس، إله الحياة، صاروا يخلطونه بخطابات الموت. وهكذا يختفي عالم من الإخوة والأخوات الذين لهم أب واحد في السّموات، وتتحوّل الحقيقة، كما في كابوس ليليّ، إلى عالم يعجّ بالأعداء. في كلّ مكان يشعر النّاس بالتّهديدات بدل النّداءات إلى الإصغاء واللقاء. أيّها الإخوة والأخوات، من يصلّي يدرك حدوده، فلا يقتل ولا يهدّد بالموت. أمّا الذي يدير ظهره لله الحيّ فهو الذي يجعل نفسه عبدًا للموت، فيجعل من ذاته ومن سلطته صنمًا أبكم أعمى أصمّ (راجع مزمور 115، 4-8)، يضحّي أمامه بكلّ القِيَم، ويطالب العالم كلّه بأن ينحني له.
كفى عبادةً للذات وللمال! كفى استعراضًا للقوّة! كفى حربًا! القوّة الحقيقيّة تتجلّى في خدمة الحياة. كتب القدّيس البابا يوحنّا الثّالث والعشرون ببساطة إنجيليّة، قال: "مِن السّلام يستفيد الجميع: الأفراد، والعائلات، والشّعوب، والأسرة البشريّة بأسرها". وأضاف، مكرّرًا كلمات البابا بيوس الثّاني عشر الموجزة: "لا شيء يُفقد بالسّلام، وكلّ شيء يمكن أن يُفقد بالحرب" (رسالة بابويّة عامّة، السّلام على الأرض، 62).
لنوحّد إذًا الطّاقات الأخلاقيّة والرّوحيّة لملايين، بل مليارات الرّجال والنّساء، من كبار وصغار، الذين يؤمنون اليوم بالسّلام، ويختارون السّلام، ويضمدون الجِراح، ويصلحون الأضرار التي خلّفها جنون الحرب. إنّي أتلقّى رسائل كثيرة من أطفال من مناطق النّزاع: وعند قراءتها يُدرك الإنسان، ببراءةٍ صادقة، هولَ ولاإنسانيّة الأفعال التي يتباهى بها بعض البالغين. لنصغِ إلى صوت الأطفال!
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، نعم، هناك مسؤوليّات لا يمكن التخلّي عنها تقع على عاتق قادة الأمّم. إليهم نصرخ: توقّفوا! لقد حان وقت السّلام! اجلسوا إلى طاولات الحوار والوساطة، لا إلى الطّاولات التي يُخطَّط عليها إعادة التسلّح واتّخاذ قرارات الموت! وهناك أيضًا مسؤوليّة لا تقلّ شأنًا تقع على عاتقنا جميعًا، نحن الرّجال والنّساء من بلدان مختلفة: نحن حشدٌ هائل نرفض الحرب بالأعمال، لا بالكلام فقط. الصّلاة تُلزمنا بأن نحوّل ما تبقّى من عنف في قلوبنا وعقولنا: لِنَتُب ونَعُد إلى ملكوت سلام يُبنى يومًا بعد يوم، في البيوت، والمدارس، والأحياء، وفي الجماعات المدنيّة والدّينيّة، ولنأخذ المزيد من المساحات المتبقية للجدل والاستسلام ونجعلها للصّداقة وثقافة اللقاء. لِنَعُدْ إلى الإيمان بالمحبّة، والاعتدال، والسّياسة الصّالحة. لنكوِّن أنفسنا ونلتزم، كلّ واحد بحسب دعوته. فلكلّ واحد مكانه في فسيفساء السّلام!
المسبحة الورديّة، مثل سائر الوسائل القديمة جدًّا من الصّلاة، جمعتنا هذا المساء بإيقاعها المنتظم القائم على التّكرار: وهكذا يشقّ السّلام طريقه، كلمة بعد كلمة، وحركة بعد حركة، كما تتآكل الصّخرة قطرة بعد قطرة، وكما تتقدّم الحياكة على النول حركة بعد حركة. إنّها أزمنة الحياة الطّويلة، علامة صبر الله. نحن بحاجة إلى ألّا ننجرف وراء تسارع عالم لا يعرف ما يسعى إليه، بل لنعد إلى خدمة إيقاع الحياة، وتناغم الخليقة، والاهتمام بجراحها. وكما علّمنا البابا فرنسيس، "هناك حاجة إلى صانعي سلام، مستعدّين للشروع في عمليّات الشّفاء والتلاقي، ببراعة وجرأة" (رسالة بابويّة عامّة، كلّنا إخوة، 225). في الواقع، هناك "”هندسة“ للسلام، تسهم فيها مؤسّسات المجتمع المختلفة، كلٌّ بحسب اختصاصه، ولكن هناك أيضًا ”عمل حِرفَيّ“ للسلام يشملنا" (المرجع نفسه، 231).
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، لنعد إلى بيوتنا حاملين هذا الالتزام: أن نصلّي دائمًا بلا ملل، وأن نسعى إلى توبة عميقة في القلب. الكنيسة شعب عظيم في خدمة المصالحة والسّلام، تسير بثبات دون تردّد، حتّى ولو عرَّضَها رفضُ منطق الحرب لسوء الفهم والازدراء. إنّها تعلن إنجيل السّلام وتربّي على طاعة الله لا طاعة النّاس، ولا سيّما عندما تكون كرامة الآخرين المطلقة مهدَّدة بانتهاكات متواصلة للقانون الدّوليّ. "في جميع أنحاء العالم، هناك أمل أن تصير كلّ جماعة ”بيتًا للسّلام“، حيث نتعلَّم نزع فتيل العداء بالحوار، وحيث نمارس العدل ونصون المغفرة. في الواقع، اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، يجب أن نُبَيِّن أنّ السّلام ليس خيالًا" (رسالة في اليوم العالميّ التَّاسع والخمسين للسَّلام، 1 كانون الثَّاني 2026).
أيّها الإخوة والأخوات من كلّ لغة وشعب وأمّة: نحن عائلة واحدة تحزن، وترجو، وتنهض من جديد. "لا للحرب مرّة أخرى، إنّها مغامرة بلا عودة، لا للحرب مرّة أخرى، إنّها دوّامة من الأحزان والعنف" (القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني، صلاة من أجل السّلام، 2 شباط 1991).
أيّها الأعزّاء، السّلام لكم جميعًا! إنّه سلام المسيح القائم من بين الأموات، ثمرة ذبيحة حبّه على الصّليب. ولهذا نرفع إليه صلاتنا ونقول:
أيّها الرّبّ يسوع،
أنت غلبت الموت بلا سلاح ولا عنف:
وأزلتَ سلطانه بقوّة السّلام.
امنحنا سلامك،
كما منحته للنّساء الحائرات صباح يوم الفصح،
وكما منحته للتلاميذ المختبئين والخائفين.
أرسل روحَك،
النَّفَس الذي يهب الحياة، ويصالح،
ويجعل من الخصوم والأعداء إخوةً وأخوات.
ألهمنا ثقة مريم العذراء، أمّك،
التي وقفت بقلبٍ مكلوم عند صليبك،
راسخة في الإيمان بأنّك ستقوم من بين الأموات.
لِيَنتَهِ جنون الحرب،
ولتكُن الأرض موضوع عناية وتنمية من قبل الذين ما زالوا يعرفون
أن يَلِدوا الحياة، ويحرسوها، ويحبّوها.
استجب لنا، يا ربّ الحياة!