موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
عدل وسلام
نشر الأحد، ١٩ ابريل / نيسان ٢٠٢٦
البابا لاون يزور كنيسة في أنغولا تحمل ذاكرة العبودية ورسالة المصالحة

أبونا :

 

تم بناء كنيسة سيدة موكسيما على يد المستعمرين البرتغاليين في أنغولا في أواخر القرن السادس عشر، كجزء من مجمّع حصن عسكري، وقد تحوّلت لاحقًا إلى مركز لتجارة الرقيق. ولا تزال هذه الكنيسة تمثّل تذكيرًا بالعلاقة المعقّدة والمتشابكة التي ربطت، قبل مئات السنين، بين الكاثوليكية واستغلال القارة الإفريقية.

 

وتأتي زيارة البابا لاون الرابع عشر المرتقبة إلى هذه الكنيسة، الواقعة في بلدة موكسيما يوم الأحد ضمن جولته الإفريقية، اعترافًا لشهرتها كمزار كاثوليكي شهير (Mama Muxima)، بعد أن أفاد مؤمنون بظهور للسيدة العذراء هناك حوالي عام 1833.

 

لكن قبل ذلك، كانت الكنيسة ذات الجدران البيضاء، الواقعة على ضفاف نهر كوانزا، نقطةً كان يُجمع فيها الأفارقة المستعبَدون ليتم تعميدهم على يد كهنة برتغاليين، قبل إجبارهم على السير لمسافة 145 كيلومترًا نحو ميناء لواندا الرئيسي في أنغولا، ليتم نقلهم على متن السفن المتجهة إلى الأميركيتين.

 

 

أنغولا في قلب تجارة العبيد

 

في نهاية المطاف، غادر أكثر من خمسة ملايين شخص أنغولا عبر طرق تجارة الرقيق عبر الأطلسي، وهو العدد الأكبر مقارنة بأي بلد آخر، ويشكّل ما يقارب نصف عدد العبيد الأفارقة، البالغ نحو 12.5 مليون شخص، الذين نُقلوا عبر المحيط.

 

وليس واضحًا ما إذا كان البابا لاون سيتطرّق إلى قضية العبودية خلال رحلته الإفريقية، كما فعل البابا يوحنا بولس الثاني خلال زياراته إلى الكاميرون عام 1985 والسنغال عام 1992. وكان جو بايدن قد زار أنغولا في الأشهر الأخيرة من رئاسته عام 2024، وتحدّث عن العبودية باعتبارها «الخطيئة الأصلية» للولايات المتحدة.

 

لكن بعض الكاثوليك الأفارقة يرون في هذه الزيارة لحظة رمزية عميقة، خصوصًا عندما يتلو رأس الكنيسة الكاثوليكية -وهو أميركي الأصل- صلاة المسبحة على الواجهة النهرية بجوار الحصن والكنيسة العريقة في موكسيما، كما هو مخطّط له.

 

وقال الأب سيليستينو إيبالانغا، وهو كاهن في مجلس الأساقفة الكاثوليك في أنغولا: «بالنسبة لي، إن ذهاب البابا إلى هناك لصلاة المسبحة الوردية... سيمنح هذا المكان معنى جديدًا. علينا أن نعيد تفسيره، وأن نجعله مكانًا مقدّسًا بدلًا من أن يكون مكانًا للشر».

 

 

من مكان لا أخلاقي إلى مزار

 

ولفتت جماريانا كانديدو، أستاذة التاريخ في جامعة إيموري في أتلانتا، إلى تحوّل موقع مرتبط بفعل لا أخلاقي كموكسيما إلى مزار للأنغوليين، معتبرة أن البابا قد يكون واعيًا لهذه الخلفية عندما يزور المكان للتواصل مع جيل جديد من الكاثوليك في إفريقيا.

 

وقالت: «أرى في ذلك وسيلة للتواصل مع الكاثوليك في أنغولا، وجعل الكنيسة أكثر انسجامًا مع كيفية ممارسة الإيمان الكاثوليكي في أنغولا وفي الدول الإفريقية». وأضافت أن البابا مؤهّل لذلك، نظرًا لتاريخه في خدمة المجتمعات في مسقط رأسه شيكاغو، التي تضم عددًا كبيرًا من الأميركيين من أصول إفريقية.

 

من جهته، قال ستان تشو إيلو، وهو كاهن نيجيري وأستاذ في جامعة ديبول في شيكاغو، إنه لاحظ مؤشرات على سعي البابا لتعزيز الروابط مع إفريقيا، من خلال رفع مكانة شخصيات إفريقية داخل الكنيسة، ومن بينها الترقية الأخيرة للمونسنيور أنتوني إكبو من نيجيريا إلى منصب رفيع في الفاتيكان. وأضاف: «هذا البابا يعمل بنشاط على تعزيز الحضور الإفريقي داخل الكنيسة، ويحاول –برأيي- معالجة النظرة التي كانت ترى إفريقيا مجرد إضافة شكلية».

 

وكان البابا لاون قد صرّح في بداية رحلته أنه قرر، في شهر أيار من العام الماضي، وبعد فترة قصيرة من انتخابه، أن تكون إفريقيا أولى زياراته البابوية، رغم تأجيل ذلك بسبب رحلات أخرى، مؤكدًا أن هذه الزيارة «مميّزة جدًا لعدة أسباب».

 

 

كنيسة تواجه تحديات الحاضر

 

تحمل أنغولا ندوبًا عميقة جرّاء العبودية والاستعمار. فقد كانت مستعمرة برتغالية حتى عام 1975، وبعد الاستقلال مباشرة انزلقت البلاد إلى حرب أهلية دامية وضعت الأنغوليين المحررين حديثًا من الاستعمار في مواجهة بعضهم البعض. استمر الصراع بشكل متقطّع لمدة 27 عامًا، وأودى بحياة أكثر من نصف مليون شخص.

 

يُقرّ كل من الكاهنين الأفريقيين إيبالانغا وتشو إيلو بأثر الاستعمار، لكنهما أكدا على أهمية أن يُعيد البابا لاون الرابع عشر إحياء الكنيسة الكاثوليكية في أنغولا -التي أدخلها المستعمرون في الأصل- لتكون قوة خير تُواجه مشاكل العصر الحديث.

 

وقد أعلن الفاتيكان أن من بين القضايا التي سيتناولها البابا خلال زيارته لإفريقيا: استغلال الموارد الطبيعية والبشرية، والفساد، والأنظمة الاستبدادية.

 

وهذا ما يلقى صدى لدى أوليفيو نكيلومبو، وهو نائب معارض في البرلمان الأنغولي، الذي قال إن البلاد لا تزال تفتقر إلى ديمقراطية حقيقية تخدم سكانها البالغ عددهم 37 مليون نسمة، رغم مرور أكثر من نصف قرن على الاستقلال. وأشار إلى عقود من الحكومات الاستبدادية والتفاوت الاقتصادي الذي أبقى ملايين الناس في براثن الفقر، رغم ثروات البلاد من النفط والألماس وغيرها.

 

وقال: «ما زلنا نفتقر إلى الديمقراطية والحرية»، مضيفًا أنه يأمل أن يكون البابا «حاجًا للسلام والمصالحة»، وأن يحمل أيضًا رسالة قوية تدعو إلى العدالة الاجتماعية. وأشار نكيلومبو، رغم أنه ليس كاثوليكيًا، إلى تقديره لدور الكنيسة الكاثوليكية في أنغولا، باعتبارها في طليعة المطالبين بالمساواة.

 

ويجسّد الأب إيبالانغا هذا الدور، إذ يشغل، إلى جانب خدمته الكهنوتية، منصب الأمين التنفيذي للجنة الكاثوليكية للعدالة والسلام في أنغولا، التي تعمل بنشاط لتعزيز الديمقراطية والتخفيف من الفقر وعدم المساواة، وغالبًا ما تتحدّى السلطات.

 

وقال إيبالانغا إنه من بين العديد من أعضاء الكنيسة الذين تمت دعوتهم للقاء البابا خلال زيارته لأنغولا، مضيفًا أنه إذا أتيحت له فرصة التحدث إليه، فسيقول: «سأشكره على قدومه، وأطلب منه أن يدعو الأساقفة إلى مزيد من الالتزام تجاه الفقراء وقضايا العدالة الاجتماعية».