موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٩ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦
البابا لاون في خطابه للدبلوماسيين المعتمدين: الحرب رجعت كأنّها موضة العصر

أبونا :

 

حذّر قداسة البابا لاون الرابع عشر، اليوم الجمعة، من أن "الحرب رجعت كأنّها ”موضة“ العصر"، وأن السعي لتحقيق السلام أصبح يُنظر إليه بشكل متزايد من خلال القوة بدل العدالة، داعيًا إلى التواضع والحوار والتجديد في الالتزام بمبادئ التعدّدية.

 

وخلال خطابه الموجّه إلى السلك الدبلوماسي المعتمد لدى الكرسي الرسولي، في التقليد السنوي لتبادل التهاني بمناسبة العام الجديد، نبّه الحبر الأعظم إلى أنّ أسس التعايش الدولي تتعرّض للتآكل تدريجيًا، حيث يحلّ منطق القوة والردع محل الدبلوماسية القائمة على الحوار. وقال: "انكسر المبدأ الذي أُقرّ بعد الحرب العالميّة الثانية، الذي كان يَنهى الدول من أن تستخدم القوّة لانتهاك حدود غيرها"، محذّرًا من أنّ هذا الأمر "يقوّض بشكل خطير سيادة القانون".

 

 

لحظة مفصلية في السنة الدبلوماسية للكرسي الرسولي

 

ويُعدّ اللقاء السنوي بين البابا والسفراء أحد أبرز اللحظات في التقويم الدبلوماسي للفاتيكان. ويُعرف غالبًا باسم "خطاب حالة العالم"، حيث يقدّم البابا خلاله قراءة أخلاقية للحياة الدولية، متوجّهًا إلى الضمير أكثر من المصالح، في بداية العام الجديد، كدعوة للمسؤولية وضبط النفس والتجديد.

 

وبالنسبة للبابا لاون الرابع عشر، الذي وصف المناسبة بأنها "أمر جديد" بعد توليه رعاية قطيع المسيح قبل أشهر قليلة، كانت الكلمة أيضًا فرصة لبيان الأفق الأخلاقي الذي ينطلق منه الكرسي الرسولي في فهمه للدبلوماسية: عمل صبور يقوم على اللقاء، والدفاع عن الضعفاء، والالتزام بالسلام المبني على الحقيقة.

 

 

الحدود والقانون وعودة "السلام بالقوة"

 

أسف البابا لاون الرابع عشر على تآكل المبدأ الذي أُرسِي بعد الحرب العالمية الثانية، والذي يفرض على الدول الالتزام بعدم استخدام القوة لانتهاك حدود الآخرين، مشيرًا إلى أنّ السلام يُسعى إليه اليوم بشكل متزايد من خلال "قوّة السلاح، باعتباره شرطًا لفرض الهيمنة والسيادة"، وهو منطق “يقوّض بشكل خطير سيادة القانون، التي تُعدّ الأساس لكلّ عيش مدنيٍّ معًا بسلام".

 

واستشهد البابا بالقديس أغسطينوس، مستندًا إلى كتابه مدينة الله، حيث يتناول الكبرياء والسلطة ووهم الأمن. وأوضح أنّ الذين يخوضون الحروب يسعون في نهاية المطاف إلى السلام، لكن ليس كخير مشترك، بل كسلام يمتلكونه لأنفسهم، قائلاً: "الذين يريدون كسر السلام الذي يعيشون فيه، لا يكرهون السلام، بل يريدون أن يكون خاضعًا لسلطتهم الحرّة. إذًا، هم لا يريدون انعدام السلام، بل يريدون السلام الذي يريدونه هُم".

 

وأشار البابا إلى أنّ هذا الانحراف هو ما أدى بالبشرية إلى مأساة الحرب العالمية الثانية، والتي نشأت من رمادها الأمم المتحدة قبل ثمانين عامًا لتكون "مركزًا للتعاون متعدّد الأطراف، بهدف منع الكوارث العالمية، وحماية السلام، والدفاع عن حقوق الإنسان الأساسية، وتعزيز التنمية المستدامة".

 

 

القانون الإنساني يجب أن يسود دائمًا

 

انتقل البابا من المبادئ القانونية إلى التكلفة الفعلية للحرب، وخصوصًا عندما يصبح المدنيون أهدافًا، وعندما تُدمّر البنى التحتية الحيوية. وقال: "أودّ أن أؤكّد بصورة خاصة على أهميّة القانون الدولي الإنساني، إذ لا يجوز أن يخضع احترامه للظروف أو للمصالح العسكريّة والاستراتيجيّة.. إنّه التزام تعهّدت الدول باحترامه، ومن ثمّ يجب أن يقدّم دائمًا على مقاصد المتحاربين".

 

وشدّد البابا على أنّ الهجمات على "تدمير المستشفيات، والبنى التحتيّة للطاقة، والمساكن، والأماكن الضرورية للحياة اليوميّة.. هو انتهاك جسيم للقانون الدوليّ الإنساني". وأكد إدانة الكرسي الرسولي "لكل أشكال إصابة المدنيين في العمليات العسكرية"، معربًا عن أمله في أن تتذكّر الأسرة الدوليّة "أن حماية مبدأ حرمة الكرامة الإنسانيّة وقدسيّة الحياة يجب أن تكون دائمًا أهمّ من أي مصلحة وطنيّة".

 

 

تسمية النزاعات والدعوة للسلام

 

طبق البابا هذا الإطار الأخلاقي على أزمات عديدة حول العالم، متطرّقًا إلى "الحرب المستمرة في أوكرانيا" وما تحمله من آلام تحلق بالسكان المدنيين، مطالبًا بوقف فوري لإطلاق النار، وفتح حوار "تحرّكه الرغبة الصادقة في البحث عن سبل قادرة على أن تقود إلى السلام".

 

كما لفت إلى الأوضاع في الأرض المقدسة قائلاً: "تستمرّ المعاناة الإنسانيّة للسكان المدنيين رغم الهدنة المعلنة في شهر تشرين الأول، ما يزيد من وطأة المعاناة التي كانوا يعيشونها من قبل. يتابع الكرسي الرسوليّ باهتمام خاصّ كلّ مبادرة دبلوماسيّة تهدف إلى ضمان مستقبل من السلام والعدالة الدائمة للفلسطينيين في قطاع غزة في أرضهم، كما لجميع الشعب الفلسطيني وكافة الشّعب الإسرائيلي. وبشكل خاص، يظلّ حلّ الدولتين هو الإطار المؤسّسي الذي يستجيب لتطلعات الشعبين المشروعة. بدل ذلك نرى، للأسف، تصاعد أعمال العنف في الضفة الغربيّة، ضدّ السكان المدنيين الفلسطينيين، الذين لهم الحق في العيش بسلام على أرضهم".

 

كما عبّر البابا عن قلقه إزاء تفاقم التوترات في البحر الكاريبي وعلى السواحل الأمريكية المطلة على المحيط الهادىء، داعيًا إلى حلول سياسية سلمية للأوضاع الحالية. وذكّر قداسته بالأزمة في فنزويلا، داعيًا إلى "احترام إرادة الشعب الفنزويلي، والالتزام بحماية الحقوق الإنسانيّة والمدنيّة لكل فرد، وبناء مستقبل من الاستقرار والوئام"، مستلهمًا شهادة قديسيَن فنزويلييَن تم تقديسهما مؤخرًا (خوسيه غريغوريو هرنانديز والأخت كارمن رينديلس) كقدوة "لبناء مجتمع يقوم على العدالة والحق والحرية والأخوّة، وبالتالي النهوض من الأزمة العميقة التي تعصف بالبلاد منذ سنوات طويلة".

 

وتطرّق البابا لاون أيضًا إلى العنف وعدم الاستقرار في هايتي، وحثّ على تقديم دعم ملموس من المجتمع الدولي، وذكر مناطق البحيرات الكبرى في أفريقيا، والسودان وجنوب السودان، وتوتّر الأوضاع في شرق آسيا وميانمار، داعيًا إلى "اختيار طرق السلام والحوار الشامل بشجاعة، وضمان تمكّن الجميع من الوصول العادل والسريع إلى المساعدات الإنسانية".

 

 

الخطر النووي والحوكمة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي

 

وأوضح البابا أنّ أساس العديد من هذه الأزمات يكمن في الاعتقاد المستمر بأن "السلام ممكن فقط بالقوة والعنف وبقوّة الردع"، مؤكّدًا أنّ السلام "يتطلّب جهدًا مستمرًا وصبورًا في البناء وسهرًا دائمًا"، خصوصًا من قبل تلك الدول التي تمتلك مخزونًا من الأسلحة النووية.

 

وأشار إلى ضرورة ضبط الأسلحة النووية، مع التذكير باقتراب انتهاء معاهدة نيو ستارت في شباط، محذرًا من العودة إلى سباق يشمل إنتاج أسلحة جديدة أكثر تطوّرًا، بما فيها تلك التي تُطوّر باستخدام الذكاء الاصطناعي. وقال إنّ الذكاء الاصطناعي "أداة تحتاج إلى إدارة ملائمة وأخلاقيّة، وإلى أحكام تنظيميّة تركّز على حماية الحريّة وتحمّل المسؤوليّة الإنسانيّة".

 

 

المهاجرون والسجناء وروح اليوبيل

 

امتد دفاع البابا عن الكرامة ليشمل المهاجرين والسجناء، حيث غالبًا ما يُنظر إليهم كأرقام أو مشكلات بدل أشخاص. وقال: "كل مهاجر هو إنسان، وبهذه الصفة، فإنّه يمتلك حقوقًا غير قابلة للتصرّف ويجب احترامها في كلّ ظرف"، مشيرًا إلى أنّ "كثيرين يجبرون على الفرار بسبب العنف والاضطهاد والنزاعات، وأيضًا بفعل آثار التغيّرات المناخيّة، كما يحدث في أجزاء مختلفة من إفريقيا وآسيا".

 

كما شدّد على أنّ السجناء "لا يجوز تقييدهم إلى الأبد بالجرائم التي ارتكبوها"، معبّرًا عن شكره للحكومات التي استجابت لنداء اليوبيل الخاص بالرأفة، ومؤكدًا ضرورة أن تصبح روح اليوبيل مصدر إلهام "لإدارة العدالة بصورة دائمة"، بما يشمل إلغاء عقوبة الإعدام، التي وصفها بأنها "تقضي على كلّ رجاء في الغفران والتجدّد"، مع التذكير بمعاناة العديد من السجناء السياسيين الموجودين في دول كثيرة.

 

 

أزمة اللغة وتراجع الحرية

 

ونبّه البابا إلى أنّ اللغة نفسها تتعرض لأزمة، إذ تتآكل وتُستغل، وتصبح أداة لإلحاق الضرر. وقال: "لعلَّ إعادة اكتشاف معاني الكلمات هو أحد أوّل التحدّيات في عصرنا. فعندما تفقد الكلمات ارتباطها بالواقع، ويغدو الواقع نفسه رأيًا قابلًا للجدل وفي نهاية المطاف غير قابل للتواصل".

 

واستشهد بأغسطينوس، مشيرًا إلى مثال شخصين يُجبران على التعايش بدون لغة مشتركة، وبيّن أنّ اللغة تُستغل اليوم كأداة لخداع الآخرين أو مهاجمتهم، داعيًا إلى استخدام كلمات تعبّر بوضوح عن الحقائق، لاستعادة الحوار الحقيقي في الأسرة والسياسة والإعلام والعلاقات الدولية.

 

ونبّه البابا من المفارقة في أنّ الكلمة فقدت معناها وذلك باسم الدفاع عن حريّة التعبير نفسها، وشدّد على أنّ "حريّة الكلام والتعبير تُصان وتُضمَن بفضل وضوح اللغة ودلالتها الأكيدة، وتكون كلّ كلمة مرتبطة بالحقيقة"، منبّهًا من "خطاب جديد بحسب أسلوب أورويل، الذي يدّعي مزيدًا من الشموليّة، وهو يعمل على إقصاء كلّ من لا يتكيّف مع الإيديولوجيات التي تحرّكه".

 

 

حرية الضمير والدين

 

انتقل البابا بعد ذلك إلى الحقوق المهدّدة، لا سيما حرية الضمير والدين. وأكد أنّ "الاعتراض باسم الضمير ليس تمرّدًا، بل هو فعل أمانة ووفاء للذات"، ويعكس حقيقة أنّ المجتمع الحر "لا يفرض التسوية بين الأفراد، بل يحمي تنوّع الضمائر"، ويعزّز حوارًا أخلاقيًّا يُغني النسيج الاجتماعي.

 

وشدّد على أنّ حرية الدين هي أول كل الحقوق الإنسانية، مذكّرًا بارتفاع الانتهاكات عالميًا، حيث يعاني 64% من سكان العالم انتهاكات خطيرة. وطالب بالاحترام الكامل للمسيحيين وجميع الجماعات الدينية، مجدّدًا الرفض القاطع لكلّ أشكال معاداة السامية.

 

وأشار إلى أنّ اضطهاد المسيحيين يبقى أحد أكبر أزمات حقوق الإنسان، متأثرًا بمئات الملايين حول العالم، بما في ذلك ضحايا العنف في بنغلاديش ومنطقة الساحل ونيجيريا، والاعتداء الإرهابي الخطير الذي وقع في حزيران على رعيّة القديس إيليا في دمشق، وكذلك في الموزانبيق، إلى جانب التمييز الذي يمارس بشكل خفي ضد الجماعات المسيحية نفسها.

 

 

الحق في الحياة كأساس لكل الحقوق

 

جدّد البابا التأكيد على أنّ "الحق في الحياة تشكّل الأساس الذي لا غنى عنه لجميع حقوق الإنسان الأخرى. فالمجتمع لا يكون سليمًا ومتقدّمًا إلا عندما يصون قدسيّة الحياة البشريّة ويعمل بنشاط على تعزيزها"، محذرًا من انفصال حقوق الإنسان عن الواقع والحقيقة.

 

وقال قداسته: "الحق في حريّة التعبير، وحريّة الضمير، والحريّة الدينيّة، بل الحق في الحياة، صار يتعرّض لتقييدات باسم حقوق أخرى يُزعَم أنّها جديدة، ما يؤدّي إلى إضعاف البنية نفسها لحقوق الإنسان ويفسح المجال للقوّة والاستبداد. ويحدث ذلك عندما يصير كلّ حقٍ ومرجعيته ذاته، ولا سيّما عندما يفقد ارتباطه بواقع الأشياء وطبيعتها وبالحقيقة".

 

وتطرّق إلى الأسرة باعتبارها "المكان المميّز والفريد التي يتعلّم فيها الإنسان أن يحبّ، وأن تنمو فيه القدرة على خدمة الحياة، مساهمًا بذلك في تنمية المجتمع وفي رسالة الكنيسة"، مشيرًا إلى تحديين أساسيين: تهميش الأسرة كمؤسسة في النظام الدولي بصورة تدريجيّة، والواقع المتنامي والمؤلم لعائلات هشّة، متفكّكة ومتألّمة، تعاني من صعوبات داخليّة ومن ظواهر مقلقة، بما فيها العنف الأسري، مؤكدًا رفض الكنيسة لكل الممارسات التي تهدد الحياة ودعم الموارد العامة للأمهات والعائلات.

 

 

بذور السلام وشجاعة المغفرة

 

ورغم قسوة تشخيصه للأوضاع، شدّد البابا لاون على أنّ السلام يبقى "خيرًا صعبًا لكنه ممكن"، مستشهدًا بأغسطينوس الذي وصف السلام بأنه "غاية خيرنا" وهو "الغاية الحقيقة لمدينة الله التي نطمح إليها". وقال إن تحقيق السلام يتطلّب "تواضعًا وشجاعة": تواضع الحقيقة وشجاعة المغفرة، مشيرًا إلى أنّ هذه الفضائل تتجلّى في الميلاد وعيد الفصح.

 

واختتم البابا كلمته بالإشارة إلى علامات الأمل، مثل اتفاقات دايتون في البوسنة والهرسك، وإعلان السلام بين أرمينيا وأذربيجان، وجهود السلطات الفيتنامية لتحسين العلاقات مع الكرسي الرسولي، معتبرًا إياها "بذور سلام" تحتاج إلى العناية والرعاية لتنمو.

 

كما أشار الحبر الأعظم إلى الاحتفال بالذكرى المئوية الثامنة لوفاة القديس فرنسيس الأسيزي، رجل السلام والحوار، في شهر تشرين الأول، داعيًا الجميع إلى الاقتداء بشهادته في السلام والحوار، وتمنّى للجميع "قلبًا متواضعًا وبانيًا للسلام" مع بداية هذه السنة الجديدة.