موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٣٠ مايو / أيار ٢٠٢٦
البابا: لا تكفي التكنولوجيا فالشباب بحاجة إلى معنى يعيشون من أجله

أبونا :

 

أكد البابا لاون الرابع عشر أن الصحة النفسية للشباب تُعدّ «واحدة من أكثر التحديات إلحاحًا وحسمًا في زمننا»، مشيرًا إلى أن كثيرين من الشباب «يمتلكون أدوات تكنولوجية متطورة بشكل متزايد، لكنهم يجدون صعوبة في إيجاد معنى يعيشون من أجله، ويرجون به، ويحبّون من خلاله، بل وحتى يتألّمون في سبيله».

 

وجاءت كلمات البابا خلال استقباله المشاركين في لقاء «خرائط رجاء من أجل أجندة تربوية إقليمية: الصحة النفسية، والتقنيات الرقمية، والتربية»، الذي نُظّم في الفاتيكان بمبادرة من دائرة الثقافة والتربية، واللجنة الحبرية لأميركا اللاتينية، ومنظمة الدول الإيبيرية الأميركية للتربية والعلوم والثقافة.

 

وشدّد الحبر الأعظم على أن موضوع الصحة النفسية لا يمكن التعامل معه «كمسألة سريرية أو تقنية فحسب»، بحيث تكفي مساهمات العلوم وعلم النفس والطب وعلوم الأعصاب لمعالجته، بل إن التربية تؤدي دورًا أساسيًا فيه. وأضاف أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش حياة «أصيلة» إلا ضمن «أفق من المعنى»، مؤكدًا: «إذا كانت التكنولوجيا تربطنا ببعضنا البعض، فإن التربية هي التي تُشكّلنا. فالتربية تعني مرافقة الشباب لاكتشاف ليس فقط كيف يعيشون، بل أيضًا لماذا يعيشون».

 

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتوقف فيها البابا عند المعاناة النفسية والعاطفية التي يعيشها الشباب بسبب الضغوط الاجتماعية المتزايدة. فقد سبق أن أشار خلال زيارته الرسولية إلى جامعة «لا سابينزا» في روما منتصف شهر أيار إلى أن «كثيرًا من الشباب يعانون اليوم بسبب ابتزاز التوقعات والضغط المرتبط بالأداء والنجاح».

 

وعاد اليوم ليؤكد الفكرة نفسها، محذرًا من «المعاناة الداخلية العميقة» التي تنشأ عندما يُختزل الإنسان إلى «أداء أو استهلاك أو مجرد رقم إحصائي». وقال إن كثيرين يعيشون اليوم «تحت وطأة التوقعات ومتطلبات الإنجاز، وسط منافسة مفرطة تولّد القلق والخوف من عدم الكفاءة والضياع».

 

وأضاف البابا أن «الفراغ الداخلي والعزلة واليأس تزداد عندما يظلم الأفق أمام الإنسان»، بينما تولد الرجاء عندما يكتشف الشخص أنه محبوب، وأن لحياته قيمة، وأنه مدعو إلى رسالة في هذا العالم. وذكّر بأن «الرجاء ليس وهمًا ساذجًا، بل قوة روحية تسند الحياة حتى في أصعب اللحظات».

 

وفي مواجهة هذه الأزمة، شدّد البابا على الدور المحوري للتربية، معتبرًا أنها تحمل «فنّ نسج الشركة الإنسانية». وأشار إلى الرسالة الرسولية «رسم خرائط جديدة للرجاء» التي صدرت في تشرين الأول الماضي، موضحًا أن من أهداف «الميثاق التربوي العالمي» أيضًا «تنمية الحياة الداخلية للإنسان».

 

وقال إنّه لا يكفي «ربط الشباب بالشبكات الرقمية إذا ظلوا منفصلين عن ذواتهم، وعن الآخرين، وعن عالمهم الداخلي». فتنمية الحياة الداخلية تعني، بحسب البابا، مساعدة الأجيال الجديدة على اكتشاف قيمة الصمت والتأمل، والقدرة على طرح الأسئلة، وعمق العلاقات الإنسانية، والانفتاح على البعد المتعالي.

 

وفي ختام كلمته، دعا البابا المؤسسات العامة والمدارس والجامعات والعائلات والجماعات الدينية، إضافة إلى الأوساط الثقافية والإعلامية، إلى العمل معًا من أجل تعزيز التعاون التربوي، وبناء «كوكبة تربوية عالمية» حقيقية، تساهم فيها كل مؤسسة وثقافة وشعب بعطائه الخاص لإضاءة مسيرة الإنسانية نحو المستقبل.