موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
دعا البابا لاون الرابع عشر الكنيسة في فرنسا إلى أن تكون «كنيسة حيّة ومتعددة وقريبة»، منفتحة على الجميع وقادرة على مداواة جراح المجتمع، مؤكدًا أن الجماعة المسيحية لا تشكل ملجأً ينغلق فيه المؤمنون هربًا من تعقيدات عصرهم، بل فضاءً للاستقبال والاحترام والمعنى. جاء ذلك خلال عظة ألقاها البابا، الجمعة 25 أيلول 2026، في كاتدرائية نوتردام في باريس، خلال صلاة الغروب مع الأساقفة والكهنة والشمامسة والمكرسين والإكليريكيين، ضمن زيارته الرسولية إلى فرنسا.
واستهل البابا عظته بالإشارة إلى الحريق الذي التهم الكاتدرائية قبل سبع سنوات، وقال إن العالم تابع حينها المشهد «حاسر الأنفاس»، مشيرًا إلى أن ذلك الحدث كشف أن نوتردام هي أكثر من مجرد معلم معماري، وأن مشارَكة المجتمع في إعادة إعمارها أظهرت أن «قلب شعب ينبض في هذا المكان»، حيث يلتقي الماضي بالمستقبل، والأرض بالسماء.
وأشار إلى أن أعمال ترميم الكاتدرائية لم تستعد حجارتها وجمالها فقط، بل أعادت أيضًا فتح مسارات ثقافية وروحية وإنسانية أمام الجميع، معتبرًا أن الكنيسة لم تتعامل مع مهمتها على أنها مجرد حفظ للتراث، بل باعتبارها دعوة إلى الإبداع وإحياء التقليد بروح تنظر برجاء إلى المستقبل.
وشدد البابا على أن هوية الكنيسة تنبع من التجسد ومن دعوتها الدائمة إلى «الخروج»، موضحًا أن المسيحيين لا يهربون من تعقيدات العالم، لأن الله نفسه أرسل ابنه إلى عالم حقيقي يحمل الخير والألم معًا. وقال إن الجماعة المسيحية «لا تشكل ملجأً ننغلق فيه لحماية أنفسنا من عصرنا»، بل هي مدعوة إلى أن تكون، مثل الكاتدرائيات القديمة، مكانًا للاستقبال والاحترام والوحي والمعنى لكل إنسان.
وأضاف أن قوة الكنيسة الحية تظهر في قدرتها على استقبال من هم في الأطراف، ومن يُنظر إليهم على أنهم بعيدون، والغريب الذي «يقرع المسيح من خلاله الباب»، داعيًا الكنيسة في مختلف المدن والمناطق الفرنسية، بما فيها المناطق الريفية والهامشية، إلى حضور رسولي بسيط وقريب يساهم في التوفيق بين الاختلافات الثقافية وشفاء جراح المجتمع.
كما دعا إلى تقدير الدور الرسولي للعلمانيين، معتبرًا أنهم «الطليعة الحية للكنيسة عند تقاطعات الحياة اليومية»، ومؤكدًا أن فقر الإمكانات لا يمنع الرسالة، لأن قوتها الحقيقية تنبع من نعمة الله وبساطة الحياة الإنجيلية.
وتوقف البابا عند المعنى الحقيقي للكاتدرائية، مؤكدًا أن الغاية الأساسية التي شُيّدت من أجلها نوتردام، مثل سائر الكنائس، هي الصلاة وتسبيح الله.
وقال: «الكاتدرائية ليست غلافًا من حجر يُعجب به»، مشددًا على أنها تحيا من السر المقدس الذي يُحتفل به داخلها، وأنها إذا فُصلت عن الحياة الليتورجية «تفقد روحها». وأوضح أن وضع المذبح في قلب الكاتدرائية يُظهر حقيقة الكنيسة باعتبارها جسدًا حيًا وجماعة مؤمنة تجمع في صلاتها ما تنقله الثقافة والتقليد، وتكشف من خلال احتفالها سبب وجودها ورسالتها.
وفي حديثه عن واقع الإنسان المعاصر، قال البابا إن العالم يعيش زمنًا يبدو أحيانًا خاليًا من العمق والامتلاء والوعود، معتبرًا أن بساطة الصلاة والكلمة والليتورجيا يمكن أن تصبح «ومضة رجاء وواحة سلام» وسط مجتمع شديد الضجيج والاتصال.
وأكد أن الصلاة والإصغاء الجماعي إلى الكتاب المقدس يساعدان المؤمنين على قراءة أحداث التاريخ بنور الله، ويدفعانهم إلى إدراك مسؤولياتهم وكشف علاقات القوة غير العادلة وحماية بذور العدل والسلام. وأضاف: «إن الرجاء هو الذي يحركنا، لا الاستسلام»، مشيرًا إلى أن هذا الرجاء يفتح الطريق أمام مزيد من الأخوة والتضامن والشركة بين الناس.
ودعا البابا الأساقفة والكهنة والشمامسة والمكرسين إلى أن تُعاش الاحتفالات الليتورجية بكرامة ووقار حتى في الجماعات الصغيرة، وأن يحافظوا على محبة حقيقية لليتورجيا وعلى إرث الكنيسة الروحي. كما شدد على ضرورة وضع الشركة مع خليفة بطرس والكنيسة قبل الحساسيات الشخصية، قائلاً إن الكنيسة، بوحدتها، تستطيع أن تقدم للعالم شهادة بأن «عالمًا متصالحًا ممكن».
ووجّه الأب الأقدس كلمة خاصة إلى الأساقفة والكهنة والإكليريكيين والمكرسين، داعيًا إياهم إلى الحفاظ على علاقتهم الشخصية بالمسيح من خلال الصلاة، ومعتبرًا أن الرسالة تنبع أولًا من هذه العلاقة الحميمة مع الرب.
وفي ختام عظته، وصف البابا الكاتدرائية المفتوحة في قلب المدينة بأنها علامة على جماعة تجعل من الضيافة أسلوبًا لحياتها، حتى يشعر الجميع بأنهم في بيتهم، من دون تهميش أو إقصاء. ودعا رعاة الكنيسة والمكرسين في فرنسا إلى أن يكونوا «حراس هذا البيت المفتوح» وحجارة حية في كنيسة ترجو ولا تخاف المستقبل، قائلاً إن نوتردام «وُلدت من جديد لكي تولدوا معها من جديد، في اندفاع نحو القداسة والرسالة اليومية».
واختتم البابا عظته بالصلاة إلى العذراء مريم، سيدة باريس وأم الكنيسة، طالبًا منها أن ترافق الكنيسة في فرنسا، وتساند رعاتها، وتقود رسالتها في المجتمع.