موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٢٥ نوفمبر / تشرين الثاني ٢٠١٦
ما بين الحضور والوجود المسيحي في المشرق العربي

بيت لحم - د. شارلي يعقوب أبو سعدى :

تحدث الأب رفيق خوري قبل أيام قليلة عن موضوع الوجود والحضور المسيحي في المشرق العربي وذلك خلال لقاء سلّط الضوء على شخص الطوباوي شارل دي فوكو بمناسبة الذكرى المئوية لاستشهاده في الجزائر. وقد كان الأب رفيق واضحاً في التمييز ما بين الحضور والوجود. فنحن المسيحيون العرب نعيش في المجتمع المشرقي من خلال كنائسنا ومؤسساتنا الإجتماعية والعلمية والثقافية والإنسانية المختلفة والتي تخدم الجميع على الرغم بأن عددنا قليل. فوجودنا يرتبط بالعدد والأعداد والنسب المئوية فقط. أما الحضور فيعتمد على مدى التأثير والتفاعل الإيجابي والبنّاء مع مكونات المجتمع وقضاياه المختلفة. والسؤال هنا هل نحن فعلاً ملحُ هذه الأرض؟ سؤال إجابته ليس بالسهلة إذا ما دققنا وأمعنا النظر على الماضي وعلى ما يجري اليوم في مشرقنا العربي وفي العالم بأسره.

وظهر لاحقاً مقال رائع للصديق رفعت قسيس بعنوان "مستقبل المسيحيين في فلسطين من الوجود إلى الحضور". والذي أكد فيه الكاتب على أهمية الوجود المسيحي في فلسطين. فأسهب في ذكر أهمية هذا الوجود من خلال الكنائس والمؤسسات الصحية والتربوية والإجتماعية والرياضية وغيرها، بالإضافة إلى دور المسيحيين في موضوع المناصرة وفضح الإدعاءات الإسرائيلية وخصوصاً حول موضوع العلاقة بين الكتاب المقدس والأرض.

أما السيدة ديمة رشماوي عيّاد فقد نشرت مقالاً هاماً حول دور المؤسسة الكنسية في رفع مستوى التنمية البشرية في فلسطين. وجاء هذا التقرير تلخيصاً سريعاً لدراستها في برنامج ماجستير التعاون والتنمية الدولية في جامعة بيت لحم مؤخراً. أمعنت الكاتبة على ذكر مدى انخراط الكنائس في العمل التنموي وأهمية هذا التأثير المسيحي الإيجابي على الشعب الفلسطيني بمسلميه ومسيحييه. وألحّت الكاتبة على مبدأ أن "المسيحي الفلسطيني ما زال فرداً ديناميكياً وجزءٌ بنّاء في المجتمع"، كما دعت الكنائس ومؤسساتها إلى الاستمرار بتقديم الخدمات المختلفة بهدف "بناء أسس متينة لمبادئ التنمية البشرية التي ترتقي بالإنسان وكرامته كونه الغاية الأسمى والأهم لتنمية المجتمعات".

وإذا رجعنا إلى موضوع الطوباوي شارل دي فوكو، فإننا نجد أنه كان فرنسياً من عائلة ارستقراطية وقد خدم في الجيش الفرنسي. جاء إلى الأرض المقدسة وتعرف أكثر على المسيح وعلى حياته البشرية، فتأثر من حياة المسيح التي أمضاها في الناصرة، حياة الفقر والصمت والتأمل والصلاة. فترك كل شيئ وذهب إلى الجزائر ليعيش هذه المبادئ بين القبائل العربية هناك والطوارق. لم يؤسس كنيسة ولا مؤسسة تنموية أو اجتماعية، بل عاش بصمت فكان حاضراً بين الناس وفي القرى النائية في الصحراء بتواضعه وسكونه وهدوئه. عاش بين المسلمين والطوارق لوحده، لكن حضوره كان كبيراً وفعّالاً ومؤثراً على الذين من حوله.

كنا تحت الاحتلال العثماني وقبله الفرنجي، ومن بعده الإنجليزي ومن ثم الإسرائيلي. هذا كله ساهم في أن الكنيسة وجدت نفسها مضطرة إلى الإهتمام المباشر ببناء المجتمع وتنميته حفاظاً على كرامة الإنسان وذلك بسبب عدم وجود حكومة أو دولة وطنية مستقلة. منعنا العثمانيون من الدراسة فقامت المدارس في داخل الكنائس. وفي ظل تقاعس الاحتلالات المختلفة عن تقديم الخدمات الإنسانية لشعبنا بنينا المستشفيات والمؤسسات الأخرى التي نراها حتى يومنا هذا تخدم الناس من الفقير إلى الغني.

رسالة المسيحي أن يكون مؤثراً في المجتمع كالخميرة في العجينة والنور في الليل. لكني أود أن أؤكد أن كل شخص يجب أن يقوم بدوره في بناء المجتمع، مجتمع صالح ومتكامل يحترم خالقه والإنسان. لا يجوز أن ننظر للكنيسة كمؤسسة تقوم هي بواجبها وننسى في نفس الوقت واجبنا كأفراد ننتمي للكنيسة وللمجتمع. فلا يجوز أن ننتقد رجال الدين وننسى أن نسأل أنفسنا عمّا فعلنا ونفعل. من المحبذ أن نقوم بواجبنا على مثال الطوباوي شارل دي فوكو. كلٌ في قريته أو مدينته، كلٌ في الحي المقيم به وفي جمعيته ومؤسسته وناديه، جميعنا علينا أن نكون شهوداً وشهداء للمسيح وللكنيسة في خدمة الإنسانية.

أما البطريرك السابق ميشيل صباح فقد كتب مؤخراً كثيراً عن أهمية إبراز دور العلمانيين في داخل الكنيسة والمجتمع. ولكنه عن أي علماني يتكلم؟ إنه يقصد المسيحي الراسخ في الإيمان والصلاة وفي معرفة الكتاب المقدس والملتزم في نفس الوقت في المجتمع. العلماني الذي لا يطلب لنفسه مجدًا، بل المجد لله: "لا لنا، يا رب، لا لنا، بل لِاسمِكَ أَعطِ المجْدَ" (مز 115/113ب: 1). وتعمق البطريرك صباح في هذه العلاقة بالمجتمع موضحاً أن العلماني يجب أن يكون "حاضرًا فيه بكامل قامته الروحيّة والوطنيّة، في كلّ ظروفه، في سلامه واضطراباته. ويكون حضوره نورًا وسندًا لغيره ولكنيسته. بمعرفته لذاته، بقبوله لذاته، وبقوّة محبّته، يجعل لنفسه مكانًا ومكانةً مع جميع أبناء مجتمعه، حتى يكون حقًّا حاضرًا مقبولًا معتبرًا عاملًا مُسهِماً في بناء مجتمعه الذي يكون دائماُ بحاجة إلى أبنائه وبناته، لينمو ويقوى ويستقرّ".

هذه دعوة من جميع من ذكرت ومني أيضاً لجميع المسيحيين لأن يكونوا حاضرين بكل طاقاتهم وقدراتهم في المجتمع من دون خوف ولا ارتياب، رافضين للتقوقع والإنعزال. إننا مدعوون لا إلى الوجود فقط، بل إلى الحضور، أي الوجود المتفاعل والمغيّر والمشارك والفاعل والفعّال.