موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
لقد مرّ عام على رحيل البابا فرنسيس ونحن اليوم نفتقده ونودّ، عبر هذا المقال، أن نذكره ونذكر مواقفه العادلة ونذكّر بمحبته للأرض المقدسة ولشعبها وأن نرّد له ولو جزء صغير من جميله ومحبته لشعبنا. هذه المواقف التي كلفته الكثير من العداء على المستوى السياسي. لقد كان الأب والراعي والمدافع عن الحق والعدالة والداعي، الذي لا يكّل، إلى السلام والعدل والحوار، وإحقاق حقوق الشعب الفلسطيني.
وفي هذه المناسبة، أودّ أن أبدأ حديثي عن زيارته وحجه إلى الأرض المقدسة، هذه الزيارة التي قام بها بعد فترة وجيزة من انتخابه وإعتلائه السدة البطرسية. فمنذ اللحظة الأولى لوصوله إلى أرض الوطن، قادمًا من الأردن عبر طائرة مروحية –بعد إنجازه برنامج حافل في المملكة الأردنية الهاشمية ولقائه جلالة الملك عبدالله الثاني وزيارته إلى المغطس- قدّم قداسة البابا فرنسيس إشارة رمزية ذات دلالات سياسية ومعنوية عميقة. فقد اختار الوصول مباشرة إلى مدينة الميلاد، بيت لحم، دون المرور عبر إسرائيل، في خطوة عُدّت مؤشرًا مبكرًا على توجهه نحو الاعتراف بدولة فلسطين. وبالنسبة لنا كانت هذه محطة مهمة في تاريخنا.
وخلال الزيارة التي بدأت في 24 وحتى 26 أيار/مايو 2014، وبينما كان مُتوجهًا لإقامة القداس الاحتفالي في ساحة المهد، توقّف البابا فرنسيس للصلاة عند الجدار الفاصل في بيت لحم يوم الأحد في 25 أيار/مايو 2014، في لفتة تضامنية غير مقررة، ونزل من سيارته، ووضع جبهته ويده على الجدار الإسمنتي في مشهد حمل رسالة إنسانية وروحية عميقة، كإحتجاج على فصل مدينة الميلاد عن القدس - مدينة القيامة، وصلى بصمت لعدة دقائق. وقد وُصِفت هذه اللفتة، التي أصبحت أيقونة عالمية، بأنها "رسالة بالغة الوضوح" ضد جدار الفصل الإسرائيلي، وتضامنًا مع الشعب الفلسطيني.
كما أنّ قداسته، وأثناء إقامته في بيت لحم، زار مخيم دهيشة حيث التقى الأطفال واستمع إلى معاناتهم اليومية وآمالهم المستقبلية، مما كان له دلالاته السياسية. كما عقد لقاءات خاصة مع عائلات فلسطينية، اطّلع خلالها على التحديات التي يواجهونها في ظل الاحتلال، مؤكدًا تضامنه معهم ودعوته إلى تحقيق السلام العادل.
وكجزء من برنامجه في أرض القداسة كان لقائه مع البطريرك المسكوني برثلماوس الأول في كنيسة القيامة بالقدس يوم 25 مايو 2014، في لقاء تاريخي لدعم الوحدة المسيحية بعد 50 عامًا من اللقاء الأول بين البابا بولس السادس والبطريرك أثيناغوراس عام 1964، وقد توّج اللقاء بسجود مشترك وصلاة مسكونية في رحاب كنيسة القيامة، وبتوقيع وثيقة مشتركة تدعو للتقارب الكنسي. وأتى هذا اللقاء تأكيدًا على مركزية القدس للديانة المسيحية ورمزيتها كنقطة الالتقاء لوحدة الكنيسة كما أرادها سيدنا يسوع المسيح.
ومحطة أخرى مهمة جدًا في مسيرته قام بها خلال زيارته للقدس هي زيارة الحرم الشريف ولقائه مع ممثلي الأوقاف الإسلامية، داعيًا إلى بناء جسور السلام واحترام بعضنا البعض كأخوة وأخوات، وألا نسمح باستغلال اسم الله من خلال العنف وأن نعمل سويًا من أجل العدل والسلام. وهو الذي كان دائمًا من داعمي الحوار الإسلامي-المسيحي، والذي أراد بشدة وضع وثيقة "الأخوّة الإنسانية" التي وقع عليها مع شيخ الأزهر، الإمام أحمد الطيب.
كما بادر البابا فرنسيس، بُعيد انتخابه بوقت وجيز، إلى إطلاق سلسلة من المبادرات التي عكست وعيه العميق بالقضية الفلسطينية وقربه الإنساني من الشعب الفلسطيني. فَعَقِبَ زيارته إلى فلسطين، وجّه المؤسسات الكاثوليكية إلى تعزيز حضورها ومضاعفة إسهامها في دعم مسار بناء الدولة الفلسطينية
ومن أبرز تلك المبادرات دعوته الرئيس الفلسطيني إلى المشاركة في صلاة من أجل السلام في الأرض المقدسة، بحضور الرئيس الإسرائيلي آنذاك، شمعون بيرس، في حدائق الفاتيكان؛ حيث التأم ممثلون دينيون وسياسيون في لحظة رمزية جامعة، تجسّدت بزراعة شجرة زيتون كعلامة للسلام والأخوّة والرجاء، وتعبيرًا عن تطلّعٍ إلى ترسيخ الثقة بين الشعبين، وبلوغ حلّ الدولتين على أساس الشرعية الدولية.
وفي استعادةٍ لدلالات تلك المبادرة، أحيا الذكرى العاشرة لهذا الحدث بدعوة السلك الدبلوماسي المعتمد لدى الكرسي الرسولي إلى لقاءٍ تذكاري للصلاة من أجل السلام والعدالة في الأرض المقدسة، راجيًا أن تؤتي شجرة الزيتون ثمار السلام المنشود.
وفي سياق المواقف الرمزية المؤثرة، تجدر الإشارة إلى زيارة فخامة الرئيس الفلسطيني إلى الحبر الأعظم، حيث رُفع العلم الفلسطيني في ساحة الاستقبال للمرة الأولى في حاضرة الفاتيكان وفي تاريخ العلاقات الثنائية، في مشهد عكس تطورًا لافتًا في الموقف الدبلوماسي للفاتيكان، وأثار مشاعر التأثر لدى الوفد الرسمي الفلسطيني.
وكان هذا اللقاء (الذي هو واحد من لقاءاتٍ عديدة استثنائية إذ انه من الصعب جدًا أن يلتقي البابا مرارًا وتكرارًا برئيس دولة كما حدث مع الرئيس محمود عباس) جزء من برنامج الاحتفال بإعلان قداسة الراهبتين الفلسطينيتين من قبل رأس الكنيسة الكاثوليكية.
ففي 17 أيار/مايو 2015، احتفل قداسة البابا فرنسيس بإعلان قداسة راهبتين فلسطينيتين هما: القديسة مريم البواردي، مؤسسة دير راهبات الكرمل في بيت لحم (عام 1875)، والقديسة ماري ألفونسين غطاس، مؤسسة رهبنة الوردية في القدس (عام 1880). وقد جرت مراسم إعلان القداسة في ساحة القديس بطرس بحضور رسمي وشعبي واسع، حيث رفرفت الأعلام الفلسطينية، في تأكيد رمزي على مكانة أرض القداسة - فلسطين الروحية والتاريخية وتأكيدًا للحضور الكنسي المسيحي الأصيل.
وعلى الصعيد السياسي وكما ألمحنا في بداية المقال، تبنّى البابا فرنسيس موقفًا مبدئيًا بالاعتراف بدولة فلسطين على حدود عام 1967، تُوّج بتوقيع الاتفاقية الشاملة بين الكرسي الرسولي ودولة فلسطين في 26 حزيران/يونيو 2016، استنادًا إلى قرارات الشرعية الدولية، مع التأكيد على خصوصية مدينة القدس وضرورة ضمان وضعها القانوني والتاريخي بضمانات دولية، واحترام الوضع القائم (Status Quo).
وقد أعقب ذلك افتتاح سفارة دولة فلسطين لدى الكرسي الرسولي بكامل الامتيازات الدبلوماسية، ولم يكن القرارُ سهلاً ولكن قداسته بقي مصرًا وواجه التحديات والضغوطات فقام بهذا الاعتراف التاريخي بشجاعته وقناعاته الراسخة متبنيًا الموقف الأخلاقي المُحّق.
ومع اندلاع الحرب على غزة، واصل البابا فرنسيس مواقفه الداعية إلى وقف الحرب، مؤكدًا في خطاباته المتكررة أن الحروب تمثل هزيمة للإنسانية، وأن المدنيين الأبرياء هم من يدفعون الثمن الأكبر. كما دعا إلى إدخال المساعدات الإنسانية دون عوائق، وفتح المعابر لإجلاء الجرحى.
ولم تقتصر مواقفه على التصريحات، بل تجلّت أيضًا في تواصله المباشر مع من لجأ إلى كنيسة العائلة المقدسة في غزة، حيث كان يطمئن عليهم ويواسيهم، في مبادرة إنسانية ذات أثر بالغ في نفوسهم وكان على تواصل يومي مع راعي الكنيسة، الأب جبرائيل رومانيللي.
وفي خضم الحرب على غزة، أوفد الكرسي الرسولي أمين سر الدولة، الكاردينال بيترو بارولين، لزيارة سفارة دولة فلسطين، تعبيرًا عن التضامن والدعم للشعب الفلسطيني في ظل تلك الظروف الصعبة. وهنا يجب لفت النظر إلى أنّه نادراً ما يزور فيها رئيس الوزراء سفارة ما، ولذلك يُعتبر هذا الحدث استثنائي ومهم جداً.
كما بادر البابا إلى لقاء عائلات فلسطينية من غزة عانت ويلات الحرب، حيث استمع إلى شهاداتهم المؤلمة، وأبدى تأثره العميق بما تعرضوا له. وفي هذا الإطار، دعا إلى ضرورة التقييم القانوني الدولي للأحداث في غزة من قبل خبراء دوليين، بما في ذلك بحث توصيفها ضمن مفاهيم القانون الدولي، مثل الإبادة الجماعية. كما أنّه أكّد على موقفه هذا في كتابه الذي صدر في أواخر عام 2024 بعنوان "الرجاء لا يُخيّب أبدًا. حجاج نحو عالم أفضل" الذي صدر بمناسبة يوبيل الرجاء 2025، حيث قال: "أفكر بشكل خاص في الذين يغادرون غزة في خضم المجاعة التي أصابت الإخوة الفلسطينيين إزاء صعوبة إدخال الطعام والمساعدات إلى أراضيهم. ووفقًا لبعض الخبراء، فإن ما يحدث في غزة له خصائص الإبادة الجماعية. وينبغي التحقيق فيه بعناية لتحديد ما إذا كان ينطبق عليه التعريف الفني الذي صاغه الخبراء القانونيون والهيئات الدولية".
وفي إطار التحضيرات لسنة اليوبيل المقدس 2025، دعا البابا المؤمنين إلى الحج إلى الأرض المقدسة، ولا سيما إلى كنيسة المهد وكنيسة القيامة وكنيسة البشارة، مؤكدًا الارتباط الروحي العميق بين روما والأرض المقدسة. غير أن الظروف الأمنية حالت دون تحقيق هذا الهدف على النحو المأمول. وهو أيضًا من تابع ترميم كنيسة المهد، وعبّر عن جمالية الفسيفساء التي ظهرت خلال الترميم ومنها فسيفساء الملاك السابع.
كما برزت رمزية موقفه خلال احتفالات الميلاد في الفاتيكان لعام 2024، حين تأمّل، في تعبير يجمع بين الدلالة الدينية والوطنية، مشهد الطفل يسوع مُضجعًا فوق الكوفية الفلسطينية في مغارة الميلاد المُهداة لحاضرة الفاتيكان من قبل سُكان مدينة بيت لحم. وفي هذا لم يَسْلَم من النقد الإعلامي والاحتجاج الاسرائيلي الرسمي.
وفي رسالته الأخيرة لعيد الفصح 2025 (Urbi et Orbi) قبل وفاته بساعات، جدد البابا فرنسيس دعوته المُلحة لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، معبرًا عن "قلقه العميق" من الوضع الإنساني المأساوي. وأكد البابا قربه من الشعبين قائلاً: "أنا قريب من آلام المسيحيين في فلسطين وإسرائيل، كما أنني قريب من الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني"، كما أنّه ندّد بـ"النزاع الرهيب" الذي يولد الموت والدمار، ودعا لإطلاق سراح الرهائن وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
ختامًا، تمثل هذه المحطات شواهد بارزة على مواقف البابا فرنسيس تجاه القضية الفلسطينية، حيث جمعت بين البعد الإنساني والروحي والسياسي. وستبقى هذه المواقف راسخة في الذاكرة التاريخية، بوصفها تعبيرًا عن التزام أخلاقي بالعدالة والسلام في الأرض المقدسة. ويتابع البابا لاون الرابع عشر مسيرته، حاملاً إرثًا كنسيًا عظيمًا، متسلّحًا بقوة الإنجيل، ومنتهجًا النهج ذاته، ومضطلعًا بالمسؤولية عينها في مواصلة الرسالة، مُطالبًا بإلحاح ومستمرًا على دروب العدالة والمصالحة.