موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
استمرارًا لسلسة التعليم المسيحي حول "يسوع المسيح، رجاءنا"، يتأمل البابا فرنسيس في سرّ تقدمة يسوع في الهيكل بعد أربعين يومًا من ولادته، ولفت إلى أنّ مريم ويوسف "لم يكتفيا بإدخال يسوع في تاريخ عائلة وشعب وعهد مع الربّ الإله، بل اهتمّا بحمايته ونموّه، وأدخلاه في جو الإيمان والعبادة. وهما نفسهما، كانا ينموان تدريجًا في فهم دعوة كانت تتجاوز إدراكهما".
وفيما يلي النص الكامل للتعليم:
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء!
نتأمّل اليوم في جمال "يسوع المسيح رجائنا" (1 طيموتاوس 1، 1) في سرّ تقدمته إلى الهيكل.
في روايات طفولة يسوع، الإنجيليّ لوقا يبيِّن لنا طاعة مريم ويوسف لشريعة الرّبّ ولكلّ فرائضها. في الواقع، لم تكن في إسرائيل فريضة تقديم الطّفل إلى الهيكل، لكن الذين كانوا يصغون إلى كلمة الله ويعملون بها، كانوا يعتبرون هذه الفريضة أمرًا مرضيًّا أمام الله. هكذا فعلت حنّة، والدة النّبي صموئيل، التي كانت عاقرًا. استجاب الله لصلاتها، وعندما أنجبت ابنها، أخذته إلى الهيكل وقدّمته إلى الرّبّ إلى الأبد (راجع 1 صموئيل 1، 24-28).
لوقا يروي إذن أوّل عمل عبادة قام به يسوع، وقد تمّ الاحتفال به في المدينة المقدّسة، أورشليم، التي ستكون وجهة خدمته المتنقلة منذ اللحظة التي سيتّخذ فيها قرار الصّعود إليها (راجع لوقا 9، 51) ليحقّق رسالته. لم يكتفِ مريم ويوسف بإدخال يسوع في تاريخ عائلة وشعب وعهد مع الرّبّ الإله. بل اهتمّا بحمايته ونموّه، وأدخلاه في جو الإيمان والعبادة. وهما نفسهما، كانا ينموان تدريجًا في فهم دعوة كانت تتجاوز إدراكهما.
في الهيكل، الذي هو "بَيت صَلاة" (لوقا 19، 46)، كان الرّوح القدس يُكَلِّم قلبَ رجل متقدِّمٍ في السّنّ: سمعان، أحد أعضاء شعب الله المقدّس، المستعد للانتظار والرّجاء، والذي كان يحمل في قلبه رغبة في رؤية تحقيق الوعود التي أعطاها الله لإسرائيل على لسان الأنبياء. شعر سمعان في الهيكل بحضور الرّبّ الممسوح، ورأى النّور الذي يضيء بين الشّعوب الغارقة في "بُقعَةِ الظَّلام" (أشعيا 9، 1)، فاقترب من ذلك الطّفل الذي قال فيه أشعيا متنَبِّئًا إنّه "وُلِدَ لنا"، وهو الابن الذي "أُعطِي لنا"، و"رئيس السّلام" (أشعيا 9، 5).
حَمَل سمعان هذا الطّفل الصّغير الأعزل على ذِراعَيه، لكنّه في الحقيقة هو الذي وجد العزاء وكمال حياته بمعانقته إياه. وعبَّر عن ذلك في نشيد مليء بالشّكر والانفعال، الذي صار في الكنيسة صلاة تُتلى في نهاية اليوم: "الآنَ تُطلِقُ، يا سَيِّد، عَبدَكَ بِسَلام، وَفْقًا لِقَوْلِكَ. فقَد رَأَت عَينايَ خَلاصَكَ الَّذي أَعدَدتَه في سبيلِ الشُّعوبِ كُلِّها، نُورًا يَتَجَلَّى لِلوَثَنِيِّين ومَجدًا لِشَعْبِكَ إِسرائيل" (لوقا 2، 29-32).
أنشد سمعان بفرح أمام الذي رآه، وتعرّف عليه، وصار بإمكانه أن يَروِيَ للآخرين لقاءه مع مخلِّص إسرائيل والشّعوب. كان سمعان شاهدًا للإيمان، الذي قبِلَه عطيّةً من الله ونقله إلى الآخرين. وشاهدًا للرّجاء الذي لا يُخيِّب. وشاهدًا لمحبّة الله التي تملأ قلب الإنسان بالفرح والسّلام. امتلأ سمعان بهذا العزّاء الرّوحي، فرأى الموت ليس كنهاية، بل كتحقيق وكمال، ينتظره كـ ”أخٍ“ لا يُهلِك بل يُدخله إلى الحياة الحقيقيّة التي حصل على ذوق سابقٍ لها وآمن بها.
وفي ذلك اليوم، لم يكن سمعان وحده الذي رأى الخلاص متجسِّدًا في الطّفل يسوع. فقد حدث نفس الشّيء مع حنّة، وهي امرأة في الثّمانين من عمرها، أرملة، كرّست حياتها لخدمة الهيكل والصّلاة. فعندما رأت حنّة الطّفل، أَخَذَت تسَبِّحُ إله إسرائيل، الذي افتدى شعبه في هذا الطّفل الصّغير، وأخذت تُحَدِّثُ الآخرين بِأَمرِه، فأعلنت الكلمة النّبويّة بسخاء. نشيد الفداء الذي ردّده هذان الشّيخان يطلق إعلان اليوبيل لكلّ الشّعب والعالم. ففي هيكل أورشليم يشتعل من جديد الرّجاء في القلوب، لأنّ المسيح، رجاءنا، قد دخل إليه.
أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، لنقتدِ بسمعان وحنّة، هذين ”الحاجَّين في الرّجاء“، لهما عينَان نقيَّتَان قادرتان أن تريا ما وراء المظاهر، وتشعران بحضور الله الذي نزل إلينا صغيرًا، ويعرفان أن يستقبلا زيارة الله بفرح، وأن يشعلا من جديد الرّجاء في قلوب الإخوة والأخوات.