موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
بعد أربعمئة عام على تدشينها، تستعدّ بازيليك القديس بطرس لدخول مرحلة جديدة تواكب القرن الحادي والعشرين، إذ أعلن الفاتيكان عن خطط لإطلاق خدمات ترجمة فورية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتوسيع إمكان وصول الحجاج، واعتماد تقنيات متقدمة لمراقبة السلامة الإنشائية، وذلك ضمن احتفالات تمتد على مدار عام كامل.
وأعلن الكاردينال ماورو غامبيتي، رئيس كهنة البازيليك، خلال مؤتمر صحافي في الفاتيكان في 16 شباط، برنامجًا واسعًا من الفعاليات والمبادرات. وسيجد الحجاج الذين يزورون البازيليك عام 2026 إمكانية وصول أوسع إلى مساحات من السطح، والاستفادة من ترجمة فورية للقداديس إلى 60 لغة عبر هواتفهم الذكية، إضافة إلى زيادة عدد الصلوات الأسبوعية والأمسيات، وعرض مؤقت جديد لدرب الصليب.
وتبلغ الاحتفالات ذروتها في 18 تشرين الثاني، عندما يترأس البابا لاون الرابع عشر قداسًا في البازيليك، في الذكرى الأربعمئة لتكريسها رسميًا على يد البابا أوربانوس الثامن.
ورغم أن المسيحيين يصلّون عند ضريح القديس بطرس منذ أكثر من 1950 عامًا، فإن البازيليك الحالية، التي تضم واحدة من أكبر القباب في العالم، تعود إلى القرن السادس عشر. وقد استغرق بناؤها أكثر من قرن، إذ بدأ العمل فيها سنة 1506 في عهد البابا يوليوس الثاني، واكتمل سنة 1615.
وصف الكاردينال غامبيتي هذه الذكرى بأنها «فرصة لإعادة فهم الكاتدرائية كحدث تاريخي أصيل في تاريخ البشرية»، مشيرًا إلى أن قرار البابا يوليوس الثاني بهدم «كاتدرائية القديس بطرس القديمة»، وهي الكاتدرائية التي بناها الإمبراطور الروماني قسطنطين في القرن الرابع، أثار جدلًا واسعًا آنذاك.
لكنه أوضح: «في الواقع، لم يكن هدف البابا يوليوس الثاني محو الماضي، بل إعادة تشكيل ما كان قائمًا، وإعادته إلى أصله. لقد كان تجديدًا، أي تجديدًا في إطار الاستمرارية، كما يليق بالتقاليد الكنسية الأصيلة: فأساس الإيمان -قبر الرسول بطرس- ظلّ سليمًا وفي صميم المشروع الجديد».
وقد صُمّمت البازيليك الجديدة بصورة رئيسية على يد دوناتو برامانتي ومايكل انجيلو وكارلو ماديرنو، فيما وضع جان لورنتسو برنيني تصميم الساحة والتجهيزات. وهي تُعدّ أكبر كنيسة في العالم من حيث المساحة الداخلية.
ومن أبرز المبادرات المعلَن عنها اعتماد نظام حجز إلكتروني مبسّط يهدف إلى تقليل فترات الانتظار الطويلة للدخول، إلى جانب إطلاق منصّة متعددة اللغات توفّر ترجمات فورية للقداديس لما يصل إلى ستين لغة. وسيتمكّن الحجاج من مسح رمز الاستجابة السريعة عند المدخل للوصول إلى ترجمات صوتية ونصية مباشرة عبر هواتفهم، من دون الحاجة إلى تنزيل تطبيقات إضافية.
كما سيُفتح جزء أكبر من شرفة البازيليك للجمهور، بما في ذلك معرض دائم جديد يُسلّط الضوء على تاريخ البازيليك، بالإضافة إلى توسعة المقهى الموجود على السطح أسفل قبة مايكل أنجلو، والذي سيبلغ حجمه ضعف حجمه الحالي تقريبًا.
وفي داخل البازيليك، سيُعرض مؤقتًا خلال زمن الصوم لعام 2026 درب صليب جديد من تصميم الفنان السويسري الشاب مانويل دور، الفائز بمسابقة دولية أُطلقت سنة 2023، على أن يُفتتح في 20 شباط.
وستشهد احتفالات المئوية فعاليات روحية أسبوعية بعنوان «ارتقاءات روحية»، تُقام كل يوم سبت عند الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر بالتوقيت المحلي، عند مذبح الكرسي، وتتخللها صلاة وتراتيل متعددة الأصوات تؤديها جوقة بازيليك القديس بطرس الشهيرة، «كابيلا جوليا».
كما ستُقام سلسة من المحاضرات على مدار العام تتناول البازيليك من منظور تاريخي ولاهوتي وليتورجي وروحي، إلى جانب تأملات روحية يقدّمها الأب روبرتو باسوليني، واعظ البيت البابوي، وذلك أيام الثلاثاء من شهر تشرين الثاني تمهيدًا للقداس الاحتفالي بذكرى التدشين.
وأشار الكاردينال أيضًا إلى مسارات حجّ داخل مدينة روما تتيح تتبّع خطى الرسولين بطرس وبولس في المدينة الخالدة. كما سيُعرض عمل مسرحي بعنوان «29 حزيران – بطرس وبولس في روما» للمؤلف ميكيلي لا جينسترا، وذلك في الفترة القريبة من عيد الرسولين بطرس وبولس في شهر حزيران.
وللمناسبة، سيُعتمد خطّ طباعي جديد يحمل اسم «ميكيل انجيلوس»، مستوحى من خطّ يد ميكيل انجيلو الأصلي، وسيُدرج ضمن الإصدارات الأحدث من حزمة برامج أوفيس التابعة لشركة مايكروسوفت.
إلى جانب الاحتفالات، يجري تنفيذ برنامج واسع للحفاظ على البازيليك بالتعاون مع شركة الطاقة الإيطالية متعددة الجنسيات «إيني»، بهدف ضمان استقرارها الإنشائي للأجيال والقرون المقبلة. ويعتمد مشروع «ما وراء المرئي» على تقنيات متقدمة في المسح الجيوفيزيائي والجيولوجي والطبوغرافي والإنشائي لدراسة الأساسات والتكوينات الجيولوجية الكامنة تحت البازيليك.
وقد استغرق المشروع، الذي نفّذته شركة النفط والغاز، نحو 4500 ساعة عمل ميداني على مدى شهرين. وكشف أن أساسات البازيليك، ولا سيما في الجهة الجنوبية، ترتكز على طبقات من الطين والحصى، مع وجود منسوب مياه جوفية نشط على عمق يقارب 38 قدمًا تحت مستوى الواجهة. وتُظهر السجلات التاريخية المحفوظة في أرشيف الفاتيكان أن المهندس المعماري كارلو ماديرنو كان على دراية ببعض هذه التحديات في القرن السابع عشر، وقد اعتمد حلولًا متقدمة بمقاييس عصره لمعالجة الأساسات وتصريف المياه.
وصفت أناليسا موتشولي، رئيسة قسم البحث والتطوير في شركة «إيني»، بازيليك القديس بطرس بأنها «في حالة صحية جيدة» في عام 2026. وقالت خلال المؤتمر الصحافي في الفاتيكان: «إن المعرفة الأوسع ستتيح لنا الوقاية من أي ظواهر مستقبلية».
من جهته، قال الكاردينال غامبيتي: «إذا كان البابا يوليوس الثاني قد اضطر إلى اختيار هدم الكنيسة وإعادة بنائها لإتاحة تجديد بنية متضرّرة، فإن البابا لاون يستطيع اليوم أن يُجري أعمال الترميم من دون أن يهدم شيئًا». وأعرب عن أمله في أن يتمكّن الحجاج والزوار من الاستمتاع بالبازيليك «على مدى ربع الألفية المقبلة بفضل التقنيات التي وفّرتها شركة إيني» وغيرها من الشركات المتخصصة.
وخارج أسوار الفاتيكان، تحيي مدينة روما الذكرى بمعرض جديد يسلّط الضوء على العلاقة الفنية بين النحّات والمعماري جان لورنتسو برنيني والبابا أوربانوس الثامن، الذي امتدّ حبريته بين عامي 1623 و1644.
وكان برنيني قد صمّم الأعمدة الشهيرة والساحة الأمامية لبازيليك القديس بطرس، كما أنجز المظلّة البرونزية الضخمة فوق المذبح الرئيسي وكرسي القديس بطرس المذهّب في الحنية.
ويحمل المعرض عنوان «برنيني وآل باربيريني»، وقد افتُتح في 12 شباط في قصر باربيريني، ويضم منحوتات ورسومات ولوحات فنية، من بينها أعمال مُعارة من متاحف الفاتيكان، ويستمر حتى 14 حزيران.