موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٧ مارس / آذار ٢٠٢٦

يَسُوعُ وَالْمَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ عِنْدَ بِئْرِ يَعْقُوب

بقلم :
الأب لويس حزبون - فلسطين
الأَحَدُ الثَّالِثُ مِنَ الزَّمَنِ الأَرْبَعِينِيّ: يَسُوعُ وَالْمَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ عِنْدَ بِئْرِ يَعْقُوب (يُوحَنَّا 4: 5–42)

الأَحَدُ الثَّالِثُ مِنَ الزَّمَنِ الأَرْبَعِينِيّ: يَسُوعُ وَالْمَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ عِنْدَ بِئْرِ يَعْقُوب (يُوحَنَّا 4: 5–42)

 

النص الإنجيلي: (يوحنا 4: 5-42)

 

5فوَصَلَ إِلى مدينةٍ في السَّامِرَةِ يُقالُ لَها سيخارَة، بِالقُرْبِ مِنَ الأَرضِ الَّتي أَعْطاها يَعقوبُ لابنِه يُوسُف، 6وفيها بِئرُ يَعقوب. وكانَ يسوعُ قد تَعِبَ مِنَ المَسير، فَجَلَسَ دونَ تَكَلُّفٍ على حافَةِ البِئر. وكانَتِ الساعةُ تُقارِبُ الظُّهر. 7فجاءَتِ امرَأَةٌ مِنَ السَّامِرَةِ تَستَقي. فقالَ لَها يسوع: ((اِسْقيني)). 8وكانَ التَّلاميذُ قد مَضوا إِلى المَدينَةِ لِيَشتَروا طَعاماً. 9فقالَت له المرأَةُ السَّامِريَّة: ((كَيفَ تسأَلُني أَن أَسقِيَكَ وأَنتَ يَهوديٌّ وأنا امرَأَةٌ سامِريَّة؟)) لِأَنَّ اليَهودَ لا يُخالِطونَ السامِرِيِّين. 10أَجابَها يسوع: ((لو كُنتِ تَعرِفينَ عَطاءَ الله ومَن هوَ الَّذي يقولُ لَكِ: اسقيني، لَسَأَلِته أَنتِ فأَعطاكِ ماءً حَيّاً)). 11قالَت لَه المَرأَة: ((يا ربّ، لا دَلْوَ عِندَكَ، والبِئرُ عَميقة، فَمِن أَينَ لَكَ الماءُ الحَيّ؟ 12هل أَنتَ أَعظَمُ مِن أَبينا يعقوبَ الَّذي أَعْطانا البِئْرَ، وشرِبَ مِنها هو وبَنوهُ وماشِيَتُه؟)) 13أَجابَها يسوع: ((كُلُّ مَن يَشرَبُ مِن هذا الماء يَعطَشُ ثانِيَةً 14وأَمَّا الَّذي يَشرَبُ مِنَ الماءِ الَّذي أُعطيهِ أَنا إِيَّاه فلَن يَعطَشَ أَبداً بلِ الماءُ الَّذي أُعطِيهِ إِيَّاهُ يصيرُ فيه عَينَ ماءٍ يَتفَجَّرُ حَياةً أَبَديَّة)). 15قالَت له المَرأَة: ((يا ربّ، أَعطِني هذا الماء، لِكَي لا أَعطَشَ فأَعودَ إِلى الاستِقاءِ مِن هُنا)). 16قالَ لَها: ((اِذهَبي فَادْعي زَوجَكِ، وارجِعي إِلى ههُنا)). 17أَجابَتِ المَرأة: (( لَيسَ لي زَوج)). فقالَ لَها يسوع: ((أَصَبتِ إذ قُلتِ: لَيسَ لي زَوج. 18فَقَد كانَ لَكِ خَمسَةُ أَزْواج، والَّذي عِندَكِ الآنَ لَيسَ بِزَوجِكِ، لقَد صَدَقتِ في ذلكَ)). 19قاَلتِ المَرأَة: ((يا ربّ، أَرى أَنَّكَ نَبِيّ. 20تَعَبَّدَ آباؤُنا في هذا الجَبَل، وأَنتُم تَقولونَ إِنَّ المَكانَ الَّذي فيه يَجِبُ التَّعَبُّد هو في أُورَشَليم)). 21قالَ لَها يسوع: ((صَدِّقيني أَيَّتُها المَرأَة تَأتي ساعةٌ فيها تَعبُدونَ الآب لا في هذا الجَبَل ولا في أُورَشَليم. 22أَنتُم تَعبُدونَ ما لا تَعلَمون ونَحنُ نَعبُدُ ما نَعلَم لِأَنَّ الخَلاصَ يَأتي مِنَ اليَهود 23ولكِن تَأتي ساعةٌ - وقد حَضَرتِ الآن - فيها العِبادُ الصادِقون يَعبُدونَ الآبَ بِالرُّوحِ والحَقّ فمِثْلَ أُولِئكَ العِبادِ يُريدُ الآب. 24إِنَّ اللهَ رُوح فعَلَى العِبادِ أَن يَعبُدوهُ بِالرُّوحِ والحَقّ)). 25قالَت لَه المرأة: ((إِنِّي أَعلَمُ أَنَّ المَشيحَ آتٍ، وهو الَّذي يُقالُ لَه المسيح، وإِذا أَتى، أَخبَرَنا بِكُلِّ شَيء)). 26قالَ لَها يسوع: ((أَنا هو، أَنا الَّذي يُكَلِّمُكِ)). 27ووَصَلَ عِندَئِذٍ تَلاميذُه، فعَجِبوا مِن أَنَّه يُكَلِّمُ امرَأَة، ولكِن لم يَقُلْ أَحَدٌ مِنهم: ((ماذا تُريد؟)) أَو ((لِماذا تُكَلِّمُها؟)) 28فتَركَتِ المَرأَةُ جَرَّتَها، وذَهبَت إِلى المَدينة فقالَت لِلنَّاس: 29((هَلُمُّوا فَانْظُروا رَجُلاً قالَ لي كُلَّ ما فَعَلتُ. أَتُراهُ المَسيح؟)) 30فخَرَجوا مِنَ المَدينةِ وساروا إِليه. 31وكانَ تَلاميذُه خِلالَ ذلكَ يقولونَ لَه مُلِحيِّن: ((راِّبي، كُلْ)). 32فقالَ لَهم: ((لي طَعامٌ آكُلُه أَنتُم لا تَعرِفونَه)). 33فأَخَذَ التَّلاميذُ يتساءلون: ((هل جاءَهُ أَحَدٌ بِما يُؤكَل؟)). 34قالَ لَهم يسوع: ((طَعامي أَن أَعمَلَ بِمَشيئَةِ الَّذي أَرسَلَني وأَن أُتِمَّ عَمَلَه. 35أَما تَقولونَ أَنتُم: هي أَربعةُ أَشهُرٍ ويأتي وَقْتُ الحَصاد؟ وإِنِّي أَقولُ لَكم: اِرفَعوا عُيونَكم وانظُروا إِلى الحُقُول، فقَدِ ابْيَضَّت لِلحَصاد. 36هُوَذا الحاصِدُ يَأخُذُ أُجرَتَه فيَجمَعُ الثَّمَرَ لِلحَياةِ الأَبدِيَّة فيَفرَحُ الزَّراعُ والحاصِدُ معاً 37وبِذلِكَ يَصدُقُ المَثَلُ القائل: الواحِدُ يَزرَعُ والآخَرُ يَحصُد. 38إِنِّي أَرسَلتُكُم لِتَحصُدوا ما لم تَتعَبوا فيه. فغَيرُكُم تَعِبوا وأَنتُم دَخلْتُم ما تَعِبوا فيه)). 39فآمَنَ بِه عَدَدٌ كَثيرٌ مِن سامِريِّي تِلكَ المَدينَة عن كَلامِ المَرأَةِ الَّتي كانَت تَشهَدُ فتَقول: ((إِنَّه قالَ لي كُلَّ ما فَعَلتُ)). 40فلَمَّا وصَلَ إِلَيه السَّامِريُّونَ سَأَلوهُ أَن يُقيمَ عِندَهم، فَأَقامَ هُناكَ يَومَيْن. 41فآمَنَ مِنهُم عَدَدٌ أَكبَرُ كَثيراً عن كلامِه، 42وقالوا لِلمَرأَة: ((لا نُؤمِنُ الآنَ عن قَولِكِ، فقَد سَمِعناهُ نَحنُ وعَلِمنا أَنَّهُ مُخَلِّصُ العالَمِ حَقاً)).

 

 

المُقَدِّمَة

 

يُسَلِّطُ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا (4: 5–42) الأَضْوَاءَ عَلَى رِسَالَةِ يَسُوعَ فِي مَنْطِقَةِ السَّامِرَةِ، مِنْ خِلَالِ لِقَائِهِ مَعَ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ وَأَهْلِ السَّامِرَةِ عِنْدَ بِئْرِ يَعْقُوب. وَكَانَ مِحْوَرُ رِسَالَتِهِ إِعْلَانَ خَلَاصِ اللهِ لِلْجَمِيعِ، لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَهْمَا كَانَ جِنْسُهُ أَوْ مَرْكَزُهُ الِاجْتِمَاعِيُّ أَوْ مَاضِيهِ.

 

فَقَدْ سَعَى الرَّبُّ يَسُوعُ وَرَاءَ كُلِّ نَفْسٍ مُشْتَاقًا إِلَى رُجُوعِهَا إِلَى اللهِ. وَمِنْ هُنَا نَرَاهُ يَبْدَأُ حِوَارًا مَعَ هٰذِهِ المَرْأَةِ عِنْدَ بِئْرِ يَعْقُوب، الَّذِي يَقَعُ اليَوْمَ فِي مَدِينَةِ نَابُلُس. وَكَانَ يَسُوعُ يَعْرِفُ جَيِّدًا مَا فِي قَلْبِهَا وَمَا فِي حَيَاتِهَا، وَلٰكِنَّهُ لَمْ يُدِنْهَا وَلَمْ يَرْفُضْهَا، بَلْ تَرَكَهَا تُعَبِّرُ عَنْ ذَاتِهَا، وَأَصْغَى إِلَيْهَا، ثُمَّ دَخَلَ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى سِرِّ حَيَاتِهَا.

 

وَمِنْ خِلَالِ هٰذَا الحِوَارِ، قَادَهَا إِلَى اِكْتِشَافِ الحَقِيقَةِ، فَتَغَيَّرَتْ حَيَاتُهَا، وَآمَنَتْ بِهِ، وَصَارَتْ شَاهِدَةً لَهُ أَمَامَ أَهْلِ مَدِينَتِهَا. وَهٰكَذَا نَرَى أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ غَالٍ عَلَى قَلْبِ يَسُوعَ، مَهْمَا كَانَ مَاضِيهُ أَوْ ضَعْفُهُ. مِنْ هُنَا تَتَجَلَّى أَهَمِّيَّةُ هٰذَا النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ، الَّذِي يَدْعُونَا إِلَى التَّأَمُّلِ فِي وَقَائِعِهِ وَرُمُوزِهِ، وَإِلَى اِسْتِخْلَاصِ أَبْعَادِهِ الرُّوحِيَّةِ وَتَطْبِيقَاتِهِ الرَّعَوِيَّةِ فِي حَيَاتِنَا.

 

 

أولا: وَقَائِعُ النَّصِّ الإنْجِيلي (يوحنا 4: 5-42)

 

4 وكانَ علَيه أَن يَمُرَّ بِالسَّامِرَة

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "كَانَ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَمُرَّ بِالسَّامِرَةِ" إِلَى أَهَمِّيَّةِ الحَدَثِ الَّذِي قَصَدَهُ يَسُوعُ فِي طَرِيقِهِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ مَرُورٍ جُغْرَافِيٍّ عَابِرٍ، بَلْ مَرُورًا خَلَاصِيًّا يَنْدَرِجُ فِي إِطَارِ تَصْمِيمِ اللهِ لِخَلَاصِ الإِنْسَانِ. فَالمَسِيحُ لَمْ يَأْتِ إِلَى العَالَمِ لِيُخَلِّصَ اليَهُودَ وَحْدَهُمْ، بَلْ جَمِيعَ الشُّعُوبِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذِهِ العِبَارَةِ قَائِلًا:
"لَمْ يَمْضِ إِلَى الجَلِيلِ بِلَا هَدَفٍ، بَلْ لِيُتِمَّ أُمُورًا مُعَيَّنَةً بَيْنَ السَّامِرِيِّينَ، مُظْهِرًا أَنَّهُ قَامَ بِهٰذَا العَمَلِ أَثْنَاءَ عُبُورِهِ. فَهُوَ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى الأُمَمِ مُبَاشَرَةً، بَلْ أَثْنَاءَ مَرُورِهِ". فَقَدْ مَرَّ يَسُوعُ بِالسَّامِرَةِ فِي طَرِيقِهِ مِنَ اليَهُودِيَّةِ إِلَى الجَلِيلِ، وَكَانَتْ هٰذِهِ الرِّحْلَةُ تَسْتَغْرِقُ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "بِالسَّامِرَةِ" إلى أنَّ السَّامِرَةُ َكَانَتِ أَحَدَ الطُّرُقِ الرَّئِيسِيَّةِ لِلصُّعُودِ مِنَ اليَهُودِيَّةِ إِلَى الجَلِيلِ: إِمَّا عَبْرَ وَادِي الأُرْدُنِّ شَرْقًا، وَإِمَّا عَبْرَ السَّامِرَةِ وَسَطَ فِلَسْطِين. وَلٰكِنَّ اليَهُودَ كَانُوا يَتَجَنَّبُونَ عَادَةً العُبُورَ فِي السَّامِرَةِ بِسَبَبِ العَدَاوَةِ القَدِيمَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّامِرِيِّينَ، إِذْ كَانُوا يَعُدُّونَهُمْ شَعْبًا مُخْتَلِطَ الأَصْلِ وَمُنْحَرِفًا فِي عَقِيدَتِهِ الدِّينِيَّةِ. وَيُؤَكِّدُ ذٰلِكَ أَيْضًا مَا ظَهَرَ مِنَ العَدَاوَةِ اليَهُودِيَّةِ لِلسَّامِرِيِّينَ، إِذْ إِنَّ الفَرِّيسِيِّينَ، فِي احْتِقَارِهِمْ لِيَسُوعَ، قَالُوا لَهُ:"أَلَسْنَا نَقُولُ حَسَنًا إِنَّكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ شَيْطَانٌ؟" (يُوحَنَّا 8: 48). وَكَانَ بِإِمْكَانِ يَسُوعَ أَنْ يَتَجَنَّبَ السَّامِرَةَ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ اليَهُودِ، فَيَسْلُكَ الطَّرِيقَ الشَّرْقِيَّ فِي شَرْقِ الأُرْدُنِّ (مَتَّى 19: 1). لٰكِنَّهُ تَعَمَّدَ أَنْ يَمُرَّ فِيهَا، لِيُعْلِنَ أَنَّ رِسَالَةَ الخَلَاصِ لَا تَسْتَثْنِي أَحَدًا. وَمِنْ هُنَا كَانَ اخْتِيَارُ يَسُوعَ لِلمُرُورِ بِالسَّامِرَةِ أَمْرًا لَافِتًا، يُظْهِرُ أَنَّ خُطَّتَهُ الخَلَاصِيَّةَ تَتَجَاوَزُ الحُدُودَ العِرْقِيَّةَ وَالدِّينِيَّةَ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، تَظْهَرُ المَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ كَمُمَثِّلَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ فِي قَبُولِهِمْ لِلْمَسِيحِ، كَمَا كَانَ نِيقُودِيمُوسُ مُمَثِّلًا لِلْيَهُودِ فِي بَدَايَةِ الإِنْجِيلِ (يُوحَنَّا 3: 1–9). وَهٰكَذَا يَكْشِفُ الإِنْجِيلُ عَنْ تَدَرُّجٍ فِي الإِرْسَالِيَّةِ: مِنَ اليَهُودِ، إِلَى السَّامِرِيِّينَ، ثُمَّ إِلَى العَالَمِ كُلِّهِ. وَتُعَدُّ رِسَالَةُ يَسُوعَ فِي السَّامِرَةِ صُورَةً مُسْبَقَةً لِمَا سَيَحْدُثُ فِي العَهْدِ الرَّسُولِيِّ، حِينَ يُبَشِّرُ فِيلِبُّسُ السَّامِرَةَ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 8)، كَمَا تُشَكِّلُ تَمْهِيدًا لِلانْفِتَاحِ عَلَى الأُمَمِ الَّذِي سَيَتَجَلَّى فِي طَلَبِ اليُونَانِيِّينَ رُؤْيَةَ يَسُوعَ (يُوحَنَّا 12: 20–24).

 

أَمَّا "السَّامِرَةُ" فَتُشِيرُ إِلَى القِسْمِ الأَوْسَطِ مِنْ فِلَسْطِين، الَّتِي كَانَتْ مُقَسَّمَةً فِي أَيَّامِ يَسُوعَ إِلَى ثَلَاثِ مَنَاطِقَ رَئِيسِيَّةٍ:
اليَهُودِيَّةُ فِي الجَنُوبِ، حَيْثُ أُورُشَلِيمُ وَالهَيْكَلُ؛ وَالجَلِيلُ فِي الشَّمَالِ، الَّذِي كَانَ يُدْعَى أَيْضًا «جَلِيلَ الأُمَمِ»؛
وَالسَّامِرَةُ فِي الوَسَطِ. وَكَانَتِ السَّامِرَةُ مَنْطِقَةً خَصِبَةً وَجَمِيلَةً، يَبْلُغُ طُولُهَا نَحْوَ 75 كِيلُومِتْرًا مِنَ الشَّمَالِ إِلَى الجَنُوبِ، وَنَحْوَ 64 كِيلُومِتْرًا مِنَ الشَّرْقِ إِلَى الغَرْبِ. وَكَانَتْ تَحُدُّهَا اليَهُودِيَّةُ جَنُوبًا، وَنَهْرُ الأُرْدُنِّ شَرْقًا، وَسَهْلُ شَارُونَ غَرْبًا، وَسَهْلُ يَزْرَعِيلَ (مَرْجُ بْنِ عَامِر) شَمَالًا. وَكَانَتْ أَرَاضِيهَا قَدْ وُزِّعَتْ قَدِيمًا عَلَى سِبْطَي مَنَسَّى وَإِفْرَايِم. وَقَدْ كَانَتْ عَاصِمَتُهَا مَدِينَةَ السَّامِرَةِ، عَاصِمَةَ مَمْلَكَةِ الشَّمَالِ (مَمْلَكَةِ إِسْرَائِيلَ). أَمَّا فِي أَيَّامِ يَسُوعَ، فَقَدْ تَقَلَّصَتْ مَنْطِقَةُ السَّامِرَةِ إِلَى بَعْضِ المُدُنِ المُحِيطَةِ بِشَكِيم. وَمَا ذِكْرُ السَّامِرَةِ هُنَا إِلَّا لِارْتِبَاطِهَا بِتَصْمِيمِ اللهِ الخَلَاصِيِّ، الَّذِي يَهْدِفُ إِلَى إِدْخَالِ جَمِيعِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِيَسُوعَ إِلَى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. فَمِنْ هٰذَا المَنْطِقِ تَتَّسِعُ إِرْسَالِيَّةُ المَسِيحِ لِتَشْمَلَ الشُّعُوبَ غَيْرَ اليَهُودِيَّةِ أَيْضًا، مُعْلِنَةً أَنَّ الخَلَاصَ مُوَجَّهٌ إِلَى العَالَمِ كُلِّهِ.

 

5 فوَصَلَ إِلى مدينةٍ في السَّامِرَةِ يُقالُ لَها سيخارَة، بِالقُرْبِ مِنَ الأَرضِ الَّتي أَعْطاها يَعقوبُ لابنِه يُوسُف

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "السَّامِرَة" إِلَى الاِسْمِ العِبْرِيِّ שֹׁמְרוֹן (شومرون)، وَمَعْنَاهُ "مَرْكَزُ الحَارِس". وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى إِقْلِيمِ السَّامِرَةِ الَّذِي يَقَعُ فِي وَسَطِ فِلَسْطِين، بَيْنَ الجَلِيلِ فِي الشَّمَالِ وَاليَهُودِيَّةِ فِي الجَنُوبِ. وَفِي عَامِ 63 ق.م. أَلْحَقَ القَائِدُ الرُّومَانِيُّ بُومْبِي هٰذِهِ المِنْطَقَةَ بِوِلَايَةِ سُورِيَا. وَفِي عَهْدِ الإِمْبِرَاطُورِ أُغُسْطُس أُقِيمَ عَلَيْهَا حَاكِمٌ رُومَانِيٌّ، وَكَانَتْ هٰذِهِ هِيَ الحَالَةُ الإِدَارِيَّةُ لِلْمِنْطَقَةِ عِنْدَ مَرُورِ يَسُوعَ المَسِيحِ فِيهَا.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "سِيخَار" فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ Συχάρ، وَيَرَى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أَنَّ اسْمَهَا يَرْتَبِطُ بِكَلِمَةٍ تَعْنِي "السُّكْر"، فِي إِشَارَةٍ سَاخِرَةٍ اسْتَعْمَلَهَا بَعْضُ اليَهُودِ لِوَصْفِ سُكَّانِهَا. وَتُعَرَّفُ هٰذِهِ المَدِينَةُ غَالِبًا بِقَرْيَةِ عَسْكَر القَرِيبَةِ مِنْ شَكِيم، وَهِيَ المِنْطَقَةُ القَرِيبَةُ مِنْ نَابُلُس الحَالِيَّةِ. وَفِي هٰذِهِ المِنْطَقَةِ اشْتَرَى يَعْقُوبُ قِطْعَةَ أَرْضٍ كَمَا يَرِدُ فِي سِفْرِ التَّكْوِين (33: 18–19)، وَأَعْطَاهَا فِيمَا بَعْدُ لِابْنِهِ يُوسُف (التَّكْوِين 48: 20–22). وَتَقَعُ هٰذِهِ القَرْيَةُ عَلَى مَسَافَةِ نَحْوِ 800 مِتْرٍ شِمَالَ بِئْرِ يَعْقُوب، وَتَبْعُدُ حَوَالَي 64 كِيلُومِتْرًا عَنْ أُورُشَلِيم وَنَحْوَ 83 كِيلُومِتْرًا عَنْ أَرِيحَا. أَمَّا القِدِّيسُ إِيرُونِيمُوس فَيَذْكُرُ أَنَّهَا شَكِيم نَفْسُهَا وَلَيْسَتْ سُوخَار، وَأَنَّهَا كَانَتْ تُدْعَى فِي زَمَنِهِ نِيَابُولِيس (Neapolis)، وَهُوَ الاِسْمُ الَّذِي تَطَوَّرَ فِيمَا بَعْدُ إِلَى الاِسْمِ العَرَبِيِّ نَابُلُس.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "الأَرْضِ الَّتِي أَعْطَاهَا يَعْقُوبُ لِابْنِهِ يُوسُف"َ تُشِيرُ إِلَى قِطْعَةِ الحَقْلِ المُقَابِلَةِ لِشَكِيم، كَمَا يَرِدُ فِي سِفْرِ التَّكْوِين: "وَصَلَ يَعْقُوبُ سَالِمًا إِلَى مَدِينَةِ شَكِيمَ الَّتِي بِأَرْضِ كَنْعَان، حِينَ عَادَ مِنْ فَدَّانَ أَرَام، فَخَيَّمَ قُبَالَةَ المَدِينَة. وَاشْتَرَى قِطْعَةَ الحَقْلِ الَّتِي نَصَبَ فِيهَا خَيْمَتَهُ مِنْ بَنِي حَمُورَ أَبِي شَكِيم بِمِئَةِ قَسِيطَةٍ"(التَّكْوِين 33: 18–19). وَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا وَدَعَاهُ "إِيلَ، إِلَهَ إِسْرَائِيل" (التَّكْوِين 33: 20). وَقَدْ تَرَكَ يَعْقُوبُ هٰذَا الحَقْلَ مِيرَاثًا خَاصًّا لِيُوسُف وَأَبْنَائِهِ (التَّكْوِين 48: 21–22). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم قَائِلًا: "إِنَّ السَّامِرِيِّينَ كَانُوا يَعْتَزُّونَ بِإِبْرَاهِيمَ وَيَدْعُونَهُ أَبَاهُمْ، وَيَنْسِبُونَ أَنْفُسَهُمْ أَيْضًا إِلَى يَعْقُوب بَاعْتِبَارِهِ مِنْ أَصْلِهِم".

 

أَمَّا عِبَارَةُ "يَعْقُوب" فَهِيَ اسْمٌ عِبْرِيٌّ יַעֲקֹב، وَمَعْنَاهُ "يَعْقِبُ" أَوْ "يُمْسِكُ العَقِب" أَوْ "يَحِلُّ مَحَلَّ آخَر". وَهُوَ أَحَدُ الآبَاءِ الثَّلَاثَةِ الكِبَارِ لِلشَّعْبِ العِبْرَانِيِّ. فَهُوَ ابْنُ إِسْحَاق وَرِفْقَة، وَتَوْأَمُ عِيسُو. وَقَدْ نَالَ بَرَكَةَ أَبِيهِ بَدَلًا مِنْ عِيسُو (التَّكْوِين 27). وَمَعَ أَنَّهُ أَخَذَ البَكُورِيَّةَ بِطَرِيقَةٍ مَلْتَوِيَةٍ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَارِثَ المَوَاعِيدِ الإِلَهِيَّةِ. تَزَوَّجَ يَعْقُوبُ مِنْ لِيئَةَ وَرَاحِيل، وَوُلِدَ لَهُ مِنْ زَوْجَتَيْهِ وَمِنْ سُرِّيَّتَيْهِ أَحَدَ عَشَرَ ابْنًا وَابْنَةً وَاحِدَةً (التَّكْوِين 29–31). ثُمَّ تَرَكَ أَرْضَ فَدَّانَ أَرَام وَعَادَ إِلَى أَرْضِ كَنْعَان (التَّكْوِين 33). وَاشْتَرَى أَرْضًا قُرْبَ شَكِيم وَنَصَبَ فِيهَا خَيْمَتَهُ وَأَقَامَ مَذْبَحًا لِلَّهِ (التَّكْوِين 33: 18–20). وَقَبْلَ مَوْتِهِ بَارَكَ أَوَّلًا ابْنَيْ يُوسُف، ثُمَّ جَمِيعَ أَبْنَائِهِ، الَّذِينَ أَصْبَحُوا أَسْبَاطَ إِسْرَائِيل. وَبَعْدَ وَفَاتِهِ حُنِّطَتْ جُثَّتُهُ فِي مِصْر، ثُمَّ نَقَلَهَا يُوسُفُ وَإِخْوَتُهُ إِلَى مَغَارَةِ المَكْفِيلَةِ فِي حَبْرُون وَدَفَنُوهُ هُنَاكَ (التَّكْوِين 50: 1–14). وَقَدْ تَغَيَّرَ اسْمُهُ مِنْ يَعْقُوب إِلَى إِسْرَائِيل، وَهُوَ الاِسْمُ الَّذِي أُطْلِقَ فِيمَا بَعْدُ عَلَى شَعْبِهِ كُلِّهِ، بَنِي إِسْرَائِيل.

 

6 وفيها بِئرُ يَعقوب. وكانَ يسوعُ قد تَعِبَ مِنَ المَسير، فَجَلَسَ دونَ تَكَلُّفٍ على حافَةِ البِئر. وكانَتِ الساعةُ تُقارِبُ الظُّهر.

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "بِئْر" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ πηγή إِلَى عَيْنِ مَاءٍ تَنْبُعُ فِي قَعْرِ بِئْرٍ عَمِيقٍ. وَفِي هٰذَا بُعْدٌ رَمْزِيٌّ لَاهُوتِيٌّ، إِذْ يُشِيرُ إِلَى المَسِيحِ نَفْسِهِ بَاعْتِبَارِهِ يَنْبُوعَ الحَيَاةِ. وَيَرِدُ هٰذَا المَعْنَى فِي سِفْرِ الرُّؤْيَا: "إِنِّي سَأُعْطِي العَطْشَانَ مِنْ يَنْبُوعِ مَاءِ الحَيَاةِ مَجَّانًا" (رُؤْيَا 21: 6).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "بِئْرُ يَعْقُوب" فَتُشِيرُ إِلَى البِئْرِ الَّتِي كَانَتْ فِي قِطْعَةِ الأَرْضِ الَّتِي اشْتَرَاهَا يَعْقُوبُ وَنَصَبَ فِيهَا خَيْمَتَهُ، كَمَا يَرِدُ فِي سِفْرِ التَّكْوِين: "وَصَلَ يَعْقُوبُ سَالِمًا إِلَى مَدِينَةِ شَكِيمَ الَّتِي بِأَرْضِ كَنْعَان، حِينَ عَادَ مِنْ فَدَّانَ أَرَام، فَخَيَّمَ قُبَالَةَ المَدِينَة. وَاشْتَرَى قِطْعَةَ الحَقْلِ الَّتِي نَصَبَ فِيهَا خَيْمَتَهُ مِنْ بَنِي حَمُورَ أَبِي شَكِيم بِمِئَةِ قَسِيطَةٍ. وَأَقَامَ هُنَاكَ مَذْبَحًا وَدَعَاهُ بِاسْمِ إِيلَ، إِلَهِ إِسْرَائِيل" (التَّكْوِين 33: 18–20). هٰذِهِ البِئْرُ اليَوْمَ موجودة فِي قَبْوِ كَنِيسَةٍ قَائِمَةٍ حَتَّى الآنَ، كَانَتْ تَحْتَ رِعَايَةِ رُهْبَانٍ أُرْثُوذُكْسٍ مِنْ رُوسْيَا الَّذِينَ بَدَأُوا بِنَاءَهَا فَوْقَ البِئْرِ. وَلٰكِنَّ الثَّوْرَةَ الشُّيُوعِيَّةَ فِي رُوسْيَا عَامَ 1917 أَوْقَفَتِ المَشْرُوعَ، فَبَقِيَتِ الكَنِيسَةُ جُدْرَانًا قَائِمَةً بِلا سَقْفٍ حَتَّى سَنَةِ 1999، حِينَ أَكْمَلَ بِنَاءَهَا الأَبُ يُوسْتِينُوس مِنْ كَهَنَةِ الرُّومِ الأُرْثُوذُكْس. وَتَقَعُ هٰذِهِ البِئْرُ عَلَى بُعْدِ نَحْوِ 76 مِتْرًا مِنْ تَلِّ بَلَاطَة (مَوْقِعِ شَكِيم الأَثَرِيِّ)، فِي الجُزْءِ الشَّرْقِيِّ مِنْ مَدِينَةِ نَابُلُس، قُرْبَ مَصَبِّ الوَادِي الشَّرْقِيِّ–الغَرْبِيِّ، وَبِالقُرْبِ مِنْ سِيخَار القَدِيمَة (قَرْيَةِ عَسْكَر)، عِنْدَ سَفْحِ جَبَلِ جَرْزِيم. وَلَمْ تُذْكَرْ هٰذِهِ البِئْرُ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ إِلَّا فِي هٰذِهِ الآيَةِ مِنْ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، وَتُعَدُّ اليَوْمَ مِنْ أَبْرَزِ الشَّوَاهِدِ التَّارِيخِيَّةِ عَلَى مَرُورِ يَسُوعَ المَسِيحِ فِي مَنْطِقَةِ نَابُلُس. تُعَدُّ الإِشَارَةُ إِلَى "بِئْرِ يَعْقُوب" فِي قِصَّةِ لِقَاءِ يَسُوعَ بِالمَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ تَحْدِيدٍ جُغْرَافِيٍّ لِلمَكَانِ، بَلْ هِيَ إِشَارَةٌ رَمْزِيَّةٌ عَمِيقَةٌ تَرْبِطُ بَيْنَ تَارِيخِ الخَلَاصِ فِي العَهْدِ القَدِيمِ وَإِتْمَامِهِ فِي شَخْصِ يَسُوعَ المَسِيحِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "قَدْ تَعِبَ مِنَ ٱلْمَسِيرِ" فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ يَسُوعَ، بَاعْتِبَارِهِ إِنْسَانًا حَقِيقِيًّا، خَضَعَ لِضَعْفِ الجَسَدِ البَشَرِيِّ. فَهُوَ "قَدِ امْتُحِنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَنَا، مَا عَدَا الخَطِيئَة" (العِبْرَانِيِّين 4: 15). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ عَلَى هٰذَا المَوْقِفِ قَائِلًا: "تَعِبَ يَسُوعُ فِي الطَّرِيقِ، لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ حَقِيقَةَ جَسَدِهِ. فَتَعَبُهُ لَيْسَ ضَعْفًا فِي لَاهُوتِهِ، بَلْ بُرْهَانٌ عَلَى تَجَسُّدِهِ" (العِظَاتُ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، العظة 1). هذا ٱلتَّعَبِ مُرْتَبِطِ بِٱلْعَمَلِ ٱلتَّبْشِيرِيِّ. فَيَسُوعُ لَمْ يَتْعَبْ فَقَطْ مِنَ ٱلسَّفَرِ ٱلْجَسَدِيِّ، بَلْ يُظْهِرُ هٰذَا ٱلتَّعَبُ أَيْضًا بُعْدًا رُوحِيًّا في بَذْلِ نَفْسَهُ فِي خِدْمَةِ خَلَاصِ ٱلْإِنْسَانِ. فَهُوَ ٱلتَّعَبُ ٱلَّذِي يَنْبَعُ مِنَ ٱلْمَحَبَّةِ وَمِنَ ٱلرَّغْبَةِ فِي لِقَاءِ ٱلْإِنْسَانِ حَيْثُ هُوَ. وَهٰذَا ٱلْمَعْنَى يَرِدُ كَثِيرًا فِي كِتَابَاتِ ٱلرَّسُولِ بُولُسَ، حَيْثُ يَصِفُ خِدْمَتَهُ بِأَنَّهَا تَعَبٌ رَسُولِيٌّ يَبْذُلُ فِيهِ نَفْسَهُ بِلَا تَحَفُّظٍ، مُعْتَرِفًا بِفَضْلِ نِعْمَةِ ٱللَّهِ فِي عَمَلِهِ: "بِنِعْمَةِ ٱللَّهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً فِيَّ، بَلْ تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِهِم، وَلٰكِنْ لَا أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ ٱللَّهِ ٱلَّتِي مَعِي" (1 قُورِنْتُس 15: 10)، وَيَقُولُ أَيْضًا: "وَلِأَجْلِ هٰذَا أَتْعَبُ مُجَاهِدًا بِحَسَبِ عَمَلِهِ ٱلَّذِي يَعْمَلُ فِيَّ بِقُوَّةٍ" (قولُسِّي 1: 29). وَبِهٰذَا ٱلْمَعْنَى، يُصْبِحُ تَعَبُ يَسُوعَ عِنْدَ بِئْرِ يَعْقُوبَ عَلامَةً لِتَعَبِ ٱلرَّاعِي ٱلَّذِي يَبْحَثُ عَنِ ٱلنَّفْسِ ٱلضَّالَّةِ، وَيُقَدِّمُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِ خَلَاصِهَا.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "فَجَلَسَ هٰكَذَا عَلَى حَافَّةِ البِئْر" فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἐκαθέζετο οὕτως ἐπὶ τῇ πηγῇ، وَمَعْنَاهَا: "جَلَسَ هٰكَذَا عَلَى البِئْر". وَتُشِيرُ كَلِمَةُ "هٰكَذَا" إِلَى الحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا يَسُوعُ، أَيْ إِنَّهُ جَلَسَ بِبَسَاطَةٍ وَعَفْوِيَّة وَتَعَبٍ بَعْدَ مَسِيرٍ طَوِيلٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم قَائِلًا:"لَمْ يَجْلِسْ عَلَى عَرْشٍ وَلا عَلَى وِسَادَةٍ، بَلْ بِبَسَاطَةٍ عَلَى الأَرْضِ، عَلَى حِجَارَةٍ مَلْقَاةٍ بِجِوَارِ البِئْر". وَذٰلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُؤَكَّدًا أَنَّ لِلآبَارِ القَدِيمَةِ حَافَّةً مُرْتَفِعَةً، بَلْ كَانَتْ فُوَّهَتُهَا فِي مُسْتَوَى الأَرْضِ، وَيُوضَعُ عَلَيْهَا حَجَرٌ يُغْلِقُهَا، كَمَا يَرِدُ فِي سِفْرِ التَّكْوِين: "وَكَانَ، إِذَا جُمِعَتِ القُطْعَان، يُدَحْرَجُ الحَجَرُ عَنْ فَمِ البِئْر، فَتُسْقَى الغَنَم، ثُمَّ يُرَدُّ الحَجَرُ عَلَى فَمِ البِئْرِ إِلَى مَوْضِعِهِ" (التَّكْوِين 29: 3). وَهٰذَا النَّمَطُ مِنَ الآبَارِ مَا زَالَ مَعْرُوفًا فِي بَعْضِ مَنَاطِقِ فِلَسْطِين حَتَّى اليَوْم. وَيُضِيفُ القِدِّيسُ كِيرِلُّس الإِسْكَنْدَرِيُّ أَنَّ جُلُوسَ يَسُوعَ عِنْدَ البِئْرِ يُهَيِّئُ لِلِقَاءِ خَلاَصِيٍّ، فَهُوَ الَّذِي يَنْتَظِرُ الإِنْسَانَ كَيْ يَقُودَهُ مِنَ المَاءِ الأَرْضِيِّ إِلَى المَاءِ الحَيّ الَّذِي يُعْطِي الحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ" (تَفْسِيرُ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، الكتاب الثاني).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَكَانَتِ السَّاعَةُ نَحْوَ الظُّهْر" فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ὥρα ἦν ὡς ἕκτη، وَتَعْنِي السَّاعَةَ السَّادِسَةَ بِحَسَبِ التَّوْقِيتِ اليَهُودِيِّ، أَيْ نَحْوَ السَّاعَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ظُهْرًا فِي تَوْقِيتِنَا الحَالِيّ. وَهٰذَا الوَقْتُ لَيْسَ مُلَائِمًا عَادَةً لِاسْتِقَاءِ المَاءِ، إِذْ كَانَ النَّاسُ يَسْتَقُونَ المَاءَ صَبَاحًا أَوْ مَسَاءً عِنْدَمَا تَكُونُ الحَرَارَةُ أَخَفَّ. أَمَّا وَقْتُ الظُّهْرِ فَهُوَ وَقْتُ الحَرِّ الشَّدِيدِ، وَفِيهِ احْتَاجَ يَسُوعُ إِلَى المَاءِ لِيَشْرَبَ، وَهُوَ العَطَشُ الَّذِي سَيَبْلُغُ ذِرْوَتَهُ عَلَى الصَّلِيبِ حِينَ قَالَ: "أَنَا عَطْشَان" (يُوحَنَّا 19: 28). وَهٰكَذَا يَرَى بَعْضُ الآبَاءِ أَنَّ السَّاعَةَ السَّادِسَةَ الَّتِي يَلْتَقِي فِيهَا يَسُوعُ بِالمَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ هِيَ نَفْسُ السَّاعَةِ الَّتِي يَبْدَأُ فِيهَا إِعْلَانُ مَلِكُوتِهِ عَلَى الصَّلِيب. فَالَّذِي يَطْلُبُ مَاءً مِنَ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي سَيَقُولُ عَلَى الصَّلِيبِ: "أَنَا عَطْشَانُ" (يُوحَنَّا 19: 28). فَالعَطَشُ فِي هٰذَا الإِنْجِيلِ لَيْسَ عَطَشًا جَسَدِيًّا فَقَطْ، بَلْ هُوَ عَطَشُ اللهِ إِلَى خَلَاصِ الإِنْسَانِ.  وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ قَائِلًا: "إِنَّ الَّذِي طَلَبَ مَاءً كَانَ يَعْطَشُ إِلَى إِيمَانِ هٰذِهِ المَرْأَةِ"(العِظَاتُ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، العظة 1). وَمِنْ هُنَا تَأْخُذُ السَّاعَةُ السَّادِسَةُ بُعْدًا رُوحِيًّا عَمِيقًا: فَهِيَ لَحْظَةُ لِقَاءِ العَطَشِ الإِنْسَانِيِّ بِعَطَشِ اللهِ، وَلَحْظَةُ انْتِقَالِ الإِنْسَانِ مِنَ البَحْثِ عَنِ المَاءِ الزَّائِلِ إِلَى قَبُولِ المَاءِ الحَيِّ الَّذِي يُعْطِيهِ المَسِيحُ.

 

7 فجاءَتِ امرَأَةٌ مِنَ السَّامِرَةِ تَستَقي. فقالَ لَها يسوع: اسْقيني.

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَجَاءَتِ ٱمْرَأَةٌ مِنَ ٱلسَّامِرَةِ تَسْتَقِي" (يُوحَنَّا 4: 7) إِلَى عَمَلٍ كَانَ يُعَدُّ مِنَ الأَعْمَالِ اليَوْمِيَّةِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا النِّسَاءُ فِي المُجْتَمَعَاتِ الشَّرْقِيَّةِ القَدِيمَةِ. فَقَدْ كَانَ مِنَ العَادَةِ أَنْ تَخْرُجَ النِّسَاءُ إِلَى الآبَارِ لِاسْتِقَاءِ المَاءِ وَجَلْبِهِ إِلَى البُيُوتِ مَرَّتَيْنِ فِي اليَوْمِ: صَبَاحًا وَمَسَاءً، حِينَ تَكُونُ الحَرَارَةُ أَخَفَّ وَأَلْطَفَ. غَيْرَ أَنَّ وَقْتَ مَجِيءِ هٰذِهِ المَرْأَةِ إِلَى البِئْرِ عِنْدَ الظُّهْرِ يُعَدُّ أَمْرًا غَيْرَ مَأْلُوفٍ. وَيُرَجَّحُ أَنَّهَا جَاءَتْ فِي هٰذَا الوَقْتِ لِتَتَجَنَّبَ لِقَاءَ النَّاسِ، بِسَبَبِ سُمْعَتِهَا السَّيِّئَةِ. كَمَا أَنَّ مَجِيئَهَا وَحْدَهَا إِلَى البِئْرِ يُوحِي أَيْضًا بِفَقْرِهَا، فَلَوْ كَانَتْ غَنِيَّةً لَأَرْسَلَتْ خَادِمَاتِهَا لِيَسْتَقِينَ لَهَا المَاءَ. وَمِنْ هُنَا تَتَّخِذُ هٰذِهِ المَرْأَةُ بُعْدًا رَمْزِيًّا، إِذْ تُمَثِّلُ إِلَى حَدٍّ مَا البَشَرِيَّةَ التَّائِهَةَ الَّتِي أَضْنَاهَا الرَّكْضُ وَرَاءَ أَشْكَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الحُبِّ وَالسَّعَادَةِ، وَلٰكِنَّهَا لَا تَجِدُ فِيهَا مَا يُرْوِي عَطَشَ القَلْبِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوس عَلَى هٰذِهِ الشَّخْصِيَّةِ قَائِلًا: "إِنَّ هٰذِهِ المَرْأَةَ صُورَةٌ لِلكَنِيسَةِ، لأَنَّ الكَنِيسَةَ سَتَأْتِي مِنَ الأُمَمِ الَّتِي كَانَتْ غَرِيبَةً عَنِ اليَهُود"  (CCL 36, 154).

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "ٱمْرَأَةٌ مِنَ ٱلسَّامِرَةِ" إِلَى ٱلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ ٱلَّتِي لَمْ يَذْكُرِ ٱلْإِنْجِيلُ ٱسْمَهَا، وَكَأَنَّ غِيَابَ ٱلِٱسْمِ يَجْعَلُهَا شَخْصِيَّةً رَمْزِيَّةً تُمَثِّلُ ٱلشَّعْبَ كُلَّهُ. فَهِيَ تُمَثِّلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ٱلَّذِينَ عَانَوْا ٱلْعَطَشَ فِي ٱلصَّحْرَاءِ، كَمَا يَرِدُ فِي قِصَّةِ مَاءِ ٱلصَّخْرَةِ (خُرُوج 17: 3–7)، حَيْثُ كَانَ ٱلشَّعْبُ يَبْحَثُ عَنِ ٱلْمَاءِ لِيَرْوِيَ عَطَشَهُ. وَفِي ٱلْوَقْتِ نَفْسِهِ تُمَثِّلُ هٰذِهِ ٱلْمَرْأَةُ بَشَرِيَّتَنَا ٱلْمُعَاصِرَةَ ٱلَّتِي تُعَانِي نَوْعًا آخَرَ مِنَ ٱلْعَطَشِ: عَطَشًا إِلَى ٱلْمَعْنَى، وَإِلَى ٱلْحُبِّ، وَإِلَى ٱللَّهِ. فَكَمَا جَاءَتْ إِلَى ٱلْبِئْرِ بَاحِثَةً عَنِ ٱلْمَاءِ ٱلْمَادِّيِّ، كَذٰلِكَ يَبْحَثُ ٱلْإِنْسَانُ فِي كُلِّ زَمَانٍ عَنْ مَا يُرْوِي عَطَشَ قَلْبِهِ. وَيَذْكُرُ ٱلتَّقْلِيدُ ٱلْأُرْثُوذُكْسِيُّ أَنَّ ٱسْمَ هٰذِهِ ٱلْمَرْأَةِ هُوَ فُوتِينِي (Φωτεινή)، وَيَعْنِي "ٱلْمُسْتَنِيرَة" أَوْ "ٱلْمُضِيئَة".  وَهٰذَا ٱلِٱسْمُ يَحْمِلُ دَلَالَةً رُوحِيَّةً عَمِيقَةً، لِأَنَّ ٱلْمَرْأَةَ ٱلَّتِي كَانَتْ تَبْحَثُ عَنِ ٱلْمَاءِ عِنْدَ ٱلْبِئْرِ أَصْبَحَتْ، بَعْدَ لِقَائِهَا بِٱلْمَسِيحِ، مُسْتَنِيرَةً بِنُورِ ٱلْحَقِّ وَشَاهِدَةً لَهُ، فَٱنْتَقَلَتْ مِنَ ٱلْعَطَشِ إِلَى ٱلِٱرْتِوَاءِ، وَمِنَ ٱلْبَحْثِ إِلَى ٱلشَّهَادَةِ، وَمِنَ ٱلظُّلْمَةِ إِلَى ٱلنُّورِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "فَقَالَ لَهَا يَسُوع: اِسْقِينِي" فَتُشِيرُ مِنْ جِهَةٍ إِلَى عَطَشِ يَسُوعَ الجَسَدِيِّ بَعْدَ التَّعَبِ مِنَ السَّفَرِ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى إِلَى مَدْخَلٍ لِلْحِوَارِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَبْدَأَهُ مَعَهَا. فَقَدِ اتَّخَذَ يَسُوعُ طَلَبَ المَاءِ وَسِيلَةً لِبَدْءِ الحَدِيثِ مَعَهَا يَقُودُ إِلَى كَشْفِ سِرِّ "المَاءِ الحَيّ"(يُوحَنَّا 4: 14). وَمِنَ المَعْرُوفِ أَنَّ طَلَبَ المَعُونَةِ مِنْ شَخْصٍ آخَرَ يُعَدُّ فِي الثَّقَافَةِ الشَّرْقِيَّةِ نَوْعًا مِنَ الاِعْتِرَافِ بِفَضْلِهِ، لأَنَّهُ يَمْلِكُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الطَّالِبُ. وَبِهٰذَا الطَّلَبِ البَسِيطِ يَفْتَحُ يَسُوعُ بَابَ لِقَاءٍ رُوحِيٍّ عَمِيقٍ. وَقَدْ كَانَ مِنَ المُسْتَغْرَبِ فِي العَالَمِ اليَهُودِيِّ، وَحَتَّى فِي المُجْتَمَعِ الشَّرْقِيِّ عُمُومًا، أَنْ يَتَحَدَّثَ مُعَلِّمٌ دِينِيٌّ مَعَ امْرَأَةٍ عَلَنًا. وَالأَكْثَرُ إِثَارَةً لِلاِسْتِغْرَابِ أَنْ يَطْلُبَ يَهُودِيٌّ شَرْبَ المَاءِ مِنْ امْرَأَةٍ سَامِرِيَّةٍ، نَظَرًا لِلتَّوَتُّرِ الدِّينِيِّ وَالاِجْتِمَاعِيِّ بَيْنَ اليَهُودِ وَالسَّامِرِيِّينَ. وَلٰكِنَّ يَسُوعَ تَجَاوَزَ هٰذِهِ الحَوَاجِزَ الاِجْتِمَاعِيَّةَ وَالتَّقْلِيدِيَّةَ (مَرْقُس 7: 1–15)، لِأَنَّ رِسَالَتَهُ هِيَ خَلَاصُ الإِنْسَانِ، وَلِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُعْطِي هٰذِهِ المَرْأَةَ خَبَرَ المَاءِ الحَيّ الَّذِي يُرْوِي عَطَشَهَا الرُّوحِيَّ إِلَى الأَبَدِ، دُونَ أَنْ يُوَبِّخَهَا أَوْ يُدِينَهَا. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوس عَلَى قَوْلِ يَسُوعَ "َأنَا عَطْشَان" قَائِلًا:"مَاذَا تَعْنِي كَلِمَةُ: أَنَا عَطْشَان؟ إِنِّي أَتُوقُ إِلَى إِيمَانِكِ. فَالَّذِي طَلَبَ أَنْ يَشْرَبَ كَانَ عَطْشَانَ إِلَى إِيمَانِ هٰذِهِ المَرْأَةِ" (CCL 36, 154). فَعَطَشُ المَسِيحِ الحَقِيقِيُّ هُوَ خَلَاصُ النُّفُوسِ. فَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ هُمَا اجْتِذَابُ البَشَرِ إِلَى الخَلَاصِ، كَمَا تَنَبَّأَ النَّبِيُّ أَشَعْيَا: "يُبَرِّرُ عَبْدِيَ البَارُّ الكَثِيرِينَ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ آثَامَهُمْ" (أَشَعْيَا 53: 11). وَلِهٰذَا فَإِنَّ يَسُوعَ، فِي الحَقِيقَةِ، لَمْ يَكُنْ يَعْطَشُ إِلَى مَاءِ البِئْرِ فَقَطْ، بَلْ إِلَى إِيمَانِ الإِنْسَانِ وَخَلَاصِهِ. وَعِنْدَمَا طَلَبَ يَسُوعُ مِنَ السَّامِرِيَّةِ أَنْ تُعْطِيَهُ مَاءً، قَالَ لَهَا فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ: "لَوْ كُنْتِ تَعْرِفِينَ عَطَاءَ اللهِ، وَمَنْ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَكِ: اِسْقِينِي، لَسَأَلْتِهِ أَنْتِ، فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيًّا" (يُوحَنَّا 4: 10). فَيَسُوعُ يَطْلُبُ أَنْ يَشْرَبَ، لٰكِنَّهُ فِي الحَقِيقَةِ يَعِدُ أَنْ يَسْقِي. وَهُنَا تَتَجَلَّى مُفَارَقَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ جَمِيلَةٌ: فَوَاهِبُ الحَيَاةِ يَظْهَرُ كَأَنَّهُ مُحْتَاجٌ، لِكَيْ يَهَبَ الحَيَاةَ. وَكَثِيرًا مَا يَطْلُبُ المَسِيحُ مِنَّا خِدْمَةً بَسِيطَةً، لِكَيْ يَمْنَحَنَا بَرَكَةً عَظِيمَةً. فَمَنْ يُقَدِّمْ خِدْمَةً لِلْمَسِيحِ يَنَالُ مُقَابِلَهَا أَضْعَافًا كَثِيرَةً، كَمَا وَعَدَ الرَّبُّ: "وَمَنْ سَقَى أَحَدَ هٰؤُلَاءِ الصِّغَارِ، وَلَوْ كَأْسَ مَاءٍ بَارِدٍ، لأَنَّهُ تِلْمِيذٌ، فَالحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَجْرَهُ لَنْ يَضِيع" (مَتَّى 10: 42). وَهٰكَذَا فَإِنَّ يَسُوعَ لَيْسَ شَخْصِيَّةً تَارِيخِيَّةً مِنَ المَاضِي فَقَطْ، بَلْ يُمْكِنُنَا نَحْنُ أَيْضًا أَنْ نَلْتَقِي بِهِ فِي طَرِيقِ حَيَاتِنَا، وَعِنْدَ بِئْرِ قُلُوبِنَا اليَوْم.

 

8 وكانَ التَّلاميذُ قد مَضوا إِلى المَدينَةِ لِيَشتَروا طَعاماً

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "التَّلَامِيذُ" فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ إِلَى كُلِّ مَنْ يَتْبَعُ مُعَلِّمًا وَيَتَعَلَّمُ مِنْهُ. فَقَدْ أُطْلِقَ هٰذَا اللَّقَبُ فِي العَهْدِ القَدِيمِ عَلَى تَلَامِيذِ الأَنْبِيَاءِ، كَمَا نَقْرَأُ عَنْ تَلَامِيذِ النَّبِيِّ أَشَعْيَا: "أَغْلِقْ الشَّهَادَةَ، وَاخْتِمِ الشَّرِيعَةَ فِي تَلَامِيذِي" (أَشَعْيَا 8: 16). كَمَا وُجِدَ تَلَامِيذٌ لِيُوحَنَّا المَعْمَدَانِ (مَتَّى 9: 14). أَمَّا فِي العَهْدِ الجَدِيدِ فَتُسْتَعْمَلُ هٰذِهِ الكَلِمَةُ بِمَعْنًى أَوْسَعَ لِتَدُلَّ عَلَى كُلِّ الَّذِينَ قَبِلُوا تَعْلِيمَ يَسُوعَ وَتَبِعُوهُ، كَمَا يَرِدُ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا (يُوحَنَّا 4: 1؛ 6: 66). وَفِي مَعْنًى أَخَصَّ تُسْتَعْمَلُ لِلإِشَارَةِ إِلَى الرُّسُلِ الاِثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ اِخْتَارَهُم يَسُوعُ لِيَكُونُوا مَعَهُ وَلِيُرْسِلَهُمْ لِلتَّبْشِيرِ (مَتَّى 5: 1).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "قَدْ مَضَوْا إِلَى المَدِينَةِ لِيَشْتَرُوا طَعَامًا" فَتُشِيرُ إِلَى السَّبَبِ الَّذِي جَعَلَ يَسُوعَ يَبْقَى وَحْدَهُ عِنْدَ البِئْرِ، وَهُوَ الأَمْرُ الَّذِي أَتَاحَ لَهُ فُرْصَةَ الدُّخُولِ فِي حِوَارٍ مُبَاشِرٍ مَعَ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ. فَلَوْ كَانَ التَّلَامِيذُ مَوْجُودِينَ، لَرُبَّمَا لَمْ يَتِمَّ هٰذَا اللِّقَاءُ بِهٰذِهِ الحُرِّيَّةِ وَالعُمقِ.

 

أَمَّا "المَدِينَةُ" فَتُشِيرُ هُنَا إِلَى مَدِينَةِ سِيخَار الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ (يُوحَنَّا 4: 5). وَيَرَى كَثِيرٌ مِنَ البَاحِثِينَ أَنَّهَا تُقَابِلُ اليَوْمَ قَرْيَةَ عَسْكَر القَرِيبَةَ مِنْ نَابُلُس، عِنْدَ سَفْحِ جَبَلِ جَرْزِيم. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ الجُغْرَافِيِّ يَظْهَرُ أَنَّ يَسُوعَ يَقِفُ عِنْدَ مَكَانٍ يَحْمِلُ تَارِيخًا كِتَابِيًّا عَمِيقًا مُرْتَبِطًا بِيَعْقُوبَ وَأَبْنَائِهِ. وَقَدِ اِسْتَغَلَّ يَسُوعُ فُرْصَةَ ذَهَابِ التَّلَامِيذِ إِلَى المَدِينَةِ لِيَشْتَرُوا طَعَامًا، لِيَبْدَأَ هٰذَا الحِوَارَ الخَلَاصِيَّ مَعَ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ، الَّذِي سَيَقُودُ فِي النِّهَايَةِ إِلَى إِيمَانِهَا وَإِيمَانِ كَثِيرِينَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "لِيَشْتَرُوا طَعَامًا" فَتُظْهِرُ أَيْضًا بُعْدًا اِجْتِمَاعِيًّا فِي هٰذَا المَشْهَدِ، إِذْ إِنَّ بَعْضَ الحَاخَامَاتِ اليَهُودِيَّةِ كَانَتْ تُجِيزُ لِلْيَهُودِ أَنْ يَشْتَرُوا مِنَ السَّامِرِيِّينَ بَعْضَ الأَطْعِمَةِ البَسِيطَةِ، مِثْلَ الفَوَاكِهِ وَالبُقُولِ وَالبَيْضِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنَ التَّوَتُّرِ الدِّينِيِّ بَيْنَ الجَمَاعَتَيْنِ. وَبِهٰذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ هٰذِهِ التَّفْصِيلَةَ الصَّغِيرَةَ فِي النَّصِّ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَلْحُوظَةٍ سَرْدِيَّةٍ، بَلْ هِيَ جُزْءٌ مِنَ تَدْبِيرِ اللهِ فِي الإِنْجِيلِ، إِذْ أَتَاحَتْ لِيَسُوعَ أَنْ يَلْتَقِي بِهٰذِهِ المَرْأَةِ، وَأَنْ يَجْعَلَ مِنْ هٰذَا اللِّقَاءِ بَدَايَةَ خَلَاصٍ لَهَا وَلِكَثِيرِينَ مِنْ أَهْلِ مَدِينَتِهَا.

 

9 فَقالَتْ لَهُ ٱلمَرْأَةُ ٱلسَّامِرِيَّةُ: «كَيْفَ تَسْأَلُنِي أَنْ أَسْقِيَكَ وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ وَأَنَا ٱمْرَأَةٌ سَامِرِيَّةٌ؟» لأَنَّ ٱليَهُودَ لَا يُخَالِطُونَ ٱلسَّامِرِيِّينَ

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "كَيْفَ تَسْأَلُنِي أَنْ أَسْقِيَكَ وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ وَأَنَا ٱمْرَأَةٌ سَامِرِيَّةٌ؟" إِلَى سُؤَالِ تَعَجُّبٍ لَا سُؤَالِ اسْتِفْهَامٍ. فَالمَرْأَةُ تُعَبِّرُ عَنْ دَهْشَتِهَا مِنْ طَلَبِ يَسُوعَ، لِأَنَّ العَادَةَ فِي ذٰلِكَ الزَّمَانِ كَانَتْ تَقْضِي بِوُجُودِ حَوَاجِزَ اِجْتِمَاعِيَّةٍ وَدِينِيَّةٍ بَيْنَ اليَهُودِ وَالسَّامِرِيِّينَ، إِذْ لَمْ تَكُنْ تَقُومُ بَيْنَهُمْ عَلاقَاتُ مُخَالَطَةٍ أَوْ تَعَامُلٍ مُتَبَادَلٍ. أَمَّا يَسُوعُ فَلَمْ يَنْشَغِلْ بِهٰذِهِ العَدَاوَةِ التَّارِيخِيَّةِ، بَلْ كَانَ هَمُّهُ الأَسَاسِيُّ جَذْبَ النُّفُوسِ إِلَى الخَلَاصِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ" فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ المَرْأَةَ السَّامِرِيَّةَ عَرَفَتْ أَنَّ يَسُوعَ مِنَ اليَهُودِ، وَرُبَّمَا كَانَ ذٰلِكَ مِنْ مَلْبَسِهِ أَوْ هَيْئَتِهِ أَوْ لَهْجَةِ كَلَامِهِ الَّتِي كَانَتْ تَخْتَلِفُ عَنْ لَهْجَةِ السَّامِرِيِّينَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا فَمُ الذَّهَبِ قَائِلًا: "لَعَلَّهَا ظَنَّتْ ذٰلِكَ مِنْ مَلْبَسِهِ وَمِنْ لَهْجَةِ كَلَامِهِ".

 

أَمَّا عِبَارَةُ "لأَنَّ ٱليَهُودَ لَا يُخَالِطُونَ ٱلسَّامِرِيِّينَ" فَتُشِيرُ إِلَى العَدَاوَةِ التَّارِيخِيَّةِ العَمِيقَةِ بَيْنَ الشَّعْبَيْنِ. فَاليَهُودُ كَانُوا يَعْتَبِرُونَ السَّامِرِيِّينَ جَمَاعَةً مُنْشَقَّةً عَنِ الإِيمَانِ الصَّحِيحِ، وَغُرَبَاءَ عَنْ التَّقْلِيدِ اليَهُودِيِّ، بَلْ كَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ كَأَنَّهُمْ غَيْرُ طَاهِرِينَ وَقَرِيبُونَ مِنَ الوَثَنِيَّةِ. لِذٰلِكَ كَانَ اليَهُودُ يَتَجَنَّبُونَ طَعَامَهُمْ وَشَرَابَهُمْ، وَيَتَحَاشَوْنَ أَيَّ تَعَامُلٍ مَعَهُمْ، كَمَا يَظْهَرُ فِي مَثَلِ السَّامِرِيِّ الصَّالِحِ (لُوقَا 10: 33). وَيَرْجِعُ أَصْلُ هٰذِهِ العَدَاوَةِ إِلَى أَحْدَاثٍ تَارِيخِيَّةٍ قَدِيمَةٍ. فَبَعْدَ أَنْ سَقَطَتِ السَّامِرَةُ فِي يَدِ مَلِكِ أَشُّورَ سَنَةَ 722 ق.م.، جَلَبَ الأَشُّورِيُّونَ شُعُوبًا أُخْرَى وَأَسْكَنُوهَا فِي مُدُنِ السَّامِرَةِ، فَاخْتَلَطُوا بِالسُّكَّانِ البَاقِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَمَا يَرِدُ فِي سِفْرِ المُلُوكِ: "وَأَتَى مَلِكُ أَشُّورَ بِقَوْمٍ مِنْ بَابِلَ وَكُوتَ وَعَوَّا وَحَمَاةَ وَسَفَرْوَائِيمَ، وَأَسْكَنَهُمْ فِي مُدُنِ السَّامِرَةِ مَكَانَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَامْتَلَكُوا السَّامِرَةَ وَسَكَنُوا مُدُنَهَا" (2 ملوك 17: 24). وَبِسَبَبِ هٰذَا الاِخْتِلَاطِ العِرْقِيِّ وَالدِّينِيِّ اعْتَبَرَ اليَهُودُ السَّامِرِيِّينَ شَعْبًا غَيْرَ نَقِيٍّ. وَقَدْ تَزَايَدَتِ العَدَاوَةُ بَعْدَ عَوْدَةِ اليَهُودِ مِنَ السَّبْيِ البَابِلِيِّ سَنَةَ 537 ق.م. وَبِنَاءِ هَيْكَلِ أُورُشَلِيمَ، ثُمَّ تَفَاقَمَتْ أَكْثَرَ عِنْدَمَا بَنَى السَّامِرِيُّونَ هَيْكَلَهُمُ الخَاصَّ عَلَى جَبَلِ جَرْزِيمَ حَوَالَي سَنَةِ 315 ق.م.، وَادَّعَوْا أَنَّهُمُ الوَرَثَةُ الحَقِيقِيُّونَ لِتَقْلِيدِ مُوسَى. وَبِسَبَبِ هٰذَا التَّوَتُّرِ الدِّينِيِّ الشَّدِيدِ كَانَ اليَهُودُ يَحْتَقِرُونَ السَّامِرِيِّينَ، كَمَا نَقْرَأُ فِي سِفْرِ يَشُوعَ بْنِ سِيرَاخ: "الشَّعْبُ الأَحْمَقُ السَّاكِنُ فِي شَكِيم" (سِيرَاخ 50: 25–26). وَكَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ لَقَبَ "سَامِرِيّ" أَحْيَانًا كَإِهَانَةٍ، حَتَّى إِنَّهُمْ قَالُوا لِيَسُوعَ نَفْسِهِ: "أَلَسْنَا عَلَى صَوَابٍ فِي قَوْلِنَا إِنَّكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ مَسٌّ مِنَ الشَّيْطَانِ؟"(يُوحَنَّا 8: 48).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "لَا يُخَالِطُونَ" فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ συγχρῶνται وَمَعْنَاهَا "لَا يَتَعَامَلُونَ أَوْ لَا يَعَاشِرُونَ". وَمِنَ اللَّافِتِ أَنَّ المَرْأَةَ السَّامِرِيَّةَ عَبَّرَتْ عَنْ هٰذِهِ الحَقِيقَةِ بِلُطْفٍ وَأَدَبٍ، فَلَمْ تَقُلْ إِنَّ السَّامِرِيِّينَ لَا يُعَامِلُونَ اليَهُودَ، بَلْ قَالَتْ: "إِنَّ اليَهُودَ لَا يُخَالِطُونَ السَّامِرِيِّينَ". وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا فَمُ الذَّهَبِ عَلَى ذٰلِكَ قَائِلًا: "إِنَّهَا لَمْ تُلْقِ اللَّوْمَ عَلَى شَعْبِهَا، بَلْ نَسَبَتِ القَطِيعَةَ إِلَى اليَهُودِ". وَهٰكَذَا يَكْشِفُ هٰذَا المَشْهَدُ أَنَّ يَسُوعَ جَاءَ لِيَتَجَاوَزَ الحَوَاجِزَ العِرْقِيَّةَ وَالدِّينِيَّةَ، وَيَفْتَحَ بَابَ الخَلَاصِ لِكُلِّ الإِنْسَانِ. فَمَنْ يَقْتَرِبُ مِنَ المَسِيحِ سَيَعْرِفُهُ حَقِيقَةً، وَالمَسِيحُ أَيْضًا سَيَعْرِفُهُ شَخْصِيًّا وَيَدْعُوهُ إِلَى الحَيَاةِ الجَدِيدَةِ.

 

10 أَجَابَهَا يَسُوعُ: "لَوْ كُنْتِ تَعْرِفِينَ عَطَاءَ ٱللَّهِ وَمَنْ هُوَ ٱلَّذِي يَقُولُ لَكِ: ٱسْقِينِي، لَسَأَلْتِهِ أَنْتِ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيًّا"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "لَوْ كُنْتِ تَعْرِفِينَ" إِلَى حَاجَةِ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ إِلَى المَعْرِفَةِ الصَّادِقَةِ: مَعْرِفَةِ عَطِيَّةِ اللهِ لَهَا، وَمَعْرِفَةِ الشَّخْصِ الَّذِي يُحَاوِرُهَا. فَالمَسِيحُ لَيْسَ مُجَرَّدَ طَالِبِ مَاءٍ، بَلْ هُوَ العَطِيَّةُ العُظْمَى نَفْسُهَا، كَنْزُ المَحَبَّةِ الإِلٰهِيَّةِ الَّذِي يُرْوِي النَّفْسَ العَطْشَى. وَقَدْ يَظُنُّ الإِنْسَانُ – مِثْلَ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ – أَنَّ حَيَاتَهُ هِيَ مُجَرَّدُ مَا يَعْرِفُهُ مِنَ الأُمُورِ اليَوْمِيَّةِ، بَيْنَمَا تَبْقَى حَقَائِقُ رُوحِيَّةٌ كَثِيرَةٌ مَحْجُوبَةً عَنْهُ. وَكَثِيرًا مَا يَكُونُ جَهْلُ الإِنْسَانِ بِحَقِيقَةِ المَسِيحِ سَبَبًا فِي رَفْضِ نِعْمَتِهِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "عَطَاءَ ٱللَّهِ" فَتُشِيرُ إِلَى عِدَّةِ أَبْعَادٍ لاهُوتِيَّةٍ عَمِيقَةٍ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا. فَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ (يُوحَنَّا 4: 14)، وَعَلَى الرُّوحِ القُدُسِ (يُوحَنَّا 7: 38–39)، وَفَوْقَ ذٰلِكَ كُلِّهِ عَلَى يَسُوعَ المَسِيحِ نَفْسِهِ، ابْنِ اللهِ الحَبِيبِ الَّذِي أَرْسَلَهُ الآبُ لِخَلَاصِ العَالَمِ: "فَإِنَّ ٱللَّهَ أَحَبَّ ٱلْعَالَمَ حَتَّى إِنَّهُ جَادَ بِٱبْنِهِ ٱلْوَحِيدِ لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلأَبَدِيَّةُ" (يُوحَنَّا 3: 16). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوس قَائِلًا: "عَطِيَّةُ اللهِ هِيَ الرُّوحُ القُدُسُ، وَلَكِنَّ يَسُوعَ كَانَ يَدْخُلُ إِلَى قَلْبِ المَرْأَةِ تَدْرِيجِيًّا وَبِحِكْمَةٍ" (CCL 36, 154).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَمَنْ هُوَ ٱلَّذِي يَقُولُ لَكِ" فَتُشِيرُ إِلَى جَهْلِ المَرْأَةِ بِهُوِيَّةِ يَسُوعَ. فَهِيَ تَرَاهُ مُجَرَّدَ يَهُودِيٍّ مُتْعَبٍ يَطْلُبُ شُرْبَ المَاءِ، بَيْنَمَا هُوَ فِي الحَقِيقَةِ عَطِيَّةُ اللهِ وَالمُرْسَلُ مِنْهُ، بَلْ اللهُ المُتَجَسِّدُ الَّذِي جَاءَ لِيَهَبَ الحَيَاةَ لِلعَالَمِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "لَسَأَلْتِهِ أَنْتِ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيًّا" فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ المَعْرِفَةَ الصَّادِقَةَ تُوَلِّدُ الطَّلَبَ. فَلَوْ عَرَفَتِ المَرْأَةُ حَقِيقَةَ المَسِيحِ، لَطَلَبَتْ مِنْهُ هِيَ العَطِيَّةَ العُظْمَى. فَاللهُ مُسْتَعِدٌّ دَائِمًا أَنْ يَهَبَ الإِنْسَانَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، لٰكِنَّهُ يَنْتَظِرُ مِنْهُ أَنْ يَطْلُبَ وَيَنْفَتِحَ لِلنِّعْمَةِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "المَاءُ" فَتُشِيرُ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ إِلَى مَصْدَرِ الحَيَاةِ لِلنَّبَاتِ وَالحَيَوَانِ وَالإِنْسَانِ. وَلِذٰلِكَ أَصْبَحَ المَاءُ رَمْزًا غَنِيًّا فِي التَّقْلِيدِ الكِتَابِيِّ، يُعَبِّرُ عَنِ البَرَكَةِ وَالسَّعَادَةِ وَالحَيَاةِ. فَقَدْ شُبِّهَ كَلَامُ البَارِّ بِيَنْبُوعِ حَيَاةٍ (أَمْثَال 10: 11)، وَالعِلْمُ وَالمَعْرِفَةُ بِيَنْبُوعٍ يُحْيِي النَّفْسَ (أَمْثَال 13: 14؛ 16: 22).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "المَاءُ الحَيُّ" فَتُشِيرُ أَصْلًا إِلَى المِيَاهِ الجَارِيَةِ النَّابِعَةِ مِنْ يَنْبُوعٍ، لاَ إِلَى المِيَاهِ المُجْتَمِعَةِ فِي بِئْرٍ رَاكِدٍ. وَفِي فِلَسْطِين كَانُوا يَحْفِرُونَ الآبَارَ لِيَصِلُوا إِلَى المِيَاهِ الجَوْفِيَّةِ الجَارِيَةِ. وَفِي اللُّغَةِ الكِتَابِيَّةِ أَصْبَحَ "المَاءُ الحَيُّ" صُورَةً لِحُضُورِ اللهِ وَبَرَكَاتِهِ، حَتَّى إِنَّ اللهَ نَفْسَهُ يُوصَفُ بِأَنَّهُ "يَنْبُوعُ مِيَاهٍ حَيَّةٍ" (إِرْمِيَا 2: 13). وكذلك يَصِيرُ المَاءُ الحَيُّ رَمْزًا لِلْخَلَاصِ وَالنِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ، كَمَا يَقُولُ النَّبِيُّ أَشَعْيَا:"تَسْتَقُونَ المِيَاهَ مِنْ يَنَابِيعِ الخَلَاصِ مُبْتَهِجِينَ" (أَشَعْيَا 12: 3). أَمَّا فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، فَيَتَّخِذُ المَاءُ الحَيُّ مَعْنًى أَعْمَقَ، إِذْ يُشِيرُ إِلَى عَطِيَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذِي يَهَبُ الحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ: "أَمَّا ٱلَّذِي يَشْرَبُ مِنَ ٱلمَاءِ ٱلَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ أَبَدًا، بَلِ ٱلمَاءُ ٱلَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ عَيْنَ مَاءٍ تَتَفَجَّرُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً" (يُوحَنَّا 4: 14).وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كِيرِلُّس الإِسْكَنْدَرِيُّ عَلَى هٰذِهِ العِبَارَةِ قَائِلًا: "يَدْعُو الرَّبُّ نِعْمَةَ الرُّوحِ القُدُسِ مَاءً حَيًّا، لأَنَّهَا تُجَدِّدُ النَّفْسَ وَتَهَبُهَا حَيَاةً جَدِيدَةً"(تَفْسِيرُ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، الكتاب الثاني).  وَيُضيف َالقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوس قَائِلًا: "إِنَّهَا مِيَاهُ نِعْمَةِ الرُّوحِ الحَيَّةِ، الَّتِي تُطَهِّرُ دَاخِلَ الإِنْسَانِ وَتَغْسِلُ خَطَايَا النَّفْسِ، وَتُنَقِّي خَفَايَا القَلْبِ". وَهٰكَذَا يَكْشِفُ يَسُوعُ حِكْمَتَهُ فِي حِوَارِهِ مَعَ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ، فَانْتَقَلَ بِهَا تَدْرِيجِيًّا مِنَ المَاءِ الَّذِي يُرْوِي الجَسَدَ إِلَى المَاءِ الَّذِي يُرْوِي الرُّوحَ وَيَهَبُ الحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ. وَلَمْ يُحَاوِلْ أَنْ يَهَاجِمَ عِبَادَةَ السَّامِرِيِّينَ أَوْ يَدِينَ تَقَالِيدَهُمْ، بَلْ جَذَبَ فِكْرَهَا مِنَ الجَدَلِ وَالعَدَاوَةِ إِلَى العَطَشِ الدَّاخِلِيِّ إِلَى اللهِ، لِكَيْ تُدْرِكَ حَاجَتَهَا إِلَى المُخَلِّصِ. فَالمَسِيحُ يَعْرِضُ نَفْسَهُ دَائِمًا لِكَيْ نَتَعَرَّفَ إِلَيْهِ، فَنَطْلُبَهُ فَنَجِدَهُ، وَنَسْأَلَهُ فَيَهَبَنَا المَاءَ الحَيَّ، لأَنَّهُ سِرُّ الحَيَاةِ وَمَصْدَرُهَا. وَقَدْ جَاءَ إِلَى العَالَمِ لِيُعْطِي الإِنْسَانَ الحَيَاةَ بِوَفْرَةٍ.

 

11 قالَتْ لَهُ المَرْأَةُ: "يَا رَبُّ، لَا دَلْوَ عِنْدَكَ، وَالبِئْرُ عَمِيقَةٌ، فَمِنْ أَيْنَ لَكَ المَاءُ الحَيُّ"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "يَا رَبُّ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ Κύριε (مَعْنَاهَا: يَا سَيِّدُ) إِلَى لُغَةِ الاِحْتِرَامِ وَالتَّوْقِيرِ الَّتِي بَدَأَتِ المَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ تُظْهِرُهَا نَحْوَ يَسُوعَ. فَقَدْ كَانَتْ فِي بَدَايَةِ الحِوَارِ تُخَاطِبُهُ بِوَصْفِهِ "يَهُودِيًّا" (يُوحَنَّا 4: 9)، أَمَّا الآنَ فَقَدْ تَغَيَّرَتْ طَرِيقَةُ خِطَابِهَا إِلَيْهِ، فَدَعَتْهُ "يَا سَيِّدُ"، وَهُوَ مَا يُظْهِرُ بَدَايَةَ نُمُوِّ الاِحْتِرَامِ وَالاهْتِمَامِ فِي قَلْبِهَا. وَفِي التَّقْلِيدِ المَسِيحِيِّ تُتَرْجَمُ هٰذِهِ الكَلِمَةُ أَيْضًا "يَا رَبُّ"، لِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ بُعْدٍ لاهُوتِيٍّ فِي الإِيمَانِ بِالمَسِيحِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "لَا دَلْوَ عِنْدَكَ، وَالبِئْرُ عَمِيقَةٌ" فَتُظْهِرُ سُوءَ فَهْمِ المَرْأَةِ لِكَلاَمِ يَسُوعَ. فَهِيَ لَا تَزَالُ تَفْكِرُ فِي المَاءِ الطَّبِيعِيِّ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى دَلْوٍ وَحَبْلٍ لاِسْتِخْرَاجِهِ مِنَ البِئْرِ، بَيْنَمَا كَانَ يَسُوعُ يَتَكَلَّمُ عَنْ مَاءِ الحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ. وَهٰذَا الاِخْتِلَافُ بَيْنَ المَعْنَى الحِسِّيِّ وَالمَعْنَى الرُّوحِيِّ يُعَدُّ سِمَةً مُمَيَّزَةً فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، حَيْثُ يَأْخُذُ يَسُوعُ الأُمُورَ المَأْلُوفَةَ لِيَقُودَ السَّامِعِينَ إِلَى حَقِيقَةٍ أَعْمَقَ.

 

عبارة " وَالبِئْرُ عَمِيقَةٌ " وَفِي الوَاقِعِ، تُعَدُّ بِئْرُ يَعْقُوبَ مِنْ أَعْمَقِ الآبَارِ فِي فِلَسْطِين، إِذْ يَبْلُغُ عُمْقُهَا اليَوْمَ نَحْوَ 32 مِتْرًا، وَيُقَدَّرُ طُولُ الحَبْلِ المُسْتَخْدَمِ لاِسْتِقَاءِ المَاءِ مِنْهَا بِحَوَالَي 23 مِتْرًا، أَمَّا قُطْرُهَا فَيَبْلُغُ نَحْوَ 2.13 مِتْرًا. وَيَظُنُّ بَعْضُ البَاحِثِينَ أَنَّ عُمْقَهَا فِي الأَصْلِ كَانَ يَصِلُ إِلَى نَحْوِ 46 مِتْرًا، لٰكِنَّهُ قَلَّ بِمُرُورِ الزَّمَنِ بِسَبَبِ تَسَاقُطِ الحِجَارَةِ فِي قَعْرِهَا. وَمِنْ هُنَا كَانَتِ المَرْأَةُ تُفَكِّرُ بِمَنْطِقٍ عَمَلِيٍّ، إِذْ بَدَأَتْ تَتَسَاءَلُ كَيْفَ يُمْكِنُ لِيَسُوعَ أَنْ يَسْتَخْرِجَ المَاءَ مِنْ هٰذِهِ البِئْرِ العَمِيقَةِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ أَدَاةَ الاِسْتِقَاءِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "فَمِنْ أَيْنَ لَكَ المَاءُ الحَيُّ؟" فَتُظْهِرُ سُؤَالًا يَحْمِلُ بُعْدًا كِتَابِيًّا يُذَكِّرُ بِتَذَمُّرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي البَرِّيَّةِ عِنْدَمَا اِشْتَكَوْا لِمُوسَى بِسَبَبِ نَقْصِ المَاءِ فِي مَوْضِعِ مَسَّة وَمَرِيبَة (الخُرُوج 17: 3–7). لٰكِنَّ المَرْأَةَ السَّامِرِيَّةَ، عَلَى عَكْسِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي البَرِّيَّةِ، لَمْ تُقَسِّ قَلْبَهَا، بَلْ بَقِيَتْ مُنْفَتِحَةً عَلَى الحِوَارِ، كَمَا يَقُولُ المَزْمُورُ: "اليَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلَا تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ كَمَا فِي مَرِيبَة، كَمَا فِي يَوْمِ مَسَّة فِي البَرِّيَّة" (مَزْمُور 95: 7–8). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا فَمُ الذَّهَبِ قَائِلًا: "حَالَمَا بَدَأَتْ تُدْرِكُ شَيْئًا عَنْ شَخْصِ يَسُوعَ أَصْغَتْ إِلَيْهِ وَاسْتَمَعَتْ، وَهٰذَا لَا يُقَالُ عَنِ اليَهُودِ الَّذِينَ، إِذْ عَرَفُوا، لَمْ يَسْأَلُوا شَيْئًا، بَلْ شَتَمُوهُ وَطَرَدُوهُ".

 

أَمَّا "المَاءُ الحَيُّ" فَفِي اللُّغَةِ الكِتَابِيَّةِ يُشِيرُ إِلَى يَنَابِيعِ الخَلَاصِ وَالحَيَاةِ الإِلٰهِيَّةِ. فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ أَشَعْيَا: "تَسْتَقُونَ المِيَاهَ مِنْ يَنَابِيعِ الخَلَاصِ مُبْتَهِجِينَ" (أَشَعْيَا 12: 3). وَكَذٰلِكَ وَصَفَ اللهُ نَفْسَهُ فِي سِفْرِ إِرْمِيَا بِأَنَّهُ: "يَنْبُوعُ المِيَاهِ الحَيَّةِ" (إِرْمِيَا 2: 13). وَقَدْ كَانَتِ الينابيعُ وَمَصَادِرُ المِيَاهِ فِي التَّقْلِيدِ الكِتَابِيِّ أَمَاكِنَ لِلِّقَاءِ بَيْنَ اللهِ وَالإِنْسَانِ، كَمَا نَرَى فِي بَدْءِ الخَلِيقَةِ: "وَرُوحُ اللهِ يُرِفُّ عَلَى وَجْهِ المِيَاهِ" (التَّكْوِين 1: 2). وَهٰكَذَا أَرَادَ يَسُوعُ أَنْ يَرْفَعَ المَرْأَةَ السَّامِرِيَّةَ إِلَى مُسْتَوًى رُوحِيٍّ أَعْمَقَ، فِي حِينٍ كَانَتْ هِيَ لَا تَزَالُ تُفَكِّرُ فِي مُسْتَوَى المَاءِ وَالدَّلْوِ وَالحَبْلِ. فَبِحِكْمَةٍ وَرِفْقٍ قَادَهَا مِنَ العَطَشِ الجَسَدِيِّ إِلَى اِكْتِشَافِ العَطَشِ الرُّوحِيِّ الَّذِي لَا يُرْوَى إِلَّا بِنِعْمَةِ اللهِ.

 

12 هل أَنتَ أَعظَمُ مِن أَبينا يعقوبَ الَّذي أَعْطانا البِئْرَ، وشرِبَ مِنها هو وبَنوهُ وماشِيَتُه؟

 

 تُشِيرُ عِبَارَةُ "هَلْ أَنْتَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا يَعْقُوبَ؟" إِلَى سُؤَالِ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ الَّذِي يَعْكِسُ وَعْيَهَا التَّقْلِيدِيَّ وَالهُوِيَّةَ الدِّينِيَّةَ لِلسَّامِرِيِّينَ. فَقَدْ كَانَ السَّامِرِيُّونَ يَعْتَبِرُونَ أَنْفُسَهُمْ أَبْنَاءَ يَعْقُوبَ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُمْ مِنْ سُلَالَةِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وَخَاصَّةً مِنْ سِبْطَيْ إِفْرَائِيمَ وَمَنَسَّى. وَمِنْ هٰذَا المُنْطَلَقِ تُؤَكِّدُ المَرْأَةُ أَنَّهَا تَنْتَمِي إِلَى شَعْبِ إِسْرَائِيلَ وَإِلَى إِرْثِ الآبَاءِ. وَيَظْهَرُ فِي سُؤَالِهَا أَيْضًا بُعْدُ المُقَارَنَةِ الضِّمْنِيَّةِ بَيْنَ يَسُوعَ وَيَعْقُوبَ، أَبِي الآبَاءِ، الَّذِي يَحْمِلُ مَكَانَةً بَارِزَةً فِي التَّارِيخِ الخَلَاصِيِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا فَمُ الذَّهَبِ عَلَى هٰذَا السُّؤَالِ قَائِلًا إِنَّ الْمَرْأَةَ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْرِفُ بَعْدُ مَنْ هُوَ يَسُوعُ، فَإِنَّهَا فِي حِوَارِهَا مَعَهُ بَدَأَتْ تَشْعُرُ بِأَنَّ أَمَامَهَا شَخْصًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُجَرَّدَ إِنْسَانٍ عَادِيٍّ، لأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ عَنْ مَاءِ يُعْطِي حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهُوَ أَمْرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللهُ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "يَعْقُوبَ ٱلَّذِي أَعْطَانَا ٱلْبِئْرَ" فَتُشِيرُ إِلَى التَّقْلِيدِ الَّذِي يَرْبِطُ هٰذِهِ البِئْرَ بِيَعْقُوبَ أَبِي الآبَاءِ، إِذْ وَرَدَ أَنَّهُ أَعْطَى الأَرْضَ الَّتِي فِيهَا هٰذِهِ البِئْرُ لاِبْنِهِ يُوسُفَ (يُوشَع 24: 32). وَمِنْ هُنَا كَانَ السَّامِرِيُّونَ – الَّذِينَ سَكَنُوا فِي هٰذِهِ المِنْطِقَةِ – يَعُدُّونَ هٰذِهِ البِئْرَ جُزْءًا مِنْ إِرْثِهِمُ الآبَائِيِّ. فَعَظَمَةُ البِئْرِ فِي نَظَرِهِمْ مُرْتَبِطَةٌ بِعَظَمَةِ يَعْقُوبَ نَفْسِهِ الَّذِي اِسْتَعْمَلَهَا وَشَرِبَ مِنْهَا. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا فَمُ الذَّهَبِ قَائِلًا: "إِنَّ أَبَانَا يَعْقُوبَ قَدْ أَعْطَانَا هٰذِهِ البِئْرَ، وَلَمْ يَسْتَعْمِلْ بِئْرًا غَيْرَهَا؛ فَهُوَ وَبَنُوهُ وَمَوَاشِيهِ شَرِبُوا مِنْهَا. فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مَاءٌ أَفْضَلُ مِنْهَا لَكَانُوا قَدِ اسْتَعْمَلُوهُ. فَهَلْ تَقْدِرُ أَنْتَ أَنْ تُعْطِيَنَا مَاءً أَفْضَلَ مِنْ هٰذَا؟".

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَشَرِبَ مِنْهَا هُوَ وَبَنُوهُ وَمَوَاشِيهِ" فَتُظْهِرُ الأَهَمِّيَّةَ الحَيَاتِيَّةَ لِهٰذِهِ البِئْرِ فِي حَيَاةِ الشَّعْبِ، إِذْ كَانَتْ مَصْدَرًا أَسَاسِيًّا لِلحَيَاةِ وَالبَقَاءِ، لِلإِنْسَانِ وَمَوَاشِيهِ عَلَى السَّوَاءِ. وَمِنْ هُنَا تَرَى المَرْأَةُ فِي مَاءِ البِئْرِ نِعْمَةً وَمِيرَاثًا ثَمِينًا مِنَ الآبَاءِ. وَتَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ هٰذَا النَّصِّ أَيْضًا فِي الفَرْقِ اللُّغَوِيِّ الدَّقِيقِ الَّذِي يَقْدِمُهُ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا بَيْنَ لَفْظَيْنِ يُونَانِيَّيْنِ لِكَلِمَةِ "بِئْر" πηγή " وَتَعْنِي يَنْبُوعًا طَبِيعِيًّا ذَا مِيَاهٍ جَارِيَةٍ وَحَيَّةٍ. وَقَدِ اسْتَعْمَلَهَا الإِنْجِيلِيُّ عِنْدَمَا تَكَلَّمَ عَنْ العَطِيَّةِ الإِلٰهِيَّةِ وَالمَاءِ الَّذِي يَهَبُهُ المَسِيحُ (يُوحَنَّا 4: 6). φρέαρ   وَتَعْنِي بِئْرًا مَحْفُورَةً يَجْتَمِعُ فِيهَا المَاءُ الرَّاكِدُ. وَمِنْ خِلَالِ هٰذَا الفَرْقِ اللُّغَوِيِّ، يُقَدِّمُ الإِنْجِيلُ مُقَارَنَةً لاهُوتِيَّةً رَمْزِيَّةً عَمِيقَةً بَيْنَ: بِئْرٍ يَحْفِرُهَا الإِنْسَانُ وَمَاؤُهَا مَحْدُودٌ وَقَابِلٌ لِلجَفَافِ، وَيَنْبُوعِ الحَيَاةِ الَّذِي يَهَبُهُ اللهُ وَالَّذِي لَا يَنْضُبُ أَبَدًا. وَهٰذَا المَعْنَى يَتَّفِقُ مَعَ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ إِرْمِيَا: "تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ المِيَاهِ الحَيَّةِ، لِيَحْفِرُوا لأَنْفُسِهِمْ آبارًا، آبارًا مُشَقَّقَةً لَا تَضْبُطُ مَاءً" (إِرْمِيَا 2: 13). وَبِهٰذَا يُرِيدُ الإِنْجِيلِيُّ يُوحَنَّا أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ مَا يَمْلِكُهُ الإِنْسَانُ مِنْ مَوَارِدَ أَرْضِيَّةٍ يَبْقَى مَحْدُودًا، أَمَّا المَسِيحُ فَهُوَ يَنْبُوعُ الحَيَاةِ الحَقِيقِيَّةِ الَّذِي يَفُوقُ حَتَّى إِرْثَ الآبَاءِ. فَالمَسِيحُ لَا يَأْتِي لِيُعْطِي مَاءً مِثْلَ مَاءِ البِئْرِ، بَلْ لِيَهَبَ يَنْبُوعًا يَنْبَعُ إِلَى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. يَرَى القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوس فِي الْمُقَارَنَةِ بَيْنَ يَعْقُوبَ وَالْمَسِيحِ تَدْرُّجًا فِي الإِعْلَانِ الإِلٰهِيِّ، إِذْ يَقُولُ:"أَعْطَى يَعْقُوبُ بِئْرًا يَشْرَبُ مِنْهُ النَّاسُ زَمَنًا قَصِيرًا، أَمَّا الْمَسِيحُ فَيُعْطِي مَاءً يَنْبُعُ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ"(العِظَاتُ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، العظة 1).

 

13 "أَجَابَهَا يَسُوعُ: كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هٰذَا المَاءِ يَعْطَشُ ثَانِيَةً"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هٰذَا المَاءِ يَعْطَشُ ثَانِيَةً" إِلَى مَاءِ بِئْرِ يَعْقُوبَ الطَّبِيعِيِّ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُرْوِي العَطْشَانَ لِفَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ فَقَطْ، ثُمَّ يَعُودُ الإِنْسَانُ فَيَعْطَشُ مِنْ جَدِيدٍ. فَالمَاءُ الطَّبِيعِيُّ يَسُدُّ حَاجَةً جَسَدِيَّةً مُؤَقَّتَةً، لٰكِنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُشْبِعَ العَطَشَ العَمِيقَ فِي قَلْبِ الإِنْسَانِ. وَبِهٰذَا الجَوَابِ يُوَجِّهُ يَسُوعُ نَظَرَ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ مِنَ المَاءِ الحِسِّيِّ إِلَى المَعْنَى الرُّوحِيِّ. فَكَمَا يَعُودُ الإِنْسَانُ فَيَعْطَشُ بَعْدَ شُرْبِ المَاءِ الطَّبِيعِيِّ، كَذٰلِكَ كُلُّ مَا فِي هٰذَا العَالَمِ مِنْ خَيْرَاتٍ مَادِّيَّةٍ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُرْوِي العَطَشَ الدَّاخِلِيَّ لِلنَّفْسِ. وَمِنْ خِلَالِ هٰذِهِ المُقَارَنَةِ يُمَهِّدُ يَسُوعُ لِكَشْفِ العَطِيَّةِ الأَعْظَمِ الَّتِي سَيُعْلِنُهَا فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ، أَيْ المَاءُ الحَيُّ الَّذِي يَهَبُهُ هُوَ. فَبَيْنَمَا يَبْقَى مَاءُ البِئْرِ مُؤَقَّتًا وَمَحْدُودًا، فَإِنَّ عَطِيَّةَ المَسِيحِ تَهَبُ حَيَاةً لَا تَنْقَطِعُ. وَبِهٰذَا يُشِيرُ يَسُوعُ ضِمْنًا إِلَى أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ يَعْقُوبَ الَّذِي أَعْطَى البِئْرَ لِنَسْلِهِ، لِأَنَّ يَعْقُوبَ قَدَّمَ مَاءً يُرْوِي العَطَشَ الجَسَدِيَّ، أَمَّا المَسِيحُ فَيَهَبُ مَاءَ الحَيَاةِ الَّذِي يُرْوِي النَّفْسَ إِلَى الأَبَدِ. وَهٰكَذَا يَتَجَلَّى فِي كَلَامِ يَسُوعَ أَنَّهُ يَفُوقُ يَعْقُوبَ وَسَائِرَ الآبَاءِ وَالأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، لِأَنَّهُ مَصْدَرُ الحَيَاةِ الإِلٰهِيَّةِ وَمَنْبَعُ النِّعْمَةِ الَّتِي لَا تَنْضُبُ.

 

14 " وَأَمَّا ٱلَّذِي يَشْرَبُ مِنَ ٱلْمَاءِ ٱلَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا إِيَّاهُ فَلَنْ يَعْطَشَ أَبَدًا، بَلِ ٱلْمَاءُ ٱلَّذِي أُعْطِيهِ إِيَّاهُ يَصِيرُ فِيهِ عَيْنَ مَاءٍ يَتَفَجَّرُ لِلْحَيَاةِ ٱلأَبَدِيَّةِ"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "ٱلَّذِي يَشْرَبُ" إِلَى الإِنْسَانِ الَّذِي يَقْبَلُ ٱلْمَسِيحَ قَبُولًا كَامِلًا وَيُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانًا حَقِيقِيًّا. فَالشُّرْبُ هُنَا لَيْسَ فِعْلًا جَسَدِيًّا، بَلْ هُوَ صُورَةٌ لِلإِيمَانِ وَالاِنْفِتَاحِ عَلَى نِعْمَةِ ٱللَّهِ، أَيْ الاِتِّحَادِ بِٱلْمَسِيحِ وَقَبُولِ عَطِيَّتِهِ الخَلَاصِيَّةِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "ٱلْمَاءِ ٱلَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا إِيَّاهُ" فَتُشِيرُ إِلَى نِعْمَةِ ٱلْمَسِيحِ وَخَلَاصِهِ، وَإِلَى عَطِيَّةِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ الَّتِي يَهَبُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ. فَٱلْمَاءُ الحَيُّ الَّذِي يَعِدُ بِهِ يَسُوعُ لَيْسَ مَاءً مَادِّيًّا، بَلْ الحَيَاةُ الإِلٰهِيَّةُ الَّتِي تُعْطَى لِلإِنْسَانِ بِنِعْمَةِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "فَلَنْ يَعْطَشَ أَبَدًا" فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ مَنْ يَنَالُ هٰذِهِ العَطِيَّةَ الإِلٰهِيَّةَ يَحْصُلُ عَلَى مِلْءِ البَرَكَاتِ الرُّوحِيَّةِ الَّتِي تُشْبِعُ قَلْبَهُ وَتُعْطِيهِ الحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ، كَمَا قَالَ يَسُوعُ:"وَٱلْخُبْزُ ٱلَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا هُوَ جَسَدِي ٱلَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ ٱلْعَالَمِ" (يُوحَنَّا 6: 51). فَالعَطَشُ الرُّوحِيُّ لَا يُرْوَى إِلَّا بِٱلشَّرِكَةِ مَعَ ٱللَّهِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "يَصِيرُ فِيهِ عَيْنَ مَاءٍ" فَتُشِيرُ إِلَى يَنْبُوعٍ دَاخِلِيٍّ مِنَ الحَيَاةِ الإِلٰهِيَّةِ يَنْبَعُ فِي قَلْبِ الإِنْسَانِ. فَصُورَةُ عَيْنِ المَاءِ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ تُرْمِزُ إِلَى الحَيَاةِ وَالبَرَكَةِ الإِلٰهِيَّةِ، كَمَا يَقُولُ أَشَعْيَا: "تَسْتَقُونَ ٱلْمِيَاهَ مِنْ يَنَابِيعِ ٱلْخَلَاصِ مُبْتَهِجِينَ" (أَشَعْيَا 12: 3). وَتُشِيرُ أَيْضًا إِلَى الحِكْمَةِ (بَارُوخ 3: 12) وَإِلَى فَيْضِ نِعْمَةِ ٱللَّهِ عَلَى شَعْبِهِ (أَشَعْيَا 44: 3). أَمَّا الإِنْجِيلِيُّ يُوحَنَّا فَيُلَمِّحُ هُنَا إِلَى عَطِيَّةِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ الَّذِي يَهَبُ الحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ، كَمَا يُوَضِّحُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: "مَنْ آمَنَ بِي… تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ"، وَقَالَ هٰذَا عَنِ ٱلرُّوحِ ٱلَّذِي كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ (يُوحَنَّا 7: 38–39). وَقَدْ تَنَبَّأَ النَّبِيُّ يُوئِيلُ عَنْ هٰذِهِ العَطِيَّةِ قَائِلًا: "وَيَكُونُ بَعْدَ ذٰلِكَ أَنِّي أُفِيضُ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ" (يُوئِيل 3: 1). وَقَدِ ٱرْتَبَطَ حُلُولُ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ فِي حَيَاةِ المُؤْمِنِينَ بِسِرِّ ٱلْمَعْمُودِيَّةِ، كَمَا أَعْلَنَ الرَّسُولُ بُطْرُسُ فِي عِيدِ العَنْصَرَةِ: "تُوبُوا، وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِٱسْمِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ خَطَايَاكُمْ، فَتَنَالُوا عَطِيَّةَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ" (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 2: 38).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "يَتَفَجَّرُ لِلْحَيَاةِ ٱلأَبَدِيَّةِ" فَتُشِيرُ إِلَى فَيْضِ نِعْمَةِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ الَّذِي يُحَوِّلُ دَاخِلَ الإِنْسَانِ إِلَى يَنْبُوعٍ مِنَ الحَيَاةِ الإِلٰهِيَّةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغُسْطِينُوس عَلَى هٰذِهِ العِبَارَةِ قَائِلًا: "المَاءُ الَّذِي يُعْطِيهِ المَسِيحُ هُوَ الرُّوحُ القُدُسُ، فَمَنْ يَشْرَبْ مِنْ هٰذَا المَاءِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعُ حَيَاةٍ لَا يَنْقَطِعُ" (العِظَاتُ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، العظة 1).  فَٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ يُشْبِعُ أَشْوَاقَ النَّفْسِ بِالاِتِّحَادِ مَعَ ٱللَّهِ، وَيَهَبُ الإِنْسَانَ المُصَالَحَةَ وَمَعْرِفَةَ الحَقِّ وَرَاحَةَ الضَّمِيرِ وَغُفْرَانَ الخَطَايَا وَالحَيَاةَ فِي القَدَاسَةِ وَالسَّعَادَةِ. وَهٰكَذَا يُظْهِرُ يَسُوعُ أَنَّهُ مَنْبَعُ الحَيَاةِ الحَقِيقِيَّةِ، وَأَنَّهُ وَحْدَهُ القَادِرُ عَلَى إِشْبَاعِ جُوعِ الإِنْسَانِ وَعَطَشِهِ الدَّاخِلِيِّ، لِأَنَّهُ كَلِمَةُ ٱللَّهِ الحَيَّةُ الَّتِي تَهَبُ الحَيَاةَ بِنِعْمَةِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ. وَمِنْ هُنَا يَصِيرُ المُؤْمِنُ شَارِبًا مِنْ يَنَابِيعِ الخَلَاصِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ: "تَسْتَقُونَ ٱلْمِيَاهَ مِنْ يَنَابِيعِ ٱلْخَلَاصِ مُبْتَهِجِينَ" (أَشَعْيَاء 12: 3). يَدْعُونَا يُوحَنَّا ٱلْإِنْجِيلِيُّ هنا إِلَى ٱلْإِيمَانِ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي يَدْخُلُ مَعَنَا إِلَى قَلْبِ تَحَدِّيَاتِنَا وَحَيَاتِنَا ٱلْيَوْمِيَّةِ، وَيَمْنَحُنَا عَطِيَّتَهُ ٱلْإِلٰهِيَّةَ: مَاءً حَيًّا يَرْوِي إِلَى ٱلْأَبَدِ.

 

15 قالَت له المَرأَة:" يا ربّ، أَعطِني هذا الماء، لِكَي لا أَعطَشَ فأَعودَ إِلى الاستِقاءِ مِن هُنا"

 

 تُشِيرُ عِبَارَةُ "أَعْطِنِي هٰذَا ٱلْمَاءَ" إِلَى طَلَبِ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ، لَكِنَّهُ طَلَبٌ غَيْرُ مُكْتَمِلِ الفَهْمِ، لأَنَّهَا مَا زَالَتْ تَفْهَمُ كَلَامَ يَسُوعَ عَلَى المُسْتَوَى الحِسِّيِّ. فَقَدْ ظَنَّتْ أَنَّ المَاءَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ عَنْهُ يَسُوعُ هُوَ مَاءٌ طَبِيعِيٌّ يُغْنِيهَا عَنْ التَّعَبِ وَالعَنَاءِ فِي المَجِيءِ إِلَى البِئْرِ كُلَّ يَوْمٍ. وَيُشْبِهُ طَلَبُهَا طَلَبَ اليَهُودِ فِي كَفْرَنَاحُومَ عِنْدَمَا قَالُوا لِيَسُوعَ: "يَا رَبُّ، أَعْطِنَا دَائِمًا هٰذَا ٱلْخُبْزَ" (يُوحَنَّا 6: 34)، إِذْ كَانُوا يَقْصِدُونَ الخُبْزَ المَادِّيَّ، بَيْنَمَا كَانَ يَسُوعُ يَتَكَلَّمُ عَنْ خُبْزِ الحَيَاةِ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ. وَكَذٰلِكَ هُنَا، فَإِنَّ المَرْأَةَ السَّامِرِيَّةَ مَا زَالَتْ تَفْكِرُ فِي المَاءِ المَادِّيِّ، بَيْنَمَا كَانَ يَسُوعُ يُشِيرُ إِلَى المَاءِ الحَيِّ الَّذِي يَهَبُ الحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ.  وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ عَلَى هٰذَا المَوْضُوعِ قَائِلًا: "كَانَتِ المَرْأَةُ تَطْلُبُ مَاءً لِلجَسَدِ، أَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يُعِدُّ لَهَا مَاءً لِلرُّوحِ" (العِظَاتُ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، العظة 1).

 

وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ كَلِمَةَ "أَعْطِنِي" تُظْهِرُ بَدَايَةَ الاِنْفِتَاحِ الرُّوحِيِّ فِي قَلْبِ المَرْأَةِ، لأَنَّهَا أَدْرَكَتْ أَنَّ يَسُوعَ يَمْلِكُ عَطِيَّةً خَاصَّةً يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهَبَهَا لَهَا. وَهٰكَذَا يَبْدَأُ الحِوَارُ يَقُودُهَا تَدْرِيجِيًّا مِنَ الفَهْمِ الحِسِّيِّ إِلَى الاِكْتِشَافِ الرُّوحِيِّ. وَقَدِ اسْتَخْدَمَ يَسُوعُ المَاءَ الطَّبِيعِيَّ نُقْطَةَ انْطِلَاقٍ لِيُعَلِّنَ عَنْ مَاءِ الحَيَاةِ، الَّذِي يُرْمِزُ إِلَى الرُّوحِ القُدُسِ وَنِعْمَتِهِ. فَهُوَ الَّذِي يَفِيضُ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وَيُثْمِرُ فِيهِمْ ثِمَارَ الحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ، كَمَا يَقُولُ الرَّسُولُ بُولُسُ: "أَمَّا ثَمَرُ ٱلرُّوحِ فَهُوَ: ٱلمَحَبَّةُ، وَٱلفَرَحُ، وَٱلسَّلَامُ، وَطُولُ ٱلأَنَاةِ، وَٱللُّطْفُ، وَٱلصَّلَاحُ، وَٱلْإِيمَانُ، وَٱلوَدَاعَةُ، وَٱلتَّعَفُّفُ"(غَلَاطِيَّة 5: 22–23). وَيُظْهِرُ هٰذَا المَوْقِفُ حَقِيقَةً رُوحِيَّةً عَمِيقَةً، فَكَثِيرُونَ يَعْرِفُونَ المَسِيحَ مِنْ أَجْلِ العَطَايَا المَادِّيَّةِ فَقَطْ، وَلَا يَطْلُبُونَ مِنْهُ العَطَايَا الرُّوحِيَّةَ الَّتِي تُغَيِّرُ الحَيَاةَ مِنَ الدَّاخِلِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "لِكَيْ لَا أَعْطَشَ وَلَا آتِيَ إِلَى هُنَا لِأَسْتَقِي" فَتُظْهِرُ أَنَّ المَرْأَةَ لَا تَزَالُ تَفْهَمُ كَلَامَ يَسُوعَ فَهْمًا حِسِّيًّا. فَهِيَ تَظُنُّ أَنَّ عَطِيَّةَ المَسِيحِ سَتُعْفِيهَا مِنْ التَّعَبِ اليَوْمِيِّ وَمِنْ مَشَقَّةِ الاسْتِقَاءِ. لٰكِنَّ رِسَالَةَ المَسِيحِ لَا تَكْمُنُ فِي إِزَالَةِ صُعُوبَاتِ الحَيَاةِ، بَلْ فِي تَحْوِيلِ دَاخِلِ الإِنْسَانِ وَمَنْحِهِ قُوَّةً رُوحِيَّةً تُمَكِّنُهُ مِنْ مُوَاجَهَةِ الحَيَاةِ بِمَنْظُورٍ جَدِيدٍ. فَالمَسِيحُ لَا يَعِدُ بِحَيَاةٍ خَالِيَةٍ مِنَ التَّجَارِبِ، بَلْ يَهَبُ المَاءَ الحَيَّ الَّذِي يُجَدِّدُ القَلْبَ وَيُرْوِي العَطَشَ الدَّاخِلِيَّ لِلنَّفْسِ. أَمَّا القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوس فَيَرَى فِي طَلَبِهَا تَعْبِيرًا عَنْ عَطَشِ الإِنْسَانِ الدَّاخِلِيِّ إِلَى الحَقِّ، فَيَقُولُ: "لَمْ تَكُنِ المَرْأَةُ تَفْهَمُ بَعْدُ مَا يَعْنِيهِ المَاءُ الحَيُّ، لٰكِنَّهَا بَدَأَتْ تَشْعُرُ بِالعَطَشِ إِلَيْهِ"(العِظَاتُ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، العظة 1). كَمْ مِنْ مَرَّةٍ نَجْهَلُ إِلٰهَنَا، فَنَسْتَعْطِي بَعْضَ ٱلِٱحْتِيَاجَاتِ ٱلْمَادِّيَّةِ، دُونَ أَنْ نَذْهَبَ إِلَى ٱلْمَصْدَرِ نَفْسِهِ؟ فَنَنْشَغِلُ بِٱلْعَطَايَا وَنَنْسَى ٱلْمُعْطِي، وَنَبْحَثُ عَنْ مَا يُرْوِي عَطَشَنَا فِي أَشْيَاءِ زَائِلَةٍ، بَيْنَمَا ٱلْمَصْدَرُ ٱلْحَقِيقِيُّ لِلْحَيَاةِ هُوَ ٱللَّهُ نَفْسُهُ، ٱلَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَهَبَنَا لَيْسَ فَقَطْ مَا نَطْلُبُهُ، بَلْ نَفْسَهُ عَطِيَّةً لَنَا.

 

16 قالَ لَها: "اِذهَبي فَادْعي زَوجَكِ، وارجِعي إِلى ههُنا".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "ٱذْهَبِي فَٱدْعِي زَوْجَكِ" إِلَى مُبَادَرَةِ يَسُوعَ الَّتِي تَكْشِفُ مَعْرِفَتَهُ بِحَيَاةِ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ وَمَاضِيهَا. فَلَمْ يَكُنْ هٰذَا الطَّلَبُ مُجَرَّدَ سُؤَالٍ عَادِيٍّ، بَلْ كَانَ وَسِيلَةً لِيَقُودَهَا تَدْرِيجِيًّا إِلَى مُوَاجَهَةِ حَقِيقَةِ حَيَاتِهَا الشَّخْصِيَّةِ. فَيَسُوعُ يَعْلَمُ سِيرَتَهَا وَمَاضِيَهَا، وَيُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَ لَهَا حَاجَتَهَا إِلَى التَّوْبَةِ وَالتَّجَدُّدِ الرُّوحِيِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا فَمُ الذَّهَبِ قَائِلًا:"إِنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكْشِفْ خَطَايَا المَرْأَةِ لِيُخْزِيَهَا، بَلْ لِيُقْنِعَهَا بِأَنَّهُ نَبِيٌّ يَعْرِفُ مَا فِي القُلُوبِ، وَبِذٰلِكَ يَفْتَحُ أَمَامَهَا طَرِيقَ الإِيمَانِ". وَبِهٰذَا الطَّلَبِ يُوَجِّهُ يَسُوعُ الحِوَارَ مِنَ الحَدِيثِ عَنِ المَاءِ الحَيِّ إِلَى وَاقِعِ حَيَاةِ المَرْأَةِ، لأَنَّ نَيْلَ العَطِيَّةِ الإِلٰهِيَّةِ يَقْتَضِي أَنْ يَنْفَتِحَ الإِنْسَانُ عَلَى الحَقِيقَةِ وَيُوَاجِهَ خَطِيئَتَهُ. فَقَدْ كَانَ يَسُوعُ يَعْلَمُ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي تَعِيشُ مَعَهُ لَيْسَ زَوْجَهَا الحَقِيقِيَّ، بَلْ عَلاَقَةٌ غَيْرُ شَرْعِيَّةٍ. وَبِحَسَبِ الشَّرِيعَةِ، يُعَدُّ هٰذَا الوَضْعُ حَالَةَ زِنًى، وَهُوَ مَا يَكْشِفُ العَائِقَ الرُّوحِيَّ الَّذِي يَحُولُ دُونَ قَبُولِ العَطِيَّةِ الإِلٰهِيَّةِ. فَيَسُوعُ لَا يَكْشِفُ مَاضِيَ المَرْأَةِ لِكَيْ يُدِينَهَا أَوْ يُحْرِجَهَا، بَلْ لِيَقُودَهَا إِلَى الحَقِيقَةِ الَّتِي تُحَرِّرُ الإِنْسَانَ. فَالخَطِيئَةُ تَكُونُ عَائِقًا أَمَامَ نَيْلِ العَطِيَّةِ السَّمَاوِيَّةِ، وَلا بُدَّ مِنْ كَشْفِهَا وَالاِعْتِرَافِ بِهَا لِكَيْ يَنْفَتِحَ الإِنْسَانُ عَلَى نِعْمَةِ ألله. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ عَلَى هٰذَا المَوْقِفِ قَائِلًا: "يكَشَفَ الرَّبُّ جُرْحَهَا لَا لِيُؤْلِمَهَا، بَلْ لِيَشْفِيَهَا"(العِظَاتُ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، العظة 1). وَهٰكَذَا يُظْهِرُ يَسُوعُ فِي هٰذَا الحِوَارِ طَرِيقَةَ اللهِ فِي الخَلَاصِ: فَهُوَ يَبْدَأُ بِالحِوَارِ اللَّطِيفِ، ثُمَّ يَقُودُ الإِنْسَانَ إِلَى اِكْتِشَافِ حَقِيقَةِ نَفْسِهِ، لِيَتَحَرَّرَ مِنَ الخَطِيئَةِ وَيَنَالَ الحَيَاةَ الجَدِيدَةَ. فَالمَسِيحُ لَا يَأْتِي لِيُدِينَ الإِنْسَانَ، بَلْ لِيَقُودَهُ إِلَى التَّوْبَةِ وَالإِيمَانِ وَإِلَى الحَيَاةِ الَّتِي يَهَبُهَا لِمَنْ يَقْبَلُهُ. وَبِهٰذَا يَتَضِحُ أَنَّ لِقَاءَ يَسُوعَ بِالمَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ لَيْسَ حِوَارًا لَاهُوتِيًّا فَقَطْ، بَلْ مَسِيرَةُ خَلَاصٍ تَبْدَأُ بِالعَطَشِ، وَتَمُرُّ بِالحَقِيقَةِ، وَتَنْتَهِي بِالإِيمَانِ.

 

17 أَجابَتِ المَرأة: "لَيسَ لي زَوج. فقالَ لَها يسوع: أَصَبتِ إذ قُلتِ: لَيسَ لي زَوج"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "لَيْسَ لِي زَوْجٌ" إِلَى ٱعْتِرَافِ ٱلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ بِحَقِيقَةِ وَضْعِهَا. فَبِهٰذِهِ ٱلْكَلِمَاتِ تُدِينُ نَفْسَهَا ضِمْنِيًّا، إِذْ كَانَتْ تَعِيشُ مَعَ رَجُلٍ لَيْسَ زَوْجَهَا ٱلشَّرْعِيَّ، بَعْدَ أَنْ مَرَّتْ بِخَمْسِ زِيَجَاتٍ سَابِقَةٍ. وَإِذْ لَمْ تُفْصِحْ عَنْ كُلِّ تَفَاصِيلِ حَيَاتِهَا، فَإِنَّ كَلِمَتَهَا كَانَتْ فِي ٱلْوَاقِعِ نَوْعًا مِنَ ٱلِٱعْتِرَافِ ٱلصَّادِقِ ٱلَّذِي يَكْشِفُ وَعْيَهَا لِحَقِيقَةِ حَالِهَا. وَهُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ حَيَاتَهَا ٱلْعَاطِفِيَّةَ كَانَتْ عَالِقَةً فِي دَوَّامَةٍ لَا تَهَبُهَا ٱلْحَيَاةَ ٱلْحَقِيقِيَّةَ؛ فَهِيَ فِي بَحْثٍ مُسْتَمِرٍّ عَنِ ٱلْحُبِّ، مِنْ دُونِ أَنْ تَبْلُغَ إِلَيْهِ حَقًّا. وَقَدِ ٱنْتَهَى بِهَا ٱلْأَمْرُ إِلَى ٱلْعَيْشِ مَعَ رَجُلٍ لَيْسَ زَوْجَهَا، بَعْدَ أَنْ أَنْهَكَهَا ٱلْبَحْثُ وَأَثْقَلَهَا ٱلتَّعَبُ، فَٱسْتَسْلَمَتْ لِوَاقِعٍ لَا يُشْبِعُ عَطَشَ قَلْبِهَا. وَلٰكِنَّ هٰذَا ٱلِٱعْتِرَافَ، عَلَى بَسَاطَتِهِ، يُمَثِّلُ ٱلْخُطْوَةَ ٱلْأُولَى نَحْوَ ٱلتَّغْيِيرِ، لِأَنَّهُ يَكْشِفُ قَلْبًا بَدَأَ يَنْفَتِحُ عَلَى ٱلْحَقِّ. وَفِي هٰذَا ٱللِّقَاءِ يَتَحَوَّلُ ٱعْتِرَافُهَا مِنْ كَلِمَةٍ بَسِيطَةٍ إِلَى بَابٍ يَفْتَحُهَا عَلَى نُورِ ٱلنِّعْمَةِ، حَيْثُ سَيَكْشِفُ لَهَا ٱلْمَسِيحُ عَطَشَهَا ٱلْحَقِيقِيَّ إِلَى ٱلْمَاءِ ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي وَحْدَهُ يَقْدِرُ أَنْ يَمْلَأَ قَلْبَ ٱلْإِنْسَانِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "أَصَبْتِ إِذْ قُلْتِ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ" فَتُظْهِرُ مَدْحَ يَسُوعَ لِصِدْقِهَا بَدَلَ أَنْ يُوَبِّخَهَا أَوْ يُدِينَها فَوْرًا. فَيَسُوعُ لَمْ يُوَاجِهْهَا بِإِدَانَةٍ قَاسِيَةٍ، بَلْ قَبِلَ اِعْتِرَافَهَا الجُزْئِيَّ وَشَجَّعَ صِدْقَهَا. فَلَوْ وَاجَهَهَا بِلَوْمٍ شَدِيدٍ فِي البِدَايَةِ، لَرُبَّمَا قَسَا قَلْبُهَا وَانْصَرَفَتْ غَاضِبَةً دُونَ أَنْ تُصْغِيَ إِلَى كَلَامِهِ. لٰكِنَّهُ بِحِكْمَةٍ قَبِلَ مَا قَالَتْهُ، ثُمَّ كَشَفَ بِلُطْفٍ بَقِيَّةَ الحَقِيقَةِ الَّتِي لَمْ تَسْتَطِعْ هِيَ أَنْ تُفْصِحَ عَنْهَا. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا فَمُ الذَّهَبِ قَائِلًا: "اُنْظُرْ إِلَى حِكْمَةِ هٰذِهِ المَرْأَةِ وَخُضُوعِهَا. فَعِنْدَمَا كَشَفَ لَهَا يَسُوعُ حَقِيقَةَ حَيَاتِهَا، لَمْ تَغْضَبْ وَلَمْ تَهْرُبْ، وَلَمْ تَعْتَبِرْ كَلَامَهُ إِهَانَةً، بَلْ أَظْهَرَتْ إِعْجَابَهَا بِهِ وَازْدَادَ تَقْدِيرُهَا لَهُ، إِذْ قَالَتْ: "يَا رَبُّ، أَرَى أَنَّكَ نَبِيٌّ". وَيُضِيفُ القِدِّيسُ الذَّهَبِيُّ الفَمُ مُقَارِنًا بَيْنَ مَوْقِفِ هٰذِهِ المَرْأَةِ وَمَوْقِفِ بَعْضِ اليَهُودِ: "تَأَمَّلْ فِي حُكْمِ هٰذِهِ المَرْأَةِ العَادِلِ وَالمُسْتَقِيمِ، فَقَدْ حَكَمَتْ بِحَسَبِ الحَقِيقَةِ، سَوَاءٌ فِي مَا يَخُصُّ أَبَانَا يَعْقُوبَ أَوْ يَسُوعَ. أَمَّا اليَهُودُ فَلَمْ يَكُنْ رَدُّ فِعْلِهِمْ هٰكَذَا؛ فَعِنْدَمَا رَأَوْهُ يَطْرُدُ الشَّيَاطِينَ لَمْ يَقُولُوا إِنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ يَعْقُوبَ، بَلْ قَالُوا:"إِنَّ هٰذَا لَا يَطْرُدُ الشَّيَاطِينَ إِلَّا بِبَعْلَ زَبُولَ سَيِّدِ الشَّيَاطِينِ"(مَتَّى 12: 24). وَهٰكَذَا يُظْهِرُ هٰذَا الحِوَارُ كَيْفَ أَنَّ الصِّدْقَ وَالتَّوَاضُعَ يَفْتَحَانِ قَلْبَ الإِنْسَانِ لِنِعْمَةِ اللهِ.  فَالمَرْأَةُ لَمْ تُنْكِرْ وَاقِعَهَا، بَلْ قَبِلَتْ أَنْ تُوَاجِهَ الحَقِيقَةَ، وَبِذٰلِكَ بَدَأَتْ مَسِيرَتُهَا نَحْوَ الاِيمَانِ وَالتَّجَدُّدِ الرُّوحِيِّ. فَالمَسِيحُ لَا يَفْضَحُ الإِنْسَانَ لِيُدِينَـهُ، بَلْ يَكْشِفُ حَقِيقَتَهُ لِيَقُودَهُ إِلَى التَّوْبَةِ وَالحَيَاةِ الجَدِيدَةِ. تُبَيِّنُ هٰذِهِ ٱلْآيَةُ أَنَّنَا، فِي ٱلْحِوَارِ مَعَ ٱلرَّبِّ، نَسْتَطِيعُ أَنْ نُعْلِنَ حَقِيقَتَنَا دُونَ خَجَلٍ أَوْ تَوَارٍ، وَدُونَ أَنْ نُجَمِّلَ وَاقِعَنَا أَوْ نُخْفِيَ عُيُوبَنَا. بَلْ نَعْتَرِفُ بِهَا بِصِدْقٍ وَبِبَسَاطَةٍ، لِكَيْ يُحَرِّرَنَا ٱلرَّبُّ مِنْ ثِقْلِهَا وَيَمْنَحَنَا عَطَاءَهُ ٱلْإِلٰهِيَّ. فَبِهٰذَا ٱلِٱعْتِرَافِ نَدْخُلُ فِي طَرِيقِ ٱلْحُرِّيَّةِ ٱلْحَقِيقِيَّةِ، حَيْثُ تَتَجَدَّدُ حَيَاتُنَا بِنِعْمَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ.

 

18 "فَقَدْ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ، وَٱلَّذِي عِنْدَكِ ٱلآنَ لَيْسَ بِزَوْجِكِ. لَقَدْ صَدَقْتِ فِي ذٰلِكَ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ" إِلَى كَشْفِ يَسُوعَ لِحَقِيقَةِ حَيَاةِ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ المَاضِيَةِ، وَهُوَ مَا يُظْهِرُ عِلْمَهُ الإِلٰهِيَّ بِخَفَايَا القُلُوبِ. وَيُمْكِنُ فَهْمُ هٰذَا التَّعْبِيرِ عَلَى مُسْتَوَيَيْنِ: مُسْتَوًى تَارِيخِيٍّ شَخْصِيٍّ، وَمُسْتَوًى رَمْزِيٍّ لاهُوتِيٍّ. فَعَلَى المُسْتَوَى الأَوَّلِ، يَدُلُّ الكَلَامُ عَلَى وَاقِعِ حَيَاةِ المَرْأَةِ الشَّخْصِيَّةِ، إِذْ مَرَّتْ بِخَمْسِ زِيَجَاتٍ سَابِقَةٍ، وَهِيَ تَعِيشُ الآنَ مَعَ رَجُلٍ لَيْسَ زَوْجَهَا الشَّرْعِيَّ. وَبِهٰذَا يَكْشِفُ يَسُوعُ جُرْحَ حَيَاتِهَا الدَّاخِلِيِّ، لَا لِيُدِينَها، بَلْ لِيَقُودَهَا إِلَى التَّوْبَةِ وَالحَيَاةِ الجَدِيدَةِ.

 

أَمَّا عَلَى المُسْتَوَى الرَّمْزِيِّ، "الخَمْسَةُ أَزْوَاجُ" فَقَدْ رَأَى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فِي هٰذَا العَدَدِ إِشَارَاتٍ أَعْمَقَ. بِأَنَّهُمْ يَرْمِزُونَ إِلَى الأَسْفَارِ الخَمْسَةِ لِلشَّرِيعَةِ (التَّوْرَاةِ)، الَّتِي يَقْبَلُهَا السَّامِرِيُّونَ وَحْدَهَا مِنَ الكِتَابِ المُقَدَّسِ، دُونَ بَقِيَّةِ أَسْفَارِ الأَنْبِيَاءِ وَالكُتُبِ. وَفِي هٰذَا تَلْمِيحٌ إِلَى نُقْصَانِ مَعْرِفَتِهِمْ الدِّينِيَّةِ. وَقَدْ يَكُونُ هُنَاكَ أَيْضًا تَلْمِيحٌ إِلَى الخَمْسَةِ الآلِهَةِ الوَثَنِيَّةِ الَّتِي عَبَدَهَا الشُّعُوبُ الَّتِي أَتَى بِهَا مَلِكُ أَشُّورَ إِلَى السَّامِرَةِ بَعْدَ سُقُوطِ مَمْلَكَةِ إِسْرَائِيلَ، كَمَا يَرِدُ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ: بَنُوت، وَنَرْجَال، وَأَشِيمَا، وَنِبْحَاز، وَتَرْتَاق (2 مُلُوك 17: 29–41). وَبِهٰذَا يَرَى بَعْضُ الشُّرَّاحِ فِي كَلَامِ يَسُوعَ إِشَارَةً إِلَى تَارِيخِ السَّامِرَةِ الدِّينِيِّ المُخْتَلِطِ. أَمَّا القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوس فَيَرَى فِي ذِكْرِ الأَزْوَاجِ الخَمْسَةِ بُعْدًا رَمْزِيًّا، إِذْ يُشِيرُ إِلَى الحَوَاسِّ الخَمْسِ الَّتِي يَنْشَغِلُ بِهَا الإِنْسَانُ فِي الحَيَاةِ الزَّمَنِيَّةِ، فَيَبْحَثُ فِيهَا عَنِ السَّعَادَةِ وَلٰكِنَّهُ لَا يَجِدُ فِيهَا مَا يُرْوِي عَطَشَ رُوحِهِ. وَرُبَّمَا يَحْمِلُ الرَّقْمُ سِتَّةٌ (خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ سَابِقِينَ وَالرَّجُلُ الحَالِيُّ) مَعْنًى رَمْزِيًّا آخَرَ، إِذْ يُعَدُّ الرَّقْمُ سِتَّةٌ فِي الرَّمْزِيَّةِ الكِتَابِيَّةِ رَقْمَ النُّقْصَانِ وَعَدَمِ الاِكْتِمَالِ.  فَالمَرْأَةُ مَا زَالَتْ تَعِيشُ فِي عَطَشٍ رُوحِيٍّ غَيْرِ مُشْبَعٍ. أَمَّا السَّابِعُ، أَيْ يَسُوعُ المَسِيحُ، فَهُوَ العَرِيسُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي يَأْتِي لِيَمْلَأَ هٰذَا النُّقْصَ وَيُعْطِي الكَمَالَ. وَقَدْ يُذَكِّرُنَا هٰذَا بِمَشْهَدِ عُرْسِ قَانَا الجَلِيلِ، حَيْثُ كَانَتْ هُنَاكَ سِتَّةُ أَجْرَانٍ مِنْ حَجَرٍ (يُوحَنَّا 2: 6)، وَحِينَئِذٍ حَوَّلَ يَسُوعُ المَاءَ إِلَى خَمْرٍ، رَمْزًا إِلَى اِكْتِمَالِ العَهْدِ الجَدِيدِ فِيهِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَٱلَّذِي عِنْدَكِ ٱلآنَ لَيْسَ بِزَوْجِكِ" فَتُشِيرُ إِلَى إِعْلَانِ يَسُوعَ لِوَاقِعِ حَيَاتِهَا الحَالِيِّ، إِذْ إِنَّهَا تَعِيشُ فِي عَلاَقَةٍ غَيْرِ شَرْعِيَّةٍ، وَهُوَ مَا يُعَدُّ تَعَدِّيًا عَلَى الوَصِيَّةِ السَّابِعَةِ مِنَ الوَصَايَا العَشْرِ. وَقَدْ رَأَى بَعْضُ الشُّرَّاحِ فِي هٰذَا أَيْضًا تَلْمِيحًا رَمْزِيًّا إِلَى أَنَّ عِبَادَةَ السَّامِرِيِّينَ لِلَّهِ لَمْ تَكُنْ عِبَادَةً صَحِيحَةً كَامِلَةً.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "لَقَدْ صَدَقْتِ فِي ذٰلِكَ" فَتُظْهِرُ مَرَّةً أُخْرَى مَدْحَ المَسِيحِ لِصِدْقِهَا. فَيَسُوعُ لَمْ يُرَكِّزْ عَلَى الإِدَانَةِ، بَلْ عَلَى الصِّدْقِ الَّذِي أَظْهَرَتْهُ فِي اِعْتِرَافِهَا. وَهٰذَا يَتَّفِقُ مَعَ مَا يَقُولُهُ الكِتَابُ المُقَدَّسُ: "مَنْ كَتَمَ مَعَاصِيَهُ لَا يَنْجَحُ، وَمَنْ اِعْتَرَفَ بِهَا وَتَرَكَهَا يُرْحَمُ" (أَمْثَال 28: 13). وَيَقُولُ الرَّسُولُ يُوحَنَّا أَيْضًا: "إِنِ ٱعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ" (1 يُوحَنَّا 1: 9). وَهٰكَذَا يُظْهِرُ هٰذَا المَوْقِفُ أَنَّ قُوَّةَ هٰذِهِ المَرْأَةِ كَانَتْ فِي ضَعْفِهَا؛ فَقَدْ قَبِلَتْ أَنْ تُوَاجِهَ حَقِيقَةَ حَيَاتِهَا. وَيُمْكِنُ مُقَارَنَةُ مَوْقِفِهَا بِمَوْقِفِ نِيقُودِيمُس الَّذِي جَاءَ إِلَى يَسُوعَ لَيْلًا (يُوحَنَّا 3: 1–2)، إِذْ كَانَ ضَعْفُهُ فِي قُوَّتِهِ وَمَرْكَزِهِ الاِجْتِمَاعِيِّ، فَخَافَ أَنْ يُعْلِنَ إِيمَانَهُ بِوُضُوحٍ. أَمَّا هٰذِهِ المَرْأَةُ، فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ خَطِيئَتِهَا، فَقَدْ قَبِلَتِ الحَقَّ وَانْفَتَحَ قَلْبُهَا لِلْخَلَاصِ.

 

19 "قَالَتِ ٱلْمَرْأَةُ: يَا رَبُّ، أَرَى أَنَّكَ نَبِيٌّ"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "نَبِيٌّ" إِلَى إِدْرَاكِ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ أَنَّ يَسُوعَ رَجُلُ اللهِ الَّذِي يَعْرِفُ خَفَايَا القُلُوبِ وَيَكْشِفُ مَا هُوَ خَفِيٌّ عَنِ النَّاسِ. فَفِي التَّقْلِيدِ الكِتَابِيِّ يُعَدُّ النَّبِيُّ مَنْ يَتَلَقَّى إِعْلَانًا مِنَ اللهِ وَيَكْشِفُ إِرَادَتَهُ لِلشَّعْبِ، وَيَعْرِفُ مَا لَا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يَعْرِفَهُ بِقُوَّتِهِ الذَّاتِيَّةِ. وَقَدْ وَصَلَتِ المَرْأَةُ إِلَى هٰذَا الاِسْتِنْتَاجِ بَعْدَ أَنْ كَشَفَ يَسُوعُ لَهَا تَفَاصِيلَ حَيَاتِهَا الخَفِيَّةَ، إِذْ أَظْهَرَ لَهَا أَنَّهُ يَعْرِفُ مَاضِيَهَا وَوَاقِعَهَا (يُوحَنَّا 4: 16–18). وَلِذٰلِكَ أَدْرَكَتْ أَنَّ مَعْرِفَتَهُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَعْرِفَةٍ بَشَرِيَّةٍ عَادِيَّةٍ، بَلْ مَعْرِفَةٌ خَارِقَةٌ لِلطَّبِيعَةِ تَدُلُّ عَلَى عَلاَقَتِهِ بِاللهِ. وَيُظْهِرُ هٰذَا الاِعْتِرَافُ خُطْوَةً مُهِمَّةً فِي مَسِيرَةِ إِيمَانِ المَرْأَةِ. فَفِي بَدَايَةِ اللِّقَاءِ كَانَتْ تَرَى فِي يَسُوعَ يَهُودِيًّا غَرِيبًا (يُوحَنَّا 4: 9)، ثُمَّ رَأَتْ فِيهِ رَبًّا (يُوحَنَّا 4: 11)، وَالآنَ تَعْتَرِفُ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ. وَهٰذَا التَّدَرُّجُ يُظْهِرُ كَيْفَ يَقُودُ الحِوَارُ مَعَ المَسِيحِ الإِنْسَانَ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى اِنْكِشَافِ الحَقِيقَةِ الإِلٰهِيَّةِ. وَقَدْ تَحَقَّقَتِ المَرْأَةُ مِنْ عَظَمَةِ يَسُوعَ بِبُرْهَانٍ يُشْبِهُ مَا حَدَثَ مَعَ نَتَنَائِيل، الَّذِي اعْتَرَفَ بِمَقَامِ يَسُوعَ بَعْدَ أَنْ كَشَفَ لَهُ سِرَّ حَيَاتِهِ، فَقَالَ: "يَا رَبِّي، أَنْتَ ٱبْنُ ٱللَّهِ، أَنْتَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ" (يُوحَنَّا 1: 49). وَهٰكَذَا يُؤَكِّدُ الإِنْجِيلُ أَنَّ يَسُوعَ يَعْرِفُ الإِنْسَانَ مَعْرِفَةً عَمِيقَةً، كَمَا يَقُولُ الإِنْجِيلِيُّ: "لَمْ يَكُنْ بِحَاجَةٍ إِلَى مَنْ يَشْهَدُ لَهُ فِي شَأْنِ الإِنْسَانِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ مَا فِي الإِنْسَانِ" (يُوحَنَّا 2: 25). وَالمُلَاحَظُ أَنَّ المَرْأَةَ لَمْ تَخَفْ مِنْ هٰذَا الاِنْكِشَافِ، وَلَمْ تَهْرُبْ مِنْ يَسُوعَ بَعْدَ أَنْ عَرَفَ خَطِيئَتَهَا، بَلْ اِزْدَادَ إِعْجَابُهَا بِهِ. فَبَدَلَ أَنْ تَنْصَرِفَ، تَوَجَّهَتْ إِلَيْهِ بِسُؤَالٍ أَعْمَقَ يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةٍ جَوْهَرِيَّةٍ فِي الإِيمَانِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ العِبَادَةِ الحَقِيقِيَّةِ. وَهٰكَذَا يَنْتَقِلُ الحِوَارُ مِنْ مَسْتَوَى الحَيَاةِ الشَّخْصِيَّةِ إِلَى مَسْتَوَى اللَّاهُوتِ وَالعِبَادَةِ، مِمَّا يُمَهِّدُ لِكَشْفِ يَسُوعَ عَنِ العِبَادَةِ بِالرُّوحِ وَالحَقِّ.

 

20 "تَعَبَّدَ آبَاؤُنَا فِي هٰذَا ٱلْجَبَلِ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ ٱلْمَكَانَ ٱلَّذِي فِيهِ يَجِبُ ٱلتَّعَبُّدُ هُوَ فِي أُورُشَلِيمَ "

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "تَعَبَّدَ آبَاؤُنَا فِي هٰذَا ٱلْجَبَلِ" إِلَى تَمَسُّكِ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ بِتُرَاثِهَا الدِّينِيِّ وَانْتِمَائِهَا التَّارِيخِيِّ. فَهِيَ تَسْتَحْضِرُ تَقْلِيدَ الآبَاءِ الَّذِينَ رَبَطُوا هٰذِهِ المِنْطِقَةَ بِالْعِبَادَةِ لِلَّهِ. وَيَرَى السَّامِرِيُّونَ أَنَّ جُذُورَ عِبَادَتِهِمْ تَعُودُ إِلَى عَهْدِ الآبَاءِ الأَوَّلِينَ. فَفِي هٰذِهِ الأَرْضِ بَنَى إِبْرَاهِيمُ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ عِنْدَمَا تَجَلَّى لَهُ اللهُ: "فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ ٱلَّذِي تَجَلَّى لَهُ" (التكوين 12: 7). وَكَذٰلِكَ أَقَامَ يَعْقُوبُ مَذْبَحًا فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ: "فَأَقَامَ هُنَاكَ مَذْبَحًا وَدَعَاهُ إِيلْ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ" (التكوين 33: 20). كَذٰلِكَ يَرْتَبِطُ هٰذَا المَكَانُ بِتَقْلِيدٍ آخَرَ فِي التَّوْرَاةِ، إِذْ أَوْصَى مُوسَى النَّبِيُّ عِنْدَ دُخُولِ الشَّعْبِ أَرْضَ المِيعَادِ أَنْ يُعْلَنَ فِيهِ بَرَكَةُ الشَّرِيعَةِ. فَوَقَفَ سِتَّةُ أَسْبَاطٍ عَلَى جَبَلِ جَرِزِّيمَ لِلْبَرَكَةِ، وَسِتَّةُ أَسْبَاطٍ عَلَى جَبَلِ عِيبَالَ لِلَّعْنَةِ (تثنية الإشتراع 27: 11–13). وَمِنْ هٰذَا التَّقْلِيدِ اسْتَمَدَّ السَّامِرِيُّونَ قَنَاعَتَهُمْ بِقُدْسِيَّةِ جَبَلِ جَرِزِّيمَ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "هٰذَا ٱلْجَبَلُ" فَتُشِيرُ إِلَى جَبَلِ جَرِزِّيمَ الَّذِي جَعَلَهُ السَّامِرِيُّونَ مَرْكَزَ عِبَادَتِهِمْ وَمُنَافِسًا لِجَبَلِ صِهْيَوْنَ فِي أُورُشَلِيمَ. وَفِي العَصْرِ الهِلِّينِيِّ بَنَى سَنْبَلَّطُ السَّامِرِيُّ هَيْكَلًا عَلَى هٰذَا الجَبَلِ حَوَالَي سَنَة 332 ق.م. بِمُسَاعَدَةِ مَنَسَّى رَئِيسِ الكَهَنَةِ، كَمَا يَرْوِي المُؤَرِّخُ يُوسِيفُوسُ فِلاَفِيُوس. وَفِي القَرْنِ الثَّانِي قَبْلَ المِيلَادِ قَطَعَ السَّامِرِيُّونَ كُلَّ عَلاَقَةٍ لَهُمْ بِاليَهُودِ، بَلْ سَلَّمُوا هَيْكَلَهُمْ لِلْمَلِكِ أَنْطِيُوخُس أَبِيفَانُوس وَطَلَبُوا أَنْ يُكَرَّسَ لِلإِلَهِ جُوبِيتَر أُولِمْبِيَاس. وَلٰكِنَّ القَائِدَ الحَشْمُونِيَّ يُوحَنَّا هِرْكَانُوس دَمَّرَ هٰذَا الهَيْكَلَ سَنَة 129 ق.م، وَلَمْ يُعَدْ بِنَاؤُهُ مَرَّةً أُخْرَى. وَمَعَ ذٰلِكَ لَمْ يَتَوَقَّفِ السَّامِرِيُّونَ عَنِ العِبَادَةِ فِي هٰذَا المَوْضِعِ، بَلْ اعْتَبَرُوا جَبَلَ جَرِزِّيمَ أَقْدَسَ جِبَالِ الأَرْضِ، وَاسْتَنَدُوا فِي ذٰلِكَ إِلَى نُصُوصٍ مِنَ التَّوْرَاةِ، مِثْلَ قَوْلِهَا: «"فَإِذَا عَبَرْتُمُ الأُرْدُنَّ تَنْصِبُونَ هٰذِهِ الحِجَارَةَ الَّتِي أَنَا آمُرُكُمْ بِنَصْبِهَا اليَوْمَ عَلَى جَبَلِ جَرِزِّيمَ" (تثنية 27: 4 فِي النُّسْخَةِ السَّامِرِيَّةِ). وَيَذْهَبُ تَقْلِيدُهُمْ أَيْضًا إِلَى أَنَّ هٰذَا الجَبَلَ هُوَ المَوْضِعُ الَّذِي قَدَّمَ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ ابْنَهُ إِسْحَاقَ ذَبِيحَةً لِلَّهِ. وَلِهٰذَا لا يَزَالُ السَّامِرِيُّونَ حَتَّى اليَوْمِ يُقِيمُونَ ذَبِيحَةَ حَمَلِ الفِصْحِ عَلَى جَبَلِ جَرِزِّيمَ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ ٱلْمَكَانَ ٱلَّذِي فِيهِ يَجِبُ ٱلتَّعَبُّدُ هُوَ فِي أُورُشَلِيمَ" فَتُشِيرُ إِلَى مَوْقِفِ اليَهُودِ الَّذِينَ اعْتَبَرُوا جَبَلَ صِهْيَوْنَ فِي أُورُشَلِيمَ مَكَانَ حُضُورِ اللهِ وَمَرْكَزَ العِبَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ. فَقَدِ اخْتَارَ دَاوُدُ أُورُشَلِيمَ مَوْضِعًا لِمَذْبَحِ الرَّبِّ: "فَبَنَى دَاوُدُ هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ سَلاَمِيَّةٍ" (1 أَخْبَار 21: 26). وَبَعْدَ ذٰلِكَ بَنَى سُلَيْمَانُ الهَيْكَلَ فِي أُورُشَلِيمَ قَائِلًا: «"إِنِّي قَدْ بَنَيْتُ لَكَ بَيْتَ سُكْنَى، مَكَانًا لِسُكْنَاكَ إِلَى الأَبَدِ" (2 أَخْبَار 6: 2). وَهُنَاكَ مَارَسَ الكَهَنَةُ وَاللَّاوِيُّونَ العِبَادَةَ فِي هَيْكَلِ الرَّبِّ. وَهٰكَذَا تَكْشِفُ كَلِمَاتُ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ جَوْهَرَ الخِلاَفِ الدِّينِيِّ بَيْنَ السَّامِرِيِّينَ وَاليَهُودِ، إِذْ كَانَ السُّؤَالُ عَنْ مَكَانِ العِبَادَةِ الصَّحِيحَةِ هُوَ أَحَدَ أَسْبَابِ العَدَاوَةِ الشَّدِيدَةِ بَيْنَ الشَّعْبَيْنِ. وَمِنْ هُنَا يَنْتَقِلُ الحِوَارُ فِي الإِنْجِيلِ إِلَى إِعْلاَنِ يَسُوعَ العَمِيقِ: أَنَّ العِبَادَةَ الحَقِيقِيَّةَ لَنْ تَرْتَبِطَ بَعْدُ بِمَكَانٍ جُغْرَافِيٍّ مُحَدَّدٍ، بَلْ سَتَكُونُ بِالرُّوحِ وَالحَقِّ.

 

21 "قَالَ لَهَا يَسُوعُ: صَدِّقِينِي أَيَّتُهَا ٱلْمَرْأَةُ، تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا تَعْبُدُونَ ٱلْآبَ لَا فِي هٰذَا ٱلْجَبَلِ وَلَا فِي أُورُشَلِيمَ"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "صَدِّقِينِي أَيَّتُهَا ٱلْمَرْأَةُ" إِلَى تَأْكِيدِ يَسُوعَ أَهَمِّيَّةَ كَلَامِهِ وَسُلْطَانِهِ فِي التَّعْلِيمِ. فَبَعْدَ أَنْ اعْتَرَفَتِ المَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ (يُوحَنَّا 4: 19)، يُخَاطِبُهَا يَسُوعُ بِسُلْطَانِ النَّبِيِّ الَّذِي يَكْشِفُ إِرَادَةَ اللهِ وَيَدْعُوهَا إِلَى تَصْدِيقِ كَلَامِهِ كَمَا يُصَدَّقُ كَلَامُ الأَنْبِيَاءِ. وَيَدُلُّ هٰذَا الأُسْلُوبُ عَلَى أَنَّ مَا سَيُعْلِنُهُ يَسُوعُ هُوَ إِعْلَانٌ إِلٰهِيٌّ جَدِيدٌ.

 

أَمَّا كَلِمَةُ "ٱلْمَرْأَةُ" فَتُشِيرُ فِي الظَّاهِرِ إِلَى شَخْصِ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ، وَلٰكِنَّهَا تَحْمِلُ أَيْضًا بُعْدًا رَمْزِيًّا، إِذْ تُمَثِّلُ هٰذِهِ المَرْأَةُ شَعْبَ السَّامِرِيِّينَ كُلَّهُ. وَمِنْ خِلَالِهَا سَيَتَعَرَّفُ هٰذَا الشَّعْبُ عَلَى المَسِيحِ وَيَعْتَرِفُ بِهِ، كَمَا سَيَقُولُ السَّامِرِيُّونَ فِي نِهَايَةِ القِصَّةِ: "هٰذَا هُوَ بِالحَقِّ مُخَلِّصُ العَالَمِ" (يُوحَنَّا 4: 42).

 

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "تَأْتِي سَاعَةٌ" إِلَى زَمَنٍ خَلاَصِيٍّ جَدِيدٍ فِي تَدْبِيرِ اللهِ، أَيْ زَمَنِ الإِنْجِيلِ الَّذِي يَبْدَأُ بِحُضُورِ المَسِيحِ. فَفِي هٰذَا الزَّمَنِ يَبْدَأُ نِظَامٌ جَدِيدٌ لِلْعِبَادَةِ، وَيَزُولُ النِّظَامُ القَدِيمُ الَّذِي اسْتَمَرَّ نَحْوَ أَلْفٍ وَخَمْسِمِئَةِ سَنَةٍ، وَالَّذِي كَانَ يُوجِبُ عَلَى اليَهُودِ الصُّعُودَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي السَّنَةِ لِلْعِبَادَةِ فِي هَيْكَلِ أُورُشَلِيمَ (تثنية 16: 16). وَقَدْ تَحَقَّقَتْ نِهَايَةُ هٰذَا النِّظَامِ عِنْدَمَا دُمِّرَ هَيْكَلُ أُورُشَلِيمَ سَنَة 70 م عَلَى يَدِ القَائِدِ الرُّومَانِيِّ طِيطُس.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "تَعْبُدُونَ ٱلْآبَ لَا فِي هٰذَا ٱلْجَبَلِ وَلَا فِي أُورُشَلِيمَ" فَتُعْلِنُ تَحَوُّلًا جَوْهَرِيًّا فِي مَفْهُومِ العِبَادَةِ. فَالعِبَادَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَنْ تَعُودَ مُرْتَبِطَةً بِمَكَانٍ جُغْرَافِيٍّ مُحَدَّدٍ، سَوَاءٌ كَانَ جَبَلَ جَرِزِّيمَ عِنْدَ السَّامِرِيِّينَ أَوْ هَيْكَلَ أُورُشَلِيمَ عِنْدَ اليَهُودِ. فَهٰذِهِ الأَمَاكِنُ كَانَتْ رُمُوزًا لِحُضُورِ اللهِ، أَمَّا الآنَ فَقَدْ حَضَرَ المَسِيحُ نَفْسُهُ، وَهُوَ الحَضُورُ الإِلٰهِيُّ الحَقِيقِيُّ، وَلِذٰلِكَ لَمْ تَعُدِ العِبَادَةُ مَحْصُورَةً فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ. وَيُعَلِّقُ العَلَّامَةُ أُورِيجَانُوس عَلَى هٰذَا القَوْلِ قَائِلًا: "إِنَّ الإِنْسَانَ الكَامِلَ وَالمُقَدَّسَ يَتَعَدَّى حَتَّى هٰذَا الأَمْرَ، فَيَعْبُدُ اللهَ عِبَادَةً تَأَمُّلِيَّةً وَإِلٰهِيَّةً. فَكَمَا أَنَّ المَلاَئِكَةَ لَا يَعْبُدُونَ الآبَ فِي أُورُشَلِيمَ، بَلْ يَعْبُدُونَهُ عِبَادَةً أَسْمَى، هٰكَذَا أَيْضًا الَّذِينَ يُشْبِهُونَ المَلاَئِكَةَ فِي مَيُولِهِمْ يَعْبُدُونَ اللهَ عِبَادَةً أَرْفَعَ مِنَ العِبَادَةِ المُقَيَّدَةِ بِمَكَانٍ". أَمَّا القِدِّيسُ يُوحَنَّا فَمُ الذَّهَبِ فَيُوَضِّحُ أَنَّ المَسِيحَ لَمْ يُفَضِّلْ مَكَانًا عَلَى آخَرَ، بَلْ أَعْطَى الأَوْلَوِيَّةَ لِنِيَّةِ القَلْبِ فِي العِبَادَةِ. وَمِنْ هٰذَا المَنْطَلَقِ يُمْكِنُ تَقْدِيمُ العِبَادَةِ لِلَّهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، كَمَا أَعْلَنَ النَّبِيُّ مَلاَخِي: "لِأَنَّهُ مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا ٱسْمِي عَظِيمٌ بَيْنَ الأُمَمِ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ تُقَرَّبُ لِٱسْمِي تَقْدِمَةٌ طَاهِرَةٌ" (مَلاَخِي 1: 11).

 

أَمَّا كَلِمَةُ "ٱلْآبُ" فَتُشِيرُ إِلَى اللهِ الَّذِي يَكْشِفُ يَسُوعُ عَنْ أُبُوَّتِهِ لِجَمِيعِ النَّاسِ. فَاللهُ أَبٌ لِلْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا بِفَضْلِ عِنَايَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ الشَّامِلَةِ. وَبِهٰذَا يَضَعُ يَسُوعُ اليَهُودَ وَالسَّامِرِيِّينَ عَلَى قَدَمِ المُسَاوَاةِ أَمَامَ اللهِ. فَالاقْتِرَابُ مِنَ اللهِ لَيْسَ اقْتِرَابًا مِنْ إِلَهٍ بَعِيدٍ، بَلْ اقْتِرَابُ الأَبْنَاءِ مِنْ أَبِيهِمْ. وَهٰذَا هُوَ البُعْدُ الجَدِيدُ الَّذِي يَفْتَحُهُ الإِنْجِيلُ فِي مَفْهُومِ العِبَادَةِ وَالعَلاَقَةِ مَعَ اللهِ.

 

22 "أَنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَا لَا تَعْلَمُونَ، وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا نَعْلَمُ، لِأَنَّ ٱلْخَلَاصَ يَأْتِي مِنَ ٱلْيَهُودِ"  

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "أَنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَا لَا تَعْلَمُونَ" إِلَى وَضْعِ السَّامِرِيِّينَ الدِّينِيِّ الَّذِي اتَّسَمَ بِعَدَمِ كَمَالِ المَعْرِفَةِ الإِلٰهِيَّةِ. فَقَدْ كَانَتْ عِبَادَتُهُمْ مَزِيجًا بَيْنَ عِبَادَةِ الرَّبِّ وَبَيْنَ بَقَايَا عِبَادَاتٍ وَثَنِيَّةٍ أَدْخَلَتْهَا الشُّعُوبُ الَّتِي جَلَبَهَا مَلِكُ أَشُّورَ إِلَى السَّامِرَةِ بَعْدَ سُقُوطِ مَمْلَكَةِ إِسْرَائِيلَ. وَيَذْكُرُ الكِتَابُ المُقَدَّسُ أَنَّهُمْ "عَبَدُوا الرَّبَّ وَعَبَدُوا آلِهَتَهُمْ" فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ (2 مُلُوك 17: 33). كَمَا يُقَالُ أَيْضًا: "فَأَخَذَتْ كُلُّ أُمَّةٍ تَعْمَلُ آلِهَتَهَا وَتَضَعُهَا فِي بُيُوتِ المُشَارِفِ الَّتِي عَمِلَهَا السَّامِرِيُّونَ" (2 مُلُوك 17: 29). وَبِالإِضَافَةِ إِلَى ذٰلِكَ، كَانَ السَّامِرِيُّونَ يَقْبَلُونَ أَسْفَارَ التَّوْرَاةِ الخَمْسَةَ فَقَطْ، وَيَرْفُضُونَ أَسْفَارَ الأَنْبِيَاءِ وَالمَزَامِيرَ الَّتِي تُعْلِنُ بِوُضُوحٍ مَشِيئَةَ اللهِ وَتُمَهِّدُ لِمَجِيءِ المَسِيحِ المُخَلِّصِ. وَمِنْ هُنَا كَانَتْ مَعْرِفَتُهُمْ بِاللهِ نَاقِصَةً وَغَيْرَ مُكْتَمِلَةٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا فَمُ الذَّهَبِ عَلَى ذٰلِكَ قَائِلًا: "إِنْ سَأَلْتَ: كَيْفَ لَمْ يَعْرِفِ السَّامِرِيُّونَ مَنْ هُوَ الَّذِي يَسْجُدُونَ لَهُ؟ نُجِيبُ: لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ اللهَ يَتَحَدَّدُ بِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ وَيَنْحَازُ إِلَيْهِمْ. فَتَصَوَّرُوا إِلَهًا مَحْدُودًا، وَلِذٰلِكَ عَبَدُوهُ عَلَى هٰذَا الأَسَاسِ".

 

أَمَّا عِبَارَةُ " وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا نَعْلَمُ" فَتُشِيرُ إِلَى الشَّعْبِ اليَهُودِيِّ الَّذِي تَسَلَّمَ الإِعْلَانَ الإِلٰهِيَّ الكَامِلَ فِي أَسْفَارِ العَهْدِ القَدِيمِ: التَّوْرَاةِ وَالأَنْبِيَاءِ وَالمَزَامِيرِ. وَهٰذَا الإِعْلَانُ قَادَهُمْ إِلَى مَعْرِفَةِ اللهِ الإِلٰهِ الوَاحِدِ رَبِّ الكَوْنِ، لا إِلَهًا مَحْدُودًا بِمَكَانٍ أَوْ شَعْبٍ. وَيُلاَحَظُ أَنَّ يَسُوعَ يَقُولُ "نَحْنُ"، فَيَضُمُّ نَفْسَهُ إِلَى الشَّعْبِ اليَهُودِيِّ بِحَسَبِ الجَسَدِ. وَفِي هٰذَا يُعَلِّقُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوس قَائِلًا: "إِنَّهُ يَقُولُ "نَحْنُ" لِأَنَّهُ يَضُمُّ نَفْسَهُ إِلَى البَشَرِ بِحَسَبِ التَّجَسُّدِ، وَلِيُظْهِرَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ كَمُتَجَسِّدٍ، ثُمَّ يُضِيفُ: "الخَلاَصُ مِنَ اليَهُودِ".

 

أَمَّا عِبَارَةُ "لِأَنَّ ٱلْخَلَاصَ يَأْتِي مِنَ ٱلْيَهُودِ" فَتُشِيرُ إِلَى الدَّوْرِ الخَلاَصِيِّ الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ لِلشَّعْبِ اليَهُودِيِّ فِي تَارِيخِ الخَلاَصِ. فَمِنْ خِلاَلِ هٰذَا الشَّعْبِ أَعْلَنَ اللهُ كَلِمَتَهُ وَوَعْدَهُ وَنُبُوءَاتِهِ عَنِ المَسِيحِ. وَقَدْ وُعِدَ إِبْرَاهِيمُ بِأَنَّ الخَلاَصَ سَيَمْتَدُّ إِلَى جَمِيعِ الأُمَمِ: "وَيَتَبَارَكُ بِكَ جَمِيعُ عَشَائِرِ الأَرْضِ" (التكوين 12: 3). وَقَدْ أَكَّدَ الرَّسُولُ بُولُس هٰذَا الدَّوْرَ قَائِلًا: "إِنَّهُمْ اُؤْتُمِنُوا عَلَى كَلاَمِ اللهِ" (رُومَة 3: 2)، وَقَالَ أَيْضًا: "لَهُمُ التَّبَنِّي وَالمَجْدُ وَالعُهُودُ وَالتَّشْرِيعُ وَالعِبَادَةُ وَالمَوَاعِيدُ… وَمِنْهُمُ المَسِيحُ حَسَبَ الجَسَدِ" (رُومَة 9: 4–5). وَبِهٰذَا يَكُونُ المَسِيحُ نَفْسُهُ هُوَ تَحْقِيقَ هٰذَا الوَعْدِ، فَهُوَ يَهُودِيٌّ بِحَسَبِ الجَسَدِ، وَمِنْ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ خَرَجَ إِلَى العَالَمِ الخَلاَصُ. لٰكِنَّ هٰذَا الخَلاَصَ لَا يَبْقَى مَحْصُورًا فِي اليَهُودِ، بَلْ يَمْتَدُّ إِلَى جَمِيعِ الشُّعُوبِ. فَبِالمَسِيحِ يَتَحَقَّقُ دَعْوَةُ إِسْرَائِيلَ أَنْ يَكُونَ نُورًا لِلأُمَمِ وَوَسِيلَةً لِمَعْرِفَةِ اللهِ فِي العَالَمِ كُلِّهِ.

 

23 "وَلٰكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ -وَقَدْ حَضَرَتِ ٱلآنَ- فِيهَا ٱلْعَابِدُونَ ٱلصَّادِقُونَ يَعْبُدُونَ ٱلْآبَ بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ، فَمِثْلُ هٰؤُلَاءِ ٱلْعَابِدِينَ يُرِيدُ ٱلْآبُ"  

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "تَأْتِي سَاعَةٌ" إِلَى الزَّمَنِ الخَلَاصِيِّ الَّذِي أُشِيرَ إِلَيْهِ سَابِقًا (يُوحَنَّا 4: 21)، وَهُوَ زَمَنُ العَهْدِ الجَدِيدِ الَّذِي يَبْدَأُ بِمَجِيءِ المَسِيحِ. فَهٰذِهِ السَّاعَةُ هِيَ زَمَنُ الإِنْجِيلِ الَّذِي فِيهِ يَنْتَقِلُ الإِنْسَانُ مِنْ عِبَادَةِ الحَرْفِ إِلَى عِبَادَةِ الرُّوحِ.

 

وَقَوْلُهُ "وَقَدْ حَضَرَتِ ٱلآنَ" يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هٰذَا الزَّمَنَ لَيْسَ مُسْتَقْبَلًا بَعِيدًا، بَلْ قَدْ بَدَأَ فِعْلًا بِحُضُورِ المَسِيحِ وَتَعْلِيمِهِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "ٱلْعَابِدُونَ ٱلصَّادِقُونَ" فَتُشِيرُ إِلَى الَّذِينَ يُقَدِّمُونَ لِلَّهِ عِبَادَةً صَادِقَةً مِنَ القَلْبِ، عِبَادَةً رُوحِيَّةً مَقْبُولَةً لَدَيْهِ، بَعْكْسِ المُرَائِينَ الَّذِينَ يَكْتَفُونَ بِعِبَادَةٍ ظَاهِرِيَّةٍ شَكْلِيَّةٍ. فَالعِبَادَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ مَجَرَّدَ طُقُوسٍ خَارِجِيَّةٍ، بَلْ عَلاَقَةُ حَيَاةٍ صَادِقَةٍ مَعَ اللهِ.

 

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "يَعْبُدُونَ ٱلْآبَ" إِلَى طَبِيعَةِ هٰذِهِ العِبَادَةِ الجَدِيدَةِ، فَهِيَ عِبَادَةُ أَبْنَاءٍ يَعْرِفُونَ مَنْ يَعْبُدُونَ. فَهُمْ يَقْتَرِبُونَ مِنَ اللهِ كَأَبٍ لَهُمْ، وَيَدْخُلُونَ فِي عَلاَقَةِ بُنُوَّةٍ مَعَهُ. وَبِهٰذَا يَكْشِفُ يَسُوعُ بُعْدًا جَدِيدًا فِي العِبَادَةِ، حَيْثُ يَصِيرُ الإِنْسَانُ أَبْنًا لِلَّهِ وَيَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِثِقَةِ الأَبْنَاءِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "بِٱلرُّوحِ" فَتُشِيرُ إِلَى الطَّبِيعَةِ الدَّاخِلِيَّةِ لِلْعِبَادَةِ. فَالعِبَادَةُ الحَقِيقِيَّةُ تُقَدَّمُ لِلَّهِ بِالقَلْبِ وَالرُّوحِ، لَا بِالشِّفَاهِ فَقَطْ. وَفِي هٰذَا يَكْمُنُ جَوْهَرُ العِبَادَةِ، أَمَّا المَكَانُ وَالشَّكْلُ وَالطَّقْسُ فَهِيَ أُمُورٌ ثَانَوِيَّةٌ. وَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ الَّذِي يُعَلِّمُ المُؤْمِنَ كَيْفَ يُصَلِّي وَيَعْبُدُ اللهَ، كَمَا يَقُولُ الرَّسُولُ بُولُسُ: "إِنَّ الرُّوحَ أَيْضًا يُعِينُ ضَعْفَنَا، لأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي كَمَا يَنْبَغِي، وَلٰكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لَا يُنْطَقُ بِهَا" (رُومَة 8: 26). وَبِهٰذَا الرُّوحِ تُفَاضُ مَحَبَّةُ اللهِ فِي القُلُوبِ: "مَحَبَّةُ اللهِ قَدْ أُفِيضَتْ فِي قُلُوبِنَا بِٱلرُّوحِ القُدُسِ الَّذِي أُعْطِيَ لَنَا" (رُومَة 5: 5).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَٱلْحَقِّ" فَتُشِيرُ إِلَى مَعْرِفَةِ اللهِ كَمَا أَعْلَنَهَا يَسُوعُ المَسِيحُ، الَّذِي هُوَ الحَقُّ نَفْسُهُ. فَالعِبَادَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَا تَقُومُ فَقَطْ عَلَى الاِنْفِعَالِ الرُّوحِيِّ، بَلْ أَيْضًا عَلَى مَعْرِفَةِ الحَقِّ الإِلٰهِيِّ الَّذِي أَعْلَنَهُ المَسِيحُ. وَبِهٰذَا تَكُونُ العِبَادَةُ الحَقِيقِيَّةُ ذَاتَ بُعْدٍ ثَالُوثِيٍّ: فَالإِنْسَانُ يَتَوَجَّهُ إِلَى الآبِ، بِالرُّوحِ القُدُسِ، وَمِنْ خِلَالِ الاِتِّحَادِ بِالاِبْنِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ عَلَى هٰذَا النَّصِّ قَائِلًا: "إِنَّ العِبَادَةَ الحَقِيقِيَّةَ لَا تَتَحَقَّقُ بِالحَرَكَاتِ الجَسَدِيَّةِ فَقَطْ، بَلْ بِاتِّجَاهِ القَلْبِ إِلَى اللهِ" (العِظَاتُ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، العظة 1).

 

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "فَمِثْلُ هٰؤُلَاءِ ٱلْعَابِدِينَ يُرِيدُ ٱلْآبُ" إِلَى أَنَّ اللهَ نَفْسَهُ يَطْلُبُ هٰذِهِ العِبَادَةَ الصَّادِقَةَ. فَالآبُ يَفْرَحُ بِالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ بِالقَلْبِ وَالحَقِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كِيرِلُّس الإِسْكَنْدَرِيُّ عَلَى هٰذَا النَّصِّ قَائِلًا: "لَمْ يَعُدِ اللهُ يُطْلَبُ فِي جَبَلٍ أَوْ مَدِينَةٍ، بَلْ فِي قَلْبِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَسْكُنُ فِيهِ الرُّوحُ القُدُس"(تَفْسِيرُ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، الكتاب الثاني). وَهٰذِهِ هِيَ الغَايَةُ الَّتِي كَانَ يَسُوعُ يُرِيدُ أَنْ يَقُودَ إِلَيْهَا المَرْأَةَ السَّامِرِيَّةَ.

 

وَتَكْرَارُ لَفْظِ "ٱلْآبِ" فِي هٰذَا السِّيَاقِ (يُوحَنَّا 4: 21، 23) يُبْرِزُ أَنَّ اللهَ هُوَ أَبُ المَحَبَّةِ وَالنِّعْمَةِ، لَا إِلَهُ الرَّهْبَةِ وَالقُدْرَةِ فَقَطْ. وَبِفَضْلِ الرُّوحِ القُدُسِ يَسْتَطِيعُ المُؤْمِنُ أَنْ يَعْرِفَ اللهَ وَيَعْبُدَهُ كَأَبٍ. وَهٰكَذَا تُعْلِنُ كَلِمَاتُ يَسُوعَ أَنَّ العِبَادَةَ الحَقِيقِيَّةَ لَمْ تَعُدْ مُقَيَّدَةً بِمَكَانٍ مُحَدَّدٍ، لَا بِهَيْكَلِ أُورُشَلِيمَ وَلَا بِجَبَلِ جَرِزِّيمَ، بَلْ أَصْبَحَتْ عِبَادَةً رُوحِيَّةً شَامِلَةً. وَقَدْ أَشَارَ الكِتَابُ المُقَدَّسُ إِلَى ذٰلِكَ حِينَ قِيلَ: "إِنَّ العَلِيَّ لَا يَسْكُنُ فِي بُيُوتٍ صَنَعَتْهَا الأَيْدِي" (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 7: 48). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوس قَائِلًا: "أَتُرِيدُ أَنْ تُصَلِّي فِي هَيْكَلٍ؟ الجَبَلُ فِي دَاخِلِكَ، إِنْ كُنْتَ أَنْتَ نَفْسُكَ هَيْكَلَ اللهِ، فَإِنَّهُ فِي هَيْكَلِهِ يَسْمَعُ مَنْ يُصَلِّي". وَيَقُولُ الرَّسُولُ بُولُسُ أَيْضًا: "أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ وَأَنَّ رُوحَ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟"(1 قُورِنْثُس 3: 16). وَبِهٰذَا يَتَّضِحُ أَنَّ المَسِيحَ لَا يُرَكِّزُ عَلَى مَكَانِ العِبَادَةِ بَلْ عَلَى كَيْفِيَّةِ العِبَادَةِ.  فَاللهُ الَّذِي هُوَ رُوحٌ يَطْلُبُ عِبَادَةً تَنْبَعُ مِنَ القَلْبِ وَالصِّدْقِ، كَمَا يَقُولُ الرَّبُّ: "مَنْ هٰذَا الَّذِي يَرْهَنُ قَلْبَهُ لِيَدْنُوَ إِلَيَّ؟" (إِرْمِيَا 30: 21)؟ وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ لِقَاءَ يَسُوعَ بِالمَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ يُعْلِنُ بَدْءَ عَهْدٍ جَدِيدٍ فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ، حَيْثُ لَمْ تَعُدِ العِبَادَةُ مَرْتَبِطَةً بِالهَيْكَلِ الحَجَرِيِّ، بَلْ بِهَيْكَلِ القَلْبِ الَّذِي يَسْكُنُ فِيهِ اللهُ.

 

24 "إِنَّ ٱللَّهَ رُوحٌ، فَعَلَى ٱلْعَابِدِينَ أَنْ يَعْبُدُوهُ بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ"  

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "ٱللَّهُ رُوحٌ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ πνεῦμα θεός، حَيْثُ تَرِدُ كَلِمَةُ πνεῦμα (رُوح) قَبْلَ كَلِمَةِ θεός (الله)، وَهٰذَا التَّقْدِيمُ اللُّغَوِيُّ يُبْرِزُ النَّبْرَةَ عَلَى طَبِيعَةِ اللهِ الرُّوحِيَّةِ.  فَاللهُ لَيْسَ كَائِنًا مَادِّيًّا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ أَوْ حَصْرُهُ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ، وَلَا يُحَدُّ بِجَبَلٍ أَوْ هَيْكَلٍ، كَمَا ظَنَّتِ المَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ عِنْدَمَا رَبَطَتِ العِبَادَةَ بِجَبَلِ جَرِزِّيمَ (يُوحَنَّا 4: 20). بَلْ إِنَّ اللهَ كَيَانٌ رُوحِيٌّ مُطْلَقٌ يَتَعَالَى عَنْ كُلِّ حُدُودِ المَكَانِ وَالمَادَّةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا فَمُ الذَّهَبِ قَائِلًا: "إِنَّ قَوْلَ المَسِيحِ لِلمَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ: "اللهُ رُوحٌ" لَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى آخَرَ إِلَّا أَنَّهُ خَالٍ مِنَ الجِسْمِ، وَلِذٰلِكَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ العِبَادَةُ أَيْضًا خَالِيَةً مِنَ الجِسْمِيَّةِ، أَيْ أَنْ تُقَدَّمَ بِرُوحِنَا وَبِنَقَاوَةِ عُقُولِنَا". أَمَّا القِدِّيسُ أوغُسْطِينُوس فَيَرَى أَنَّ قَوْلَ يَسُوعَ "اَللهُ رُوحٌ يُحَرِّرُ العِبَادَةَ مِنَ الِارْتِبَاطِ الحَصْرِيِّ بِالأَمَاكِنِ المُقَدَّسَةِ، لِكَيْ تَصِيرَ العِبَادَةُ الحَقِيقِيَّةُ عِبَادَةً يَشْتَرِكُ فِيهَا الإِنْسَانُ بِكُلِّ وُجُودِهِ: بِقَلْبِهِ وَعَقْلِهِ وَحَيَاتِهِ"(العِظَاتُ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، العظة 1). وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ هِيلَارِيُوس أُسْقُف بُواتِييه أَنَّ هٰذَا القَوْلَ لَا يُنْقِصُ مِنْ تَمْيِيزِ الرُّوحِ القُدُسِ كَأُقْنُومٍ إِلٰهِيٍّ، بَلْ يُبَيِّنُ طَبِيعَةَ اللهِ الرُّوحِيَّةَ، إِذْ يَقُولُ:"إِنَّ قَوْلَ الكِتَابِ "اللهُ رُوحٌ" لَا يُغَيِّرُ الحَقِيقَةَ أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ لَهُ اسْمُهُ الخَاصُّ، وَأَنَّهُ العَطِيَّةُ الَّتِي تُقَدَّمُ لَنَا".

 

أَمَّا عِبَارَةُ "يَعْبُدُوهُ" فَتُشِيرُ إِلَى عِبَادَةٍ رُوحِيَّةٍ قَلْبِيَّةٍ، لَا تَقُومُ فَقَطْ عَلَى حَرَكَاتِ الشِّفَاهِ أَوِ الأَوْضَاعِ الجَسَدِيَّةِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. فَالعِبَادَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَا تَكْتَفِي بِالمَظَاهِرِ الخَارِجِيَّةِ، بَلْ تَنْبَعُ مِنْ أَعْمَاقِ القَلْبِ وَالدَّاخِلِ الإِنْسَانِيِّ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يَقُولُ الرَّسُولُ بُولُسُ: "الرَّبُّ هُوَ الرُّوحُ" (2 قُورِنْثُس 3: 17). وَالعِبَادَةُ تَعْنِي السُّجُودَ لِلَّهِ وَتَقْدِيمَ التَّسْبِيحِ وَالشُّكْرِ لَهُ بِحُبٍّ وَانْسِحَاقٍ أَمَامَهُ. فَاللهُ يَسْكُنُ مَعَ المُنْسَحِقِي القُلُوبِ وَالمُتَوَاضِعِي الأَرْوَاحِ، كَمَا يَقُولُ النَّبِيُّ أَشَعْيَا:"أَسْكُنُ فِي العُلَا وَفِي القُدْسِ، وَمَعَ المُنْسَحِقِ وَالمُتَوَاضِعِ الرُّوحِ" (أَشَعْيَا 57: 15).

 

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "بٱلرُّوحِ" إِلَى العِبَادَةِ الَّتِي تَتَنَاسَبُ مَعَ طَبِيعَةِ اللهِ. فَإِذْ كَانَ اللهُ رُوحًا، فَإِنَّ عِبَادَتَهُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عِبَادَةً رُوحِيَّةً تَصْدُرُ عَنِ العَقْلِ وَالقَلْبِ وَالعَاطِفَةِ الرُّوحِيَّةِ، وَتَتِمُّ بِإِرْشَادِ الرُّوحِ القُدُسِ. وَفِي هٰذَا يَقُولُ الرَّسُولُ بُولُسُ: "فَاللهُ الَّذِي أَعْبُدُهُ فِي رُوحِي" (رُومَة 1: 9). 

 

أَمَّا عِبَارَةُ "بِٱلْحَقِّ" فَتُشِيرُ إِلَى الإِخْلَاصِ فِي العِبَادَةِ وَخُلُوِّهَا مِنَ الرِّيَاءِ أَوِ الاِعْتِمَادِ عَلَى الطُّقُوسِ الشَّكْلِيَّةِ فَقَطْ. فَالعِبَادَةُ الحَقِيقِيَّةُ تَقُومُ عَلَى مَعْرِفَةِ الحَقِّ الإِلٰهِيِّ الَّذِي أَعْلَنَهُ اللهُ فِي ابْنِهِ. وَيَسُوعُ نَفْسُهُ هُوَ الحَقُّ الَّذِي يَقُودُ الإِنْسَانَ إِلَى الآبِ، كَمَا قَالَ:"أَنَا الطَّرِيقُ وَالحَقُّ وَالحَيَاةُ، لَا يَأْتِي أَحَدٌ إِلَى الآبِ إِلَّا بِي" (يُوحَنَّا 14: 6). وَبِهٰذَا يَكْشِفُ يَسُوعُ أَنَّ العِبَادَةَ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ مُقَيَّدَةً بِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ هِيَ عِبَادَةُ القَلْبِ وَالرُّوحِ الَّتِي تَنْبَعُ مِنْ عَلاَقَةٍ صَادِقَةٍ مَعَ اللهِ وَمَعْرِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَهُ فِي شَخْصِ يَسُوعَ المَسِيحِ.

 

25 "قَالَتْ لَهُ ٱلْمَرْأَةُ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ ٱلْمَسِيَّا آتٍ، وَهُوَ ٱلَّذِي يُقَالُ لَهُ ٱلْمَسِيحُ، وَإِذَا أَتَى أَخْبَرَنَا بِكُلِّ شَيْءٍ"

 

 تُشِيرُ عِبَارَةُ "إِنِّي أَعْلَمُ" إِلَى مَعْرِفَةِ ٱلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ بِٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ حَسَبَ تَقْلِيدِ ٱلسَّامِرِيِّينَ، إِذْ كَانُوا يَقْبَلُونَ أَسْفَارَ مُوسَى ٱلْخَمْسَةَ فَقَطْ مِنَ ٱلْعَهْدِ ٱلْقَدِيمِ، وَفِيهَا وُعُودٌ عَنْ مَجِيءِ ٱلنَّبِيِّ ٱلْمُنْتَظَرِ. وَمِنْ أَبْرَزِ هٰذِهِ ٱلنُّبُوءَاتِ قَوْلُ مُوسَى: "يُقِيمُ لَكَ ٱلرَّبُّ إِلٰهُكَ نَبِيًّا مِثْلِي مِنْ وَسْطِكَ، مِنْ إِخْوَتِكَ، فَلَهُ تَسْمَعُونَ" (تثنية الاشتراع 18: 15). لِذٰلِكَ كَانَ ٱلسَّامِرِيُّونَ، مِثْلُ ٱلْيَهُودِ، يَنْتَظِرُونَ مَجِيءَ ٱلْمَسِيحِ ٱلَّذِي سَيُعْلِنُ مَشِيئَةَ ٱللهِ إِعْلَانًا كَامِلًا.

 

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "ٱلْمَسِيَّا آتٍ" إِلَى إِيمَانِ ٱلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ بِتَحَقُّقِ ٱلْوَعْدِ ٱلْإِلٰهِيِّ فِي ٱلتَّارِيخِ. فَقَدْ كَانَ ٱنْتِظَارُ ٱلْمَسِيحِ شَائِعًا فِي ذٰلِكَ ٱلزَّمَنِ بَيْنَ ٱلْيَهُودِ أَيْضًا، كَمَا يَشْهَدُ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا: "ٱلْتَفَّ عَلَيْهِ ٱلْيَهُودُ وَقَالُوا لَهُ: حَتَّامَ تُدْخِلُ ٱلْحَيْرَةَ فِي نُفُوسِنَا؟ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ ٱلْمَسِيحَ فَقُلْ لَنَا صَرَاحَةً" (يوحنا 10: 24).  وَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوس عَلَى هٰذَا ٱلْمَشْهَدِ قَائِلًا: "لَمْ يَكُنِ ٱسْمُ ٱلْمَسِيحِ جَدِيدًا عَلَى ٱلسَّامِرِيَّةِ، فَقَدْ كَانَتْ تَنْتَظِرُ مَجِيئَهُ. وَقَدْ آمَنَتْ بِأَنَّهُ سَيَأْتِي. فَمِنْ أَيْنَ لَهَا هٰذَا ٱلْإِيمَانُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُوسَى قَدْ غَرَسَهُ فِي قَلْبِهَا؟".

 

أَمَّا عِبَارَةُ "ٱلْمَسِيَّا" فَهِيَ كَلِمَةٌ عِبْرِيَّةٌ מָשִׁיחַ (ماشيح)، تُرْجِمَتْ فِي ٱلْيُونَانِيَّةِ إِلَى Μεσσίας، وَمَعْنَاهَا "ٱلْمَمْسُوح". وَقَدْ تُرْجِمَتْ فِي ٱلْيُونَانِيَّةِ أَيْضًا بِكَلِمَةِ Χριστός  خريستوس أَي "ٱلْمَسِيح". وَلِهٰذَا يُوضِّحُ ٱلْإِنْجِيلِيُّ يُوحَنَّا هٰذَا ٱلْمَعْنَى لِقُرَّائِهِ غَيْرِ ٱلْيَهُودِ، فَيُبَيِّنُ أَنَّ "ٱلْمَسِيَّا" هُوَ نَفْسُهُ ٱلْمَسِيحُ ٱلْمُنْتَظَرُ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "إِذَا أَتَى أَخْبَرَنَا بِكُلِّ شَيْءٍ" فَتُشِيرُ إِلَى ٱلْإِيمَانِ بِأَنَّ ٱلْمَسِيحَ ٱلْمُنْتَظَرَ سَيَكُونُ ٱلْمُعَلِّمَ ٱلْأَعْظَمَ ٱلَّذِي يَكْشِفُ كُلَّ ٱلْحَقَائِقِ ٱلْإِلٰهِيَّةِ. فَٱلْمَرْأَةُ تُقِرُّ بِأَنَّ مَا قَالَهُ يَسُوعُ عَنِ ٱلْعِبَادَةِ ٱلرُّوحِيَّةِ وَعَنْ مَعْرِفَةِ ٱللهِ يَتَجَاوَزُ فَهْمَهَا ٱلْكَامِلَ، وَلِذٰلِكَ تُفَضِّلُ أَنْ تَنْتَظِرَ ٱلْإِعْلَانَ ٱلنِّهَائِيَّ ٱلَّذِي سَيَأْتِي بِهِ ٱلْمَسِيحُ. وَهٰكَذَا تَكْشِفُ كَلِمَاتُهَا عَنْ حَالَةِ ٱنْتِظَارٍ رُوحِيٍّ عَمِيقٍ: فَهِيَ تُقِرُّ بِأَنَّ ٱلْحَقَّ ٱلْكَامِلَ لَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ، وَأَنَّ ٱلْمَسِيحَ ٱلْمُنْتَظَرَ هُوَ ٱلَّذِي سَيُزِيلُ كُلَّ ٱلشُّكُوكِ ٱلدِّينِيَّةِ وَيَفْصِلُ فِي مَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ ٱلنَّاسُ، وَيُعْلِنُ لِلْبَشَرِ مَلَكُوتَ ٱللهِ وَحَقِيقَةَ ٱلْخَلَاصِ إِعْلَانًا كَامِلًا. وَمِنَ ٱلنَّاحِيَةِ ٱللَّاهُوتِيَّةِ، يَكْشِفُ هٰذَا ٱلْقَوْلُ عَنْ تَطَوُّرِ إِيمَانِ ٱلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ فِي مَسَارِ ٱلْحِوَارِ مَعَ يَسُوعَ: فَقَدْ بَدَأَتْ تَرَاهُ رَجُلًا يَهُودِيًّا (يوحنا 4: 9)، ثُمَّ نَبِيًّا (يوحنا 4: 19)، وَهَا هِيَ الآنَ تَنْتَظِرُ ٱلْمَسِيحَ ٱلْمُنْتَظَرَ. وَبِهٰذَا يَقْتَرِبُ قَلْبُهَا مِنَ ٱلْحَقِيقَةِ ٱلْكُبْرَى ٱلَّتِي سَيُعْلِنُهَا يَسُوعُ بَعْدَ قَلِيلٍ: "أَنَا هُوَ، ٱلَّذِي يُكَلِّمُكِ" (يوحنا 4: 26).

 

26 "قَالَ لَهَا يَسُوعُ: أَنَا هُوَ، أَنَا الَّذِي يُكَلِّمُكِ"

 

 تُشِيرُ عِبَارَةُ "أَنَا هُوَ" إِلَى ذِرْوَةِ ٱلْحِوَارِ بَيْنَ يَسُوعَ وَٱلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ، حَيْثُ يَكْشِفُ يَسُوعُ هُنَا هُوِيَّتَهُ ٱلْمَسِيحَانِيَّةَ كَشْفًا صَرِيحًا وَمُبَاشِرًا. فَبَعْدَ أَنْ تَدَرَّجَتِ ٱلْمَرْأَةُ فِي فَهْمِهَا لِشَخْصِهِ—مِنْ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ (يوحنا 4: 9)، إِلَى نَبِيٍّ (يوحنا 4: 19)، ثُمَّ إِلَى ٱنْتِظَارِ ٱلْمَسِيَّا (يوحنا 4: 25) يَأْتِي هٰذَا ٱلتَّصْرِيحُ لِيُعْلِنَ أَنَّ ٱلْمَسِيحَ ٱلْمُنْتَظَرَ حَاضِرٌ أَمَامَهَا. وَفِي ٱلْأَصْلِ ٱلْيُونَانِيِّ تَرِدُ ٱلْعِبَارَةُ ἐγώ εἰμι، أَيْ "أَنَا هُوَ. وَهٰذِهِ ٱلصِّيغَةُ تَحْمِلُ بُعْدًا لَاهُوتِيًّا عَمِيقًا، لِأَنَّهَا تَذَكِّرُ بِٱلِاسْمِ ٱلْإِلٰهِيِّ ٱلَّذِي أَعْلَنَهُ ٱللهُ لِمُوسَى عِنْدَ ٱلْعُلَّيْقَةِ ٱلْمُشْتَعِلَةِ: "أَنَا هُوَ مَنْ هُوَ" (خروج 3: 14)، بِٱلْعِبْرِيَّةِ: אֶהְיֶה אֲשֶׁר אֶהְיֶה. وَبِهٰذَا يُلَمِّحُ يَسُوعُ إِلَى عَلاَقَتِهِ بِٱلإِعْلَانِ ٱلْإِلٰهِيِّ، إِذْ يَسْتَعْمِلُ ٱلصِّيغَةَ ٱلَّتِي سَيُكَرِّرُهَا فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى (يُوحَنَّا 8: 24؛ 8: 58؛ 18: 5). وَيَكْمُنُ فِي هٰذَا ٱلْمَشْهَدِ بُعْدٌ لَاهُوتِيٌّ مُهِمٌّ، فَهُوَ مِنَ النَّادِرِ فِي ٱلأَنَاجِيلِ أَنْ يُعْلِنَ يَسُوعُ هُوِيَّتَهُ ٱلْمَسِيحَانِيَّةَ بِهٰذِهِ ٱلصَّرَاحَةِ. فَمَعَ ٱلْيَهُودِ كَانَ يَتَجَنَّبُ فِي كَثِيرٍ مِنَ ٱلأَحْيَانِ هٰذَا ٱلتَّصْرِيحَ ٱلْمُبَاشِرَ، لِأَنَّ لَقَبَ "ٱلْمَسِيحِ" كَانَ مُرْتَبِطًا عِنْدَهُمْ بِتَوَقُّعَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ وَقَوْمِيَّةٍ عَنْ مَلِكٍ يُحَرِّرُ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلِاحْتِلَالِ. لِذٰلِكَ نَرَاهُ يَتَحَفَّظُ فِي جَوَابِهِ أَمَامَ رُؤَسَاءِ ٱلْيَهُودِ أَوْ أَمَامَ بُنْطِيُوسَ بِيلاَطُسَ (متى 26: 63؛ يوحنا 18: 33–37). أَمَّا فِي أَرْضِ ٱلسَّامِرَةِ فَٱلْوَضْعُ يَخْتَلِفُ، لِأَنَّ ٱلسَّامِرِيِّينَ لَمْ يَكُونُوا يَنْتَظِرُونَ مَسِيحًا سِيَاسِيًّا، بَلْ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ شَخْصِيَّةً نَبَوِيَّةً تُشْبِهُ مُوسَى، تُسَمَّى فِي تَقْلِيدِهِمْ "ٱلطَّاهِب" أَيْ "ٱلْمُرْجِع" أَوِ "ٱلْمُجَدِّد"، وَهُوَ ٱلنَّبِيُّ ٱلَّذِي يُعِيدُ ٱلشَّرِيعَةَ وَيُعْلِنُ ٱلْحَقَّ ٱلإِلٰهِيَّ. لِذٰلِكَ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خَوْفٌ مِنْ سُوءِ فَهْمٍ سِيَاسِيٍّ لِلَقَبِ ٱلْمَسِيحِيِّ، فَكَشَفَ يَسُوعُ عَنْ هُوِيَّتِهِ بِوُضُوحٍ.

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ " أَنَا الَّذِي يُكَلِّمُكِ "الى ٱلتَّصْرِيحُ له مَعْنًى عَمِيق: فَٱلَّذِي طَلَبَ مِنَ ٱلْمَرْأَةِ مَاءً لِيَشْرَبَ (يوحنا 4: 7) يَكْشِفُ نَفْسَهُ الآنَ أَنَّهُ مَصْدَرُ مَاءِ ٱلْحَيَاةِ (يوحنا 4: 14). وَٱلَّذِي كَشَفَ خَفَايَا قَلْبِهَا يَكْشِفُ أَيْضًا سِرَّ هُوِيَّتِهِ ٱلْخَلاَصِيَّةِ. وَهٰكَذَا يُخْتَمُ ٱلْحِوَارُ بِلَحْظَةِ إِعْلَانٍ مَسِيحَانِيٍّ فَرِيدٍ: فَٱلْمَسِيحُ ٱلْمُنْتَظَرُ لَيْسَ بَعِيدًا فِي ٱلْمُسْتَقْبَلِ، بَلْ هُوَ حَاضِرٌ وَيُكَلِّمُهَا الآنَ. وَبِهٰذَا يَتَحَوَّلُ لِقَاءُ ٱلْبِئْرِ إِلَى لِقَاءِ ٱلإِعْلَانِ: فَٱلْمَرْأَةُ ٱلَّتِي جَاءَتْ تَطْلُبُ مَاءً زَمَنِيًّا، تَلْتَقِي بِٱلْمَسِيحِ ٱلَّذِي يَهَبُ مَاءَ ٱلْحَيَاةِ وَمَعْرِفَةَ ٱلْحَقِّ. هُنَا، فِي أَوَائِلِ صَفَحَاتِ ٱلْإِنْجِيلِ ٱلرَّابِعِ، يَكْشِفُ يَسُوعُ هُوِيَّتَهُ لِلسَّامِرِيِّينَ مُبَكِّرًا، فَيُعْلِنُ لِلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ صَرَاحَةً: "أَنَا هُوَ، أَنَا ٱلَّذِي يُكَلِّمُكِ" (يُوحَنَّا 4: 26). أَمَّا ٱلتَّلَامِيذُ ٱلَّذِينَ يَنْتَمُونَ إِلَى ٱلْبِيئَةِ ٱلْيَهُودِيَّةِ، فَلَمْ يَكْتَمِلْ إِدْرَاكُهُمْ لِهُوِيَّةِ يَسُوعَ إِلَّا بَعْدَ ٱلْقِيَامَةِ، عِنْدَمَا تَجَلَّى لَهُمْ وَفَتَحَ أَذْهَانَهُمْ لِفَهْمِ ٱلْحَدَثِ ٱلْفِصْحِيِّ (يُوحَنَّا 20–21). وَهٰذَا يُظْهِرُ أَنَّ إِعْلَانَ هُوِيَّةِ ٱلْمَسِيحِ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا يَتِمُّ تَدْرِيجِيًّا: فَبَيْنَمَا يَسْبِقُ ٱلسَّامِرِيُّونَ إِلَى ٱلِٱعْتِرَافِ بِهِ "مُخَلِّصَ ٱلْعَالَمِ" (يُوحَنَّا 4: 42)، يَبْقَى ٱلتَّلَامِيذُ فِي مَسِيرَةِ فَهْمٍ تَكْتَمِلُ فِي ضَوْءِ ٱلْقِيَامَةِ، حَيْثُ يُدْرِكُونَ مِلْءَ سِرِّ شَخْصِهِ وَرِسَالَتِهِ.

 

27 "وَوَصَلَ عِندَئِذٍ تَلَامِيذُهُ، فَعَجِبُوا مِنْ أَنَّهُ يُكَلِّمُ ٱمْرَأَةً، وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: مَاذَا تُرِيدُ؟ أَوْ لِمَاذَا تُكَلِّمُهَا؟"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "عِندَئِذٍ" إِلَى لَحْظَةٍ حَاسِمَةٍ فِي سِيَاقِ ٱلْحِوَارِ بَيْنَ يَسُوعَ وَٱلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ، حَيْثُ بَلَغَ ٱلْحِوَارُ ذِرْوَتَهُ بِإِعْلَانِ يَسُوعَ هُوِيَّتَهُ ٱلْمَسِيحَانِيَّةَ: "أَنَا هُوَ، أَنَا ٱلَّذِي يُكَلِّمُكِ" (يوحنا 4: 26). وَفِي هٰذِهِ ٱللَّحْظَةِ نَفْسِهَا يَصِلُ ٱلتَّلَامِيذُ، فَيَنْتَقِلُ ٱلْمَشْهَدُ مِنْ حِوَارٍ خَاصٍّ إِلَى مَشْهَدٍ جَمَاعِيٍّ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَوَصَلَ عِندَئِذٍ تَلَامِيذُهُ" فَتُشِيرُ إِلَى عَوْدَةِ ٱلتَّلَامِيذِ مِنَ ٱلْمَدِينَةِ، حَيْثُ كَانُوا قَدْ ذَهَبُوا لِيَبْتَاعُوا طَعَامًا (يوحنا 4: 8). وَبِوُصُولِهِمْ يَنْقَطِعُ ٱلْحِوَارُ، فَتَنْصَرِفُ ٱلْمَرْأَةُ بَعْدَ قَلِيلٍ لِتَحْمِلَ شَهَادَتَهَا إِلَى أَهْلِ مَدِينَتِهَا.

 

وَتُبَيِّنُ عِبَارَةُ "فَعَجِبُوا مِنْ أَنَّهُ يُكَلِّمُ ٱمْرَأَةً" دَهْشَةَ ٱلتَّلَامِيذِ، لِأَنَّ يَسُوعَ خَالَفَ هُنَا عَادَاتٍ ٱجْتِمَاعِيَّةً وَدِينِيَّةً سَائِدَةً فِي ٱلْمُجْتَمَعِ ٱلْيَهُودِيِّ. فَفِي ذٰلِكَ ٱلزَّمَانِ لَمْ يَكُنْ مِنَ ٱلْمَقْبُولِ أَنْ يُحَادِثَ رَجُلٌ ٱمْرَأَةً فِي ٱلطَّرِيقِ، وَخُصُوصًا إِذَا كَانَ رَجُلًا مُعَلِّمًا دِينِيًّا (رَبِّي)، وَالأَكْثَرُ مِنْ ذٰلِكَ أَنْ تَكُونَ ٱلْمَرْأَةُ سَامِرِيَّةً، فَالعَلاَقَاتُ بَيْنَ ٱلْيَهُودِ وَٱلسَّامِرِيِّينَ كَانَتْ مَشُوبَةً بِٱلْعَدَاوَةِ وَٱلِازْدِرَاءِ (يوحنا 4: 9). وَقَدْ عَكَسَتْ بَعْضُ ٱلتَّقَالِيدِ ٱلرَّبَّانِيَّةِ نَظْرَةً مُتَدَنِّيَةً لِلْمَرْأَةِ فِي ٱلْمُجْتَمَعِ، حَتَّى وَرَدَ فِي بَعْضِ صَلَوَاتِ ٱلْيَهُودِ قَوْلٌ يُنْسَبُ إِلَى ٱلتَّقْلِيدِ: "أَشْكُرُكَ يَا رَبُّ لِأَنَّكَ لَمْ تَخْلُقْنِي ٱمْرَأَةً وَلَا أَمَمِيًّا وَلَا عَبْدًا". وَفِي ضَوْءِ هٰذِهِ ٱلْخَلْفِيَّةِ يُفْهَمُ تَعَجُّبُ ٱلتَّلَامِيذِ مِنْ سُلُوكِ يَسُوعَ.

 

وَمَعَ ذٰلِكَ، تُضِيفُ ٱلآيَةُ: "وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: مَاذَا تُرِيدُ؟ أَوْ لِمَاذَا تُكَلِّمُهَا؟"، وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى ٱحْتِرَامِهِمْ لِسُلْطَانِ يَسُوعَ وَثِقَتِهِمْ بِأَنَّ مَا يَفْعَلُهُ يَنْسَجِمُ مَعَ إِرَادَةِ ٱلآبِ. فَعَلَى ٱلرَّغْمِ مِنْ دَهْشَتِهِمْ، لَمْ يَجْرُؤُوا عَلَى مُحَاسَبَتِهِ أَوِ ٱلِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ. وَمِنَ ٱلنَّاحِيَةِ ٱللَّاهُوتِيَّةِ، يَكْشِفُ هٰذَا ٱلْمَشْهَدُ أَنَّ يَسُوعَ جَاءَ لِيَكْسِرَ حُدُودَ ٱلْعُزْلَةِ ٱلِاجْتِمَاعِيَّةِ وَٱلدِّينِيَّةِ، وَلِيُعِيدَ ٱلْخَاطِئَ إِلَى شَرِكَةِ ٱلْخَلَاصِ. فَهُوَ لَا يَتَرَدَّدُ فِي مُخَاطَبَةِ ٱمْرَأَةٍ، وَلَا فِي مُحَاوَرَةِ سَامِرِيَّةٍ، بَلْ يَجْعَلُهَا أَوَّلَ مَنْ يَتَلَقَّى إِعْلَانَهُ ٱلْمَسِيحَانِيَّ فِي هٰذَا ٱلْإِنْجِيلِ. وَهٰذَا ٱلْمَنْظُورُ نَفْسُهُ سَتَتَبَنَّاهُ ٱلْكَنِيسَةُ ٱلأُولَى، كَمَا يُعَبِّرُ ٱلرَّسُولُ بُولُسُ: "لَيْسَ هُنَاكَ يَهُودِيٌّ وَلَا يُونَانِيٌّ، وَلَيْسَ هُنَاكَ عَبْدٌ وَلَا حُرٌّ، وَلَيْسَ هُنَاكَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لِأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ" (غلاطية 3: 28). وَبِهٰذَا يَكْشِفُ ٱلْمَشْهَدُ أَنَّ رِسَالَةَ يَسُوعَ تَتَجَاوَزُ ٱلْحُدُودَ ٱلْعِرْقِيَّةَ وَٱلِاجْتِمَاعِيَّةَ، فَهُوَ يَجْمَعُ ٱلْجَمِيعَ فِي أُفُقِ ٱلْخَلَاصِ، وَيُنْتَزِعُ ٱلْإِنْسَانَ مِنْ عُزْلَتِهِ وَخَطِيئَتِهِ لِيُدْخِلَهُ فِي شَرِكَةِ ٱلْحَيَاةِ مَعَ ٱللهِ.

 

28"فَتَرَكَتِ ٱلْمَرْأَةُ جَرَّتَهَا، وَذَهَبَتْ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ وَقَالَتْ لِلنَّاسِ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَتَرَكَتِ ٱلْمَرْأَةُ جَرَّتَهَا" إِلَى لَيْسَ ذِكْرُ تَفْصِيلًا عَرَضِيًّا، بَلْ هُوَ رَمْزٌ لِلتَّغْيِيرِ الدَّاخِلِيِّ فِي حَيَاةِ ٱلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ. فَهِيَ الَّتِي جَاءَتْ إِلَى ٱلْبِئْرِ لِتَسْتَقِيَ مَاءً جَسَدِيًّا، لَمْ تَعُدْ تَحْتَاجُ إِلَى ذٰلِكَ المَاءِ بَعْدَ أَنْ لَقِيَتْ يَسُوعَ وَتَذَوَّقَتْ مَاءَ ٱلْحَيَاةِ الَّذِي وَعَدَ بِهِ: "ٱلْمَاءُ ٱلَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ نَبْعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (يوحنا 4: 14). فَالجَرَّةُ الَّتِي جَاءَتْ مِنْ أَجْلِهَا لَمْ تَعُدْ هِيَ الأَهَمَّ، لِأَنَّهَا وَجَدَتِ المَاءَ الحَيَّ الَّذِي يَرْوِي عَطَشَ النَّفْسِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوس عَلَى تَرْكِهَا الجَرَّةَ قَائِلًا: "تَرَكَتِ المَرْأَةُ جَرَّتَهَا، لأَنَّهَا وَجَدَتْ مَاءً لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِنَاء". فَقَدْ تَحَوَّلَتْ مِنْ بَاحِثَةٍ عَنِ المَاءِ إِلَى شَاهِدَةٍ لِيَنْبُوعِ الحَيَاةِ وَيُضيف القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ عَلَى هٰذِهِ اللَّحْظَةِ قَائِلًا: "تَرَكَتْ جَرَّتَهَا، أَيْ تَرَكَتْ شَهَوَاتِهَا الأَرْضِيَّةَ، وَانْطَلَقَتْ تُبَشِّرُ بِالَّذِي مَلَأَ قَلْبَهَا"(العِظَاتُ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، العظة 1).

 

وَتَحْمِلُ "ٱلْجَرَّةُ "هُنَا بُعْدًا رَمْزِيًّا لَاهُوتِيًّا، فَتَرْكُهَا يُعَبِّرُ عَنْ تَرْكِ ٱلْحَيَاةِ ٱلْقَدِيمَةِ وَٱلِانْفِتَاحِ عَلَى حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ فِي ٱلْمَسِيحِ. فَكَمَا تَرَكَ ٱلرُّسُلُ شِبَاكَهُمْ حَالًا عِنْدَمَا دَعَاهُم يَسُوعُ: "فَتَرَكُوا شِبَاكَهُمْ لِلْوَقْتِ وَتَبِعُوهُ" (مرقس 1: 18)،
كَذٰلِكَ تَرَكَتِ ٱلْمَرْأَةُ جَرَّتَهَا، أَيْ تَرَكَتْ مَاضِيَهَا وَاهْتِمَامَاتِهَا ٱلْقَدِيمَةَ لِتَدْخُلَ فِي مَسِيرَةِ ٱلإِيمَانِ. وَيُعَلِّقُ ٱلْعَلَّامَةُ أُورِيجَانُوس عَلَى هٰذَا ٱلْمَشْهَدِ قَائِلًا:"لَعَلَّهَا تَرَكَتْ جَرَّةَ ٱلْمَاءِ ٱلَّتِي كَانَتْ فِي بِئْرٍ تَعْتَزُّ بِعُمْقِهِ، أَيْ بِٱلتَّعَالِيمِ ٱلَّتِي كَانَتْ تَعْتَمِدُ عَلَيْهَا، إِذِ ٱحْتَقَرَتِ ٱلأَفْكَارَ ٱلَّتِي سَبَقَ أَنْ قَبِلَتْهَا، وَتَقَبَّلَتْ جَرَّةً أَفْضَلَ تَحْوِي مَاءَ ٱلْحَيَاةِ ٱلْأَبَدِيَّةِ". وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى هٰذِهِ ٱلْجَرَّةِ فِي ضَوْءِ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا كُلِّهِ، يُمْكِنُ أَنْ نَرَى صِلَةً رَمْزِيَّةً بَيْنَهَا وَبَيْنَ ٱلْجِرَارِ ٱلسِّتَّةِ فِي عُرْسِ قَانَا ٱلْجَلِيلِ (يوحنا 2: 6)، حَيْثُ يَحَوِّلُ يَسُوعُ ٱلْمَاءَ إِلَى خَمْرٍ جَدِيدٍ. فَفِي كِلَا ٱلْمَشْهَدَيْنِ يَظْهَرُ أَنَّ ٱلْمَسِيحَ يُحَوِّلُ ٱلْمَاءِ ٱلْعَادِيَّ إِلَى عَطِيَّةٍ خَلَاصِيَّةٍ تَمْلَأُ ٱلْإِنْسَانَ حَيَاةً جَدِيدَةً. وَبِهٰذَا يَلْتَقِي ٱلْيَهُودُ وَٱلسَّامِرِيُّونَ فِي وَلِيمَةِ ٱلْخَلَاصِ ٱلَّتِي يُقَدِّمُهَا ٱلْمَسِيحُ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَذَهَبَتْ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ وَقَالَتْ لِلنَّاسِ" فَتُشِيرُ إِلَى تَحَوُّلِ ٱلْمَرْأَةِ مِنْ مُسْتَمِعَةٍ إِلَى مُبَشِّرَةٍ. فَبَعْدَ لِقَائِهَا بِيَسُوعَ، لَمْ تَحْتَفِظْ بِٱلْخَبَرِ لِنَفْسِهَا، بَلْ أَسْرَعَتْ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْبِرَ ٱلنَّاسَ بِمَا حَدَثَ. وَبِهٰذَا تَصِيرُ أَوَّلَ مُبَشِّرَةٍ فِي أَرْضِ ٱلسَّامِرَةِ، سَابِقَةً حَتَّى إِلَى كِرَازَةِ فِيلِبُّسَ فِي ٱلسَّامِرَةِ (أعمال الرسل 8). وَمِنَ ٱلنَّاحِيَةِ ٱلرُّوحِيَّةِ، يَكْشِفُ هٰذَا ٱلْمَشْهَدُ قَانُونًا أَسَاسِيًّا فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلْمَسِيحِيَّةِ: مَنْ يَلْتَقِي بِٱلْمَسِيحِ حَقًّا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْتَفِظَ بِهٰذَا ٱلِٱكْتِشَافِ لِنَفْسِهِ، بَلْ يَشْعُرُ بِدَافِعٍ دَاخِلِيٍّ لِيُخْبِرَ ٱلْآخَرِينَ. وَهٰذَا مَا عَبَّرَ عَنْهُ ٱلرَّسُولُ بُولُسُ قَائِلًا: "إِذَا بَشَّرْتُ فَلَيْسَ لِي فَخْرٌ، لِأَنَّهُ وُجُوبٌ عَلَيَّ، فَوَيْلٌ لِي إِنْ لَمْ أُبَشِّرْ" (1 قورنتس 9: 16). وَهٰكَذَا يَظْهَرُ تَحَوُّلُ ٱلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ بِوُضُوحٍ: فَبَعْدَ أَنْ كَانَتْ تَتَجَنَّبُ ٱلنَّاسَ وَتَأْتِي إِلَى ٱلْبِئْرِ فِي وَقْتِ ٱلظَّهِيرَةِ، أَصْبَحَتْ تَذْهَبُ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ نَفْسِهَا لِتَدْعُو ٱلنَّاسَ إِلَى ٱلْمَسِيحِ. فَالَّتِي كَانَتْ هَارِبَةً مِنَ ٱلْمُجْتَمَعِ صَارَتْ شَاهِدَةً لِلْخَلَاصِ فِيهِ. وَبِهٰذَا يَكُونُ يَسُوعُ قَدْ زَرَعَ كَلِمَةَ ٱلْخَلَاصِ فِي ٱلسَّامِرَةِ، وَسَيَأْتِي ٱلتَّلَامِيذُ بَعْدَ ذٰلِكَ لِيَحْصُدُوا ثِمَارَ هٰذِهِ ٱلْبِذْرَةِ (يوحنا 4: 36–38). فَٱلْبِئْرُ ٱلَّذِي جَاءَتْ إِلَيْهِ ٱلْمَرْأَةُ لِتَسْتَقِيَ مَاءً، أَصْبَحَ مَكَانًا لِبِدَايَةِ رِسَالَةِ ٱلْخَلَاصِ فِي أَرْضِ ٱلسَّامِرِيِّينَ.

 

29 "هَلُمُّوا فَٱنْظُرُوا رَجُلًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَتُرَاهُ ٱلْمَسِيحَ؟"

 

 تُشِيرُ عِبَارَةُ "هَلُمُّوا فَٱنْظُرُوا" إِلَى رَغْبَةِ ٱلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ فِي أَنْ تُشَارِكَ ٱلآخَرِينَ ٱلْخَبَرَ ٱلَّذِي ٱخْتَبَرَتْهُ. فَهِيَ لَمْ تَحْتَفِظْ بِلِقَائِهَا مَعَ يَسُوعَ لِنَفْسِهَا، بَلْ دَعَتْ أَبْنَاءَ مَدِينَتِهَا لِيَأْتُوا وَيَرَوْا بِأَنْفُسِهِمْ. وَتُذَكِّرُ هٰذِهِ ٱلدَّعْوَةُ بِأُسْلُوبِ ٱلْإِنْجِيلِ فِي بَدَايَتِهِ، حَيْثُ دَعَا يَسُوعُ أَوَّلَ تِلْمِيذَيْنِ لَهُ قَائِلًا: "هَلُمَّا فَٱنْظُرَا"(يوحنا 1: 39). وَكَذٰلِكَ دَعَا فِيلِبُّسُ نَثَنَائِيلَ إِلَى ٱلِاكْتِشَافِ نَفْسِهِ: "هَلُمَّ وَٱنْظُرْ" (يوحنا 1: 46). فَتُصْبِحُ ٱلْمَرْأَةُ هُنَا تِلْمِيذَةً تَسِيرُ عَلَى نَفْسِ نَمَطِ ٱلدَّعْوَةِ ٱلْإِنْجِيلِيَّةِ: دَعْوَةٌ إِلَى ٱلِاخْتِبَارِ ٱلشَّخْصِيِّ لَا إِلَى ٱلْجِدَالِ ٱلنَّظَرِيِّ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "رَجُلًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ" فَتُشِيرُ إِلَى ٱلْتَّأْثِيرِ ٱلْعَمِيقِ ٱلَّذِي أَحْدَثَهُ لِقَاءُ يَسُوعَ فِي حَيَاةِ ٱلْمَرْأَةِ. فَهِيَ لَا تَخْجَلُ مِنْ أَنْ تَكْشِفَ مَاضِيَهَا أَمَامَ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ، بَلْ تَجْعَلُ مِنْ هٰذَا ٱلِٱخْتِبَارِ شَهَادَةً لِقُدْرَةِ يَسُوعَ عَلَى مَعْرِفَةِ ٱلْقُلُوبِ.فَٱلَّذِي كَشَفَ لَهَا خَفَايَا حَيَاتِهَا أَظْهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ مُعَلِّمٍ عَادِيٍّ، بَلْ رَجُلُ ٱللَّهِ ٱلَّذِي يَعْلَمُ مَا فِي ٱلْإِنْسَانِ (يوحنا 2: 25). وَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ يُوحَنَّا فَمُ ٱلذَّهَبِ عَلَى هٰذَا ٱلْمَوْقِفِ قَائِلًا: "إِنَّهَا لَمْ تَعُدْ تَنْظُرُ إِلَى مَا هُوَ أَرْضِيٌّ، وَلَا تَهْتَمُّ بِمَجْدٍ دُنْيَوِيٍّ أَوْ عَارٍ، بَلْ صَارَتْ مُنْشَغِلَةً بِشَيْءٍ وَاحِدٍ: بِتِلْكَ ٱلشُّعْلَةِ ٱلْمُقَدَّسَةِ ٱلْمُتَّقِدَةِ فِي قَلْبِهَا". وَيُقَارِنُ ٱلْقِدِّيسُ كِيرِلُّس ٱلْأُورُشَلِيمِيُّ بَيْنَ شَهَادَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ وَمَوْقِفِ رُؤَسَاءِ ٱلْيَهُودِ، فَيَقُولُ: "إِنَّ رَئِيسَ ٱلْكَهَنَةِ لَمْ يَعْرِفْ يَسُوعَ، أَمَّا ٱلسَّامِرِيَّةُ فَقَدْ أَعْلَنَتْهُ قَائِلَةً: هَلُمُّوا فَٱنْظُرُوا رَجُلًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ".

 

أَمَّا عِبَارَةُ "أَتُرَاهُ ٱلْمَسِيحَ؟" فَهِيَ سُؤَالٌ ٱسْتِفْهَامِيٌّ لَا يَحْمِلُ حُكْمًا قَاطِعًا، بَلْ يَفْتَحُ بَابَ ٱلْبَحْثِ وَٱلِاكْتِشَافِ. وَهُنَا تَظْهَرُ حِكْمَةُ ٱلْمَرْأَةِ فِي ٱلْكِرَازَةِ: فَهِيَ لَا تَفْرِضُ إِيمَانَهَا عَلَى ٱلآخَرِينَ، بَلْ تَدْعُوهُمْ لِيَأْتُوا وَيَفْحَصُوا بِأَنْفُسِهِمْ. وَيُعَلِّقُ ٱلْقِدِّيسُ يُوحَنَّا فَمُ ٱلذَّهَبِ عَلَى هٰذَا ٱلْأُسْلُوبِ قَائِلًا: "كَانَتِ ٱلسَّامِرِيَّةُ حَكِيمَةً فِي كِرَازَتِهَا، فَلَمْ تُلْزِمْهُمْ بِٱلإِيمَانِ بِهِ، بَلْ دَعَتْهُمْ لِيَأْتُوا وَيَنْظُرُوا وَيَتَحَقَّقُوا مِنْهُ بِأَنْفُسِهِمْ". وَمِنَ ٱلنَّاحِيَةِ ٱلرَّعَوِيَّةِ، يَكْشِفُ هٰذَا ٱلْمَشْهَدُ أَنَّ أَفْضَلَ طَرِيقَةٍ لِلشَّهَادَةِ لِلْمَسِيحِ هِيَ دَعْوَةُ ٱلآخَرِينَ لِلِّقَائِهِ، لَا فَرْضُ ٱلْقَنَاعَاتِ عَلَيْهِمْ. فَٱلْإِرْشَادُ ٱلْحَكِيمُ وَٱلدَّعْوَةُ إِلَى ٱلِاخْتِبَارِ ٱلشَّخْصِيِّ أَكْثَرُ ثَمَرًا مِنَ ٱلْجِدَالِ ٱلنَّظَرِيِّ. وَهٰكَذَا تَصِيرُ ٱلْمَرْأَةُ ٱلسَّامِرِيَّةُ جِسْرًا بَيْنَ يَسُوعَ وَأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ. فَكَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ شَخْصٍ ٱخْتَبَرَ ٱلْمَسِيحَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ بَدَايَةَ خَلَاصٍ لِكَثِيرِينَ. وَهٰكَذَا تَصِيرُ شَهَادَتُهَا ٱلْبَسِيطَةُ ٱلْوَاسِطَةَ ٱلَّتِي جَذَبَتْ أَهْلَ ٱلْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ لِيَأْتُوا إِلَى يَسُوعَ وَيَسْمَعُوا كَلَامَهُ.

 

30 "فَخَرَجُوا مِنَ ٱلْمَدِينَةِ وَسَارُوا إِلَيْهِ"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَخَرَجُوا مِنَ ٱلْمَدِينَةِ" إِلَى التَّأْثِيرِ القَوِيِّ الَّذِي أَحْدَثَتْهُ شَهَادَةُ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ فِي أَهْلِ المَدِينَةِ. فَبَعْدَ أَنْ دَعَتْهُمْ قَائِلَةً:"هَلُمُّوا فَٱنْظُرُوا رَجُلًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ" (يوحنا 4: 29)، أَيْقَظَتْ فِيهِمْ فُضُولًا رُوحِيًّا وَرَغْبَةً فِي مَعْرِفَةِ هٰذَا الرَّجُلِ الَّذِي كَشَفَ خَفَايَا القَلْبِ. فَلَمْ يَكْتَفُوا بِسَمَاعِ خَبَرِهَا، بَلْ خَرَجُوا بِأَنْفُسِهِمْ لِيَلْتَقُوا بِيَسُوعَ. وَيُبَيِّنُ هٰذَا الفِعْلُ حَرَكَةً رَمْزِيَّةً عَمِيقَةً: فَخُرُوجُهُمْ مِنَ المَدِينَةِ يُشِيرُ إِلَى خُرُوجِ الإِنْسَانِ مِنْ مَجَالِهِ القَدِيمِ نَحْوَ لِقَاءِ المَسِيحِ. فَهُمْ يَتْرُكُونَ مَكَانَهُمْ المَأْلُوفَ وَيَتَّجِهُونَ إِلَى يَسُوعَ، وَكَأَنَّ هٰذَا الخُرُوجَ هُوَ خُطْوَةٌ أُولَى فِي مَسِيرَةِ الإِيمَانِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا فَمُ الذَّهَبِ عَلَى هٰذَا المَشْهَدِ قَائِلًا:"آمَنَتِ المَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ عَلَى الفَوْرِ، وَبِذٰلِكَ ظَهَرَ أَنَّهَا أَكْثَرُ حِكْمَةً مِنْ نِيقُودِيمُس، بَلْ أَكْثَرُ شَجَاعَةً وَثَبَاتًا. فَنِيقُودِيمُس، بَعْدَ أَنْ سَمِعَ مِثْلَ هٰذِهِ الأَقْوَالِ كَثِيرًا، لَمْ يَذْهَبْ لِيَدْعُو آخَرِينَ، أَمَّا هٰذِهِ المَرْأَةُ فَقَدْ دَعَتِ الجَمِيعَ إِلَى المَسِيحِ".

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَسَارُوا إِلَيْهِ" فَتُشِيرُ إِلَى بَدَايَةِ تَجَاوُبِ أَهْلِ السَّامِرَةِ مَعَ دَعْوَةِ الخَلاَصِ. فَهُمْ لَا يَتَّجِهُونَ نَحْوَ فِكْرَةٍ أَوْ عَقِيدَةٍ، بَلْ نَحْوَ شَخْصِ يَسُوعَ نَفْسِهِ. فَالإِيمَانُ فِي الإِنْجِيلِ لَا يَقُومُ عَلَى مَعْرِفَةٍ نَظَرِيَّةٍ فَقَطْ، بَلْ عَلَى لِقَاءٍ شَخْصِيٍّ مَعَ المَسِيحِ. وَمِنَ النَّاحِيَةِ الرَّعَوِيَّةِ، يُظْهِرُ هٰذَا المَشْهَدُ قُوَّةَ الشَّهَادَةِ الشَّخْصِيَّةِ. فَامْرَأَةٌ سَامِرِيَّةٌ لَهَا مَاضٍ صَعْبٌ تَصِيرُ وَسِيلَةً لِهَدَايَةِ مَدِينَةٍ كَامِلَةٍ إِلَى المَسِيحِ. فَاللهُ لَا يَخْتَارُ الشُّهُودَ بِحَسَبِ مَاضِيهِمْ، بَلْ بِحَسَبِ القَلْبِ الَّذِي لَمَسَهُ نُورُ النِّعْمَةِ. وَهٰكَذَا تَتَحَقَّقُ مُفَارَقَةٌ جَمِيلَةٌ فِي الإِنْجِيلِ: فَٱمْرَأَةٌ كَانَتْ تَأْتِي إِلَى البِئْرِ وَحِيدَةً هَارِبَةً مِنَ النَّاسِ، أَصْبَحَتْ الآنَ قَائِدَةً رُوحِيَّةً تَقُودُ المَدِينَةَ كُلَّهَا إِلَى يَسُوعَ. فَمَنْ يَلْتَقِي بِالمَسِيحِ حَقًّا، يَصِيرُ نَفْسُهُ طَرِيقًا يَقُودُ الآخَرِينَ إِلَيْهِ.

 

31 "كَانَ تَلَامِيذُهُ خِلَالَ ذٰلِكَ يَقُولُونَ لَهُ مُلِحِّينَ: رَبِّي، كُلْ"

 

 تُشِيرُ عِبَارَةُ "خِلَالَ ذٰلِكَ" إِلَى الفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ بَيْنَ ذَهَابِ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ إِلَى المَدِينَةِ لِتُبَشِّرَ أَهْلَهَا بِيَسُوعَ، وَبَيْنَ خُرُوجِ أَهْلِ المَدِينَةِ وَمَجِيئِهِمْ إِلَيْهِ (يوحنا 4: 28–30). فِي هٰذِهِ اللَّحْظَةِ يَنْقَلِبُ مَشْهَدُ الحِوَارِ مِنْ لِقَاءٍ بَيْنَ يَسُوعَ وَالمَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ إِلَى حِوَارٍ آخَرَ بَيْنَ يَسُوعَ وَتَلَامِيذِهِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "كَانَ تَلَامِيذُهُ يَقُولُونَ لَهُ مُلِحِّينَ" فَتُشِيرُ إِلَى إِصْرَارِ التَّلَامِيذِ وَاهْتِمَامِهِمْ بِاحْتِيَاجَاتِ مُعَلِّمِهِمُ البَشَرِيَّةِ. فَهُمْ قَدْ عَادُوا مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَ أَنْ ٱبْتَاعُوا طَعَامًا (يوحنا 4: 8)، وَكَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ يَسُوعَ مُتْعَبٌ وَجَائِعٌ بَعْدَ رِحْلَةِ الطَّرِيقِ، إِذْ يَقُولُ الإِنْجِيلُ قَبْلَ ذٰلِكَ: "كَانَ يَسُوعُ قَدْ تَعِبَ مِنَ السَّفَرِ" (يوحنا 4: 6).

 

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "رَبِّي، كُلْ" إِلَى عِنَايَةِ التَّلَامِيذِ بِمُعَلِّمِهِمْ. فَكَلِمَةُ "رَبِّي" (بِالعِبْرِيَّة: רַבִּי) تَعْنِي "مُعَلِّمِي" أَو "سَيِّدِي"، وَهِيَ لَقَبٌ كَانَ يُسْتَعْمَلُ لِمُخَاطَبَةِ المُعَلِّمِينَ الدِّينِيِّينَ. وَبِهٰذَا يُظْهِرُ التَّلَامِيذُ احْتِرَامَهُمْ وَمَحَبَّتَهُمْ لِيَسُوعَ وَرَغْبَتَهُمْ فِي أَنْ يَسْتَعِيدَ قُوَّتَهُ الجَسَدِيَّةَ بِالطَّعَامِ. وَمِنَ النَّاحِيَةِ اللاَّهُوتِيَّةِ، يَكْشِفُ هٰذَا المَشْهَدُ تَبَايُنًا بَيْنَ اهْتِمَامِ التَّلَامِيذِ بِالطَّعَامِ الجَسَدِيِّ وَبَيْنَ اهْتِمَامِ يَسُوعَ بِالغِذَاءِ الرُّوحِيِّ. فَبَيْنَمَا يَنْشَغِلُ التَّلَامِيذُ بِحَاجَاتِ الجَسَدِ، كَانَ يَسُوعُ مُنْشَغِلًا بِإِتْمَامِ رِسَالَةِ الخَلاَصِ. وَلِذٰلِكَ سَيُجِيبُهُمْ بَعْدَ قَلِيلٍ قَائِلًا:"إِنَّ لِي طَعَامًا لِآكُلَ لَا تَعْرِفُونَهُ أَنْتُمْ" (يوحنا 4: 32).  وَهٰكَذَا يُمَهِّدُ هٰذَا القَوْلُ لِلتَّعْلِيمِ الَّذِي سَيُقَدِّمُهُ يَسُوعُ حَوْلَ الغِذَاءِ الحَقِيقِيِّ، الَّذِي لَيْسَ طَعَامَ الجَسَدِ بَلْ إِتْمَامَ مَشِيئَةِ الآبِ وَإِنْجَازَ عَمَلِهِ الخَلاَصِيِّ فِي العَالَمِ. فَبَيْنَمَا يَدْعُوهُ التَّلَامِيذُ لِيَأْكُلَ، كَانَ يَسُوعُ قَدْ وَجَدَ شَبَعَهُ الرُّوحِيَّ فِي خِدْمَةِ الخَلاَصِ الَّتِي بَدَأَتْ ثِمَارُهَا تَظْهَرُ فِي خُرُوجِ أَهْلِ السَّامِرَةِ لِلِّقَائِهِ.

 

32 "فَقَالَ لَهُمْ: لِي طَعَامٌ آكُلُهُ أَنْتُمْ لَا تَعْرِفُونَهُ".

 

 تُشِيرُ عِبَارَةُ "لِي طَعَامٌ آكُلُهُ أَنْتُمْ لَا تَعْرِفُونَهُ" إِلَى بُعْدٍ رُوحِيٍّ أَعْمَقَ مِنَ الطَّعَامِ الجَسَدِيِّ الَّذِي فَهِمَهُ التَّلَامِيذُ. فَبَيْنَمَا كَانُوا يَفَكِّرُونَ فِي الطَّعَامِ المَادِّيِّ الَّذِي جَلَبُوهُ مِنَ المَدِينَةِ، كَانَ يَسُوعُ يَتَحَدَّثُ عَنْ غِذَاءٍ رُوحِيٍّ يَمْلَأُ كِيَانَهُ وَيُشْبِعُ رِسَالَتَهُ. وَسَيُوَضِّحُ يَسُوعُ هٰذَا المَعْنَى بَعْدَ قَلِيلٍ قَائِلًا: "طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ بِمَشِيئَةِ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأَنْ أُتِمَّ عَمَلَهُ"(يوحنا 4: 34). فَالطَّعَامُ الَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنْهُ يَسُوعُ هُوَ إِتْمَامُ مَشِيئَةِ الآبِ وَخَلاَصُ النُّفُوسِ. وَقَدْ ظَلَّ التَّلَامِيذُ فِي هٰذِهِ اللَّحْظَةِ عَلَى مُسْتَوَى الفَهْمِ الحِسِّيِّ، غَيْرَ مُدْرِكِينَ أَنَّ يَسُوعَ يَعِيشُ مِنْ عَمَلِ الخَلاَصِ الَّذِي أُرْسِلَ لِأَجْلِهِ. وَيُعَلِّقُ العَلَّامَةُ أُورِيجَانُوس عَلَى هٰذَا النَّصِّ قَائِلًا:"إِنَّ طَعَامَ المَسِيحِ، الَّذِي لَمْ يَكُنِ التَّلَامِيذُ يَعْرِفُونَهُ آنَذَاكَ، هُوَ أَنْ يَفْعَلَ إِرَادَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَهُ وَأَنْ يُتِمَّ عَمَلَهُ. فَإِرَادَةُ الآبِ وَإِرَادَةُ الابْنِ وَاحِدَةٌ".وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوس هٰذَا المَعْنَى قَائِلًا: "إِنَّ طَعَامَ المَسِيحِ هُوَ أَنْ يُتِمَّ إِرَادَةَ الآبِ. وَأَيُّ طَعَامٍ أَعْذَبُ لِلنَّفْسِ مِنْ أَنْ تَعْمَلَ مَشِيئَةَ اللهِ؟". أَمَّا القِدِّيسُ إِيرُونِيمُوس فَيُفَسِّرُ هٰذَا المَوْقِفَ قَائِلًا: "كَانَ الرَّبُّ جَالِسًا جَائِعًا وَعَطْشَانًا، لَكِنَّهُ ٱقْتَاتَ بِإِيمَانِ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ". فَإِيمَانُهَا وَتَحَوُّلُهَا الرُّوحِيُّ أَعْطَيَا لِيَسُوعَ فَرَحًا وَشِبَعًا يَفُوقَانِ كُلَّ طَعَامٍ جَسَدِيٍّ. وَمِنَ النَّاحِيَةِ الرُّوحِيَّةِ، يُظْهِرُ هٰذَا المَشْهَدُ أَنَّ خِدْمَةَ الخَلاَصِ تَمْلَأُ قَلْبَ يَسُوعَ إِلَى حَدٍّ تَنْسَحِبُ مَعَهُ الحَاجَاتُ الجَسَدِيَّةُ. فَبَيْنَمَا كَانَ جَسَدُهُ مُتْعَبًا مِنَ السَّفَرِ وَجَائِعًا، كَانَ قَلْبُهُ مَمْلُوءًا فَرَحًا بِخَلاَصِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ. وَهٰذَا يُكْشِفُ قَدْرَ قِيمَةِ الإِنْسَانِ فِي عَيْنَيِ المَسِيحِ: فَالنَّفْسُ البَشَرِيَّةُ أَغْلَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَمِنَ المَنْظُورِ الرَّمْزِيِّ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، إِذَا كَانَ المَاءُ الَّذِي وَعَدَ بِهِ يَسُوعُ يَرْمُزُ إِلَى المَعْمُودِيَّةِ وَعَطِيَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ (يوحنا 4: 14)، فَإِنَّ الطَّعَامَ الَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنْهُ هُنَا يَفْتَحُ الأُفُقَ نَحْوَ سِرِّ الإِفْخَارِسْتِيَّا، الَّذِي فِيهِ يَصِيرُ المَسِيحُ نَفْسُهُ غِذَاءَ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ (يوحنا 6: 35). َفِي هٰذَا السِّيَاقِ يَرْتَبِطُ الطَّعَامُ أَيْضًا بِصُورَةِ الحَصَادِ الرُّوحِيِّ الَّذِي سَيَتَحَدَّثُ عَنْهُ يَسُوعُ بَعْدَ قَلِيلٍ (يوحنا 4: 35–36). وَهٰكَذَا يَكْشِفُ هٰذَا القَوْلُ قَلْبَ رِسَالَةِ يَسُوعَ: فَحَيَاتُهُ كُلُّهَا هِيَ طَاعَةٌ لِلآبِ وَخِدْمَةٌ لِخَلاَصِ الإِنْسَانِ. فَكُلُّ نَفْسٍ تَلْتَقِي بِالمَسِيحِ وَتَجِدُ الخَلاَصَ تَصِيرُ لَهُ فَرَحًا وَغِذَاءً رُوحِيًّا، لِأَنَّهُ جَاءَ "لِيَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (لوقا 19: 10).

 

33 "فَأَخَذَ ٱلتَّلَامِيذُ يَتَسَاءَلُونَ: هَلْ جَاءَهُ أَحَدٌ بِمَا يُؤْكَلُ؟"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَأَخَذَ ٱلتَّلَامِيذُ يَتَسَاءَلُونَ" إِلَى حَالَةِ الحَيْرَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا التَّلَامِيذُ بَعْدَ قَوْلِ يَسُوعَ: "لِي طَعَامٌ آكُلُهُ أَنْتُمْ لَا تَعْرِفُونَهُ" (يوحنا 4: 32). فَهُمْ لَمْ يُدْرِكُوا بَعْدُ البُعْدَ الرُّوحِيَّ لِكَلَامِهِ، بَلْ بَقُوا فِي مُسْتَوَى الفَهْمِ الحِسِّيِّ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "هَلْ جَاءَهُ أَحَدٌ بِمَا يُؤْكَلُ؟" فَتُعَبِّرُ عَنْ تَفْسِيرِ التَّلَامِيذِ لِكَلَامِ يَسُوعَ تَفْسِيرًا حَرْفِيًّا مَادِّيًّا. فَهُمْ ظَنُّوا أَنَّ أَحَدًا قَدْ أَحْضَرَ لَهُ طَعَامًا دُونَ عِلْمِهِمْ، وَلَمْ يَفْهَمُوا أَنَّ يَسُوعَ كَانَ يَتَحَدَّثُ عَنْ طَعَامٍ رُوحِيٍّ يَتَمَثَّلُ فِي إِتْمَامِ مَشِيئَةِ الآبِ وَخَلاَصِ النُّفُوسِ. وَيُظْهِرُ هٰذَا المَشْهَدُ أَحَدَ الأَسَالِيبِ التَّعْلِيمِيَّةِ المُمَيَّزَةِ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، وَهُوَ سُوءُ الفَهْمِ الَّذِي يَقُودُ إِلَى كَشْفِ مَعْنًى رُوحِيٍّ أَعْمَقَ. فَكَثِيرًا مَا يَتَحَدَّثُ يَسُوعُ بِلُغَةٍ رَمْزِيَّةٍ، فَيَفْهَمُهَا السَّامِعُونَ فَهْمًا حَرْفِيًّا، ثُمَّ يَكْشِفُ لَهُمْ المَعْنَى الحَقِيقِيَّ. وَقَدْ حَدَثَ ذٰلِكَ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى مِنَ الإِنْجِيلِ، مِثْلَ: سُوءِ فَهْمِ نِيقُودِيمُس لِكَلَامِ يَسُوعَ عَنِ الوِلَادَةِ الجَدِيدَةِ (يوحنا 3: 4)، سُوءِ فَهْمِ السَّامِرِيَّةِ لِكَلَامِهِ عَنِ المَاءِ الحَيِّ (يوحنا 4: 11)، سُوءِ فَهْمِ الجُمُوعِ لِكَلَامِهِ عَنِ خُبْزِ الحَيَاةِ (يوحنا 6: 34). وَمِنَ النَّاحِيَةِ اللاَّهُوتِيَّةِ، يَكْشِفُ هٰذَا السُّؤَالُ أَنَّ التَّلَامِيذَ كَانُوا لَا يَزَالُونَ فِي مَرْحَلَةِ النُّمُوِّ فِي فَهْمِ سِرِّ رِسَالَةِ يَسُوعَ. فَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى الحَاجَاتِ الجَسَدِيَّةِ، أَمَّا يَسُوعُ فَيَنْظُرُ إِلَى خُطَّةِ الخَلاَصِ الَّتِي يَعْمَلُهَا الآبُ فِي العَالَمِ. وَبِهٰذَا السُّؤَالِ يَتَحَضَّرُ المَشْهَدُ لِلتَّعْلِيمِ الَّذِي سَيُقَدِّمُهُ يَسُوعُ بَعْدَ قَلِيلٍ، حَيْثُ سَيُوَضِّحُ لَهُمْ أَنَّ طَعَامَهُ الحَقِيقِيَّ هُوَ إِتْمَامُ مَشِيئَةِ الآبِ وَإِنْجَازُ عَمَلِ الخَلاَصِ (يوحنا 4: 34)، وَأَنَّ الحَصَادَ الرُّوحِيَّ قَدْ بَدَأَ يَظْهَرُ فِي قُدُومِ أَهْلِ السَّامِرَةِ نَحْوَهُ.

 

34 "قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ بِمَشِيئَةِ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأَنْ أُتِمَّ عَمَلَهُ"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ بِمَشِيئَةِ الَّذِي أَرْسَلَنِي" إِلَى أَنَّ قُوَّةَ يَسُوعَ وَانْتِعَاشَهُ الدَّاخِلِيَّ يَنْبُعَانِ مِنْ طَاعَتِهِ الكَامِلَةِ لِلآبِ. فَكَمَا أَنَّ الطَّعَامَ الجَسَدِيَّ يُقَوِّي الإِنْسَانَ وَيَمُدُّهُ بِالحَيَاةِ، هَكَذَا كَانَ إِتْمَامُ إِرَادَةِ الآبِ هُوَ الغِذَاءَ الرُّوحِيَّ الَّذِي يُنْعِشُ قَلْبَ المَسِيحِ وَيَمْلَأُ رِسَالَتَهُ. فَيَسُوعُ لَا يَعِيشُ لِنَفْسِهِ، بَلْ لِتَحْقِيقِ مَقْصِدِ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى العَالَمِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَأَنْ أُتِمَّ عَمَلَهُ" فَتُشِيرُ إِلَى إِنْجَازِ مَشْرُوعِ الخَلاَصِ الَّذِي أَوْكَلَهُ الآبُ إِلَى الابْنِ. فَمَشِيئَةُ الآبِ هِيَ خَلاَصُ الإِنْسَانِ وَإِعَادَتُهُ إِلَى الحَيَاةِ مَعَ اللهِ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يُؤَكِّدُ الرَّسُولُ بُولُسُ هٰذِهِ الحَقِيقَةَ قَائِلًا: "إِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَخْلُصَ جَمِيعُ النَّاسِ وَيَبْلُغُوا إِلَى مَعْرِفَةِ الحَقِّ" (1 طيموثاوس 2: 4). وَيُظْهِرُ هٰذَا القَوْلُ أَنَّ يَسُوعَ يَعِيشُ فِي وَحْدَةٍ كَامِلَةٍ مَعَ إِرَادَةِ الآبِ. فَحَيَاتُهُ كُلُّهَا طَاعَةٌ وَإِتْمَامٌ لِهٰذِهِ الإِرَادَةِ، حَتَّى إِنَّ ذِرْوَتَهَا سَتَتَحَقَّقُ عَلَى الصَّلِيبِ عِنْدَمَا يَقُولُ: "قَدْ أُكْمِلَ (يوحنا 19: 30)، أَيْ إِنَّ عَمَلَ الخَلاَصِ الَّذِي أَرْسَلَهُ الآبُ لِإِنْجَازِهِ قَدْ تَمَّ. وَمِنَ النَّاحِيَةِ الرُّوحِيَّةِ، يَكْشِفُ هٰذَا القَوْلُ أَنَّ الحَيَاةَ الحَقِيقِيَّةَ لِلإِنْسَانِ تَتَحَقَّقُ فِي الطَّاعَةِ لِكَلِمَةِ اللهِ. فَالإِنْسَانُ الَّذِي خُلِقَ عَلَى صُورَةِ اللهِ لَا يَجِدُ شِبَعَهُ فِي الطَّعَامِ المَادِّيِّ فَقَطْ، بَلْ فِي كَلِمَةِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ. وَلِذٰلِكَ يَقُولُ الرَّبُّ: "لَيْسَ بِالخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ" (متى 4: 4). وَهٰكَذَا يَدْعُونَا هٰذَا النَّصُّ إِلَى أَنْ نَأْكُلَ خُبْزَ الحِكْمَةِ وَنَشْبَعَ بِكَلِمَةِ اللهِ، فَتَكُونَ مَشِيئَةُ اللهِ هِيَ قُوَّتَنَا وَغِذَاءَنَا الرُّوحِيَّ، كَمَا كَانَتْ لِلمَسِيحِ نَفْسِهِ.

 

35 "أَمَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ: هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَيَأْتِي وَقْتُ ٱلْحَصَادِ؟ وَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: ٱرْفَعُوا عُيُونَكُمْ وَٱنْظُرُوا إِلَى ٱلْحُقُولِ، فَقَدِ ٱبْيَضَّتْ لِلْحَصَادِ"

 

 تُشِيرُ عِبَارَةُ "هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَيَأْتِي وَقْتُ ٱلْحَصَادِ" إِلَى مَثَلٍ زِرَاعِيٍّ مَعْرُوفٍ عِنْدَ النَّاسِ فِي فِلَسْطِين، فَبَيْنَ زِرَاعَةِ الحَبِّ وَحَصَادِهِ نَحْوُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَيُرَجِّحُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أَنَّ هٰذَا يُشِيرُ إِلَى زَمَنِ الحَادِثَةِ، فَقَدْ تَكُونُ قَدْ وَقَعَتْ فِي مُنْتَصَفِ فَصْلِ الشِّتَاءِ، نَحْوَ مُنْتَصَفِ شَهْرِ كَانُونِ الأَوَّل، بَعْدَ أَنْ كَانَ يَسُوعُ قَدْ أَقَامَ فِي اليَهُودِيَّةِ مُدَّةً بَعْدَ عِيدٍ فِي أُورُشَلِيم (يوحنا 3: 22)، ثُمَّ غَادَرَهَا فِي طَرِيقِهِ إِلَى الجَلِيل.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "ٱرْفَعُوا عُيُونَكُمْ" فَتُشِيرُ إِلَى دَعْوَةِ يَسُوعَ لِتَلَامِيذِهِ أَنْ يَرْفَعُوا نَظَرَهُمْ مِنَ الأُمُورِ الأَرْضِيَّةِ إِلَى الحَقَائِقِ الرُّوحِيَّةِ. فَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى نَوْعٍ مِنَ البَصِيرَةِ الرُّوحِيَّةِ الَّتِي تَرَى عَمَلَ اللهِ فِي التَّارِيخِ وَفِي النُّفُوسِ. وَهٰذَا يَتَنَاغَمُ مَعَ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ أَشَعْيَا:"اِرْفَعُوا عُيُونَكُمْ إِلَى العَلاءِ وَٱنْظُرُوا مَنْ خَلَقَ هٰذا" (أشعيا 40: 26).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "ٱنْظُرُوا إِلَى ٱلْحُقُولِ فَقَدِ ٱبْيَضَّتْ لِلْحَصَادِ" فَتُشِيرُ فِي مَعْنَاهَا الحَرْفِيِّ إِلَى لَوْنِ الحِنْطَةِ عِنْدَمَا تَنضُجُ وَتَصِيرُ جَاهِزَةً لِلْحَصَادِ. أَمَّا فِي مَعْنَاهَا الرَّمْزِيِّ، فَإِنَّ يَسُوعَ لَا يَتَحَدَّثُ عَنْ حَصَادِ القَمْحِ، بَلْ عَنْ حَصَادِ النُّفُوسِ. فَالحُقُولُ هِيَ العَالَمُ، وَالحَصَادُ هُوَ قُبُولُ النَّاسِ لِبِشَارَةِ الخَلاَصِ. وَيَبْدُو أَنَّ هٰذِهِ الكَلِمَاتِ قِيلَتْ فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا السَّامِرِيُّونَ يَخْرُجُونَ مِنَ المَدِينَةِ وَيَأْتُونَ إِلَى يَسُوعَ بَعْدَ شَهَادَةِ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ (يوحنا 4: 30). فَكَأَنَّ يَسُوعَ يُشِيرُ إِلَيْهِمْ قَائِلًا إِنَّ الحَصَادَ الرُّوحِيَّ قَدْ بَدَأَ فِعْلًا. فَهَؤُلَاءِ السَّامِرِيُّونَ الَّذِينَ يَقْتَرِبُونَ هُمْ بَوَاكِيرُ الحَصَادِ الَّذِي سَيَمْتَدُّ إِلَى العَالَمِ كُلِّهِ. وَيُعَلِّقُ العَلَّامَةُ أُورِيجَانُوس عَلَى هٰذَا النَّصِّ قَائِلًا: "إِنَّ الحُقُولَ الَّتِي زُرِعَتْ فِيهَا البُذُورُ هِيَ كِتَابَاتُ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ بَقِيَتْ غَيْرَ نَاضِجَةٍ لِمَنْ لَمْ يَقْبَلُوا حُضُورَ الكَلِمَةِ. لَكِنَّهَا صَارَتْ مُهَيَّأَةً لِلْحَصَادِ لِلَّذِينَ صَارُوا تَلَامِيذَ ٱبْنِ اللهِ وَأَطَاعُوهُ". وَمِنْ هُنَا يَكْشِفُ يَسُوعُ عَنْ بُعْدٍ لاهُوتِيٍّ عَمِيقٍ: فَبَيْنَمَا يَظُنُّ النَّاسُ أَنَّ الحَصَادَ يَأْتِي بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ مِنَ الزَّرْعِ، فَإِنَّ الحَصَادَ الرُّوحِيَّ قَدْ بَدَأَ فِي حَاضِرِ الرِّسَالَةِ. فَبَيْنَ زَرْعِ الكَلِمَةِ وَحَصَادِ الإِيمَانِ قَدْ لَا يَكُونُ الفَاصِلُ طَوِيلًا. وَقَدْ تَظْهَرُ ثِمَارُ البِشَارَةِ سَرِيعًا، كَمَا حَدَثَ مَعَ السَّامِرِيِّينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِيَسُوعَ وَاعْتَرَفُوا بِهِ "مُخَلِّصَ العَالَمِ" (يوحنا 4: 42). وَهٰكَذَا يَدْعُو يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ إِلَى أَنْ يَرَوْا العَالَمَ بِعَيْنَيِ الرِّسَالَةِ، فَالحُقُولُ كَثِيرَةٌ وَالحَصَادُ عَظِيمٌ، كَمَا قَالَ أَيْضًا: «الحَصَادُ كَثِيرٌ وَالفَعَلَةُ قَلِيلُونَ"(متى 9: 37). فَإِنَّ زَمَنَ الخَلاَصِ قَدْ بَدَأَ، وَالنُّفُوسُ مُهَيَّأَةٌ لِقَبُولِ كَلِمَةِ اللهِ.

 

36 "هُوَذَا ٱلْحَاصِدُ يَأْخُذُ أُجْرَتَهُ وَيَجْمَعُ ٱلثَّمَرَ لِلْحَيَاةِ ٱلأَبَدِيَّةِ، فَيَفْرَحُ ٱلزَّارِعُ وَٱلْحَاصِدُ مَعًا"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "ٱلْحَاصِدُ" إِلَى الَّذِينَ يَقُومُونَ بِعَمَلِ البِشَارَةِ وَجَمْعِ النُّفُوسِ لِلْمَسِيحِ، وَفِي المُقَدِّمَةِ مِنْهُمْ الرُّسُلُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا لِيُبَشِّرُوا بِالمَلَكُوتِ وَيَقُودُوا النَّاسَ إِلَى الإِيمَانِ بِيَسُوعَ. فَهُمْ يَحْصُدُونَ الثِّمَارَ الرُّوحِيَّةَ الَّتِي نَضَجَتْ فِي قُلُوبِ النَّاسِ بَعْدَ زَرْعِ كَلِمَةِ اللهِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "يَأْخُذُ أُجْرَتَهُ" فَتُشِيرُ إِلَى الجَزَاءِ الإِلَهِيِّ الَّذِي يَنَالُهُ كُلُّ مَنْ يَتْعَبُ فِي خِدْمَةِ المَلَكُوتِ. فَالَّذِينَ يَبْذُلُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي سَبِيلِ البِشَارَةِ وَخَلاَصِ النُّفُوسِ يَنَالُونَ أَجْرًا عَظِيمًا عِنْدَ اللهِ، كَمَا وَعَدَ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ قَائِلًا: "أَنْتُمُ الَّذِينَ تَبِعْتُمُونِي، مَتَى جَلَسَ ٱبْنُ الإِنْسَانِ عَلَى عَرْشِ مَجْدِهِ عِنْدَمَا يُجَدَّدُ كُلُّ شَيْءٍ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا عَلَى ٱثْنَي عَشَرَ عَرْشًا لِتَدِينُوا أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ ٱلاِثْنَي عَشَرَ" (متى 19: 28). وَهٰذَا يُؤَكِّدُ مَا تَنَبَّأَ بِهِ دَانِيَالُ:"يُضِيءُ ٱلْعُقَلَاءُ كَضِيَاءِ ٱلْجَلَدِ، وَٱلَّذِينَ جَعَلُوا كَثِيرًا مِنَ ٱلنَّاسِ أَبْرَارًا كَٱلْكَوَاكِبِ أَبَدَ ٱلدُّهُورِ" (دانيال 12: 3).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "يَجْمَعُ ٱلثَّمَرَ لِلْحَيَاةِ ٱلأَبَدِيَّةِ" فَتُشِيرُ إِلَى الثِّمَارِ الرُّوحِيَّةِ الَّتِي تَنْتُجُ عَنْ عَمَلِ التَّبْشِيرِ. فَالنُّفُوسُ الَّتِي تَقْبَلُ الإِنْجِيلَ وَتَدْخُلُ فِي الإِيمَانِ بِالمَسِيحِ تَنَالُ الحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ. وَهٰكَذَا فَإِنَّ ثِمَارَ الرِّسَالَةِ لَا تَنْتَهِي فِي الزَّمَنِ الحَاضِرِ، بَلْ تَمْتَدُّ إِلَى الأَبَدِيَّةِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "ٱلزَّارِعُ" فَتُشِيرُ إِلَى الَّذِينَ سَبَقُوا فِي تَهْيِئَةِ الطَّرِيقِ لِلإِنْجِيلِ، وَخَاصَّةً الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ زَرَعُوا كَلِمَةَ اللهِ فِي تَارِيخِ الخَلاَصِ دُونَ أَنْ يَرَوْا كَامِلَ ثِمَارِهَا. فَهُمْ أَعَدُّوا الأَرْضَ لِمَجِيءِ المَسِيحِ وَرِسَالَتِهِ.

 

أَمَّا قَوْلُهُ "فَيَفْرَحُ ٱلزَّارِعُ وَٱلْحَاصِدُ مَعًا" فَيُظْهِرُ وَحْدَةَ عَمَلِ الخَلاَصِ فِي تَارِيخِ اللهِ مَعَ الإِنْسَانِ. فَالأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ زَرَعُوا، وَالرُّسُلُ الَّذِينَ حَصَدُوا، يَشْتَرِكُونَ فِي فَرَحٍ وَاحِدٍ هُوَ فَرَحُ الخَلاَصِ. فَعَمَلُ اللهِ هُوَ عَمَلٌ وَاحِدٌ مُتَكَامِلٌ، يَتَعَاوَنُ فِيهِ كَثِيرُونَ عَبْرَ الأَجْيَالِ. وَفِي هٰذِهِ الآيَةِ تَشْجِيعٌ لِكُلِّ مَنْ يَتْعَبُ فِي سَبِيلِ خِدْمَةِ الإِنْجِيلِ وَخَلاَصِ النُّفُوسِ، لِأَنَّ عَمَلَ الرَّبِّ لَا يَضِيعُ، بَلْ يَحْمِلُ ثِمَارًا أَبَدِيَّةً. وَكَمَا يُؤَكِّدُ الرَّسُولُ بُولُسُ:"فَلَا نَكِلُّ عَنِ ٱلْعَمَلِ ٱلصَّالِحِ، لِأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ لَمْ نَفْتُرْ" (غلاطية 6: 9).

 

37 "وَبِذٰلِكَ يَصْدُقُ ٱلْمَثَلُ ٱلْقَائِلُ: ٱلْوَاحِدُ يَزْرَعُ وَٱلآخَرُ يَحْصُدُ".

 

 تُشِيرُ عِبَارَةُ "يَصْدُقُ ٱلْمَثَلُ ٱلْقَائِلُ" إِلَى مَثَلٍ شَائِعٍ يُعَبِّرُ عَنْ حَقِيقَةٍ حَيَاتِيَّةٍ فِي العَمَلِ الزِّرَاعِيِّ، حَيْثُ قَدْ يَزْرَعُ شَخْصٌ وَيَأْتِي آخَرُ لِيَحْصُدَ ثِمَارَ تَعَبِهِ. وَيَسْتَعْمِلُ يَسُوعُ هٰذَا المَثَلَ لِيُوَضِّحَ حَقِيقَةً رُوحِيَّةً فِي تَارِيخِ الخَلاَصِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "ٱلْوَاحِدُ يَزْرَعُ وَٱلآخَرُ يَحْصُدُ" فَتُشِيرُ إِلَى تَكَامُلِ الأَدْوَارِ فِي عَمَلِ اللهِ عَبْرَ الأَجْيَالِ. فَالَّذِينَ زَرَعُوا هُمْ الَّذِينَ عَمِلُوا فِي زَمَنِ العَهْدِ القَدِيمِ، وَخَاصَّةً الأَنْبِيَاءُ وَالأَبَاءُ الَّذِينَ هَيَّأُوا الطَّرِيقَ لِمَجِيءِ المَسِيحِ، وَغَرَسُوا فِي قُلُوبِ الشَّعْبِ الرَّجَاءَ فِي الخَلاَصِ المُنْتَظَرِ. أَمَّا الَّذِينَ "يَحْصُدُونَ" فَهُمُ الرُّسُلُ وَالمُبَشِّرُونَ فِي زَمَنِ العَهْدِ الجَدِيدِ، الَّذِينَ جَمَعُوا ثِمَارَ مَا زَرَعَهُ الأَنْبِيَاءُ وَتَحَقَّقَ فِي شَخْصِ يَسُوعَ المَسِيحِ. فَالرُّسُلُ لَمْ يَبْدَؤُوا العَمَلَ مِنَ الصِّفْرِ، بَلْ دَخَلُوا إِلَى تَعَبِ الَّذِينَ سَبَقُوهُمْ فِي مَسِيرَةِ تَارِيخِ الخَلاَصِ. وَيُعَلِّقُ العَلَّامَةُ أُورِيجَانُوس عَلَى هٰذِهِ الحَقِيقَةِ قَائِلًا: "كِلَاهُمَا يَفْرَحَانِ مَعًا، لِأَنَّ لَهُمَا هَدَفًا وَاحِدًا مِنَ اللهِ الوَاحِدِ، بِيَسُوعَ المَسِيحِ الوَاحِدِ، وَفِي الرُّوحِ القُدُسِ الوَاحِدِ".  فَعَمَلُ الخَلاَصِ لَيْسَ عَمَلًا مُنْفَصِلًا بَيْنَ العَهْدَيْنِ، بَلْ هُوَ مَسِيرَةٌ وَاحِدَةٌ مُتَكَامِلَةٌ يَعْمَلُ فِيهَا اللهُ عَبْرَ التَّارِيخِ. فَمَا زَرَعَهُ الأَنْبِيَاءُ مِنْ وَعْدٍ وَرَجَاءٍ، جَاءَ المَسِيحُ لِيُحَقِّقَهُ، وَجَاءَ الرُّسُلُ لِيَجْمَعُوا ثِمَارَهُ فِي الإِيمَانِ. وَهٰكَذَا يُظْهِرُ يَسُوعُ أَنَّ الرِّسَالَةَ الإِنْجِيلِيَّةَ هِيَ عَمَلٌ مُشْتَرَكٌ عَبْرَ الأَجْيَالِ: فَبَعْضُهُمْ يَزْرَعُ، وَبَعْضُهُمْ يَحْصُدُ، وَلٰكِنَّ الجَمِيعَ يَشْتَرِكُونَ فِي الفَرَحِ الوَاحِدِ، لِأَنَّ الحَصَادَ هُوَ ثِمَارُ عَمَلِ اللهِ فِي قُلُوبِ النَّاسِ.

 

38 "إِنِّي أَرْسَلْتُكُمْ لِتَحْصُدُوا مَا لَمْ تَتْعَبُوا فِيهِ. فَغَيْرُكُمْ تَعِبُوا وَأَنْتُمْ دَخَلْتُمْ فِيمَا تَعِبُوا فِيهِ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "إِنِّي أَرْسَلْتُكُمْ لِتَحْصُدُوا مَا لَمْ تَتْعَبُوا فِيهِ" إِلَى إِرْسَالِيَّةِ التَّلَامِيذِ فِي رِسَالَةِ البِشَارَةِ. فَهُمْ مُرْسَلُونَ لِيَجْمَعُوا ثِمَارَ الإِيمَانِ الَّتِي نَضَجَتْ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، لَكِنَّ هٰذِهِ الثِّمَارَ لَمْ تَكُنْ نَتِيجَةَ جُهْدِهِمْ وَحْدَهُمْ، بَلْ هِيَ ثَمَرَةُ عَمَلٍ طَوِيلٍ سَبَقَهُمْ فِي تَارِيخِ الخَلاَصِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "فَغَيْرُكُمْ تَعِبُوا" فَتُشِيرُ إِلَى الَّذِينَ سَبَقُوا فِي زَرْعِ كَلِمَةِ اللهِ وَتَهْيِئَةِ الطَّرِيقِ لِمَجِيءِ المَسِيحِ، وَفِي المُقَدِّمَةِ مِنْهُمْ أَنْبِيَاءُ العَهْدِ القَدِيمِ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا التَّعَبَ وَالآلَامَ فِي سَبِيلِ إِعْلَانِ مَشِيئَةِ اللهِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَى ذٰلِكَ الرَّسُولُ فِي الرِّسَالَةِ إِلَى العِبْرَانِيِّينَ (عبرانيين 11: 35–40). وَيُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ يَشْمَلَ هٰذَا التَّعَبَ خِدْمَةَ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ الَّذِي هَيَّأَ الشَّعْبَ لِمَجِيءِ المَسِيحِ وَدَعَا إِلَى التَّوْبَةِ وَالاسْتِعْدَادِ لِمَلَكُوتِ اللهِ. فَقَدْ كَانَ العَمَلُ الأَصْعَبُ هُوَ زَرْعُ البِذَارِ وَتَهْيِئَةُ القُلُوبِ لِمَعْرِفَةِ اللهِ. وَهٰذَا مَا قَامَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ وَالمُرْسَلُونَ قَبْلَ المَسِيحِ، إِذْ غَرَسُوا فِي النُّفُوسِ الرَّجَاءَ فِي الخَلاَصِ وَهَيَّأُوا الشَّعْبَ لِاسْتِقْبَالِ المَسِيحِ المُنْتَظَرِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَأَنْتُمْ دَخَلْتُمْ فِيمَا تَعِبُوا فِيهِ" فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ التَّلَامِيذَ قَدْ أَصْبَحُوا حَصَّادِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ. فَهُمْ يَجْمَعُونَ الثِّمَارَ الَّتِي تَطَلَّبَتْ مِنَ الزارِعِينَ تَعَبًا طَوِيلًا وَآلَامًا كَثِيرَةً. وَفِي هٰذَا إِشَارَةٌ إِلَى الأَنْبِيَاء الَّذِينَ بَشَّرُوا قَبْلَهُمْ، وَإِلَى المَسِيحِ نَفْسِهِ الَّذِي أَتَى لِيُتِمَّ هٰذَا العَمَلَ وَيُهَيِّئَ الحَصَادَ. وَهٰكَذَا لَمْ يَبْقَ لِلتَّلَامِيذِ إِلَّا أَنْ يَجْنُوا ثِمَارَ العَمَلِ الَّذِي تَعِبَ فِيهِ غَيْرُهُمْ. فَالرِّسَالَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ هِيَ مَسِيرَةٌ تَارِيخِيَّةٌ مُتَكَامِلَةٌ: فَبَعْضُهُمْ يَزْرَعُ، وَبَعْضُهُمْ يَحْصُدُ، وَلٰكِنَّ الجَمِيعَ يَشْتَرِكُونَ فِي عَمَلِ اللهِ وَفِي فَرَحِ الخَلاَصِ. وَمِنْ هُنَا تَتَجَلَّى حَقِيقَةٌ لاهُوتِيَّةٌ مُهِمَّةٌ، وَهِيَ أَنَّ عَمَلَ الخَلاَصِ لَيْسَ جُهْدًا فَرْدِيًّا، بَلْ عَمَلٌ إِلَهِيٌّ مُتَصِلٌ عَبْرَ الأَجْيَالِ، يَشْتَرِكُ فِيهِ الأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ وَكُلُّ خُدَّامِ الكَلِمَةِ، لِتَجْمِيعِ الحَصَادِ الرُّوحِيِّ الَّذِي يَقُودُ النُّفُوسَ إِلَى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.

 

39 "فَآمَنَ بِهِ عَدَدٌ كَثِيرٌ مِنْ سَامِرِيِّي تِلْكَ ٱلْمَدِينَةِ عَنْ كَلَامِ ٱلْمَرْأَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ تَشْهَدُ فَتَقُولُ: إِنَّهُ قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "آمَنَ بِهِ عَدَدٌ كَثِيرٌ مِنْ سَامِرِيِّي تِلْكَ ٱلْمَدِينَةِ" إِلَى أَوَّلِ ثِمَارِ البِشَارَةِ فِي السَّامِرَةِ. فَقَدْ بَدَأَ الحَصَادُ الرُّوحِيُّ الَّذِي تَحَدَّثَ عَنْهُ يَسُوعُ قَبْلَ قَلِيلٍ (يوحنا 4: 35)، إِذْ أَقْبَلَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ عَلَى الإِيمَانِ بِهِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "عَنْ كَلَامِ ٱلْمَرْأَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ تَشْهَدُ" فَتُظْهِرُ قُوَّةَ الشَّهَادَةِ الشَّخْصِيَّةِ فِي عَمَلِ البِشَارَةِ. فَالمَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ، الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ قَلِيلٍ تَعِيشُ حَيَاةً مَلِيئَةً بِالضَّعْفِ وَالعُزْلَةِ، أَصْبَحَتْ أَوَّلَ مُبَشِّرَةٍ فِي السَّامِرَةِ. فَقَدْ جَذَبَتْ شَهَادَتُهَا أَهْلَ المَدِينَةِ لِيَأْتُوا وَيَلْتَقُوا بِيَسُوعَ. وَتَكْمُنُ قُوَّةُ شَهَادَتِهَا فِي قَوْلِهَا: "إِنَّهُ قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ".  فَقَدْ رَأَتْ فِي مَعْرِفَةِ يَسُوعَ لِحَيَاتِهَا العَلَامَةَ الَّتِي كَشَفَتْ لَهَا حَقِيقَتَهُ. لَمْ تُخْفِ مَاضِيَهَا، بَلْ جَعَلَتْ مِنْهُ شَهَادَةً لِعَمَلِ اللهِ فِي حَيَاتِهَا.  وَمِنَ النَّاحِيَةِ اللاَّهُوتِيَّةِ، يَكْشِفُ هٰذَا المَشْهَدُ أَنَّ الإِيمَانَ يَبْدَأُ أَحْيَانًا بِشَهَادَةِ الإِنْسَانِ، لَكِنَّهُ يَكْتَمِلُ بِلِقَاءِ المَسِيحِ نَفْسِهِ. فَقَدْ آمَنَ السَّامِرِيُّونَ أَوَّلًا بِسَبَبِ كَلَامِ المَرْأَةِ، لَكِنَّهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ آمَنُوا أَكْثَرَ عِنْدَمَا اسْتَمَعُوا إِلَى كَلَامِ يَسُوعَ نَفْسِهِ (يوحنا 4: 41–42). وَاللاَّفِتُ فِي هٰذَا المَشْهَدِ أَنَّ أَهْلَ السَّامِرَةِ لَمْ يَطْلُبُوا آيَاتٍ أَوْ مُعْجِزَاتٍ لِيُؤْمِنُوا، بَلِ اقْتَنَعُوا بِكَلَامِ المَسِيحِ وَتَعْلِيمِهِ. وَهٰذَا يُظْهِرُ أَنَّ قُوَّةَ كَلِمَةِ اللهِ كَانَتْ كَافِيَةً لِتَفْتَحَ قُلُوبَهُمْ لِلإِيمَانِ. وَهٰكَذَا يَكْشِفُ هٰذَا النَّصُّ عَنْ بُعْدٍ عَمِيقٍ فِي مَسِيرَةِ الإِيمَانِ: فَالشَّهَادَةُ الصَّادِقَةُ تَقُودُ النَّاسَ إِلَى المَسِيحِ، وَاللِّقَاءُ بِهِ يُوَلِّدُ الإِيمَانَ الحَقِيقِيَّ الَّذِي يُغَيِّرُ الحَيَاةَ. فَتَتَحَوَّلُ المَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ مِنْ إِنْسَانَةٍ بَاحِثَةٍ عَنِ المَاءِ إِلَى يَنْبُوعِ شَهَادَةٍ يَقُودُ كَثِيرِينَ إِلَى يَسُوعَ المَسِيحِ.

 

40 "فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ ٱلسَّامِرِيُّونَ سَأَلُوهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُمْ، فَأَقَامَ هُنَاكَ يَوْمَيْنِ".

 

 تُشِيرُ عِبَارَةُ "سَأَلُوهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُمْ" إِلَى انْفِتَاحِ قُلُوبِ السَّامِرِيِّينَ عَلَى يَسُوعَ وَرَغْبَتِهِمْ فِي الِاقْتِرَابِ مِنْهُ وَالاسْتِمَاعِ إِلَى كَلَامِهِ. فَبَعْدَ أَنْ جَاءُوا إِلَيْهِ بِسَبَبِ شَهَادَةِ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ، لَمْ يَكْتَفُوا بِلِقَاءِ عَابِرٍ، بَلْ طَلَبُوا أَنْ يَمْكُثَ مَعَهُمْ لِيَتَعَلَّمُوا مِنْهُ أَكْثَرَ. وَيُرَجَّحُ أَنَّ هٰذَا الحَدَثَ جَرَى فِي مَنْطِقَةِ نَابُلُس الحَالِيَّةِ، قُرْبَ بِئْرِ يَعْقُوبَ، حَيْثُ كَانَتِ المَدِينَةُ السَّامِرِيَّةُ قَرِيبَةً مِنْ مَوْضِعِ اللِّقَاءِ. وَيُظْهِرُ هٰذَا المَوْقِفُ انْفِتَاحَ السَّامِرِيِّينَ عَلَى رِسَالَةِ المَسِيحِ، عَلَى عَكْسِ مَوَاقِفَ أُخْرَى فِي التَّقْلِيدِ الإِنْجِيلِيِّ. فَفِي إِنْجِيلِ لُوقَا نَرَى أَنَّ بَعْضَ السَّامِرِيِّينَ رَفَضُوا اسْتِقْبَالَ يَسُوعَ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَّجِهًا نَحْوَ أُورُشَلِيم، كَمَا جَاءَ: "فَأَرْسَلَ رُسُلًا يَتَقَدَّمُونَهُ، فَذَهَبُوا فَدَخَلُوا قَرْيَةً لِلسَّامِرِيِّينَ لِيُعِدُّوا العِدَّةَ لِقُدُومِهِ، فَلَمْ يَقْبَلُوهُ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَّجِهًا إِلَى أُورُشَلِيم" (لوقا 9: 52–53). وَهٰذَا يُظْهِرُ أَنَّهُ فِي كُلِّ شَعْبٍ مَنْ يَقْبَلُ الحَقَّ وَمَنْ يَرْفُضُهُ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "فَأَقَامَ هُنَاكَ يَوْمَيْنِ" فَتُشِيرُ إِلَى اسْتِعْدَادِ يَسُوعَ لِأَنْ يُقِيمَ مَعَ الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ وَيَفْتَحُونَ قُلُوبَهُمْ لِكَلِمَتِهِ. فَالْمَسِيحُ لَا يَرْفُضُ طَلَبَ مَنْ يَسْعَوْنَ إِلَيْهِ بِإِيمَانٍ، بَلْ يُقِيمُ مَعَهُمْ وَيُعَلِّمُهُمْ. وَيُعَلِّقُ العَلَّامَةُ أُورِيجَانُوس عَلَى هٰذَا المَوْقِفِ قَائِلًا: "بَقِيَ يَسُوعُ يَوْمَيْنِ مَعَ الَّذِينَ طَلَبُوهُ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا بَعْدُ قَادِرِينَ عَلَى إِدْرَاكِ يَوْمِهِ الثَّالِثِ، إِذْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ بَلَغُوا بَعْدُ إِلَى فَهْمِ الأَسْرَارِ العَمِيقَةِ، مِثْلَ الَّذِينَ شَهِدُوا مَعْجِزَةَ عُرْسِ قَانَا فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ" (يوحنا 2: 1). وَيُقَارِنُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوس بَيْنَ مَوْقِفِ السَّامِرِيِّينَ وَأَهْلِ الجَلِيلِ قَائِلًا: "قَضَى يَوْمَيْنِ فِي السَّامِرَةِ فَآمَنَ بِهِ السَّامِرِيُّونَ، أَمَّا فِي الجَلِيلِ فَقَدْ أَقَامَ أَيَّامًا كَثِيرَةً، وَمَعَ ذٰلِكَ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ. لَمْ يَنْتَظِرِ السَّامِرِيُّونَ آيَةً، بَلْ آمَنُوا بِكَلِمَتِهِ وَتَعْلِيمِهِ". وَهٰكَذَا يَكْشِفُ هٰذَا المَشْهَدُ عَنْ حَقِيقَةٍ لاهُوتِيَّةٍ عَمِيقَةٍ: فَالإِيمَانُ الحَقِيقِيُّ لَا يَعْتَمِدُ دَائِمًا عَلَى الآيَاتِ وَالمُعْجِزَاتِ، بَلْ يَنْبَعُ مِنْ الانْفِتَاحِ عَلَى كَلِمَةِ المَسِيحِ وَالاسْتِمَاعِ إِلَيْهَا. فَالَّذِينَ يَطْلُبُونَ يَسُوعَ بِصِدْقٍ، يَجِدُونَهُ مُقِيمًا مَعَهُمْ وَمُعَلِّمًا لَهُمْ طَرِيقَ الحَيَاةِ.

 

41 "فَآمَنَ مِنْهُمْ عَدَدٌ أَكْبَرُ كَثِيرًا عَنْ كَلَامِهِ"

 تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَآمَنَ مِنْهُمْ عَدَدٌ أَكْبَرُ كَثِيرًا" إِلَى تَزَايُدِ الإِيمَانِ بَيْنَ السَّامِرِيِّينَ بَعْدَ لِقَائِهِمْ الشَّخْصِيِّ بِيَسُوعَ. فَقَدْ بَدَأَ الإِيمَانُ عِنْدَهُمْ بِسَبَبِ شَهَادَةِ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ (يوحنا 4: 39)، لَكِنَّهُ نَمَا وَتَعَمَّقَ عِنْدَمَا اسْتَمَعُوا إِلَى كَلَامِ المَسِيحِ نَفْسِهِ. فَالإِيمَانُ هُنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ خَبَرٍ مَنْقُولٍ، بَلْ ثِقَةٌ حَيَّةٌ وَعَلاَقَةٌ شَخْصِيَّةٌ تَقُومُ عَلَى كَلِمَةِ المَسِيحِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "عَنْ كَلَامِهِ" فَتُظْهِرُ أَنَّ مَصْدَرَ إِيمَانِهِمْ كَانَ كَلِمَةَ يَسُوعَ وَتَعْلِيمَهُ. فَلَمْ يَكُنْ إِيمَانُهُمْ مَبْنِيًّا عَلَى مُعْجِزَاتٍ أَوْ آيَاتٍ خَارِقَةٍ، بَلْ عَلَى قُوَّةِ الكَلِمَةِ الإِلَهِيَّةِ الَّتِي لَمَسَتْ قُلُوبَهُمْ. فَقَدْ اجْتَذَبَهُمْ شَخْصُ يَسُوعَ وَسُلْطَانُ كَلِمَتِهِ، الَّتِي وَجَدُوا فِيهَا حَيَاةً وَحَقًّا. وَمِنَ النَّاحِيَةِ اللاَّهُوتِيَّةِ، يَكْشِفُ هٰذَا المَشْهَدُ أَنَّ كَلِمَةَ المَسِيحِ هِيَ الَّتِي تُوَلِّدُ الإِيمَانَ. فَاللِّقَاءُ بِيَسُوعَ وَالاسْتِمَاعُ إِلَى تَعْلِيمِهِ يُنَمِّي الإِيمَانَ وَيَزِيدُ عَدَدَ المُؤْمِنِينَ. فَالسَّامِرِيُّونَ تَمَتَّعُوا بِكَلِمَتِهِ الَّتِي تَهَبُ الحَيَاةَ، وَفِيهَا وَجَدُوا طَرِيقَ الخَلاَصِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم عَلَى هٰذَا المَشْهَدِ قَائِلًا: "سَيُدِينُ هَؤُلَاءِ السَّامِرِيُّونَ اليَهُودَ بِإِيمَانِهِمْ بِالمَسِيحِ وَقَبُولِهِمْ لَهُ، لِأَنَّ أُولَئِكَ اليَهُودَ بَعْدَ كُلِّ أَعْمَالِهِ وَعَجَائِبِهِ قَاوَمُوهُ، أَمَّا السَّامِرِيُّونَ فَبِدُونِ آيَاتٍ أَظْهَرُوا إِيمَانَهُمْ بِهِ". وَهٰكَذَا يَكْشِفُ هٰذَا النَّصُّ عَنْ بُعْدٍ عَمِيقٍ فِي الإِيمَانِ: فَالإِيمَانُ الحَقِيقِيُّ لَا يَعْتَمِدُ فَقَطْ عَلَى المُعْجِزَاتِ، بَلْ يَنْبَعُ مِنَ الإِصْغَاءِ إِلَى كَلِمَةِ اللهِ وَالانْفِتَاحِ عَلَى شَخْصِ المَسِيحِ. فَمَنْ يَسْمَعُ كَلِمَتَهُ بِقَلْبٍ مُنْفَتِحٍ يَجِدُ فِيهَا الحَيَاةَ، وَيَدْخُلُ فِي الإِيمَانِ الَّذِي يَقُودُ إِلَى الخَلاَصِ.

 

42 "وَقَالُوا لِلْمَرْأَةِ: لَا نُؤْمِنُ ٱلآنَ عَنْ قَوْلِكِ، فَقَدْ سَمِعْنَاهُ نَحْنُ وَعَلِمْنَا أَنَّهُ مُخَلِّصُ ٱلْعَالَمِ حَقًّا".

 

 تُشِيرُ عِبَارَةُ "لَا نُؤْمِنُ ٱلآنَ عَنْ قَوْلِكِ" إِلَى تَطَوُّرِ إِيمَانِ السَّامِرِيِّينَ مِنْ إِيمَانٍ مُسْتَنِدٍ إِلَى شَهَادَةِ المَرْأَةِ السَّامِرِيَّةِ إِلَى إِيمَانٍ شَخْصِيٍّ نَاتِجٍ عَنْ لِقَائِهِمْ المُبَاشِرِ بِيَسُوعَ. فَقَدْ كَانَتْ شَهَادَةُ المَرْأَةِ المَرْحَلَةَ الأُولَى الَّتِي جَذَبَتْهُمْ إِلَى المَسِيحِ، لَكِنَّ الإِيمَانَ الحَقِيقِيَّ تَعَمَّقَ عِنْدَمَا سَمِعُوا كَلِمَتَهُ بِأَنْفُسِهِمْ. وَتَكْشِفُ هٰذِهِ العِبَارَةُ أَنَّ الإِيمَانَ يَمُرُّ أَحْيَانًا بِمَرَاحِلَ مُتَدَرِّجَةٍ: فَالبِدَايَةُ قَدْ تَكُونُ بِشَهَادَةِ الآخَرِينَ، لَكِنَّ كَمَالَهُ يَتَحَقَّقُ فِي اللِّقَاءِ الشَّخْصِيِّ مَعَ المَسِيحِ وَالإِصْغَاءِ إِلَى كَلِمَتِهِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "فَقَدْ سَمِعْنَاهُ نَحْنُ" فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ السَّامِرِيِّينَ بَلَغُوا مَرْحَلَةَ الإِيمَانِ القَائِمِ عَلَى الخِبْرَةِ الشَّخْصِيَّةِ. فَلَمْ يَعُدْ إِيمَانُهُمْ مُجَرَّدَ تَصْدِيقٍ لِمَا قَالَتْهُ المَرْأَةُ، بَلْ أَصْبَحَ قَنَاعَةً نَابِعَةً مِنْ سَمَاعِهِمْ لِكَلَامِ يَسُوعَ وَمُعَايَنَةِ شَخْصِهِ. َهٰذَا يُظْهِرُ أَنَّ الإِيمَانَ يَزْدَهِرُ بِالإِصْغَاءِ إِلَى كَلِمَةِ المَسِيحِ وَبِاللِّقَاءِ المَبَاشِرِ مَعَهُ.

 

وَيُعَبِّرُ السَّامِرِيُّونَ عَنْ يَقِينِهِمْ قَائِلِينَ: "وَعَلِمْنَا أَنَّهُ مُخَلِّصُ ٱلْعَالَمِ حَقًّا". فَبَيْنَمَا كَانَتِ المَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ تَتَسَاءَلُ فِي بَدَايَةِ الأَمْرِ قَائِلَةً: "أَتُرَاهُ ٱلْمَسِيحَ؟" (يوحنا 4: 29)، وَصَلَ السَّامِرِيُّونَ إِلَى إِعْلَانٍ أَقْوَى وَأَوْضَحَ، فَلَمْ يَقُولُوا إِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ المَسِيحُ، بَلْ أَكَّدُوا أَنَّهُ "مُخَلِّصُ ٱلْعَالَمِ". وَهٰذَا يُذَكِّرُ بِمَا قَالَتْهُ مَلِكَةُ سَبَأَ لِسُلَيْمَانَ بَعْدَ أَنْ رَأَتْ حِكْمَتَهُ بِنَفْسِهَا: "صَدَقَ ٱلْكَلَامُ ٱلَّذِي سَمِعْتُهُ فِي أَرْضِي عَنْ أَقْوَالِكَ وَعَنْ حِكْمَتِكَ، وَلَمْ أُصَدِّقْ مَا قِيلَ لِي حَتَّى قَدِمْتُ وَرَأَيْتُ بِعَيْنَيَّ، فَإِذَا بِي لَمْ أُخْبَرْ بِٱلنِّصْفِ"(1 ملوك 10: 6–7). وَيُعَلِّقُ العَلَّامَةُ أُورِيجَانُوس عَلَى هٰذَا المَوْقِفِ قَائِلًا: "لَيْسَ بِالأَمْرِ العَجِيبِ أَنْ يُقَالَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ إِنَّهُمْ يَسْلُكُونَ بِالإِيمَانِ لَا بِالعِيَانِ، وَعَنْ آخَرِينَ أَنَّهُمْ يَسْلُكُونَ بِنَوْعٍ مِنَ العِيَانِ الدَّاخِلِيِّ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مِنَ السَّيْرِ بِالإِيمَانِ".

 

أَمَّا عِبَارَةُ "مُخَلِّصُ ٱلْعَالَمِ" فَتُعَبِّرُ عَنْ بُعْدٍ لاهُوتِيٍّ عَمِيقٍ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، إِذْ تُظْهِرُ شُمُولِيَّةَ الخَلاَصِ الَّذِي جَاءَ بِهِ يَسُوعُ. فَهُوَ لَيْسَ مُخَلِّصَ شَعْبٍ وَاحِدٍ فَقَطْ، بَلْ مُخَلِّصُ البَشَرِيَّةِ كُلِّهَا. وَقَدْ أُطْلِقَ هٰذَا اللَّقَبُ عَلَى اللهِ فِي العَهْدِ القَدِيمِ (أشعيا 19: 20)، ثُمَّ طَبَّقَهُ العَهْدُ الجَدِيدُ عَلَى يَسُوعَ (متى 1: 21)، وَيَنْفَرِدُ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا بِإِبْرَازِ هٰذَا اللَّقَبِ بِوُضُوحٍ (1 يوحنا 4: 14). وَهٰكَذَا يَكْشِفُ هٰذَا الإِعْلَانُ أَنَّ يَسُوعَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مُعَلِّمٍ أَوْ نَبِيٍّ كَمَا كَانَ السَّامِرِيُّونَ يَنْتَظِرُونَ، بَلْ هُوَ المَسِيحُ المُخَلِّصُ الَّذِي جَاءَ لِيَهَبَ الخَلاَصَ لِكُلِّ العَالَمِ. وَكَما يَقُولُ الإِنْجِيلُ: "فَإِنَّ ٱللهَ لَمْ يُرْسِلِ ٱبْنَهُ إِلَى ٱلْعَالَمِ لِيَدِينَ ٱلْعَالَمَ، بَلْ لِيُخَلَّصَ بِهِ ٱلْعَالَمُ" (يوحنا 3: 17).

 

 

ثَانِيًا: تَطْبِيقَاتُ ٱلنَّصِّ ٱلإِنْجِيلِيِّ (يُوحَنَّا 4: 5–42)

 

بَعْدَ دِرَاسَةٍ مُوجَزَةٍ عَنْ وَقَائِعِ ٱلنَّصِّ ٱلإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلِهِ (يُوحَنَّا 4: 5–42)، نَسْتَنْتِجُ أَنَّهُ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ حِوَارٍ عَنْ هُوِيَّةِ ٱلْمَسِيحِ وَمَوْضُوعِ ٱلْعِبَادَةِ لَدَى ٱلسَّامِرِيِّينَ عِنْدَ بِئْرِ يَعْقُوبَ. وَمِنْ هُنَا نَبْحَثُ فِي حِوَارٍ عَنْ هُوِيَّةِ ٱلْمَسِيحِ مَعَ ٱلسَّامِرِيَّةِ وَٱلسَّامِرِيِّينَ، ثُمَّ مَوْضُوعِ ٱلْعِبَادَةِ.

 

1. حِوَارٌ مع السَّامِرِيَّةِ عَنْ هُوِيَّةِ ٱلْمَسِيحِ (يوحنا 4: 6-25)

 

فِي مُقَابَلَةٍ نُشِرَتْ فِي إِذَاعَةِ ٱلْفَاتِيكَانِ عَامَ 2016 قَالَ ٱلْبَابَا فِرَنْسِيس: "إِنَّ ٱلْحِوَارَ يَسْمَحُ لِلْأَشْخَاصِ بِٱلتَّعَرُّفِ عَلَى بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَفَهْمِ حَاجَاتِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. أَوَّلًا عَلَامَةُ ٱحْتِرَامٍ كَبِيرٍ، لِأَنَّهُ يَضَعُ ٱلْأَشْخَاصَ فِي مَوْقِفِ إِصْغَاءٍ. ثَانِيًا، هُوَ تَعْبِيرٌ عَنِ ٱلْمَحَبَّةِ، لِأَنَّهُ، بِغَضِّ ٱلنَّظَرِ عَنِ ٱلِٱخْتِلَافَاتِ، يُمْكِنُهُ أَنْ يُسَاعِدَ فِي ٱلْبَحْثِ عَنِ ٱلْخَيْرِ ٱلْعَامِّ وَمُقَاسَمَتِهِ. وَأَخِيرًا يَدْعُونَا ٱلْحِوَارُ لِنَضَعَ أَنْفُسَنَا أَمَامَ ٱلْآخَرِ وَنَرَاهُ كَعَطِيَّةٍ مِنَ ٱللَّهِ ٱلَّذِي يَسْأَلُنَا وَيَطْلُبُ مِنَّا أَنْ نَعْتَرِفَ بِهِ". وَمِنْ هٰذَا ٱلْمُنْطَلَقِ فَإِنَّ ٱلْحِوَارَ يُشَكِّلُ تَعْبِيرًا عَنْ ٱلْحَاجَةِ ٱلْقُصْوَى لِمَحَبَّةِ ٱلْمَسِيحِ ٱلَّذِي يَذْهَبُ لِلِقَاءِ ٱلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ وَجَمِيعِ ٱلنَّاسِ. إِنَّ ٱلْحِوَارَ يَهْدِمُ جُدْرَانَ ٱلِٱنْقِسَامَاتِ وَيَخْلُقُ جُسُورَ ٱلتَّوَاصُلِ، وَلَا يَسْمَحُ لِأَحَدٍ بِٱلْعُزْلَةِ وَٱلِٱنْغِلَاقِ عَلَى ذَاتِهِ فِي عَالَمِهِ ٱلصَّغِيرِ.

 

يَنْتَقِلُ يَسُوعُ مِنَ ٱلْيَهُودِيَّةِ إِلَى ٱلْجَلِيلِ مَرُورًا بِٱلسَّامِرَةِ، حَيْثُ يَلْتَقِي ٱمْرَأَةً سَامِرِيَّةً عِنْدَ بِئْرِ يَعْقُوبَ فَيُقَلِّبُ حَيَاتَهَا. رَضِيَ يَسُوعُ أَنْ يُلْقِيَ وَاحِدَةً مِنْ أَفْضَلِ مَوَاعِظِهِ لِٱمْرَأَةٍ سَامِرِيَّةٍ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْبَرُهُ حَجَرَ ٱلْبِئْرِ، مُظْهِرًا قِيمَةَ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فِي عَيْنَيْهِ. فَتَجَاوَزَ كُلَّ ٱلْحَوَاجِزِ ٱلْجُغْرَافِيَّةِ وَٱلثَّقَافِيَّةِ وَٱلدِّينِيَّةِ مِنْ أَجْلِ حِوَارِ ٱلْخَلَاصِ، لِأَنَّهُ يَهْتَمُّ بِٱلنَّفْسِ ٱلْبَشَرِيَّةِ. فَٱلتَّقْلِيدُ ٱلْيَهُودِيُّ كَانَ يَعْتَبِرُ ٱلْمَرْأَةَ ٱلسَّامِرِيَّةَ دَنِسَةً مُنْذُ وِلَادَتِهَا. وَٱلدَّلِيلُ عَلَى ذٰلِكَ أَنَّ ٱلْكَلَامَ مَعَ ٱمْرَأَةٍ أَدْهَشَ ٱلتَّلَامِيذَ. فَبَادَرَ يَسُوعُ بِٱلْحِوَارِ مَعَ ٱلسَّامِرِيَّةِ، وَدَارَ ٱلْحِوَارُ فِي ٱلْبِدَايَةِ عَلَى ٱلْمَاءِ وَٱلطَّعَامِ.

 

وَمِنْ خِلَالِ ٱلْحِوَارِ كَشَفَ ٱلسَّيِّدُ ٱلْمَسِيحُ لِلسَّامِرِيَّةِ عَنْ شَخْصِهِ بِشَكْلٍ تَدْرِيجِيٍّ. فَفِي بَدَايَةِ حَدِيثِهِ حَسِبَتْهُ يَهُودِيًّا (يُوحَنَّا 4: 9) لَا يُخَالِطُ ٱلسَّامِرِيِّينَ، وَدَعَتْهُ: "يَا سَيِّدُ" (يُوحَنَّا 4: 11)، وَتَوَقَّعَتْ أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ يَعْقُوبَ أَبِي ٱلْأَسْبَاطِ (يُوحَنَّا 4: 12)، وَآمَنَتْ أَنَّهُ وَاهِبُ ٱلْمِيَاهِ ٱلْحَيَّةِ (يُوحَنَّا 4: 15)، وَأَنَّهُ نَبِيٌّ (يُوحَنَّا 4: 19)، وَتَوَقَّعَتْ أَخِيرًا أَنْ يَكُونَ ٱلْمَسِيحَ ٱلْمُنْتَظَرَ (يُوحَنَّا 4: 25). فَقَالَ لَهَا: "أَنَا هُوَ، أَنَا ٱلَّذِي يُكَلِّمُكِ" (يُوحَنَّا 4: 26)، وَقَالَ أَيْضًا: "لَوْ كُنْتِ تَعْرِفِينَ عَطَاءَ ٱللَّهِ، وَمَنْ هُوَ ٱلَّذِي يَقُولُ لَكِ: ٱسْقِينِي، لَسَأَلْتِهِ أَنْتِ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيًّا» (يُوحَنَّا 4: 10). فَأَصْبَحَ لِسَانُ حَالِهَا كَلَامَ إِرْمِيَا ٱلنَّبِيِّ فِي مُنَاجَاتِهِ مَعَ ٱللَّهِ: "قَدِ ٱسْتَغْوَيْتَنِي يَا رَبُّ فَٱسْتُغْوِيتُ، قَبَضْتَ عَلَيَّ فَغَلَبْتَ"» (إِرْمِيَا 20: 7). وَخُلَاصَةُ ٱلْقَوْلِ: تَطَوَّرَ ٱلْحِوَارُ بَيْنَ ٱلْمَسِيحِ وَٱلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ تَدْرِيجِيًّا، فَٱكْتَشَفَتْ فِيهِ هُوِيَّةَ يَسُوعَ: أَنَّهُ يَهُودِيٌّ، وَعَطَاءُ ٱللَّهِ، وَسَيِّدٌ، وَنَبِيٌّ، وَٱلْمَسِيحُ. أَمَّا حِوَارُهُ مَعَ ٱلسَّامِرِيِّينَ فَقَدْ كَشَفَ لَهُمْ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ مُخَلِّصُ ٱلْعَالَمِ.

 

(1) يَسُوعُ يَهُودِيٌّ (يُوحَنَّا 4: 9)

 

اِكْتَشَفَتِ ٱلسَّامِرِيَّةُ مِنْ خِلَالِ ٱلْحِوَارِ مَعَ يَسُوعَ أَنَّهُ يَهُودِيٌّ، فَقَالَتْ لَهُ: "كَيْفَ تَسْأَلُنِي أَنْ أَسْقِيَكَ وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ وَأَنَا ٱمْرَأَةٌ سَامِرِيَّةٌ؟" (يُوحَنَّا 4: 9). وَلَكِنَّهُ لَيْسَ يَهُودِيًّا مِثْلَ ٱلْآخَرِينَ، فَهُوَ يَطْلُبُ مِنَ ٱلسَّامِرِيَّةِ أَنْ تُسْقِيَهُ. وَٱلْيَهُودُ، فِي ٱلْوَاقِعِ، كَمَا يُوَضِّحُ يُوحَنَّا ٱلْإِنْجِيلِيُّ، لَا يُخَالِطُونَ ٱلسَّامِرِيِّينَ. وَقَدْ صَدَرَ تَنْظِيمٌ بَيْنَ سَنَتَيْ 66–76 يَعْتَبِرُ كُلَّ ٱمْرَأَةٍ سَامِرِيَّةٍ نَجِسَةً. وَنَتِيجَةً لِذٰلِكَ حُرِّمَ عَلَى ٱلْيَهُودِيِّ أَنْ يَسْتَعْمِلَ إِنَاءَ ٱمْرَأَةٍ سَامِرِيَّةٍ، خُصُوصًا إِذَا كَانَتْ قَدْ شَرِبَتْ مِنْهُ. أَمَّا يَسُوعُ فَقَدْ تَخَلَّى عَنْ تِلْكَ ٱلنِّزَاعَاتِ، لِأَنَّ هَمَّهُ كَانَ خَلَاصَ ٱلنُّفُوسِ. فَهُوَ يَعْطَشُ لَا إِلَى مَاءِ ٱلْبِئْرِ، بَلْ إِلَى إِيمَانِ ٱلسَّامِرِيَّةِ وَخَلَاصِهَا. وَقَدِ ٱمْتَدَحَ ٱلسَّامِرِيَّ ٱلْأَبْرَصَ ٱلَّذِي عَادَ لِيَشْكُرَهُ عَلَى ٱلشِّفَاءِ مِنْ بَيْنِ ٱلتِّسْعَةِ ٱلْآخَرِينَ (لُوقَا 17: 11–19)، كَمَا ضَرَبَ مَثَلَ ٱلسَّامِرِيِّ ٱلرَّحِيمِ (لُوقَا 10: 30–37). وَقَبْلَ صُعُودِهِ إِلَى ٱلسَّمَاءِ أَوْصَى ٱلرُّسُلَ أَنْ يَكُونُوا شُهُودًا لَهُ فِي ٱلسَّامِرَةِ أَيْضًا، قَائِلًا: "سَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَكُلِّ ٱلْيَهُودِيَّةِ وَٱلسَّامِرَةِ، حَتَّى أَقَاصِي ٱلْأَرْضِ" (أَعْمَالُ ٱلرُّسُلِ 1: 8).

 

(2) يَسُوعُ عَطَاءُ ٱللَّهِ (يُوحَنَّا 4: 10)

 

ظَلَّ يَسُوعُ يَتَكَلَّمُ مَعَ ٱلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ بِكَلَامٍ ضِمْنِيٍّ وَغَامِضٍ، حَتَّى دَخَلَ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى قَلْبِهَا، فَأَظْهَرَ لَهَا نِعْمَةَ ٱللَّهِ قَائِلًا: "لَوْ كُنْتِ تَعْرِفِينَ عَطَاءَ ٱللَّهِ، وَمَنْ هُوَ ٱلَّذِي يَقُولُ لَكِ: ٱسْقِينِي، لَسَأَلْتِهِ أَنْتِ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيًّا" (يُوحَنَّا 4: 10).إِنَّ ٱلْأَنْبِيَاءَ، مِثْلَ عَامُوسَ (8: 11)، وَإِشَعْيَاءَ (55: 1)، وَبَارُوخَ (3: 12)، وَكُتُبِ ٱلْحِكْمَةِ (ٱلْأَمْثَالِ 13: 14؛ ٱبْنِ سِيرَاخَ 15: 1–3)، قَدْ رَمَزُوا بِنَبْعِ ٱلْمَاءِ ٱلْحَيِّ إِلَى كَلِمَةِ ٱللَّهِ، وَإِلَى ٱلشَّرِيعَةِ، وَإِلَى ٱلْحِكْمَةِ. فَٱلْمَاءُ ٱلْحَيُّ ٱلَّذِي يَعِدُ بِهِ يَسُوعُ يَرْمُزُ إِلَى وَحْيِ ٱللَّهِ لِلْبَشَرِ فِي كَلِمَتِهِ، وَفِي شَخْصِهِ بِٱلذَّاتِ. هٰذَا هُوَ عَطَاءُ ٱللَّهِ.

 

فَهٰذَا ٱلْمَاءُ يُصْبِحُ لِمَنْ يَشْرَبُهُ، أَيْ لِمَنْ يُؤْمِنُ بِٱلْمَسِيحِ وَبِكَلَامِهِ، نَبْعَ حَيَاةٍ لَا يَنْضُبُ، بِفَضْلِ عَمَلِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ٱلَّذِي "سَيَتَلَقَّاهُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِهِ"، كَمَا قَالَ يَسُوعُ: "مَنْ آمَنَ بِي فَلْيَشْرَبْ، كَمَا وَرَدَ فِي ٱلْكِتَابِ: سَتَجْرِي مِنْ جَوْفِهِ أَنْهَارٌ مِنَ ٱلْمَاءِ ٱلْحَيِّ". وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ ٱلرُّوحَ ٱلَّذِي سَيَنَالُهُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِهِ (يُوحَنَّا 7: 37–39). وَهٰكَذَا ٱنْقَلَبَ ٱلْوَضْعُ: فَٱلْمَرْأَةُ هِيَ ٱلَّتِي أَصْبَحَتْ تَسْأَلُ ٱلْآنَ وَتَطْلُبُ مِنْ يَسُوعَ أَنْ يَسْقِيَهَا. فَقَدِ ٱعْتَرَفَتْ بِأَنَّهُ ٱلرَّبُّ ٱلْقَادِرُ عَلَى إِرْوَاءِ عَطَشِ نَفْسِهَا (يُوحَنَّا 4: 15). وَيَسُوعُ لَا يُعْطِي ٱلْمَاءَ ٱلْحَيَّ إِلَّا لِمَنْ يَهْتَدِي وَيُؤْمِنُ بِهِ.

 

وَنَسْتَنْتِجُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ عَطِيَّةَ ٱللَّهِ هِيَ يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ نَفْسُهُ، ٱلَّذِي بَذَلَهُ ٱللَّهُ ٱلْآبُ لِلْبَشَرِ، "لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونَ لَهُ ٱلْحَيَاةُ ٱلْأَبَدِيَّةُ" (يُوحَنَّا 3: 16). فَٱلْمَسِيحُ وَٱلْمَاءُ ٱلَّذِي يَرْمُزُ إِلَى ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ هُمَا حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُمْكِنُ فَصْلُهَا، لِأَنَّ يَسُوعَ كَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَمُوتَ عَنْ خَطَايَا ٱلْإِنْسَانِ حَتَّى يَمْنَحَ ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ، وَبِذٰلِكَ نَسْتَرِدُّ سُلْطَانَ ٱلْبُنُوَّةِ وَٱلشَّرِكَةَ مَعَ ٱللَّهِ. وَقَدِ ٱسْتَعْمَلَ يَسُوعُ مَوْضُوعَ ٱلْمَاءِ (يُوحَنَّا 4: 7–26) لِلِٱنْتِقَالِ مِنْ عَطَشٍ عَلَى مُسْتَوَى ٱلْجَسَدِ إِلَى ٱلْحَيَاةِ ٱلْأَبَدِيَّةِ وَإِلَى ٱلْعِبَادَةِ فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ.

 

(3) يَسُوعُ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا يَعْقُوبَ (يُوحَنَّا 4: 12)

 

عَلَى إِثْرِ سُؤَالِ ٱلسَّامِرِيَّةِ ٱلسَّاخِرِ:"هَلْ أَنْتَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا يَعْقُوبَ ٱلَّذِي أَعْطَانَا ٱلْبِئْرَ، وَشَرِبَ مِنْهَا هُوَ وَبَنُوهُ وَمَوَاشِيهِ؟» (يُوحَنَّا 4: 12)، ٱغْتَنَمَ يَسُوعُ هٰذَا ٱلتَّحَدِّي وَكَشَفَ لَهَا أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ يَعْقُوبَ. وَيُعَلِّقُ القديس يوحنا الذهبي الفم قَائِلًا: "لَمْ يُجِبْهَا يَسُوعُ: نَعَمْ، أَنَا أَعْظَمُ مِنْ يَعْقُوبَ، بَلْ بَلَغَ هٰذَا ٱلْهَدَفَ مِنْ خِلَالِ إِيضَاحِ طَبِيعَةِ ٱلْأُمُورِ، وَمَدَى ٱلْفَرْقِ ٱلشَّاسِعِ وَٱلِٱخْتِلَافِ ٱلْكَامِلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَعْقُوبَ مِنْ خِلَالِ عَطَائِهِمَا".

 

فَقَدْ كَشَفَ يَسُوعُ عَنْ مَفَاعِيلِ ٱلْمَاءِ ٱلَّذِي يُعْطِيهِ: فَهُوَ لَيْسَ كَٱلْمَاءِ ٱلَّذِي يَنْبُجِسُ مِنْ عُمْقِ بِئْرِ يَعْقُوبَ، إِذْ إِنَّ هٰذَا ٱلْمَاءَ لَا يَرْوِي ٱلظَّمَأَ إِلَّا مُؤَقَّتًا. أَمَّا ٱلْمَاءُ ٱلَّذِي يَعِدُ بِهِ يَسُوعُ فَيَرْوِي ٱلظَّمَأَ إِلَى ٱلْأَبَدِ، وَيُصْبِحُ فِي مَنْ يَشْرَبُ مِنْهُ عَيْنَ مَاءٍ يَتَفَجَّرُ لِحَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ.

 

وَبَعْدَ أَنْ أَوْضَحَتِ ٱلسَّامِرِيَّةُ تَقْدِيرَهَا لِيَعْقُوبَ، شَاهَدَتْ فِي يَسُوعَ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَذٰلِكَ بِقَوْلِهَا لَهُ: "يَا رَبُّ، أَعْطِنِي هٰذَا ٱلْمَاءَ، لِكَيْ لَا أَعْطَشَ وَلَا آتِيَ إِلَى هُنَا لِأَسْتَقِيَ" (يُوحَنَّا 4: 15). وَيُعَلِّقُ القديس يوحنا الذهبي الفم أَيْضًا قَائِلًا: "هُنَا يَتَبَيَّنُ تَفَوُّقُهُ عَلَى يَعْقُوبَ، لِأَنَّ لِسَانَ حَالِهَا يَقُولُ: لَنْ أَحْتَاجَ إِلَى هٰذِهِ ٱلْبِئْرِ مَا دُمْتُ أَنَالُ مِنْكَ هٰذَا ٱلْمَاءَ… وَبِذٰلِكَ لَمْ تَعُدْ تَسْتَسْلِمُ لِأَفْكَارِهَا ٱلسَّابِقَةِ وَلَا تَكُونُ مُجَادِلَةً مُتَمَرِّدَةً".

 

وَنَسْتَنْتِجُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ يَسُوعَ أَوْضَحَ لَهَا أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلْمُقَارَنَةِ بَيْنَ مَاءٍ يَرْوِي ٱلْجَسَدَ إِلَى حِينٍ وَمَاءٍ يُسْنِدُ ٱلنَّفْسَ وَيَرْوِيهَا أَبَدِيًّا. فَٱلْمَاءُ ٱلَّذِي يُقَدِّمُهُ ٱلرَّبُّ لَهَا هُوَ عَطِيَّةٌ إِلَهِيَّةٌ، وَهُوَ نَفْسُهُ ٱلَّذِي يَهَبُ فَرَحًا إِلَهِيًّا، كَمَا تَنَبَّأَ قَائِلًا: "تَسْتَقُونَ ٱلْمِيَاهَ مِنْ يَنَابِيعِ ٱلْخَلَاصِ مُبْتَهِجِينَ" (إِشَعْيَاء 12: 3). وَهُوَ يَهَبُ أَيْضًا ٱلْحَيَاةَ ٱلْأَبَدِيَّةَ، كَمَا صَرَّحَ ٱلْمَسِيحُ: "مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلَنْ يَجُوعَ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلَنْ يَعْطَشَ أَبَدًا" (يُوحَنَّا 6: 35). إِنَّهُ مَاءٌ دَاخِلِيٌّ فِي ٱلنَّفْسِ يُحَوِّلُ أَعْمَاقَ ٱلْإِنْسَانِ إِلَى يَنْبُوعٍ فَيَّاضٍ، كَمَا قَالَ يَسُوعُ: "مَنْ آمَنَ بِي فَلْيَشْرَبْ، كَمَا وَرَدَ فِي ٱلْكِتَابِ: سَتَجْرِي مِنْ جَوْفِهِ أَنْهَارٌ مِنَ ٱلْمَاءِ ٱلْحَيِّ" (يُوحَنَّا 7: 38). وَقَدِ ٱشْتَهَى ٱلْأَنْبِيَاءُ هٰذِهِ ٱلْمِيَاهَ ٱلْحَيَّةَ، كَمَا صَرَّحَ إِشَعْيَاء قَائِلًا: "أَيُّهَا ٱلْعِطَاشُ جَمِيعًا هَلُمُّوا إِلَى ٱلْمِيَاهِ" (إِشَعْيَاء 55: 1). وَقَدْ جَاءَ فِي سفر رُؤْيَا: "لَنْ يَجُوعُوا وَلَنْ يَعْطَشُوا، وَلَنْ تَلْفَحَهُمُ ٱلشَّمْسُ وَلَا ٱلْحَرُّ، لِأَنَّ ٱلْحَمَلَ ٱلَّذِي فِي وَسَطِ ٱلْعَرْشِ سَيَرْعَاهُمْ وَسَيَهْدِيهِمْ إِلَى يَنَابِيعِ مَاءِ ٱلْحَيَاةِ؟ (رُؤْيَا 7: 16–17).

 

(4) يَسُوعُ نَبِيٌّ (يُوحَنَّا 4: 19)

 

كَشَفَ يَسُوعُ عَنْ حَيَاةِ ٱلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ ٱلشَّخْصِيَّةِ، فَبَيَّنَ لَهَا أَنَّهَا ٱتَّخَذَتْ خَمْسَةَ أَزْوَاجٍ، وَأَنَّ ٱلَّذِي يَصْحَبُهَا ٱلْيَوْمَ لَيْسَ بِزَوْجِهَا (يُوحَنَّا 4: 16–18). وَبِذٰلِكَ أَيْقَظَ فِيهَا إِحْسَاسًا بِٱلذَّنْبِ ٱلشَّخْصِيِّ، فَٱسْتَسْلَمَتْ لِلْحَقِّ وَٱعْتَرَفَتْ بِيَسُوعَ، وَٱنْحَنَتْ أَمَامَ رَجُلِ ٱللَّهِ مُعْتَرِفَةً بِهِ، قَائِلَةً: "يَا رَبُّ، أَرَى أَنَّكَ نَبِيٌّ" (يُوحَنَّا 4: 19). فَقَدِ ٱعْتَرَفَتْ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ، لِأَنَّهُ يَعْرِفُ مَا فِي ٱلْقَلْبِ وَمَا يَخْتَبِئُ فِيهِ مِنْ أَسْرَارٍ، وَمَا فِيهِ أَيْضًا مِنْ عَطَشٍ عَمِيقٍ إِلَى حُبٍّ حَقِيقِيٍّ وَإِلَى مَاءِ ٱلْحَيَاةِ.

 

(5) يَسُوعُ هُوَ ٱلْمَسِيحُ (يُوحَنَّا 4: 25)

 

يَصِفُ صَاحِبُ ٱلْمَزَامِيرِ عَطَشَ ٱلْإِنْسَانِ إِلَى ٱللَّهِ مِثْلَ ٱلْعَطَشِ إِلَى ٱلْمَاءِ قَائِلًا: "كَمَا يَشْتَاقُ ٱلْأَيِّلُ إِلَى مَجَارِي ٱلْمِيَاهِ، كَذٰلِكَ تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا ٱللَّهُ" (مَزْمُور 42: 2). وَقَدْ دُعِيَ ٱللَّهُ أَيْضًا "يَنْبُوعَ ٱلْحَيَاةِ" (مَزْمُور 36: 9)، أَوْ "يَنْبُوعَ ٱلْمِيَاهِ ٱلْحَيَّةِ" (إِرْمِيَا 17: 13). وَبِقَوْلِ يَسُوعُ إِنَّهُ مُعْطِي ٱلْمَاءِ ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي يَرْوِي إِلَى ٱلْأَبَدِ عَطَشَ ٱلْإِنْسَانِ إِلَى ٱللَّهِ، أَعْلَنَ أَنَّهُ ٱلْمَسِيحُ، فَلَيْسَ سِوَاهُ يَقْدِرُ أَنْ يُعْطِيَ ٱلْعَطِيَّةَ ٱلْمَجَّانِيَّةَ ٱلَّتِي تُشْبِعُ حَاجَةَ ٱلنَّفْسِ.

 

وَفِي حِوَارِ ٱلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ مَعَ يَسُوعَ نَزَلَ عَلَيْهَا هٰذَا ٱلْكَشْفُ أَنَّهُ ٱلْمَسِيحُ، فَصَرَّحَتْ قَائِلَةً: "إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ ٱلْمَسِيحَ آتٍ، وَهُوَ ٱلَّذِي يُقَالُ لَهُ ٱلْمَسِيحُ، وَإِذَا أَتَى أَخْبَرَنَا بِكُلِّ شَيْءٍ" (يُوحَنَّا 4: 25). وَجَاءَ كَلَامُهَا فِي حِينِهِ كَأَنَّهُ ثَمَرَةٌ يَانِعَةٌ. فَبَيْنَمَا تَتَكَلَّمُ ٱلسَّامِرِيَّةُ عَنِ ٱلْمَسِيحِ ٱلْآتِي، يَكْشِفُ يَسُوعُ ذَاتَهُ قَائِلًا: "أَنَا هُوَ، أَنَا ٱلَّذِي يُكَلِّمُكِ (يُوحَنَّا 4: 26).

 

وَبِهٰذَا ٱلْكَلَامِ بَلَغَ ٱلْإِعْلَانُ ٱلْإِلَهِيُّ قِمَّتَهُ بِفَمِ ٱلْمُخَلِّصِ نَفْسِهِ. وَعَلَى إِثْرِ ذٰلِكَ "تَرَكَتِ ٱلْمَرْأَةُ جَرَّتَهَا وَذَهَبَتْ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ" (يُوحَنَّا 4: 28)، لِأَنَّهَا لَمْ تَعُدْ بِحَاجَةٍ إِلَى ٱلْمَاءِ ٱلْمَادِّيِّ بَعْدَ أَنْ وَجَدَتْ مَاءَ ٱلْحَيَاةِ. وَقَدْ تَحَوَّلَتْ مِنِ ٱمْرَأَةٍ خَاطِئَةٍ إِلَى مُبَشِّرَةٍ بِٱلْمَسِيحِ، فَأَخَذَتْ تَدْعُو أَهْلَ ٱلْمَدِينَةِ قَائِلَةً: "هَلُمُّوا فَٱنْظُرُوا رَجُلًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَتُرَاهُ ٱلْمَسِيحَ؟" (يُوحَنَّا 4: 29). وَبِهٰذِهِ ٱلشَّهَادَةِ كَشَفَتْ سِرَّ يَسُوعَ (يُوحَنَّا 4: 27–30)، وَأَكَّدَ يَسُوعُ ذٰلِكَ بِقَوْلِهِ: "أَنَا هُوَ، أَنَا ٱلَّذِي يُكَلِّمُكِ" (يُوحَنَّا 4: 26).

 

وَلَمْ يَتَرَدَّدْ يَسُوعُ فِي أَنْ يُعْلِنَ أَنَّهُ ٱلْمَسِيحُ فِي عَالَمِ ٱلسَّامِرَةِ، لِأَنَّهُ لَا خَوْفَ هُنَاكَ مِنَ ٱلنَّظْرَةِ ٱلسِّيَاسِيَّةِ ٱلَّتِي كَانَتْ تَرْتَبِطُ بِهٰذَا ٱللَّقَبِ فِي ٱلْيَهُودِيَّةِ. فَلَمْ يُقِرَّ يَسُوعُ عَادَةً لِنَفْسِهِ بِلَقَبِ ٱلْمَسِيحِ عَلَنًا، إِلَّا فِي هٰذِهِ ٱلْمَرَّةِ فِي حِوَارِهِ مَعَ ٱلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ، حَيْثُ صَرَّحَ عَلَانِيَةً أَنَّهُ ٱلْمَسِيحُ ٱلْمُنْتَظَرُ. وَكَانَ ٱلسَّامِرِيُّونَ يَنْتَظِرُونَ مَسِيحًا ذَا طَابِعٍ نَبَوِيٍّ، مِثْلَ مُوسَى، وَلَمْ يَكُونُوا يَنْتَظِرُونَ مَسِيحًا سِيَاسِيًّا، بَلْ قَائِدًا رُوحِيًّا. وَلِذٰلِكَ كَشَفَ يَسُوعُ عَنْ هُوِيَّتِهِ ٱلْمَسِيحَانِيَّةِ لِلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ، يَقِينًا مِنْهُ أَنَّهَا سَتَفْهَمُ، وَلَوْ جُزْئِيًّا، مَعْنَى مُلْكِهِ ٱلْمَسِيحَانِيِّ.

 

2. حِوَارٌ مع السَّامِرِيَّةِ عَنِ ٱلْعِبَادَةِ ٱلْجَدِيدَةِ

 

قَدَّمَ يَسُوعُ لِلسَّامِرِيَّةِ مَاءً حَيًّا يَفِيضُ فِي دَاخِلِهَا، فَٱعْتَرَفَتْ بِخَطِيئَتِهَا وَلَمْ تُنْكِرِ ٱلْوَاقِعَ أَمَامَ ٱلْمَسِيحِ. وَهٰكَذَا ٱنْفَتَحَتْ عَيْنَاهَا عَلَى ٱللَّهِ وَعِبَادَتِهِ، فَتَطَرَّقَ يَسُوعُ فِي حِوَارِهِ مَعَ ٱلسَّامِرِيَّةِ إِلَى مَوْضُوعِ ٱلْعِبَادَةِ وَمَكَانِهَا.

 

(1) ٱلْعِبَادَةُ ٱلْحَقِيقِيَّةُ بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ

 

تَقْتَضِي ٱلشَّرِيعَةُ أَنْ تَكُونَ ٱلْعِبَادَةُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، كَمَا جَاءَ فِي ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ (تَكْوِين 23: 7)، وَتُحَذِّرُ بِشِدَّةٍ مِنْ أَيِّ وَضْعٍ مِنْ أَوْضَاعِ ٱلْعِبَادَةِ لِكُلِّ كَائِنٍ يُمْكِنُ أَنْ يُعْتَبَرَ مُنَافِسًا لِلَّهِ، كَعِبَادَةِ ٱلْأَصْنَامِ (تَثْنِيَة ٱلِٱشْتِرَاع 4: 19)، أَوِ ٱلْآلِهَةِ ٱلْغَرِيبَةِ (خُرُوج 34: 14). وَقَدْ أَكَّدَ يَسُوعُ هٰذَا ٱلْمَبْدَأَ فِي جَوَابِهِ لِإِبْلِيسَ ٱلْمُجَرِّبِ قَائِلًا: "لِلرَّبِّ إِلٰهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ" (مَتَّى 4: 10).

 

وَتُعَبِّرُ ٱلْعِبَادَةُ عَنْ رُدُودِ ٱلْفِعْلِ ٱلْمُتَعَدِّدَةِ لِلْإِنْسَانِ عِنْدَ قُرْبِهِ مِنَ ٱللَّهِ؛ فَهِيَ مَزِيجٌ مِنْ وَعْيِهِ بِضَعْفِهِ وَخَطِيئَتِهِ مِنْ جِهَةٍ، وَمِنِ ٱلِٱحْتِرَامِ ٱلْمَمْلُوءِ رَهْبَةً (مَزْمُور 5: 8)، وَمِنَ ٱلشُّكْرِ وَعِرْفَانِ ٱلْجَمِيلِ (تَكْوِين 24: 48)، وَمِنَ ٱلتَّسْبِيحِ ٱلَّذِي يَغْمُرُ كِيَانَ ٱلْإِنْسَانِ كُلَّهُ (مَزْمُور 96: 1–6) مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.

 

وَبِمَا أَنَّ رَدَّ فِعْلِ ٱلْإِنْسَانِ يَشْمَلُ كِيَانَهُ كُلَّهُ، فَلَا بُدَّ مِنِ ٱشْتِرَاكِ ٱلْجَسَدِ أَيْضًا فِي ٱلتَّعْبِيرِ عَنْ إِيمَانِهِ بِسُلْطَانِ ٱللَّهِ عَلَى خَلِيقَتِهِ وَوَلَائِهِ لَهُ. وَلٰكِنَّ ٱلْإِنْسَانَ ٱلْخَاطِئَ يَحَاوِلُ أَحْيَانًا أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى ٱلْمَظَاهِرِ ٱلْخَارِجِيَّةِ، لِذٰلِكَ فَإِنَّ ٱلْعِبَادَةَ ٱلْوَحِيدَةَ ٱلَّتِي تُرْضِي ٱللَّهَ هِيَ ٱلَّتِي تَصْدُرُ مِنَ ٱلْقَلْبِ.

 

أَمَّا ٱلْجَدِيدُ ٱلَّذِي جَاءَ بِهِ ٱلسَّيِّدُ ٱلْمَسِيحُ فِي حِوَارِهِ مَعَ ٱلسَّامِرِيَّةِ فَهُوَ ٱلْعِبَادَةُ بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ.  فَبِمَا أَنَّ "ٱللَّهَ رُوحٌ" فَإِنَّهُ يَرْفَعُ ٱلْعِبَادَةَ وَيُسْمُو بِهَا إِلَى كَمَالِهَا. وَبِذٰلِكَ يَسْتَطِيعُ كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ ٱلرُّوحِ (يُوحَنَّا 3: 8) أَنْ يَعْبُدَ ٱللَّهَ بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ (يُوحَنَّا 4: 24). وَلَا تَعْنِي ٱلْعِبَادَةُ بِٱلرُّوحِ ٱلِٱقْتِصَارَ عَلَى عِبَادَةٍ دَاخِلِيَّةٍ دُونَ عَلامَاتٍ خَارِجِيَّةٍ، بَلْ تَنْطَلِقُ مِنْ تَكْرِيسِ ٱلْكِيَانِ كُلِّهِ: رُوحًا وَنَفْسًا وَجَسَدًا، كَمَا صَرَّحَ ٱلرَّسُولُ بُولُسُ: "قَدَّسَكُمْ إِلٰهُ ٱلسَّلَامِ نَفْسُهُ تَقْدِيسًا تَامًّا، وَحَفِظَكُمْ سَالِمِينَ رُوحًا وَنَفْسًا وَجَسَدًا" (1 تَسَالُونِيقِي 5: 23).

 

وَقَدْ بَلَغَ ٱلْحِوَارُ بَيْنَ يَسُوعَ وَٱلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ ذِرْوَتَهُ عِنْدَ ٱلْكَلامِ عَنِ ٱلْعِبَادَةِ بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ (يُوحَنَّا 4: 19–26). فَٱلْعِبَادَةُ لَمْ تَعُدْ مُرْتَبِطَةً بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ مُحَدَّدَيْنِ. وَإِذْ أَشَارَ يَسُوعُ إِلَى سُمُوِّ ٱلْإِيمَانِ المَسِيحيِ (يُوحَنَّا 4: 22) بِٱلْمُقَارَنَةِ مَعَ ٱلْإِيمَانِ ٱلسَّامِرِيِّ، فَإِنَّ ٱلْعِبَادَةَ ٱلْحَقِيقِيَّةَ هِيَ عِبَادَةٌ شَخْصِيَّةٌ وَرُوحِيَّةٌ تُقَدَّمُ إِلَى ٱللَّهِ بِوَاسِطَةِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ. وَهٰذَا ٱلرُّوحُ يُعَرِّفُنَا بِٱللَّهِ كَأَبٍ فَنَعْبُدُهُ، إِذْ يُصَلِّي فِينَا وَمِنْ أَجْلِنَا، كَمَا قَالَ ٱلرَّسُولُ بُولُسُ: "إِنَّ ٱلرُّوحَ أَيْضًا يَأْتِي لِنَجْدَةِ ضُعْفِنَا، لِأَنَّنَا لَا نُحْسِنُ ٱلصَّلَاةَ كَمَا يَجِبُ، وَلٰكِنَّ ٱلرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ لَنَا بِأَنَّاتٍ لَا تُوصَفُ" (رُومَا 8: 26). وَهُوَ أَيْضًا ٱلَّذِي يُعَلِّمُنَا أَقْوَالَ ٱلْمَسِيحِ، كَمَا قَالَ يَسُوعُ:"ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ ٱلَّذِي سَيُرْسِلُهُ ٱلْآبُ بِٱسْمِي، هُوَ يُعَلِّمُكُمْ جَمِيعَ ٱلْأَشْيَاءِ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ" (يُوحَنَّا 14: 26).

 

وَهٰكَذَا فَإِنَّ ٱلْعِبَادَةَ فِي ٱلْمَسِيحِيَّةِ لَا تَرْتَبِطُ بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ جِنْسٍ، بَلِ ٱلْكُلُّ يَسْجُدُونَ لِلْآبِ مِنْ خِلَالِ إِيمَانِهِمْ بِٱبْنِهِ ٱلْمَسِيحِ، وَبِقُوَّةِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ٱلَّذِي يَحِلُّ فِيهِمْ وَيَقُودُهُمْ فِي ٱلْعِبَادَةِ ٱلرُّوحِيَّةِ. وَتَتِمُّ ٱلْعِبَادَةُ ٱلْحَقِيقِيَّةُ بِٱلرُّوحِ فِي دَاخِلِ ٱلْإِنْسَانِ حَيْثُ يَسْكُنُ ٱللَّهُ، كَمَا يَقُولُ ٱلرَّسُولُ بُولُسُ: "أَوَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ أَجْسَادَكُمْ هِيَ هَيْكَلُ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، ٱلَّذِي فِيكُمْ، ٱلَّذِي نِلْتُمُوهُ مِنَ ٱللَّهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ؟" (1 قُورِنْتُس 6: 19). وَهِيَ ٱلْعِبَادَةُ ٱلْوَحِيدَةُ ٱلَّتِي تُرْضِي ٱلْآبَ (مَتَّى 3: 17)، وَفِيهَا يَرْفَعُ ٱلْعَابِدُونَ ٱلْحَقِيقِيُّونَ أَصْوَاتَهُمْ قَائِلِينَ: "أَبَّا، أَيُّهَا ٱلْآبُ" (غَلَاطِيَّة 4: 6). أَمَّا فِي ٱلسَّمَاءِ فَلَنْ يَكُونَ هُنَاكَ هَيْكَلٌ، لِأَنَّ "ٱلرَّبَّ ٱللَّهَ ٱلْقَادِرَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ هُوَ هَيْكَلُهَا وَٱلْحَمَلُ" (رُؤْيَا 21: 22). وَتَسْتَمِرُّ ٱلْعِبَادَةُ لَيْلًا وَنَهَارًا (رُؤْيَا 4: 8)، لِتَقْدِيمِ ٱلْكَرَامَةِ وَٱلْمَجْدِ لِذَاكَ ٱلَّذِي يَحْيَا إِلَى أَبَدِ ٱلْآبِدِينَ (رُؤْيَا 4: 10).

 

وَٱلْعِبَادَةُ ٱلْجَدِيدَةُ ٱلَّتِي يُعْلِنُهَا يَسُوعُ لَيْسَتْ عِبَادَةً بَاطِنِيَّةً فَقَطْ وَلَا فَرْدِيَّةً بِلَا طُقُوسٍ أَوْ هَيْكَلٍ أَوْ أَبْعَادٍ جَمَاعِيَّةٍ، بَلْ هِيَ عِبَادَةٌ رُوحِيَّةٌ، أَيْ مِنْ صُنْعِ رُوحِ ٱللَّهِ وَلَيْسَ مِنْ صُنْعِ ٱلْخَلِيقَةِ ٱلْجَسَدِيَّةِ. فَمِنْ قَلْبِ ٱلْإِنْسَانِ ٱلْمُتَجَدِّدِ بِٱلْمَاءِ وَٱلرُّوحِ (يُوحَنَّا 3: 5) تَصْعَدُ ٱلصَّلَاةُ ٱلْبُنُوِيَّةُ: "يَا أَبَّتَاهُ" (رُومَا 8: 15)، ٱلَّتِي وَحْدَهَا تُرْضِي ٱللَّهَ، لِأَنَّهُ بِهَا يَعْرِفُ ٱللَّهُ رُوحَهُ فِينَا. وَهٰذِهِ ٱلدِّيَانَةُ هِيَ "فِي ٱلْحَقِّ" لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى وَحْيِ ٱلْآبِ عَنْ ذَاتِهِ وَعَنْ مَحَبَّتِهِ فِي ٱبْنِهِ، ٱلَّذِي هُوَ ٱلْحَقُّ، كَمَا قَالَ يَسُوعُ: "أَنَا هُوَ ٱلطَّرِيقُ وَٱلْحَقُّ وَٱلْحَيَاةُ" (يُوحَنَّا 14: 6).

 

(2) مَكَانُ ٱلْعِبَادَةِ ٱلْحَقِيقِيَّةِ

 

لَمَّا رَأَتِ ٱلْمَرْأَةُ ٱلسَّامِرِيَّةُ فِي يَسُوعَ أَنَّهُ نَبِيٌّ، أَيْ رَجُلُ ٱللَّهِ، سَأَلَتْهُ أَنْ يَحُلَّ ٱلْمُشْكِلَةَ ٱلْقَائِمَةَ بَيْنَ ٱلْيَهُودِ وَٱلسَّامِرِيِّينَ، فَقَالَتْ لَهُ: "تَعَبَّدَ آبَاؤُنَا فِي هٰذَا ٱلْجَبَلِ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ ٱلْمَكَانَ ٱلَّذِي فِيهِ يَجِبُ ٱلتَّعَبُّدُ هُوَ فِي أُورَشَلِيم» (يُوحَنَّا 4: 20). فَكَانَ ٱلسَّامِرِيُّونَ يَعْتَبِرُونَ جَبَلَ جَرِزِّيم ٱلْمَكَانَ ٱلْمُقَدَّسَ لِلْعِبَادَةِ، إِذْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ ٱلْمَوْضِعُ ٱلَّذِي قَدَّمَ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ ذَبِيحَتَهُ (تَكْوِين 22: 2)، فِي "أَرْضِ مُورَةَ" بِقُرْبِ شَكِيمَ، كَمَا جَاءَ فِي ٱلتَّوْرَاةِ (تَكْوِين 12: 6)، وَلَيْسَ فِي أَرْضِ مُورِيَّةَ كَمَا يَرِدُ فِي ٱلتَّقْلِيدِ ٱلْيَهُودِيِّ (تَكْوِين 22: 2). وَفِيهِ أَيْضًا، بِحَسَبِ ٱلتَّقْلِيدِ ٱلسَّامِرِيِّ، ٱلْتَقَى إِبْرَاهِيمُ بِٱلْكَاهِنِ ٱلْأَعْظَمِ مَلْكِيصَادَق.

 

وَكَانَ يَعْقُوبُ قَدْ أَقَامَ هُنَاكَ مَذْبَحًا (تَكْوِين 33: 20)، وَفِيهِ – حَسَبَ ٱعْتِقَادِ ٱلسَّامِرِيِّينَ – تَمَّتْ أَوَّلُ تَقْدِمَةٍ عِبْرَانِيَّةٍ فِي ٱلْأَرْضِ ٱلْمُقَدَّسَةِ، وَلَيْسَ عَلَى جَبَلِ عِيبَال (تَثْنِيَة ٱلِٱشْتِرَاع 27: 4). وَكَانَ يُعْتَبَرُ أَيْضًا جَبَلَ ٱلْبَرَكَاتِ (تَثْنِيَة ٱلِٱشْتِرَاع 27: 11–14). فَتَسَاءَلَتِ ٱلسَّامِرِيَّةُ: أَلَمْ يَكُنْ هٰذَا ٱلْمَكَانُ ٱلْمُقَدَّسُ هُوَ ٱلْمَكَانَ ٱلَّذِي ٱخْتَارَهُ ٱلرَّبُّ لِيُعْبَدَ فِيهِ؟ (تَثْنِيَة ٱلِٱشْتِرَاع 12: 5–12).

 

لٰكِنَّ يَسُوعَ كَشَفَ لَهَا حَقِيقَةً جَدِيدَةً: فَٱلْعِبَادَةُ لَا تَرْتَبِطُ بِمَكَانٍ مُحَدَّدٍ، بَلْ بِشَخْصٍ. وَهٰذَا ٱلشَّخْصُ حَاضِرٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَيُرَافِقُ ٱلسَّاجِدِينَ لَهُ بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ. لِذٰلِكَ قَالَ لَهَا يَسُوعُ: "صَدِّقِينِي أَيَّتُهَا ٱلْمَرْأَةُ، تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا تَعْبُدُونَ ٱلْآبَ لَا فِي هٰذَا ٱلْجَبَلِ وَلَا فِي أُورَشَلِيم" (يُوحَنَّا 4: 21).

 

فَقَدْ وَلَّى زَمَنُ ٱلْعِبَادَةِ ٱلْمَرْتَبِطَةِ بِجَبَلٍ أَوْ بِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ، مَهْمَا كَانَ مُقَدَّسًا، وَبَطَلَ ٱلْخِلَافُ بَيْنَ ٱلْمَعَابِدِ: أُورَشَلِيم أَمْ جَرِزِّيم. فَيَسُوعُ يَتَجَاوَزُ هٰذَا ٱلصِّرَاعَ، وَيَجْمَعُ ٱلْيَهُودَ وَٱلسَّامِرِيِّينَ دُونَ تَمْيِيزٍ، إِذْ يُعْلِنُ: "تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ ٱلْآنَ، فِيهَا ٱلْعَابِدُونَ ٱلصَّادِقُونَ يَعْبُدُونَ ٱلْآبَ بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ، فَمِثْلَ هٰؤُلَاءِ ٱلْعَابِدِينَ يُرِيدُ ٱلْآبُ" (يُوحَنَّا 4: 23).

 

فَقَدْ أَتَتْ سَاعَةُ ٱلْبِشَارَةِ بِٱلْعَهْدِ ٱلْجَدِيدِ، وَبِصَلِيبِ ٱلْمَسِيحِ لَمْ تَعُدْ هُنَاكَ حَاجَةٌ إِلَى ٱلذَّبَائِحِ ٱلْقَدِيمَةِ. وَبِذٰلِكَ فَقَدَ ٱلْهَيْكَلُ ٱلْيَهُودِيُّ وَٱلسَّامِرِيُّ دَوْرَهُمَا ٱلطَّقْسِيَّ ٱلْقَدِيمَ، لِتَصِيرَ ٱلْعِبَادَةُ سُجُودًا لِلْآبِ أَبِي ٱلْجَمِيعِ. وَبَدَلَ ٱلتَّنَافُرِ بَيْنَ ٱلْيَهُودِ وَٱلسَّامِرِيِّينَ، تَقُومُ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ لِإِلٰهٍ وَاحِدٍ هُوَ ٱلْآبُ.

 

وَمَا يَهُمُّ ٱللَّهَ لَيْسَ ٱلْمَكَانَ، بَلْ طَبِيعَةَ ٱلْعِبَادَةِ نَفْسِهَا، كَمَا قَالَ يَسُوعُ: "إِنَّ ٱللَّهَ رُوحٌ، فَعَلَى ٱلْعَابِدِينَ أَنْ يَعْبُدُوهُ بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ" (يُوحَنَّا 4: 24). وَهٰذِهِ ٱلْعِبَادَةُ ٱلشَّامِلَةُ قَدْ تَنَبَّأَ عَنْهَا ٱلْأَنْبِيَاءُ مُنْذُ ٱلْقِدَمِ، كَمَا يَقُولُ ٱلنَّبِيُّ مَلَاخِي: "لِأَنَّهُ مِنْ مَشْرِقِ ٱلشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا ٱسْمِي عَظِيمٌ فِي ٱلْأُمَمِ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ تُقَرَّبُ لِٱسْمِي تَقْدِمَةٌ طَاهِرَةٌ، لِأَنَّ ٱسْمِي عَظِيمٌ فِي ٱلْأُمَمِ، قَالَ رَبُّ ٱلْقُوَّاتِ"مَلَاخِي 1: 11).

 

وَلَمْ يَأْتِ يَسُوعُ إِلَى ٱلسَّامِرَةِ لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ضَلَالَهُمُ ٱلدِّينِيَّ، بَلْ جَاءَ بِدَافِعِ ٱلْمَحَبَّةِ، بَاحِثًا عَنِ ٱلْإِنْسَانِ لِيَجْذِبَهُ إِلَى ٱلْعِبَادَةِ ٱلْحَقَّةِ. وَلِذٰلِكَ فَإِنَّ مَوْضُوعَ ٱلْعِبَادَةِ يَحْمِلُ قِيمَةً كَبِيرَةً فِي ٱلْحِوَارِ بَيْنَ ٱلْأَدْيَانِ. فَقَدْ كَانَ ٱلنِّقَاشُ بَيْنَ ٱلْيَهُودِ وَٱلسَّامِرِيِّينَ يَدُورُ حَوْلَ مَكَانِ ٱلْعِبَادَةِ: فَٱلْيَهُودُ يَرَوْنَ أَنَّ ٱلذَّبَائِحَ تُقَدَّمُ فِي هَيْكَلِ أُورَشَلِيم، أَمَّا ٱلسَّامِرِيُّونَ فَيَعْتَبِرُونَ جَبَلَ جَرِزِّيم مَكَانَ ٱلذَّبَائِحِ وَٱلْعِبَادَةِ. أَمَّا يَسُوعُ فَيَكْشِفُ أَنَّ ٱلْعِبَادَةَ ٱلْحَقَّةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ بِحَقِيقَةِ ٱلْإِيمَانِ وَبِشَرِكَةِ ٱلْإِنْسَانِ مَعَ ٱللَّهِ. لِذٰلِكَ يُصَرِّحُ: "ٱلْعَابِدُونَ ٱلصَّادِقُونَ يَعْبُدُونَ ٱلْآبَ بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ" (يُوحَنَّا 4: 23).

 

وَبِهٰذَا يَفْتَحُ يَسُوعُ آفَاقَ ٱلْعِبَادَةِ وَٱلْخَلَاصِ أَمَامَ جَمِيعِ ٱلْبَشَرِ، فَلَا تَعُودُ ٱلْعِبَادَةُ مُرْتَبِطَةً بِشَعْبٍ مُعَيَّنٍ أَوْ بِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ. وَهٰكَذَا أَظْهَرَ يَسُوعُ عَمَلِيًّا شُمُولِيَّةَ ٱلْعِبَادَةِ "بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ" ٱلَّتِي جَاءَ لِيُؤَسِّسَهَا، وَلِأَجْلِ ذٰلِكَ أَعْلَنَهَا فِي ٱلسَّامِرَةِ خَارِجَ حُدُودِ ٱلدِّيَانَةِ ٱلْيَهُودِيَّةِ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ ٱلْخَلَاصَ مُوَجَّهٌ إِلَى ٱلْعَالَمِ كُلِّهِ.

 

3. ٱلْحِوَارُ مَعَ ٱلسَّامِرِيِّينَ عن يَسُوعُ مُخَلِّصُ ٱلْعَالَمِ (يُوحَنَّا 4: 26–42)

 

لَمَّا تَكَلَّمَ يَسُوعُ مَعَ ٱلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ أَتَمَّ رِسَالَتَهُ ٱلَّتِي مِنْ أَجْلِهَا أَرْسَلَهُ ٱلْآبُ إِلَى ٱلْعَالَمِ، وَأَعْطَى أَخِيرًا جَوَابًا كَامِلًا عَنْ هُوِيَّتِهِ، أَنَّهُ مُخَلِّصُ ٱلْعَالَمِ. وَقَدْ دَفَعَ هٰذَا ٱلْإِعْلَانُ ٱلْمَرْأَةَ ٱلسَّامِرِيَّةَ إِلَى ٱلْكِرَازَةِ بِيَسُوعَ وَجَذْبِ ٱلنَّاسِ إِلَيْهِ، فَجَاءُوا إِلَيْهِ وَٱعْتَرَفُوا بِهِ أَنَّهُ هُوَ مُخَلِّصُ ٱلْعَالَمِ.

 

وَقَبِلَ يَسُوعُ ضِيَافَةَ ٱلسَّامِرِيِّينَ وَأَقَامَ عِنْدَهُمْ يَوْمَيْنِ، فَكَسِبَ قُلُوبَهُمْ. وَلَمَّا أَخَذُوا بِكَلَامِهِ ٱسْتَخْلَصُوا ٱلنَّتِيجَةَ مِنَ ٱلْحَدَثِ، وَبَدَأُوا يُعْلِنُونَهَا جَمَاعِيًّا قَائِلِينَ:"لَا نُؤْمِنُ ٱلْآنَ عَنْ قَوْلِكِ، فَقَدْ سَمِعْنَاهُ نَحْنُ وَعَلِمْنَا أَنَّهُ مُخَلِّصُ ٱلْعَالَمِ حَقًّا" (يُوحَنَّا 4: 42).

 

لَمْ تَصِلِ ٱلرِّوَايَةُ إِلَى ذُرْوَتِهَا عَنْ طَرِيقِ شَهَادَةِ ٱلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ فَقَطْ (يُوحَنَّا 4: 39)، بَلْ أَيْضًا مِنْ خِلَالِ لِقَاءِ ٱلسَّامِرِيِّينَ بِشَخْصِ يَسُوعَ وَكَلِمَتِهِ. فَٱلْإِيمَانُ لَا يَأْتِي عَنْ خِبْرَةِ ٱلْآخَرِينَ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ ثِقَةٌ حَيَّةٌ تَسْتَنِدُ إِلَى كَلِمَةِ يَسُوعَ نَفْسِهِ. لِذٰلِكَ ٱعْتَرَفَ ٱلسَّامِرِيُّونَ أَنَّهُ مُخَلِّصُ ٱلْعَالَمِ.

 

إِنَّ رُؤْيَةَ ٱلسَّامِرِيِّينَ لِلسَّيِّدِ ٱلْمَسِيحِ وَسَمَاعَهُمْ لَهُ ثَبَّتَ إِيمَانَهُمْ ٱلَّذِي تَسَلَّمُوهُ مِنَ ٱلْمَرْأَةِ، فَٱنْجَذَبَ كَثِيرُونَ مَعَهُمْ إِلَى هٰذَا ٱلْإِيمَانِ. وَهَكَذَا أَدْرَكُوا أَنَّهُ لَيْسَ مُخَلِّصَ ٱلْيَهُودِ وَلَا ٱلسَّامِرِيِّينَ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ بِٱلْحَقِيقَةِ مُخَلِّصُ ٱلْعَالَمِ كُلِّهِ. وَهٰذَا مَا أَعْلَنَهُ ٱلنَّبِيُّ إِشَعْيَاء قَائِلًا: "كَشَفَ ٱلرَّبُّ عَنْ ذِرَاعِ قُدْسِهِ عَلَى عُيُونِ جَمِيعِ ٱلْأُمَمِ، فَتَرَى كُلُّ أَطْرَافِ ٱلْأَرْضِ خَلَاصَ إِلٰهِنا (إِشَعْيَاء 52: 10). وَيُعَلِّقُ القديس يوحنا الذهبي الفم قَائِلًا: "إِنَّهُ ٱلْمُخَلِّصُ ٱلْحَقِيقِيُّ ٱلَّذِي يَهَبُ ٱلْخَلَاصَ ٱلْحَقِيقِيَّ ٱلْأَبَدِيَّ وَلَيْسَ ٱلزَّمَنِيَّ".

 

وَأَخِيرًا رَأَى يَسُوعُ، فِي رُؤْيَا نَبَوِيَّةٍ، تَلَامِيذَهُ يَحْصُدُونَ حُقُولًا شَاسِعَةً سَبَقَهُمْ إِلَى ٱلْعَمَلِ فِيهَا ٱلْأَنْبِيَاءُ، وَخَاصَّةً ٱلْمَسِيحُ نَفْسُهُ، لِكَيْ يُدْرِكُوا وَحْدَةَ ٱلْعَمَلِ ٱلْإِلَهِيِّ وَتَعَبَ ٱلَّذِينَ سَبَقُوهُمْ. وَبِذٰلِكَ يَصْدُقُ ٱلْمَثَلُ ٱلْقَائِلُ: "ٱلْوَاحِدُ يَزْرَعُ وَٱلْآخَرُ يَحْصُدُ".  لِذٰلِكَ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: "إِنِّي أَرْسَلْتُكُمْ لِتَحْصُدُوا مَا لَمْ تَتْعَبُوا فِيهِ، فَغَيْرُكُمْ تَعِبُوا وَأَنْتُمْ دَخَلْتُمْ فِيمَا تَعِبُوا فِيهِ" (يُوحَنَّا 4: 37–38).

 

 

الخُلاصَة

 

فِي هٰذَا ٱلْإِنْجِيلِ يُتَاحُ لَنَا ٱكْتِشَافُ ٱلرَّغْبَةِ ٱلْعَمِيقَةِ ٱلَّتِي تُقِيمُ فِينَا. وَٱلْمَكَانُ ٱلَّذِي يَحْدُثُ هٰذَا فِيهِ هُوَ سِيخَارَةُ، وَهِيَ قَرْيَةٌ فِي ٱلسَّامِرَةِ، يَتَوَقَّفُ فِيهَا يَسُوعُ وَهُوَ قَادِمٌ مِنَ ٱلْيَهُودِيَّةِ فِي طَرِيقِهِ إِلَى ٱلْجَلِيلِ.

 

تَقَبَّلَتِ ٱلسَّامِرَةُ ٱلْكَلِمَةَ بِٱلْإِيمَانِ لَا بِٱلْمُعْجِزَاتِ، وَذٰلِكَ مِنْ خِلَالِ ٱلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ ٱلَّتِي يَرْوِي لَنَا ٱلْإِنْجِيلِيُّ قِصَّةَ لِقَائِهَا مَعَ ٱلسَّيِّدِ ٱلْمَسِيحِ، يَنْبُوعِ ٱلْحَيَاةِ. يَلْتَقِي بِهَا ٱلْمَسِيحُ وَهِيَ سَامِرِيَّةٌ، فَيَكْسِرُ ٱلرَّبُّ يَسُوعُ حَاجِزَ ٱلْبُغْضِ ٱلَّذِي تَعَالَى بَيْنَ ٱلْيَهُودِ وَٱلسَّامِرِيِّينَ، لِأَنَّ حَوَاجِزَ ٱلْبَشَرِ لَا تَمْنَعُ ٱللَّهَ مِنْ سَكْبِ نِعَمِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ.

 

وَيُحَاوِرُ يَسُوعُ ٱلْمَرْأَةَ ٱلسَّامِرِيَّةَ بِكُلِّ صَبْرٍ عَظِيمٍ لِيُغَيِّرَ قَلْبَهَا فَتُؤْمِنَ بِهِ. وَيَنْتَقِلُ مَعَهَا تَدْرِيجِيًّا مِنْ طَلَبِ مَعْرُوفٍ بَسِيطٍ، إِلَى جَذْبِهَا إِلَى ٱلْمَاءِ ٱلْحَيِّ، ثُمَّ يُوقِظُ ضَمِيرَهَا بِكَلَامٍ عَنْ سِيرَتِهَا ٱلْمَاضِيَةِ، وَيَرْفَعُهَا إِلَى رُوحِيَّةِ ٱلْعِبَادَةِ، ثُمَّ يُوصِلُهَا إِلَى ٱلْإِعْلَانِ ٱلْحَاسِمِ أَنَّهُ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱلْمُنْتَظَرُ. وَبِهٰذَا يُخْرِجُهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِهَا ٱلْمُؤْلِمَةِ وَمِنْ مَاضِيهَا ٱلْمُثْقِلِ، إِلَى عَمَلٍ تَبْشِيرِيٍّ حَيٍّ، فَتَجْتَذِبُ مَدِينَةً بِأَسْرِهَا فِي لَحَظَاتٍ قَلِيلَةٍ، وَتَقُودُهُمْ إِلَى ٱلْٱعْتِرَافِ بِٱلْمَسِيحِ: مُخَلِّصِ ٱلْعَالَمِ.

 

وَقِصَّةُ ٱلْمَرْأَةِ ٱلسَّامِرِيَّةِ هِيَ قِصَّةُ أُنَاسٍ بَحَثُوا بِإِخْلَاصٍ عَنِ ٱلرَّبِّ—مِثْلَ بُولُسَ ٱلرَّسُولِ، وَأُوغُسْطِينُوسَ، وَشَارْلِ دُو فُوكُو—فَٱجْتَازُوا شُكُوكًا وَٱعْتِرَاضَاتٍ، ثُمَّ ٱكْتَشَفُوا فِي ٱلسَّيِّدِ ٱلْمَسِيحِ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ يَعْقُوبَ، وَنَبِيٌّ، وَمَسِيحٌ، وَمُخَلِّصٌ لَهُمْ وَلِلْعَالَمِ.

 

 

دُعَاء

 

أَيُّهَا ٱلْآبُ ٱلسَّمَاوِيُّ،

كَمَا أَرْسَلْتَ ٱبْنَكَ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ إِلَى ٱلْعَالَمِ لِيَلْتَقِيَ بِٱلنَّاسِ، وَخَاصَّةً بِٱلْخُطَاةِ،

أَشْعِلْ فِينَا نَارَ ٱلْمَحَبَّةِ ٱلْإِلٰهِيَّةِ مِنْ خِلَالِ كَلِمَتِكَ.

وَٱجْعَلْنَا نَسِيرُ عَلَى خُطَى ٱلسَّامِرِيَّةِ ٱلنَّادِمَةِ،

 لِنَنَالَ غُفْرَانَ ٱلْخَطَايَا،

 وَنُغَيِّرَ حَيَاتَنَا وَتَصَرُّفَاتِنَا،

وَنَنَالَ نِعْمَةَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، حَتَّى نَعْبُدَكَ بِٱلرُّوحِ وَٱلْحَقِّ.

وَٱجْعَلْنَا مُبَشِّرِينَ بِٱسْمِكَ ٱلْقُدُّوسِ عَلَى مِثَالِهَا،

لِكَيْ يُؤْمِنَ بِكَ ٱلْعَالَمُ كُلُّهُ:

مُعَلِّمًا، وَنَبِيًّا، وَمَسِيحًا، وَمُخَلِّصًا. آمِين.