موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في جلسةٍ جمعتني مع لاهوتيٍّ غربيٍّ (دونَ ذكرِ اسم بلدهِ)، كان محورُ حديثنا حول «يسوعَ المسيح؛ المشرقيّ»، الذي فقدنا شكل وجههِ وهيأتَهُ المشرقيّة، ليحلَّ محلهُ مسيحٌ آخرُ (من عصر النهضةِ وما بعدهُ) أبيضُ البشرةِ، أشقرُ، أزرقُ العينينِ. عندما أراد هذا اللاهوتيُّ أن يُقرّبَ لي صورةَ يسوعَ الجديدةَ، ذكر: «أنتُم معشرَ الشرقيّينَ لديكُم البترولُ الخامُ، ونحنُ نستوردهُ منكُم ونُعيدهُ إليكُم بترولًا مكرّرًا، نقيًّا، ومُصفًّى، أو بِنزينًا تُشغِّلون به سيّاراتكُمُ الأمريكيّة والأوروبيّة. وهكذا، نأخذُ منكُم يسوعكُمُ الخامَ ونُعيدُ تصديرهُ إليكُم مسيحًا جديدًا سُوبرمان».
هذا التشبيهُ الذي نقلهُ لي هذا اللاهوتيُّ عن «البترولِ الخامِ والبترولِ المُصفّى» ذكيٌّ جدًا ومُؤلمٌ في آنٍ واحدٍ؛ فهو يختصرُ بدقةٍ عمليّةَ «الهندسةِ الثقافيّةِ والدينيّةِ» التي تعرضت لها شخصيّةُ المسيحِ وتُراثُهُ، ليتحوَّل من مثيلهِ التاريخيِّ والمكانيِّ كإنسانٍ شرقيٍّ ابن بيئتهِ اللغويّةِ والاجتماعيّةِ (الفلسطينيّةِ/الآراميّةِ)، إلى أيقُونةٍ غربيّةٍ شقراءَ تُصدّرُ إلينا كنموذجٍ معياريٍّ وحيدٍ.
بعد انتهاءِ هذه الجلسةِ مع هذا اللاهوتيِّ «البتروليّ»، وكعادتي في التقاطِ المُلاحظاتِ والعباراتِ التي تردُ في مُحادثاتي مع العديدِ من النّاسِ لدى مناقشةِ موضُوعاتٍ لها وزنُها وقيمتُها، أقُومُ بتسجيلِ بعض النقاطِ التي تُثيرُ انتباهي من هذه المُحاورات، أدوّنُها في دفترٍ صغيرٍ لئلا أنساها وتضيعَ منّي. قُمتُ باستعادةِ عبارةِ «البترولِ الخامِ» التي أطلقها مُحدّثي اللاهوتيُّ الغربيُّ، وقضيتُ وقتًا متأمّلًا في معانيها «الروحيَّةِ». وخلصتُ مباشرةً إلى ضرورةِ كتابةِ دراسةٍ أو بحثٍ حول هذه الجُزئيّةِ المُهمّةِ.
سأشاركُكُم قُرّائي الأعزاء الخُطوطَ العريضةَ التي أشتغلُ عليها في هذا البحثِ ولن أُخفيها عنكُم. فمن شاءَ منكُم أن يشتغلَ على بحثٍ مماثلٍ فلهُ منّي كلُّ التّشجيعِ، ومن شاءَ أن يُناقشني في تفاصيلهِ، فالبابُ مفتوحٌ على مِصراعيهِ.
يتكوّنُ البحثُ المُفترضُ من مُقدمةٍ تبحثُ في أزمةِ الهُويّةِ الدينيّةِ بين الأصالةِ الشّرقيّةِ ليسوعَ المسيحِ والهيمنةِ الثقافيّةِ. ففي خِضمِّ التحوُّلاتِ العميقةِ التي تعصفُ بوعيِ الإنسانِ الشرقيِّ، يبرُزُ السؤالُ الدينيُّ بوصفهِ أحد أشدِّ الأسئلةِ تعقيدًا وارتباطًا بمسألةِ الهُويّةِ. وإذا كان التاريخُ قد شهدَ صراعاتٍ مريرةً على الجُغرافيا والثرّواثِ، فإنَّ الصّمتَ الأثقلَ هو الذي يلُفُّ «نهبَ الرُّوحِ» واستيرادَ المخيالِ الدينيِّ جاهزًا ومُعلّبًا من مراكزِ الهيمنةِ العالميّةِ.
لقد تعاملَ الفكرُ الاستعماريُّ، وتبعهُ في ذلكَ تيّاراتُ التّبشيرِ الحديثةِ، مع الشَّرقِ العربيِّ باعتبارهِ حقلًا مُستباحًا للثّرواتِ الخامِ، ولن يقفَ الأمرُ عند حُدُودِ البترولِ أو المواردِ الماديّةِ، بل امتدَّ ليشملَ «البترولَ الرُّوحيَّ»: يُستخرجُ يسوعُ النّاصريُّ من تُرابه السّاميِّ، وتاريخهِ الواقعيِّ تحتَ سياطِ الإمبراطُوريّاتِ الرُومانيّةِ والغربيّةِ، ليُعادَ تصديرُهُ إلى الشّرقِ نفسهِ «مَسيحًا أجنبيًّا»، أبيضَ البشرةِ، أشقرَ الشّعرِ، يرتدي ثوبَ الفردانيّةِ الرّأسماليّةِ أو اللاهوتِ الاستهلاكيّ.
أمّا مُخطّطُ الفصلِ الأوّلِ فيدُورُ حولَ: يسوعُ الحقيقيُّ.. ابنُ البيئةِ الشرقيَّةِ والسّاميّةِ. لكي نفهمَ يسوعَ الناصريّ حقًا، علينا أوّلًا أن نُعيدهُ إلى بيئتهِ التاريخيّةِ والانثروبولوجيّةِ التي وُلد ودرجَ فيها، بعيدًا عن صالاتِ العرضِ الأوروبيّةِ واللّوحاتِ الزّيتيّةِ الكلاسيكيّةِ التي تملأُ المتاحفَ الأوروبيّةَ والأميريكيّةَ.
بينما يتحدّثُ الفصلُ الثّاني عن معاملِ التّغريبِ.. كيفَ أصبحَ «يَسوعُ» غربيًّا؟ وكيفَ تحوّلَ ذلك الشّابُّ السّاميُّ الأسمرُ، الذي يغمسُ قدميهِ في تُرابِ الجليلِ، إلى رجُلٍ أبيضَ، أشقرَ، أزرقِ العينينِ، يتربّعُ على عرشِ الجمالِ في اللّوحاتِ الغربيّةِ. في هذا الفصلِ ندرُسُ شيئًا من هندسِةِ الملامحِ الجديدةِ في عصر النّهضةِ والفنِّ الأوروبيِّ، والإمبرياليّةِ الثقافيّةِ في لاهوتِ المركزيّةِ الأوروبيّةِ.
أما الفصلُ الثالثُ المُقترحُ في هذا البحثِ، فيدرُسُ استيرادَ «المسيحِ الجاهزِ» لدى كنائسنا الإنجيليّةِ الحديثةِ. ليسَ العتبُ هنا موجّهًا لقاماتٍ رُوحيّةٍ نُجلّها ونحترمُ إخلاصها العميقَ في هذه الكنائسِ؛ فهؤلاءِ القادةُ والأساتذةُ هُم أبناءُ بيئةٍ رُوحيّةٍ وفكريّةٍ ورثُوا أدواتهم بتسليمٍ أمينٍ. لكنّ الإشكالَ الحقيقيَّ لا يكمُنُ في نوايا الأشخاصِ، بل في هندسةِ النّصِّ والخطابِ التي تعرّضت لها هذه الكنائسُ عبر قُرُونٍ من التّغريبِ الثقافيِّ. يُناقشُ الفصلُ أيضًا ترجمةَ النصِّ وعقليّةَ «ضواحي الغربِ» عندما نُترجمُ حرفيًّا ترنيمةً من ضواحي تِكساس لتصدحَ في شوارعِ القُدسِ أو بيروتَ أو عمّانَ. إلى جانبِ ظاهرةِ «يسوعَ الاستهلاكيّ»: ففي الوعظِ المُعاصرِ، جرى تحويلُ يسوع من «مُخلّصِ الشُّعوب المُعذّبةِ والفقيرةِ» إلى «مُدرّبِ تنميةٍ بشريّةٍ شخصيٍّ».
ويُناقشُ الفصلُ الرّابعُ والأخيرُ من هذا البحثِ المُفترضِ، لاهوتًا ومخيالًا شرقيًّا مُستقلًّا يتمثّلُ في (استعادةِ المسيحِ العربيِّ). فالوصُولُ إلى نُقطةِ التّشخيصِ يحتمُ علينا الانتقالَ إلى الفعلِ والتّأسيسِ؛ فكيف نستعيدُ المسيحَ العربيَّ والشّرقيَّ من أسرِ المركزيّةِ الغربيّةِ؟ أبحثُ في هذا الفصلِ أيضًا، استنطاقَ التُراثِ المسيحيِّ المشرقيِّ والمسيحِ كرمزٍ للعدالةِ الاجتماعيّةِ والمُقاومةِ.
إنّ الرحلةَ من «البترولِ الخامِ» إلى «البترولِ المُصفّى» في شخصيّةِ المسيحِ وتُراثهِ لم تكُن قدرًا محتُومًا، بل هي نتيجةُ هيمنةٍ ثقافيّةٍ واستعماريّةٍ استمرّت طويلًا. ولعلّ الخُطوةَ الأولى نحو التّحرُّرِ الرُّوحيِّ والفكريِّ تبدأُ من شجاعةِ الاعترافِ بهذا المأزقِ، وتفكيكِ «المسيحِ المُعلّبِ» الذي نزلَ علينا من ضواحي الغربِ، لكي نُعيدَ اكتشافَ ذلك النّاصريِّ الأسمرِ الذي يُشبهُنا تمامًا، الذي يفيضُ منهُ عبقُ زنابقِ الحُقُولِ وليس رائحةُ البترولِ الخامِ والمُصفّى.