موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ١٣ مايو / أيار ٢٠٢٦

"وَجهُ الرّبُّ الـمَلكيّ" بين كاتبيّ سفر الـمزامير والإنجيل الأوّل

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (مز 46؛ مت 28: 16- 20)

سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (مز 46؛ مت 28: 16- 20)

 

عيد صعود الرّبّ (أ)

 

الـمُقدّمة

 

لازلنا نتمتع ككنيسة بالزّمن الفصحي الّذي نتهلل فيه بقيامة ربّ الـمجد يسوع وبنعمة الخلاص الأبديّ الّذي نلناه دون إستحقاق. في الـمقالات السابقة تعمقنا في ترائيات القائم الّذي يرافق خطواتنا. ومن جديد، من خلال التّلاميذ، نستمر في الإصغاء لحضوره السرّيّ من خلال عيد صعوده الـمقدّس. لهذه الـمناسبة الخاصة، نناقش في مقالنا هذا تحت عنوان "وَجهُ الرّبُّ الـمَلكيّ" ففي النص الأوّل بالعهد القديم من خلال كلمات الـمُرنم للـمزمور الـ 46 والّذي يحمل لنا رسالة السجود للرّبّ الـمَلك. ومن جهة أخرى بالعهد الجديد سنتوقف في هذا العام (أ)  بالطقس اللاتيني لنتعمق في وجه الـمّلك الصاعد إلى السماء مُسَلِمًا إيّانا وصيته على جبل الجليل من خلال الحدث الّذي أبدع الإنجيلي متّى (28: 16- 20) بسبب إختباره ومعايشته الحدث. حيث يرويه لنا بعين وروح التلميذ والتابع للرّبّ والـمعلّم. نهدف من هذا الـمقال أنّ نتحلّى كمؤمنيّن بالإصغاء إلى الرّبّ الّذي يكسف عن وجه ليّ ولك اليّوم.

 

1. السجود للـمَلك الإلهيّ (مز 46: 45)

 

تأتينا كلمات كاتب الـمزمور الــ 46 وهو بمثابة الـمزمور الــ 45 في ترجماتنا كبلسم حيث إنّه وبشكل إستباقي يدعونا للتمتع بلقاء عذراء مُختارة بالـملك الإلهي. هذه العذراء، تُمثلنا جميعًا، في بشريتنا الـمدّعوة للقاء الرّبّ الّذي سيملك علينا. وهنا يسرد الكاتب صفات هذا الرّبّ الـملك قائلاً: »إِنَّكَ أَجمَلُ بني آدم والظرفُ على شَفَتَيكَ اْنسَكَب فلِذلِكَ بارَكَكَ اللهُ لِلأَبَد. تقلَّدْ سَيفك على جَنبِك أيُّها الجبَار بِالجَلالِ والبَهاءَ سِرْ واْركب في سَبيلِ الحَقِّ والدَّعةِ والبِرَ. أُشدُدْ قَوسَكَ يَجعَلْ يُمْناكَ مُخيفة [...] عَرشُكَ يا اللهُ أَبَدَ الدُّهور وصَولَجانُ مُلكِكَ صَولَجانُ اْستِقامة. أَحبَبتَ البِرَّ وأَبغَضتَ الشَّرّ. لِذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ بِزَيتِ الاِبتِهاجِ [...] ثِيابُكَ كلُها مُرٌّ وعودٌ وصَبْر. مِن قُصورِ العاجِ تُطرِبُكَ الأَوتار« (مز 46: 3- 9). يستبق الكاتب وصف الرّبّ الـملك من خلال هذه الكلمات والّتي يمكننا أنّ نطلق عليها كلمات الكاتب النبويّة حيث إنّه يكشف لنا الجمال والبهاء والجلال الّذي يتمتع به الـملك الإلهيّ وهو جالس على عرشه من خلال إستجابته لإختيار فائق الطبيعة، حيث تمّ مسحه بالزيت لتكريسه لرسالة هامة وهي أنّ يملك على بشريتنا. هذه البشريّة تأتينا في صورة العذراء الّتي يصفها الكاتب قائلاً: «إِسمَعي يا بِنتُ واَنظُري وأَميلي أُذُنَكِ إِنسَي شَعبَكِ وبَيتَ أَبيكِ فيَصْبُوَ الـمَلِكُ إِلى حُسنِكِ ِإنَّه سَيِّدُكِ فلَه اْسجُدي. [...] بِنتُ الـمَلِكِ تُزَفُّ إِلى الـمَلِكِ إِلى الدَّاخِل وفي إِثْرِها عَذارى [...] ويَدخُلْنَ إِلى قَصرِ الـمَلِك» (مز 46: 10- 17). بالرغم من هشاشة وضعف البشيّ’ إلّا أنّ سخاء الرّبّ ونعمته هي الّتي أهلتها لتكون العروس الـمختارة حيث إنّها مدعوة للسجود والإعتراف بسيادته. هذا هو نداء ورجاء الكاتب لنا كبشريّين حيث أنّ سجودنا هو علامة إعترافنا بسيادة الرّبّ ومُلكه علينا.

 

2. الإنجيليّ التلميذ (مت 28: 16-17)

 

يعرض علينا متّى الإنجيلي وجهة نظره الخاصة ليصف لنا اللقاء الـمهيب بيسوع الـمعلم سابقًا والـصاعد حاليًا. بعد دعوة يسوع للتّلاميذ الأوائل (راج مت 4: 18- 22)، ونواله نعمة الدعوة الـمباشرة بالرّبّ أثناء حياته كعشار الـماضية (راج مت 9: 9). فقد عشنا مع الـمعلّم الإلهي رحلة إلهيّة دامت ثلاث سنوات ويفاجئنا الإنجيلي في تدوينه الأعداد الأخيرة بريشته لخبرنا بأنّ ختام بشارته ما هي إلّا بداية جديدة وليست نهاية.

 

يحدد متّى بعض السمات بهذا اللقاء وهي طاعة التّلاميذ لكلمات الرّبّ القائم الّذي ترائى للنساء قائلاً: «لا تَخافا! إِذْهَبا فبَلِّغا إِخوَتي أَن يَمضوا إِلى الجَليل، فهُناكَ يَرَونَني» (مت 28: 10). دعوة القائم للنساء أوّلا بالتحرر من الخوف وحمل رسالة للتلاميذ برغبته في لقاءهم على جبل الجليل. ويقطع مسيرة النساء حوار دار بين حُراس قبر يسوع، بأنّه قام وتحاور مع النساء، مع عظماء الكهنة الّذين قاموا بعملية تضليل لهم وأرشوهم بالـمال ليشهدوا زوراً بأنّ تلاميذه قاموا بسرقة جسد يسوع الّذي مات ليلاً (راج مت 28: 11- 15). بينما عدو الحياة يضلل بعض من أتباعه حتى وإنّ كانوا من السلطة الدينيّة بهذا الوقت إلّا أنّ القائم يستمر في لقاءه بتلاميذه ومعاونتهم ليحملوا رسالته.

 

يستمر الإنجيليّ في كشف ردّ فعلهم كتّلاميذ، فهو واحد من هؤلاء الأحد عشر قائلاً: «وأَمَّا التَّلاميذُ الأَحَدَ عَشَر [بدون يهوذا]، فذَهبوا إِلى الجَليل، إِلى الجَبَلِ الَّذي أَمَرَهم يسوعُ أَن يَذهَبوا إِليه. فلَمَّا رَأَوهُ سَجَدوا له، ولكِنَّ بَعضَهُمُ ارْتابوا« (مت 28: 16- 17). الطاعة من قِبل التّلاميذ هي العامل الأوّل لإنطلاقهم. فهم حاضرين على جبل الجليل بالجسد ولكن هناك إرتياب يسود على قلوب وباطن البعض منهم. ففي هذا الوقت بالتحديد وقت يصارع فيه التّلاميذ أثناء تواجدهم أمام الـمسيح الـمعلّم والقائم، دون فهم الكثير من سرّ قيامته وهذا هو سبب إرتيابهم. ولكن سجود الآخرين يشير لسموه الـملكيّ الّذين إستطاعوا أنّ يكتشفوا وجه الرّبّ الـملكيّ فما كان منهم إلّا السجود لإكتشاف هويته الحقيقيّة.

 

3. وجه الرّبّ الـمَلكيّ (مت 28: 18)

 

ببراعة متّى الإنجيل والتلميذ يستعيد في ذاكرته قُرب يسوع الـمُعلّم أثناء وجوده ببيت الجبايّة داعيًا إياه قائلاً: «مَضى يسوعُ فَرأَى في طَريقِه رَجُلاً جالِساً في بَيتِ الجِبايَةِ يُقالُ لَه مَتَّى، فقالَ لَه: ”اتِبَعْني!“ فقامَ فَتَبِعَه» (مت 9: 9). هذا اللقاء الّذي تغيرت فيه حياته ظهراً على عقب، بسبب قُرب يسوع منه. في روايته لحدث صعود يسوع نعتقد إنّه يختبر الحدث للـمرة الثانيّة ولكن ليس بمفرده فهو على الجبل مع باقي التلاميذ يسمع من جديد صوت يسوع القريب منهم كاشفًا عن وجهه الـمَلكيّ الّذي يعبر عن هويته بالفعل والقول مُشيراً: «فَدَنا يسوعُ وكَلَّمَهم قال: "إِنِّي أُوليتُ كُلَّ سُلطانٍ في السَّماءِ والأَرض"» (مت 28: 18). يجيب قُرب يسوع القائم والحيّ على إرتيابهم وشكوكهم، فقو قريب أكثر مما نظن. يمثل هؤلاء التلميذ كلّاً منا في وقت إرتيابه وأزمته حيث يقترب يسوع بهدوء دون ضجيج أو ميكرفون، يأتي لحياتنا بنعومة من خلال هذا الحضور القريب ليُدعمنا ويسندنا. وفي هذا الحضور تعلو كلماته الّتي يعلن فيها دوره السياديّ وليس التعليمي فقط كما عرفوه قبلاً. فهو يعلن إنّه نال من الآب كلّ أنواع السلطان ليتولى الحلم على السماء والأرض معًا. فهو الـمعلّم، الـملك، والسلطان. هذه هي البداية الجديدة الّتي نكتشفها مع تلاميذ يسوع بأنّ له كلّ السلطان والـمجد.

 

4. رسالة بالبدء (مت 28: 19- 20أ)

 

تأتينا كلمات يسوع الختاميّة بحسب السرد الـمتاويّ، بشكل غريب حيث إنّه يمنحنا بداية جديدة. تحويّ كلماته الأخيرة رسالة ولكن هناك حدث فريد من نوعه لن يُنسى. يروي متّى على لسان يسوع كلمات جوهريّة لكلّ مَن يؤمن به حيث يعلن بدء حقبة جديدة: «فاذهَبوا وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، وعَمِّدوهم بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحَ القُدُس، وعَلِّموهم أَن يَحفَظوا كُلَّ ما أَوصَيتُكُم به» (مت 28: 19- 20أ). من خلال قول يسوع، نحن كمؤمنين مدعويّن الآن للبدء في رحلة جديدة، على ضوء رسالته الّتي سلّمها لي ولك. يروي متّى حدث الصعود الّذي نحتفل به ككنيسة وهو لا يصف ترحال يسوع الأخير وعودته اللانهائية للآب، بل في حوار مفتوح يتميز بالسّمات التالية:

 

1) فاذهَبوا؛ بالذهاب أي التحرك باسمه للبدء في تسلّيم ما تسملناه منه بخبرتنا معه وتلمذته لنا.

 

2) وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم؛ دعوتنا بأنّ لا نصير نحن فقط تلاميذ الـمسيح القائم والصاعد بل نبدأ لتتسع دائرة تلاميذ يسوع من خلال شهادتنا وإعلان ما سمعناه ورأيناه من أعمال إلهيّة بحياتنا.

 

3) وعَمِّدوهم بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحَ القُدُس؛ أنّ نصير مُرسلين لآخرين من خلال دعوتنا لآخرين للإنتماء له من خلال سرّ الـمعموديّة باسم الثالوث الـمقدّس. فيصير هذا السرّ هو بدء لعلاقة وحياة في الـمسيح ذاته.

 

4) وعَلِّموهم أَن يَحفَظوا كُلَّ ما أَوصَيتُكُم به؛ يدعونا القائم والصاعد معًا بأنّ نبذل الجهد في أنّ ما منحنا إياه من تعليم لا يضيع سدى بل نسعى بأنّ يحفظ مَن نلتقي بهم على طريق الحياة بأنّ وصيته وهي بحسب متّى اللّاهوتي: «أَحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ وكُلِّ نَفْسِكَ وكُلِّ ذِهِنكَ. تِلكَ هي الوَصِيَّةُ الكُبرى والأُولى. والثَّانِيَةُ مِثلُها: أَحبِبْ قريبَكَ حُبَّكَ لِنَفْسِكَ» (مت 22: 37- 39). إذن تتلخص وصية يسوع بالبدء، بحسب متّى في حبّ الله والقريب. فتصير هذه هي وصيّة الصّاعد إلى السّماء هذا العام، ليملك علينا إلى الأبد.

 

بناء على هذا السرد، يفسر لنا بأنّ حدث الصعود من الجهة اللّاهوتيّة الـمتاويّة هو بمثابة تسلّيم الرّبّ للتلاميذ رسالته الّتي عليهم ان يتمموها. فمن الآن ليس فقط الرب هو من يحمل الجديد ليتتم مشيئة الآب بل سنصير نحن التلاميذ.

 

5. الـمفاجأة (مت 28: 20ب)

 

كما إفتتح متّى بشارته مُعلنًا دخول يسوع لعالمنا البشريّ وهو "العمانوئيل" أي الله معنا (راج مت 1: 18- 20)، يؤكد متّى على لاهوته على هويّة الرّبّ الّذي إقترب منذ التجسد ويقترب الرّبّ بشكل تدريجي من كلّ قلب بشري وبدون إجبار حتى يومنا هذا قائلاً: «هاءنذا معَكم طَوالَ الأَيَّامِ إِلى نِهايةِ العالـم» (مت 28: 20ب). هذا هو وعد يسوع ليّ ولك اليّوم في خلاء جبل التجليّ بينما يرتفع إلى مجده، تترك صدى كلماته إنّه لازال بالقرب منا بشكل سرّي وأبديّ.

 

الخلّاصة

 

نعمقنا بـمقالنا هذا في قرائتنا فيما بين العهديّن، في وجه الرّبّ الـملكيّ، الّذي كشفته لنا كلمات كاتب سفر الـمزامير (46)، بالعهد القديم، مُعلنا ملوكية وسلطان الرّبّ علينا. حيث يدعونا نحن البشريّة في صورة العذراء الجديدة الّتي تقبل الإنتماء للـملك وتصير عروسًا له وتسجد له كعلامة للعهد مع الرّبّ الّذي يشاركها ملكه. وبالعهد الجديد لازالت خبرة التّلميذ والإنجيليّ متّى (28: 16- 20)، في الآيات القليلة والختاميّة لبشارته، تُورث لنا من خلال معايشته حدث القُربّ الإلهيّ منه واليّوم يسلّمنا ما تسلّمه من الرّبّ قبل صعوده مباشرة. تترك كلمات القائم والصّاعد أمامنا كتلاميذه من على جبل الجليل أثراً لا يُمحى وصدى في أُذننا وقلوبنا مع الإنجيليّ. فهو يسلمنا اليّوم، طاعة لوصيّة الرّبّ الصاعد إلى السماء وفي ذات الوقت يدعونا لنصير بخبرتنا مع الرّبّ شهوداً لآخرين ونصير أدوات جذب لقُرب الرّبّ منا بالسجود له الدائم. دُمتم في مسيرة نمو من قُرب الرّبّ الإلهيّ.