موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
حين نتحدث اليوم عن «الإفخارستيا»، أي فريضة «كسر الخبز»، فإننا نفكر غالبًا في الطقس الليتورجي المعروف في الكنائس المختلفة، وفي صلواته وترتيباته اللاهوتية التي تبلورت عبر قرون طويلة. أي أن المؤمنين، حين يجتمعون حول هذه المائدة المقدسة، لا يمارسون طقسًا مستحدثًا، بل يعيدون تجسيد مسار تاريخي عريق يمتد لأكثر من ألفي عام. لكن الرجوع إلى أقدم النصوص المسيحية خارج العهد الجديد يكشف لنا صورة أكثر بساطة، وفي الوقت نفسه أكثر حيوية: كانت الجماعة المسيحية الأولى تجتمع حول المائدة، وتأكل، وتشكر الله، وتتشارك الحياة، وتتطلع إلى مجيء ملكوت الله.
ومن أهم النصوص التي تفتح لنا نافذة على هذه المرحلة كتاب «الديداخي» (Διδαχή) أو «تعليم الرب للأمم بواسطة الرسل الاثني عشر»، وهو نص مسيحي مبكر يرجّح كثير من الباحثين وضعه في أواخر القرن الأول أو أوائل القرن الثاني.
الجذور والتعريف: ما هي وليمة الأغابي؟
كلمة «أغابي» (ἀγάπη)تعني «المحبة»، وأصبحت في التقليد المسيحي مرتبطة بوليمة أخوية تجمع المؤمنين حول الطعام والشركة. لكن من المهم ألا نفترض أن كل استعمال لكلمة «أغابي» في النصوص القديمة يعني بالضرورة «وليمة».
يشير سفر أعمال الرسل (2: 46) إلى حياة الكنيسة الأولى بالقول: «وَكَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يُواظِبُونَ فِي ٱلْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ. وَإِذْ هُمْ يَكْسِرُونَ ٱلْخُبْزَ فِي ٱلْبُيُوتِ، كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ ٱلطَّعَامَ بِٱبْتِهَاجٍ وَبَسَاطَةِ قَلْبٍ». وفي هذه المرحلة المبكرة، كان «عشاء الرب» (Κυριακὸν δεῖπνον)، أو ما يعرف بالإفخارستيا (εὐχαριστία)، مندمجًا بصورة وثيقة مع وليمة الأغابي. كانت الوجبة الجماعية تشكل الإطار الاجتماعي الحياتي، بينما يتخللها أو يتبعها الطقس الروحي لكسر الخبز وكأس الكرمة تذكارًا لعهد الفداء.
الإشكاليات التاريخية: الإنحرافات في كورنثوس وتحذيرات الرسل
يشير السجل الرسولي إلى أن هذا الاندماج بين الوجبة الاجتماعية والطقس الروحي واجه تحديات بشرية واجتماعية عميقة. ففي كنيسة كورنثوس، يوبخ الرسول بولس المؤمنين لأن الأغنياء كانوا يبدأون في أكل طعامهم الخاص بشراهة ودون انتظار للفقراء والعبيد المتأخرين، مما أدى إلى حالة صارخة من الانقسام الطبقي «لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَسْبِقُ فَيَأْخُذُ عَشَاءَ نَفْسِهِ فِي ٱلْأَكْلِ، فَٱلْوَاحِدُ يَجُوعُ وَٱلْآخَرُ يَسْكَرُ» (1 كو 11: 21). هذا الاستهتار أفرغ «عشاء الرب» من مضمونه الروحي. المشكلة إذن، لم تكن مجرد سوء تنظيم لوجبة؛ بل كانت مشكلة لاهوتية: كيف يمكن لجماعة تحتفل بعشاء الرب أن تكشف، في المائدة نفسها، عن انقسامها الاجتماعي؟
وعلى المنوال نفسه، تعود النصوص المتأخرة قليلًا في العهد الجديد، مثل رسالة يهوذا (العدد 12) ورسالة بطرس الثانية (2 بط 2: 13)، لتوجيه تحذيرات صارمة ضد أشخاص تسللوا إلى هذه التجمعات، ويصفونهم بأنهم يصنعون «وَلَائِمَ مَعًا بِلَا خَوْفٍ» (ἀφόβως) مستغلين كرم الجماعة للشراهة الجسدية والأنانية، وممارسين سلوكيات فاسدة دون أي مهابة إلهية أو خزي اجتماعي.
الشاهد التاريخي المبكر: «الديداخي»
تُعد وثيقة «الديداخي» (المؤرخة بين 80 و100 م تقريبًا) أقدم نظام كنسي خارج العهد الجديد، وهي نافذة أثرية مهمة لرؤية هذه الممارسة عن قرب. ففي الفصلين التاسع والعاشر، نرى كيف كانت الكنيسة تصلي وتشكر:
1. صلاة الكأس والخبز المكسور (الفصل 9): تُقدّم الكنيسة الشكر أولًا بالقول «نشكرك يا أبانا من أجل كرمة داود فتاك المقدسة، التي عرّفتنا إيّاها، بواسطة يسوع فتاك، لك المجد إلى الآباد». أما بخصوص كسر الخبز، ففي التعبير البليغ: «نشكرك يا أبانا من أجل الحياة والمعرفة التي أظهرتها لنا بواسطة يسوع فتاك، لك المجد إلى الآباد». و«كما كان هذا الخبز المكسور، منثورًا فوق الجبال، ثم جُمع فصار واحدًا، هكذا اجمع كنيستك من أقاصي الأرض إلى ملكوتك». هنا يتحوّل الخبز رمزيًا إلى أيقونة لوحدة جسد المسيح (الكنيسة).
2. وليمة الأغابي الشاملة (الفصل 10): يبدأ النص بعبارة فاصلة تدل على طبيعة الوجبة: «بعد أن تمتلئوا، اشكروا هكذا... نشكرك أيها الآب القدوس، من أجل اسمك القدوس الذي أسكنته في قلوبنا». هذا التعبير (باليونانية: (Μετὰ δὲ τὸ ἐμπλησθῆναι يؤكد أن المؤمنين كانوا يتناولون طعامًا ماديًا مشبعًا بالفعل وهي وجبة محبة مادية، لتعقبها الصلوات الروحية العميقة وصلاة الشكر.
هل كانت الأغابي والإفخارستيا شيئًا واحدًا؟
هنا ينبغي ألا نعطي جوابًا مبسطًا. يبدو أن المسيحية المبكرة عرفت اجتماعات فيها عناصر متعددة متداخلة: الطعام، والشركة الأخوية، والصلاة، والشكر، وكسر الخبز. وفي الديداخي 9-10 نقرأ الصلاة المرتبطة بالكأس والخبز، ثم صلاة أخرى بعد الشبع. وهذا جعل الباحثين يناقشون العلاقة بين الإفخارستيا والوليمة الجماعية.
ربما كانت هناك في بعض الجماعات مائدة واحدة تجمع الطعام والشركة والشكر، ثم بدأ الفصل بين العناصر الليتورجية والوجبة الجماعية يظهر بصورة أوضح مع مرور الزمن. ومن هنا يمكننا أن نفهم الأغابي والإفخارستيا لا باعتبارهما منذ البداية طقسين منفصلين تمامًا، بل باعتبارهما ممارستين كان بينهما في المرحلة المبكرة تداخل تاريخي وروحي.
المائدة تكشف حقيقة الكنيسة
هذه النقطة هي الأهم بالنسبة إلى حياتنا الكنسية اليوم. ففي الديداخي (الفصل 14) نجد دعوة إلى الاجتماع في «يوم الرب» (الأحد)، وكسر الخبز، والشكر. لكن النص يضيف أمرًا بالغ الدلالة: أن يتصالحوا أولًا، لكي تكون ذبيحتهم طاهرة. «عند اجتماعكم يوم الرب، اكسروا الخبز واشكروا بعد أن تكونوا قد اعترفتم بخطاياكم، لكي تكون ذبيحتكم طاهرة. لا يجتمع معكم كل من له منازعة مع صاحبه حتى يتصالحا، لئلا تتنجس ذبيحتكم».
إذن هناك علاقة مباشرة بين المائدة والمصالحة. لا تستطيع الجماعة أن تأتي إلى مائدة الشكر وهي تتعامل مع الأخ باعتباره غريبًا أو عدوًا. وهذا يعيدنا إلى كلام المسيح في متى 5: 23-24 عن المصالحة قبل تقديم القربان.
لماذا انفصلت الوليمتان؟ (أزمة كورنثوس والتحول التاريخي)
هذا التمازج الجميل بين الطعام المادي والروحي واجه تحديات بشرية عملية مبكرة. ففي رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس (الإصحاح 11)، يوبخ الرسول المؤمنين لأن البعض كان يأكل بشراهة ويترك الفقراء جياعًا في وجبة الأغابي، محولين عشاء الرب إلى مناسبة طبقية، مما أفقده معناه المقدس.
لهذا السبب، ومع مرور النصف الأول من القرن الثاني الميلادي، اتخذت الكنيسة قرارًا تاريخيًا وتنظيميًا حاسمًا بـ فصل وليمة الأغابي تمامًا عن خدمة الإفخارستيا: فأوقفت وجبة الطعام المادي الجماعية تدريجيًا لانتفاء السيطرة عليها ولتفادي الانحرافات، وأبقت على «الإفخارستيا» وحدها كطقس روحي نقي مقدس يُمارس صباحًا في استقلال تام، ليصبح هو النواة الأساسية لـ «القداس الإلهي» المعتمد في الكنائس التقليدية حتى اليوم.
وفي مجمع لاوديكيا (حوالي عام 364 م)، صدر القانون رقم 28 الذي ينص صراحة على: «أنه لا ينبغي إقامة ما يسمى بولائم الأغابي أو ولائم المحبة داخل بيوت الله أو الكنائس»، وذلك لمنع الاستهتار بقدسية الأماكن والممارسات المقدسة.
ومنذ القرن الرابع فصاعدًا، انكمشت ولائم المحبة تدريجيًا وتحولت إلى مجرد أعانات أو «هبات خيرية للفقراء» (تُعرف أحيانًا بـ Caritas)، بينما استقل طقس الإفخارستيا (عشاء الرب) وأصبح يمارس بصورته الطقسية الصرفة بعيدًا عن الوجبات الاجتماعية اليومية.
استدراك: المقالة دراسة مختصرة من أصل بحث موسّع يشتغل عليه الكاتب.
مراجع مفيدة:
بباوي، وليم وهبة، محرر. دائرة المعارف الكتابية. الجزء الرابع. القاهرة: دار الثقافة، 1992.
جرين، مايكل. رسالتا بطرس الثانية ويهوذا. ترجمة بهيج يوسف. سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقددس – العهد الجديد. القاهرة: دار الثقافة، 1993.
راهب من الكنيسة القبطية. الديداخي أي تعليم الرسل. القاهرة: مكتبة المنار، 2000.
Cross, F. L., and E. A. Livingstone, eds. The Oxford Dictionary of the Christian Church. 3rd ed. Oxford University Press, 2005.