موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٣ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦

مثل الكرامين القتلة: خيانة المسؤولية

بقلم :
الأب لويس حزبون - فلسطين
الأَحَدُ السَّابِعُ وَالعِشْرُونَ مِنَ السَّنَةِ: مَثَلُ الكَرَّامِينَ القَتَلَةِ: خِيَانَةِ المَسْؤُولِيَّةِ (مَتَّى 21: 33-43)

الأَحَدُ السَّابِعُ وَالعِشْرُونَ مِنَ السَّنَةِ: مَثَلُ الكَرَّامِينَ القَتَلَةِ: خِيَانَةِ المَسْؤُولِيَّةِ (مَتَّى 21: 33-43)

 

النص الإنجيلي (متى 21: 33-43)

 

33 إِسمَعوا مَثَلاً آخَر: غَرَسَ رَبُّ بَيتٍ كَرْماً فَسيَّجَه، وحفَرَ فيه مَعصَرَةً وبَنى بُرجاً، وآجَرَه بَعضَ الكرَّامين ثُمَّ سافَر. 34 فلمَّا حانَ وَقتُ الثَّمَر، أَرسَلَ خَدمَه إِلى الكَرَّامينَ، لِيَأخُذوا ثَمَرَه. 35 فأَمسَكَ الكرَّامونَ خَدَمَه فضرَبوا أَحدَهم، وقتَلوا غيرَه ورَجَموا الآخَر. 36 فأَرسَلَ أَيضاً خَدَماً آخَرينَ أَكثرَ عَدداً مِنَ الأَوَّلينَ، ففَعلوا بِهِم مِثلَ ذلِك. 37 فأَرسَلَ إِليهِمِ ابنَه آخِرَ الأَمرِ وقال: ((سيَهابونَ، ابْني)). 38 فلَمَّا رَأَى الكرَّامونَ الابنَ، قالَ بَعضُهم لِبَعض: ((هُوَذا الوارِث، هَلُمَّ نَقتُلْهُ، ونَأخُذْ مِيراثَه)). 39 فأَمسَكوهُ وأَلقَوهُ في خارِجِ الكَرْمِ وقتَلوه. 40 فماذا يَفعَلُ رَبُّ الكَرْمِ بِأُولئِكَ الكَرَّامينَ عِندَ عَودَتِه؟)) 41 قالوا له: ((يُهلِكُ هؤُلاءِ الأَشرارَ شَرَّ هَلاك، ويُؤجِرُ الكَرْمَ كَرَّامينَ آخَرينَ يُؤَدُّونَ إِليهِ الثَّمَرَ في وَقْتِه)). 42 قالَ لَهم يسوع: ((أَما قَرأتُم قَطُّ في الكُتُب: ((الحَجَرُ الَّذي رذَلَهُ البنَّاؤُونَ هو الَّذي صارَ رَأسَ الزَّاوِيَة. من عِندِ الرَّبِّ كانَ ذلك وهو عَجَبٌ في أَعيُنِنا)). 43 لِذلكَ أَقولُ لَكم: ((إِنَّ مَلكوتَ اللهِ سَيُنزَعُ مِنْكُم، ويُعطى لأُمَّةٍ تُثمِرُ ثَمرَه. 44 مَن وَقَعَ على هذا الحَجَرِ تَهَشَّم، ومَن وَقَعَ عَلَيه هذا الحَجَرُ حَطَّمَه)). 45 فَلَمَّا سَمِعَ عُظَماءُ الكَهَنَةِ والفِرِّيسيُّونَ أَمثالَه، أَدرَكوا أَنَّه يُعَرِّضُ بِهِم في كلامِه 46 فحاولوا أَن يُمسِكوه، وَلكِنَّهم خافوا الجُموعَ لأَنَّها كانت تَعُدُّه نَبِيّاً.

 

 

المُقَدِّمَةُ

 

يُسَلِّطُ إِنْجِيلُ هٰذَا الأَحَدِ (مَتَّى 21: 33-44) الضَّوْءَ عَلَى مَثَلِ الكَرَّامِينَ القَتَلَةِ، وَهُوَ مِنَ الأَمْثَالِ الَّتِي تَكْشِفُ خُطُورَةَ رَفْضِ الإِنْسَانِ لِمُبَادَرَةِ اللهِ الخَلَاصِيَّةِ. وَيَسْتَعِيدُ يَسُوعُ، مِنْ خِلَالِ صُورَةِ الكَرْمِ، التُّرَاثَ النَّبَوِيَّ، وَبِخَاصَّةٍ نَشِيدَ الكَرْمَةِ فِي إِشَعْيَاءَ (5: 1–7)، حَيْثُ يَرْمُزُ الكَرْمُ إِلَى شَعْبِ اللهِ الَّذِي أَحَاطَهُ الرَّبُّ بِعِنَايَتِهِ، وَانْتَظَرَ مِنْهُ ثِمَارَ العَدْلِ وَالأَمَانَةِ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ تَفَاصِيلَ غَرْسِ الكَرْمِ وَإِحَاطَتِهِ وَإِعْدَادِهِ تُظْهِرُ عِظَمَ عِنَايَةِ اللهِ بِشَعْبِهِ، وَأَنَّ عَدَمَ الإِثْمَارِ لَمْ يَكُنْ نَاتِجًا عَنْ نَقْصٍ فِي عَطَاءِ اللهِ، بَلْ عَنْ عَدَمِ أَمَانَةِ المُؤْتَمَنِينَ عَلَى الكَرْمِ (PG 58, 643–650).

 

وَيَضَعُ المَثَلُ فِي المَقَامِ الأَوَّلِ مَسْؤُولِيَّةَ قَادَةِ الشَّعْبِ الَّذِينَ اؤْتُمِنُوا عَلَى كَرْمِ اللهِ، لٰكِنَّهُمْ رَفَضُوا رُسُلَهُ، أَيْ أَنْبِيَاءَهُ، وَاضْطَهَدُوهُمْ، حَتَّى بَلَغَ هٰذَا الرَّفْضُ ذِرْوَتَهُ فِي رَفْضِ الابْنِ: "وَأَمَّا الكَرَّامُونَ، فَلَمَّا رَأَوُا الابْنَ، قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: هٰذَا هُوَ الوَارِثُ، هَلُمُّوا نَقْتُلْهُ وَنَأْخُذْ مِيرَاثَهُ" (مَتَّى 21: 38). وَيُشَدِّدُ القِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ أُسْقُفُ بُواتْيِيه عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الخَدَمِ وَالابْنِ: فَالأَنْبِيَاءُ أُرْسِلُوا كَخُدَّامٍ، أَمَّا المَسِيحُ فَقَدْ أَتَى بِصِفَتِهِ الابْنَ وَالوَارِثَ، وَهٰذَا مَا يَكْشِفُ المَكَانَةَ الفَرِيدَةَ لِيَسُوعَ فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ (PL 9, 1045–1050).

 

وَهٰكَذَا يَتَّخِذُ المَثَلُ بُعْدًا نَبَوِيًّا يُشِيرُ إِلَى مَصِيرِ يَسُوعَ القَرِيبِ، أَيْ رَفْضِهِ وَآلامِهِ وَمَوْتِهِ. وَيُلاحِظُ القِدِّيسُ ايرونيموس أَنَّ إِخْرَاجَ الابْنِ خَارِجَ الكَرْمِ وَقَتْلَهُ (مَتَّى 21: 39) يَسْتَبِقُ صَلْبَ المَسِيحِ خَارِجَ المَدِينَةِ، فَيُصْبِحُ المَثَلُ إِعْلَانًا مُسْبَقًا لِلآلامِ (PL 26, 153–156).

 

وَلٰكِنَّ المَثَلَ لا يَنْتَهِي عِنْدَ الرَّفْضِ وَالدَّيْنُونَةِ، بَلْ يَنْفَتِحُ عَلَى سِرِّ الفِصْحِ وَمَشْرُوعِ اللهِ الخَلَاصِيِّ؛ فَالمَرْفُوضُ مِنَ البَشَرِ يَصِيرُ أَسَاسَ البِنَاءِ الجَدِيدِ: "الحَجَرُ الَّذِي رَذَلَهُ البَنَّاؤُونَ هُوَ الَّذِي صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ" (مَزْمُور 118: 22؛ مَتَّى 21: 42). وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ أوغسطينوس صُورَةَ حَجَرِ الزَّاوِيَةِ عَلَى أَنَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى المَسِيحِ الَّذِي يَجْمَعُ فِي وَحْدَةٍ مَنْ كَانُوا مُتَبَاعِدِينَ، وَيُقِيمُ مِنْهُمْ بِنَاءً وَاحِدًا فِيهِ (PL 37, 1495–1520؛ راجع أَيْضًا أَفَسُس 2: 14–22).

 

وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ المِعْيَارَ الحَاسِمَ فِي المَثَلِ لَيْسَ مُجَرَّدَ الانْتِمَاءِ الخَارِجِيِّ إِلَى جَمَاعَةٍ دِينِيَّةٍ، بَلْ الأَمَانَةُ لِلهِ وَإِثْمَارُ المَلَكُوتِ: "إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ سَيُنْزَعُ مِنْكُمْ، وَيُعْطَى لِأُمَّةٍ تُثْمِرُ ثَمَرَهُ" (مَتَّى 21: 43). وَهُنَا يُحَذِّرُ التَّفْسِيرُ الآبَائِيُّ مِنَ الاكْتِفَاءِ بِالانْتِمَاءِ الاسْمِيِّ إِلَى شَعْبِ اللهِ؛ فَالمَطْلُوبُ هُوَ الثَّمَرُ الَّذِي يَتَجَلَّى فِي الإِيمَانِ وَالحَيَاةِ وَالأَعْمَالِ.

 

وَبِذٰلِكَ يَتَجَاوَزُ المَثَلُ سِيَاقَهُ التَّارِيخِيَّ لِيُصْبِحَ نِدَاءً دَائِمًا إِلَى الكَنِيسَةِ وَإِلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ؛ فَالكَرْمُ يَبْقَى مُلْكًا لِلهِ، وَالإِنْسَانُ لَيْسَ مَالِكَهُ بَلْ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهِ، وَمِنَ المُؤْتَمَنِ يُطْلَبُ الثَّمَرُ فِي وَقْتِهِ. وَهٰذَا يَجْعَلُ المَثَلَ أَيْضًا فَحْصًا لِضَمِيرِ الكَنِيسَةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ: هَلْ نَسْتَقْبِلُ الابْنَ الَّذِي أَرْسَلَهُ الآبُ، وَهَلْ تُثْمِرُ حَيَاتُنَا ثِمَارَ المَلَكُوتِ؟ وَمِنْ هُنَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ البَحْثِ فِي وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 21: 33–43)، وَخَلْفِيَّتِهِ الكِتَابِيَّةِ، وَدَلَالَاتِهِ المَسِيحَانِيَّةِ وَالكَنَسِيَّةِ، فِي ضَوْءِ تَفْسِيرِ آبَاءِ الكَنِيسَةِ، ثُمَّ اسْتِخْلَاصِ تَطْبِيقَاتِهِ الرُّوحِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ فِي حَيَاتِنَا اليَوْمَ.

 

 

أَوَّلًا: وَقَائِعُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 21: 33–43)

 

33 "اِسْمَعُوا مَثَلًا آخَرَ: غَرَسَ رَبُّ بَيْتٍ كَرْمًا، فَسَيَّجَهُ، وَحَفَرَ فِيهِ مَعْصَرَةً، وَبَنَى بُرْجًا، وَآجَرَهُ بَعْضَ الكَرَّامِينَ، ثُمَّ سَافَرَ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "اِسْمَعُوا مَثَلًا آخَرَ"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ Ἄλλην παραβολὴν ἀκούσατε ، إِلَى انْتِقَالِ يَسُوعَ إِلَى مَثَلٍ جَدِيدٍ، لَكِنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِمَا سَبَقَهُ مِنْ جِدَالٍ مَعَ رُؤَسَاءِ الكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ (مَتَّى 21: 23–32). وَاللَّفْظَةُ παραβολή   تَعْنِي "المَثَلَ" أَوِ "المُقَارَنَةَ" الَّتِي تُوضَعُ فِيهَا حَقِيقَةٌ مَأْلُوفَةٌ إِلَى جَانِبِ حَقِيقَةٍ رُوحِيَّةٍ مِنْ أَجْلِ كَشْفِ مَعْنَاهَا. أَمَّا فِعْلُ الأَمْرِ ἀκούσατε "اِسْمَعُوا"، فَلَا يَدْعُو إِلَى السَّمَاعِ الحِسِّيِّ فَحَسْبُ، بَلْ إِلَى الإِصْغَاءِ وَالفَهْمِ وَاتِّخَاذِ مَوْقِفٍ. وَهَكَذَا يَسْتَدْعِي يَسُوعُ سَامِعِيهِ إِلَى أَنْ يَحْكُمُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَلَى المَوْقِفِ، قَبْلَ أَنْ يُدْرِكُوا أَنَّ المَثَلَ يَكْشِفُ مَسْؤُولِيَّتَهُمْ هُمْ أَنْفُسَهُمْ (مَتَّى 21: 40-41).  وَالمَثَلُ ذُو طَابَعٍ نَبَوِيٍّ وَاضِحٍ؛ فَهُوَ يَسْتَعِيدُ نَشِيدَ الكَرْمِ فِي إِشَعْيَاءَ 5: 1-7، وَلَكِنَّهُ يَنْقُلُ مَرْكَزَ الِاهْتِمَامِ مِنَ الكَرْمِ نَفْسِهِ إِلَى الكَرَّامِينَ الَّذِينَ اؤْتُمِنُوا عَلَيْهِ. وَمِنْ خِلَالِهِ يَكْشِفُ يَسُوعُ تَارِيخَ مُبَادَرَاتِ اللهِ المُتَكَرِّرَةِ تُجَاهَ شَعْبِهِ، وَرَفْضَ المُرْسَلِينَ، وُصُولًا إِلَى رَفْضِ الِابْنِ وَقَتْلِهِ (مَتَّى 21: 37–39). وَلِهَذَا رَأَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ فِي المَثَلِ عَرْضًا لِعِنَايَةِ اللهِ المُتَوَاصِلَةِ مِنْ جِهَةٍ، وَلِعَدَمِ أَمَانَةِ المَسْؤُولِينَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى (PG 58).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "غَرَسَ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ ἐφύτευσεν ، مِنَ الفِعْلِ φυτεύω  يَغْرِسُ، يَزْرَعُ، فَتُبْرِزُ مُبَادَرَةَ صَاحِبِ الكَرْمِ وَعَمَلَهُ السَّابِقَ لِكُلِّ عَمَلٍ يَقُومُ بِهِ الكَرَّامُونَ. فَالكَرْمُ لَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِمْ أَرْضًا قَاحِلَةً، بَلْ غَرَسَهُ صَاحِبُهُ وَهَيَّأَهُ بِعِنَايَةٍ. وَهُنَا يَسْتَعِيدُ مَتَّى، بِصُورَةٍ وَاضِحَةٍ، قَوْلَ إِشَعْيَاءَ: "كَانَ لِحَبِيبِي كَرْمٌ فِي رَابِيَةٍ خَصِيبَةٍ... وَغَرَسَ فِيهِ أَفْضَلَ كَرْمِهِ، وَبَنَى بُرْجًا فِي وَسَطِهِ، وَحَفَرَ فِيهِ مَعْصَرَةً" (إِشَعْيَاءَ 5: 1–2). لِذَلِكَ يُصْبِحُ كُلُّ مَا يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ تَعْبِيرًا عَنْ نِعْمَةِ اللهِ السَّابِقَةِ لِأَمَانَةِ الإِنْسَانِ، وَعَنْ مَسْؤُولِيَّتِهِ تُجَاهَ هَذِهِ النِّعْمَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إِيرِينِيُوسُ اللِّيُونِيُّ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، رَابِطًا إِيَّاهَا بِتَارِيخِ الخَلَاصِ؛ فَيَرَى فِي غَرْسِ الكَرْمِ مُبَادَرَةَ اللهِ تُجَاهَ البَشَرِيَّةِ وَشَعْبِهِ، وَفِي تَسْلِيمِهِ إِلَى الكَرَّامِينَ ائْتِمَانًا لِلَّذِينَ أُعْطِيَتْ لَهُمْ مَسْؤُولِيَّةُ رِعَايَتِهِ (إِيرِينِيُوس، Adversus Haereses IV).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "رَبُّ بَيْتٍ"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἄνθρωπος οἰκοδεσπότης ، وَحَرْفِيًّا: "إِنْسَانٌ رَبُّ بَيْتٍ". وَتَتَأَلَّفُ كَلِمَةُ οἰκοδεσπότης مِنْ οἶκος   بَيْتٌ وَδεσπότης   سَيِّدٌ، رَبٌّ، فَتَدُلُّ عَلَى رَبِّ الأُسْرَةِ أَوْ صَاحِبِ البَيْتِ وَالمَسْؤُولِ عَنْهُ. وَفِي البِنْيَةِ الرَّمْزِيَّةِ لِلْمَثَلِ يُمَثِّلُ رَبُّ البَيْتِ اللهَ، صَاحِبَ الكَرْمِ الحَقِيقِيَّ، الَّذِي يُبَادِرُ وَيَغْرِسُ وَيُهَيِّئُ وَيَأْتَمِنُ الإِنْسَانَ عَلَى مَا يَمْلِكُهُ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "كَرْمًا"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ ἀμπελῶνα ، مِنْ ἀμπελών  كَرْمٌ، حَقْلُ الكَرْمَةِ. وَهِيَ صُورَةٌ كِتَابِيَّةٌ رَاسِخَةٌ لِشَعْبِ إِسْرَائِيلَ، كَمَا يُفَسِّرُ إِشَعْيَاءُ نَفْسُهُ رَمْزَهُ: "إِنَّ كَرْمَ رَبِّ القُوَّاتِ هُوَ بَيْتُ إِسْرَائِيلَ، وَأُنَاسُ يَهُوذَا هُمْ غَرْسُ نَعِيمِهِ" (إِشَعْيَاءَ 5: 7). وَتَظْهَرُ الصُّورَةُ أَيْضًا فِي المَزْمُورِ: "مِنْ مِصْرَ اقْتَلَعْتَ كَرْمَةً... مَهَّدْتَ لَهَا فَأَصَّلَتْ أُصُولَهَا وَمَلَأَتِ الأَرْضَ" (مَزْمُور 80: 9–10)، وَكَذَلِكَ فِي هُوشَع 10: 1، وَإِرْمِيَا 2: 21، وَحِزْقِيَال 15: 1–8. وَمِنَ النَّاحِيَةِ التَّفْسِيرِيَّةِ، يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ المَعْنَى الأَصْلِيِّ المُبَاشِرِ وَالتَّطْبِيقِ الكَنَسِيِّ اللَّاحِقِ: فَالكَرْمُ فِي الخَلْفِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ يَرْمُزُ أَوَّلًا إِلَى شَعْبِ اللهِ، أَمَّا فِي ضَوْءِ خَاتِمَةِ المَثَلِ، وَلَا سِيَّمَا مَتَّى 21: 43، فَيَتَّسِعُ الرَّمْزُ لِيُشِيرَ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ وَالشَّعْبِ الَّذِي يُثْمِرُ ثِمَارَهُ. وَمِنْ هُنَا طَبَّقَ التَّقْلِيدُ المَسِيحِيُّ الصُّورَةَ أَيْضًا عَلَى الكَنِيسَةِ، وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي اخْتِزَالُ الكَرْمِ، مُنْذُ البِدَايَةِ، فِي الكَنِيسَةِ وَحْدَهَا.

 

وَتُشِيرُ الأَفْعَالُ الثَّلَاثَةُ المُتَتَالِيَةُ: "فَسَيَّجَهُ، وَحَفَرَ... وَبَنَى" إِلَى عِنَايَةِ صَاحِبِ الكَرْمِ الكَامِلَةِ. وَالنَّصُّ اليُونَانِيُّ يَسْتَعْمِلُ: φραγμὸν αὐτῷ περιέθηκεν "وَضَعَ حَوْلَهُ سِيَاجًا"، وَὤρυξεν... ληνόν  "حَفَرَ... مَعْصَرَةً، وَᾠκοδόμησεν πύργον: "بَنَى بُرْجًا». وَهَذِهِ الأَفْعَالُ تَسْتَعِيدُ عَنَاصِرَ إِشَعْيَاءَ 5: 2، فَتُؤَكِّدُ أَنَّ صَاحِبَ الكَرْمِ لَمْ يُهْمِلْ شَيْئًا مِمَّا يَلْزَمُ لِكَيْ يُثْمِرَ الكَرْمُ: "أَيُّ شَيْءٍ يُصْنَعُ لِلْكَرْمِ وَلَمْ أَصْنَعْهُ لِكَرْمِي؟" (إِشَعْيَاءَ 5: 4).

 

أَمَّا "فَسَيَّجَهُ"، فَتَرْتَبِطُ بِالِاسْمِ اليُونَانِيِّ φραγμός (سِيَاجٌ، حَاجِزٌ، سُورٌ). وَكَانَ السِّيَاجُ يُقَامُ لِحِمَايَةِ الكَرْمِ مِنَ الحَيَوَانَاتِ وَالمُتَطَفِّلِينَ، كَمَا تَظْهَرُ الصُّورَةُ فِي مَزْمُور 80: 13–14. وَقَدْ رَأَى بَعْضُ التَّفْسِيرِ الآبَائِيِّ فِيهِ رَمْزًا إِلَى الشَّرِيعَةِ الَّتِي مَيَّزَتْ إِسْرَائِيلَ وَحَفِظَتْ حَيَاتَهُ الدِّينِيَّةَ. غَيْرَ أَنَّ المَعْنَى الأَوَّلَ دَاخِلَ المَثَلِ هُوَ إِظْهَارُ عِنَايَةِ المَالِكِ الكَامِلَةِ بِكَرْمِهِ.

 

وَأَمَّا "المَعْصَرَةُ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ ληνός، وَهِيَ المَنْشَأَةُ الَّتِي يُعْصَرُ فِيهَا العِنَبُ. وَكَانَتِ المَعَاصِرُ القَدِيمَةُ فِي فِلَسْطِينَ تُنْحَتُ غَالِبًا فِي الصَّخْرِ، وَتَتَكَوَّنُ عَادَةً مِنْ سَطْحٍ أَوْ حَوْضٍ لِلدَّوْسِ يَتَّصِلُ بِحَوْضٍ أَدْنَى يَتَجَمَّعُ فِيهِ العَصِيرُ. وَهَذِهِ التَّفَاصِيلُ الأَثَرِيَّةُ تُسَاعِدُ عَلَى تَصَوُّرِ المَشْهَدِ الَّذِي كَانَ مَأْلُوفًا لِسَامِعِي يَسُوعَ، وَلَكِنَّ الوَظِيفَةَ الأَسَاسِيَّةَ لِلْمَعْصَرَةِ دَاخِلَ المَثَلِ هِيَ تَأْكِيدُ أَنَّ صَاحِبَ الكَرْمِ هَيَّأَهُ لِلْإِثْمَارِ؛ فَلَمْ يَغْرِسْهُ لِلزِّينَةِ، بَلْ لِكَيْ يُنْتِجَ ثَمَرًا.

 

وَأَمَّا عِبَارَةُ "وَبَنَى بُرْجًا"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ ᾠκοδόμησεν πύργον؛ وَلَفْظَةُ πύργος تَعْنِي بُرْجًا أَوْ بِنَاءً مُرْتَفِعًا لِلْمُرَاقَبَةِ. وَكَانَ البُرْجُ يُتِيحُ لِلْحَارِسِ مُرَاقَبَةَ الكَرْمِ وَحِمَايَتَهُ، وَقَدْ يُسْتَخْدَمُ أَيْضًا مَلْجَأً فِي مَوْسِمِ الحَصَادِ. وَفِي التَّفْسِيرِ الرَّمْزِيِّ رَأَى بَعْضُ الآبَاءِ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أُورَشَلِيمَ أَوِ الهَيْكَلِ، وَلَكِنَّ النَّصَّ نَفْسَهُ لَا يُفَسِّرُ كُلَّ عُنْصُرٍ عَلَى حِدَةٍ؛ لِذَلِكَ فَمِنَ الأَدَقِّ أَكَادِيمِيًّا اعْتِبَارُ السِّيَاجِ وَالمَعْصَرَةِ وَالبُرْجِ مَجْمُوعَةَ صُوَرٍ تُؤَكِّدُ كَمَالَ عِنَايَةِ اللهِ بِكَرْمِهِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَآجَرَهُ"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἐξέδετο ، مِنَ الفِعْلِ ἐκδίδωμι، أَيْ: "«يُؤَجِّرُ" أَوْ "يُسَلِّمُ لِلِاسْتِثْمَارِ". وَتَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الكَرْمِ لَمْ يَتَخَلَّ عَنْ مِلْكِيَّتِهِ، بَلْ سَلَّمَ إِدَارَةَ كَرْمِهِ إِلَى آخَرِينَ، مَعَ بَقَائِهِ هُوَ المَالِكَ. وَهُنَا تَكْمُنُ إِحْدَى الأَفْكَارِ اللَّاهُوتِيَّةِ الأَسَاسِيَّةِ فِي المَثَلِ: الإِنْسَانُ مُؤْتَمَنٌ وَلَيْسَ مَالِكًا مُطْلَقًا؛ فَمَا بَيْنَ يَدَيْهِ عَطِيَّةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ، وَسَيُطْلَبُ مِنْهُ ثَمَرُهَا.

 

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "بَعْضَ الكَرَّامِينَ" إِلَى اليُونَانِيَّةِ γεωργοῖς وَمُفْرَدُهَا γεωργός فَلَّاحٌ، عَامِلُ أَرْضٍ، كَرَّامٌ. وَفِي السِّيَاقِ المُبَاشِرِ لِلْمَثَلِ، يَتَّجِهُ الرَّمْزُ بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ إِلَى القِيَادَاتِ الدِّينِيَّةِ المَسْؤُولَةِ عَنِ الشَّعْبِ؛ وَهَذَا مَا يُؤَكِّدُهُ مَتَّى نَفْسُهُ فِي نِهَايَةِ المَشْهَدِ: "وَلَمَّا سَمِعَ رُؤَسَاءُ الكَهَنَةِ وَالفَرِّيسِيُّونَ أَمْثَالَهُ، فَهِمُوا أَنَّهُ يَعْنِيهِمْ" (مَتَّى 21: 45). وَمِنْ ثَمَّ، فَالمَثَلُ لَا يُدِينُ شَعْبًا بِكَامِلِهِ، بِقَدْرِ مَا يَضَعُ تَحْتَ الدَّيْنُونَةِ عَدَمَ أَمَانَةِ المُؤْتَمَنِينَ عَلَى شَعْبِ اللهِ.

 

وَأَخِيرًا، تُشِيرُ عِبَارَةُ "ثُمَّ سَافَرَ" إِلَى الفِعْلِ اليُونَانِيِّ ἀπεδήμησεν ، مِنْ ἀποδημέω  يُسَافِرُ بَعِيدًا، يُغَادِرُ وَطَنَهُ مُدَّةً. وَلَا يَنْبَغِي فَهْمُ سَفَرِ رَبِّ البَيْتِ عَلَى أَنَّهُ غِيَابُ اللهِ أَوْ عَدَمُ اهْتِمَامِهِ؛ فَالمَثَلُ سَيُبَيِّنُ أَنَّهُ يَظَلُّ صَاحِبَ الكَرْمِ، وَيُرْسِلُ عَبِيدَهُ طَالِبًا ثِمَارَهُ. بَلْ إِنَّ "السَّفَرَ" يُهَيِّئُ مَسْرَحَ المَثَلِ لِإِبْرَازِ الثِّقَةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ وَالمُحَاسَبَةِ: لَقَدْ سَلَّمَ صَاحِبُ الكَرْمِ إِلَى الكَرَّامِينَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَمَنَحَهُمْ مَجَالًا لِلْعَمَلِ، ثُمَّ سَيَطْلُبُ مِنْهُمُ الثَّمَرَ فِي أَوَانِهِ.

 

وَهَكَذَا تَقُومُ الآيَةُ عَلَى سِلْسِلَةٍ مِنَ الأَفْعَالِ ذَاتِ الدَّلَالَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ: غَرَسَ – سَيَّجَ – حَفَرَ – بَنَى – سَلَّمَ – سَافَرَ. وَالفَاعِلُ الأَسَاسِيُّ فِي جَمِيعِهَا هُوَ رَبُّ الكَرْمِ.  وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ البِدَايَةَ كُلَّهَا هِيَ مُبَادَرَةُ اللهِ وَنِعْمَتُهُ؛ أَمَّا الإِنْسَانُ فَدَوْرُهُ أَنْ يَتَسَلَّمَ العَطِيَّةَ بِأَمَانَةٍ وَيَجْعَلَهَا تُثْمِرُ. وَمِنْ هُنَا يُصْبِحُ السُّؤَالُ الَّذِي سَيَحْكُمُ بَقِيَّةَ المَثَلِ: مَاذَا فَعَلَ الكَرَّامُونَ بِالكَرْمِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مِلْكَهُمْ، وَبِالثِّقَةِ الَّتِي مَنَحَهُمْ إِيَّاهَا صَاحِبُهُ؟

 

34 "فَلَمَّا حَانَ وَقْتُ الثَّمَرِ، أَرْسَلَ خَدَمَهُ إِلَى الكَرَّامِينَ، لِيَأْخُذُوا ثَمَرَهُ"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَلَمَّا حَانَ وَقْتُ الثَّمَرِ"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ὅτε δὲ ἤγγισεν ὁ καιρὸς τῶν καρπῶν إِلَى بُلُوغِ المَوْعِدِ المُحَدَّدِ لِجَنْيِ ثِمَارِ الكَرْمِ وَتَأْدِيَةِ حَقِّ صَاحِبِهِ. وَتَحْمِلُ كَلِمَةُ καιρός مَعْنَى "الوَقْتِ المُنَاسِبِ" أَوْ "المَوْعِدِ المُحَدَّدِ" بَيْنَمَا تَعْنِيκαρπός "الثَّمَرَ" أَوْ "النَّتِيجَةَ". وَمِنْ ثَمَّ، فَالأَمْرُ لَيْسَ مُفَاجَأَةً لِلْكَرَّامِينَ؛ إِذْ كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ صَاحِبِ الكَرْمِ عَلاقَةُ ائْتِمَانٍ تَقْتَضِي أَنْ يُؤَدُّوا إِلَيْهِ حَقَّهُ مِنَ الثَّمَرِ فِي أَوَانِهِ.

 

وَيَكْتَسِبُ "وَقْتُ الثَّمَرِ" فِي المَثَلِ بُعْدًا لَاهُوتِيًّا؛ فَاللهُ الَّذِي غَرَسَ وَسَيَّجَ وَهَيَّأَ الكَرْمَ يَنْتَظِرُ مِنْ شَعْبِهِ ثِمَارَ العَهْدِ، أَيْ ثِمَارَ الإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ وَالتَّوْبَةِ. وَهَذَا هُوَ المَعْنَى الَّذِي يَظْهَرُ فِي نَشِيدِ كَرْمِ إِشَعْيَاءَ، حَيْثُ "انْتَظَرَ حَقًّا فَإِذَا سَفْكُ دَمٍ، وَعَدْلًا فَإِذَا صُرَاخٌ" (إِشَعْيَاءَ 5: 7). فَالثَّمَرُ الَّذِي يَطْلُبُهُ اللهُ لَيْسَ عَطَاءً مَادِّيًّا، بَلْ حَيَاةً تُجَسِّدُ الأَمَانَةَ لِعَهْدِهِ. وَتَتَكَرَّرُ صُورَةُ الثَّمَرِ فِي تَعْلِيمِ يَسُوعَ؛ فَفِي مَثَلِ التِّينَةِ غَيْرِ المُثْمِرَةِ يَقُولُ صَاحِبُهَا: "هَا إِنِّي آتِي مُنْذُ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ إِلَى هَذِهِ التِّينَةِ أَطْلُبُ ثَمَرًا عَلَيْهَا فَلَا أَجِدُ" (لُوقَا 13: 7). وَكَذَلِكَ دَعَا يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ إِلَى تَوْبَةٍ لَا تَقِفُ عِنْدَ الكَلِمَاتِ، بَلْ تَظْهَرُ فِي الحَيَاةِ: "فَأَثْمِرُوا إِذًا ثَمَرًا يَدُلُّ عَلَى تَوْبَتِكُمْ" (لُوقَا 3: 8). وَهَكَذَا يُصْبِحُ الثَّمَرُ فِي اللُّغَةِ الكِتَابِيَّةِ صُورَةً لِلنَّتِيجَةِ المَنْظُورَةِ لِلْإِيمَانِ وَالأَمَانَةِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "أَرْسَلَ خَدَمَهُ إِلَى الكَرَّامِينَ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ: ἀπέστειλεν τοὺς δούλους αὐτοῦ πρὸς τοὺς γεωργούς.  وَالفِعْلُ ἀποστέλλω   يَعْنِي "يُرْسِلُ" شَخْصًا فِي مُهِمَّةٍ وَبِسُلْطَانٍ مِنَ الَّذِي أَرْسَلَهُ؛ وَمِنْ هَذَا الجِذْرِ نَفْسِهِ تَأْتِي كَلِمَةُ ἀπόστολος (رَسُولٌ). أَمَّا δοῦλοι فَمُفْرَدُهَا δοῦλος وَتَعْنِي "العَبْدَ" أَوْ "الخَادِمَ". وَهَؤُلَاءِ الخَدَمُ يَرْمُزُونَ، فِي سِيَاقِ تَارِيخِ الخَلَاصِ، إِلَى الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ إِلَى شَعْبِهِ لِيَدْعُوهُ إِلَى الأَمَانَةِ وَالتَّوْبَةِ. وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ إِيرِينِيُوسُ اللِّيُونِيُّ هَذِهِ الإِرْسَالَاتِ فِي إِطَارِ تَارِيخِ الخَلَاصِ، فَيَرَى فِي الخَدَمِ الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللهُ إِلَى شَعْبِهِ فِي مَرَاحِلَ مُخْتَلِفَةٍ، قَبْلَ السَّبْيِ وَبَعْدَهُ، لِيَطْلُبَ مِنْهُمْ ثِمَارَ البِرِّ وَالأَمَانَةِ (إِيرِينِيُوسُ اللِّيُونِيُّ، Adversus Haereses IV).  وَكَذَلِكَ يَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ فِي تَكْرَارِ إِرْسَالِ الخَدَمِ دَلِيلًا عَلَى طُولِ أَنَاةِ اللهِ؛ فَإِنَّهُ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ رَفْضِ رُسُلِهِ، لَمْ يَقْطَعْ عَلاقَتَهُ بِشَعْبِهِ فَوْرًا، بَلْ عَادَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، مُتِيحًا لَهُ فُرَصَ التَّوْبَةِ (PG 58). وَهَذِهِ الصُّورَةُ تَنْسَجِمُ مَعَ شَهَادَةِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ عَنْ إِرْسَالِ اللهِ المُتَكَرِّرِ لِأَنْبِيَائِهِ؛ فَيَقُولُ سِفْرُ إِرْمِيَا: "أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ جَمِيعَ عَبِيدِيَ الأَنْبِيَاءَ مُبَكِّرًا وَمُرْسِلًا" (إِرْمِيَا 7: 25؛ راجِعْ 25: 4)، وَيُلَخِّصُ سِفْرُ أَخْبَارِ الأَيَّامِ هَذَا التَّارِيخَ قَائِلًا إِنَّ الرَّبَّ أَرْسَلَ رُسُلَهُ إِلَى شَعْبِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، "لِأَنَّهُ أَشْفَقَ عَلَى شَعْبِهِ وَعَلَى مَسْكَنِهِ" (2 أَخْبَارِ الأَيَّامِ 36: 15–16). وَمِنْ ثَمَّ، فَإِرْسَالُ الخَدَمِ لَا يَكْشِفُ فَقَطْ مُطَالَبَةَ اللهِ بِالثَّمَرِ، بَلْ يَكْشِفُ أَيْضًا صَبْرَهُ وَرَحْمَتَهُ وَإِصْرَارَهُ عَلَى دَعْوَةِ الإِنْسَانِ إِلَى التَّوْبَةِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "لِيَأْخُذُوا ثَمَرَهُ"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ λαβεῖν τοὺς καρποὺς αὐτοῦ، أَيْ: "لِيَأْخُذُوا ثِمَارَهُ". وَالفِعْلُ λαμβάνω يَعْنِي "يَأْخُذُ" أَوْ "يَتَسَلَّمُ"، أَمَّا καρπούς فَهِيَ جَمْعُ καρπός   ثَمَرٌ. وَضَمِيرُ المِلْكِيَّةِ αὐτοῦ، أَيْ "ثَمَرَهُ"، مُهِمٌّ لَاهُوتِيًّا؛ لِأَنَّهُ يُذَكِّرُ بِأَنَّ الكَرْمَ، وَبِالتَّالِي ثَمَرَهُ، يَبْقَى فِي النِّهَايَةِ مِلْكًا لِصَاحِبِ الكَرْمِ، وَلَيْسَ لِلْكَرَّامِينَ. وَيُوَضِّحُ مَرْقُسُ الانجيلي الجَانِبَ الاقْتِصَادِيَّ لِلصُّورَةِ بِقَوْلِهِ: "وَلَمَّا حَانَ الوَقْتُ، أَرْسَلَ إِلَى الكَرَّامِينَ خَادِمًا لِيَأْخُذَ مِنَ الكَرَّامِينَ مِنْ ثَمَرِ الكَرْمِ" (مَرْقُس 12: 2). فَالمَطْلُوبُ لَيْسَ شَيْئًا غَرِيبًا عَنْ عَقْدِ الكِرَامِ، بَلْ حَقُّ المَالِكِ المَعْرُوفُ مُنْذُ البِدَايَةِ. وَعَلَى المُسْتَوَى اللَّاهُوتِيِّ، يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ اللهَ يَطْلُبُ مِنْ شَعْبِهِ مَا يَنْسَجِمُ مَعَ النِّعَمِ الَّتِي وَهَبَهَا لَهُ: الأَمَانَةَ لِلْعَهْدِ، وَالعَدْلَ، وَالرَّحْمَةَ، وَالتَّوْبَةَ، وَالمَحَبَّةَ. وَهُنَا يَظْهَرُ تَوَازُنٌ لَاهُوتِيٌّ مُهِمٌّ بَيْنَ النِّعْمَةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ: فَاللهُ هُوَ الَّذِي غَرَسَ الكَرْمَ وَهَيَّأَهُ وَسَلَّمَهُ، وَلٰكِنَّهُ يَنْتَظِرُ مِنَ المُؤْتَمَنِينَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمُوا الثَّمَرَ. فَالنِّعْمَةُ لَا تُلْغِي مَسْؤُولِيَّةَ الإِنْسَانِ، بَلْ تَجْعَلُهُ قَادِرًا عَلَى الإِثْمَارِ وَمَدْعُوًّا إِلَيْهِ. وَهَذَا مَا سَيُؤَكِّدُهُ يَسُوعُ فِي خَاتِمَةِ المَثَلِ عِنْدَمَا يَتَكَلَّمُ عَنْ "أُمَّةٍ تُثْمِرُ ثَمَرَهُ" (مَتَّى 21: 43). وَبِذَلِكَ لَا يَبْقَى السُّؤَالُ مُوَجَّهًا إِلَى كَرَّامِي المَثَلِ وَحْدَهُمْ، بَلْ يَصِيرُ سُؤَالًا لِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَلِلْكَنِيسَةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ: مَا الثِّمَارُ الَّتِي أَثْمَرَتْهَا فِينَا نِعْمَةُ اللهِ؟ وَهَلْ نَسْمَحُ لِرُسُلِ الرَّبِّ وَكَلِمَتِهِ أَنْ يُذَكِّرُونَا بِحَقِّ صَاحِبِ الكَرْمِ فِي ثِمَارِ حَيَاتِنَا؟

 

35 "فَأَمْسَكَ الكَرَّامُونَ خَدَمَهُ، فَضَرَبُوا أَحَدَهُمْ، وَقَتَلُوا غَيْرَهُ، وَرَجَمُوا الآخَرَ"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَأَمْسَكَ الكَرَّامُونَ خَدَمَهُ"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: καὶ λαβόντες οἱ γεωργοὶ τοὺς δούλους αὐτοῦ، إِلَى تَحَوُّلِ الكَرَّامِينَ مِنْ مُجَرَّدِ عَدَمِ الأَمَانَةِ إِلَى الرَّفْضِ وَالعُنْفِ الصَّرِيحِ. وَالفِعْلُ λαβόντες مِنْ λαμβάνω يَأْخُذُ، يُمْسِكُ، يَقْبِضُ عَلَى، يَدُلُّ هُنَا عَلَى الإِمْسَاكِ بِالخَدَمِ وَإِخْضَاعِهِمْ لِسُلْطَانِ الكَرَّامِينَ. وَالمُفَارَقَةُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الكَرَّامِينَ لَيْسُوا أَصْحَابَ الكَرْمِ، بَلْ مُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ؛ غَيْرَ أَنَّهُمْ تَصَرَّفُوا كَأَنَّهُمْ مَالِكُوهُ، فَرَفَضُوا حَقَّ صَاحِبِهِ وَرُسُلَهُ مَعًا.

 

وَتَرْمُزُ عِبَارَةُ "خَدَمَهُ"، وَبِاليُونَانِيَّةِ τοὺς δούλους αὐτοῦ إِلَى الأَنْبِيَاءِ وَرُسُلِ اللهِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ الرَّبُّ فِي مَرَاحِلَ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ تَارِيخِ الخَلَاصِ لِيَدْعُوا الشَّعْبَ إِلَى الأَمَانَةِ لِلْعَهْدِ وَالتَّوْبَةِ وَالعَدْلِ. وَهَكَذَا يَخْتَصِرُ المَثَلُ، فِي صُورَةٍ دِرَامِيَّةٍ، تَارِيخًا طَوِيلًا مِنْ رَفْضِ الكَلِمَةِ النَّبَوِيَّةِ وَاضْطِهَادِ حَامِلِيهَا. وَلَا يَنْبَغِي فَهْمُ هَذَا التَّوْبِيخِ عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى الشَّعْبِ اليَهُودِيِّ كُلِّهِ؛ فَالسِّيَاقُ المُبَاشِرُ فِي مَتَّى يُوَجِّهُ المَثَلَ، عَلَى نَحْوٍ خَاصٍّ، إِلَى القِيَادَاتِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي دَخَلَتْ فِي صِرَاعٍ مَعَ يَسُوعَ، إِذْ يَقُولُ الإِنْجِيلِيُّ: "وَلَمَّا سَمِعَ رُؤَسَاءُ الكَهَنَةِ وَالفَرِّيسِيُّونَ أَمْثَالَهُ، فَهِمُوا أَنَّهُ يَعْنِيهِمْ" (مَتَّى 21: 45). وَهَذَا التَّمْيِيزُ مُهِمٌّ أَكَادِيمِيًّا وَلَاهُوتِيًّا، لِئَلَّا يُحَوَّلَ المَثَلُ إِلَى إِدَانَةٍ جَمَاعِيَّةٍ لِشَعْبٍ بِأَكْمَلِهِ.

 

أَمَّا الأَفْعَالُ الثَّلَاثَةُ: " فَضَرَبُوا... وَقَتَلُوا... وَرَجَمُوا"، فَيُقَابِلُهَا فِي اليُونَانِيَّةِ: ὃν μὲν ἔδειραν, ὃν δὲ ἀπέκτειναν, ὃν δὲ ἐλιθοβόλησαν؛ أَيْ: "وَاحِدًا ضَرَبُوا، وَآخَرَ قَتَلُوا، وَآخَرَ رَجَمُوا". وَيَتَصَاعَدُ العُنْفُ مِنَ الضَّرْبِ إِلَى القَتْلِ وَالرَّجْمِ، لِيُبَيِّنَ المَثَلُ أَنَّ رَفْضَ كَلِمَةِ اللهِ لَمْ يَبْقَ مُجَرَّدَ مَوْقِفٍ دَاخِلِيٍّ، بَلْ تَحَوَّلَ إِلَى اضْطِهَادِ حَامِلِيهَا. فَالفِعْلُ ἔδειραν، مِنْ δέρω ، يَعْنِي "ضَرَبَ" أَوْ "جَلَدَ جَلْدًا شَدِيدًا". وَتَسْتَحْضِرُ هَذِهِ الصُّورَةُ مَا عَانَاهُ أَنْبِيَاءُ اللهِ وَرُسُلُهُ مِنَ الضَّرْبِ وَالإِهَانَةِ؛ وَفِي العَهْدِ الجَدِيدِ نَجِدُ مِثَالًا مُشَابِهًا حِينَ جُلِدَ الرُّسُلُ بِسَبَبِ شَهَادَتِهِمْ لِيَسُوعَ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 5: 40).  وَأَمَّا ἀπέκτειναν ، مِنْ ἀποκτείνω ، فَيَعْنِي "قَتَلَ". وَهُوَ يُذَكِّرُ بِتَارِيخِ قَتْلِ رُسُلِ اللهِ الَّذِي يُشِيرُ إِلَيْهِ يَسُوعُ نَفْسُهُ: "يَا أُورَشَلِيمُ، يَا أُورَشَلِيمُ، يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ المُرْسَلِينَ إِلَيْهَا!" (مَتَّى 23: 37؛ راجِعْ لُوقَا 13: 34). وَمِنَ الأَمْثِلَةِ الكِتَابِيَّةِ الصَّرِيحَةِ مَقْتَلُ زَكَرِيَّا بْنِ يَهُويَادَاعَ فِي دَارِ بَيْتِ الرَّبِّ (2 أَخْبَارِ الأَيَّامِ 24: 20–22). وَيَسْتَحْضِرُ يَسُوعُ أَيْضًا "زَكَرِيَّا" المَقْتُولَ بَيْنَ المَقْدِسِ وَالمَذْبَحِ فِي مَتَّى 23: 35، مَعَ وُجُودِ مَسْأَلَةٍ نَصِّيَّةٍ وَتَارِيخِيَّةٍ حَوْلَ تَحْدِيدِ شَخْصِيَّتِهِ.

 

وَأَمَّا الفِعْلُ ἐλιθοβόλησαν ، مِنْ λιθοβολέω ، فَيَعْنِي "رَجَمُوا بِالحِجَارَةِ". وَيُذَكِّرُ ذَلِكَ بِمَا حَدَثَ لِزَكَرِيَّا بْنِ يَهُويَادَاعَ، الَّذِي رَجَمُوهُ بِأَمْرِ المَلِكِ يُوآشَ (2 أَخْبَارِ الأَيَّامِ 24: 21)، وَبِمَا سَيَحْدُثُ لاحِقًا لِإِسْطِفَانُسَ، أَوَّلِ الشُّهَدَاءِ، الَّذِي "أَخْرَجُوهُ مِنَ المَدِينَةِ وَأَخَذُوا يَرْجُمُونَهُ" (َعْمَالُ الرُّسُلِ 7: 58- 60). أَمَّا القَوْلُ إِنَّ إِرْمِيَا النَّبِيَّ رُجِمَ فِي مِصْرَ، فَلَا يَرِدُ فِي النَّصِّ الكِتَابِيِّ، بَلْ يَنْتَمِي إِلَى تَقْلِيدٍ يَهُودِيٍّ وَمَسِيحِيٍّ لاحِقٍ؛ لِذَلِكَ فَمِنَ الأَدَقِّ أَكَادِيمِيًّا عَدَمُ تَقْدِيمِهِ كَحَادِثَةٍ تَارِيخِيَّةٍ مُثْبَتَةٍ. وَيُوجِزُ سِفْرُ إِرْمِيَا هَذِهِ المُبَادَرَاتِ الإِلَهِيَّةَ المُتَكَرِّرَةَ بِقَوْلِ الرَّبِّ: "وَقَدْ أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ جَمِيعَ عَبِيدِيَ الأَنْبِيَاءَ، مُبَكِّرًا وَمُرْسِلًا، قَائِلًا: لَا تَصْنَعُوا هَذَا الأَمْرَ الرَّجِسَ الَّذِي أُبْغِضُهُ" (إِرْمِيَا 44: 4). وَكَذَلِكَ تُلَخِّصُ الرِّسَالَةُ إِلَى العِبْرَانِيِّينَ اخْتِبَارَ أَنْبِيَاءِ اللهِ وَشُهُودِ الإِيمَانِ: "رُجِمُوا، وَنُشِرُوا، وَمَاتُوا قَتْلًا بِالسَّيْفِ، وَهَامُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ..." (العِبْرَانِيِّينَ 11: 37).  وَيُشَدِّدُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى أَنَّ خُطُورَةَ سُلُوكِ الكَرَّامِينَ تَظْهَرُ فِي أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِطُولِ أَنَاةِ صَاحِبِ الكَرْمِ، بَلْ قَابَلُوا إِحْسَانَهُ بِعُنْفٍ مُتَزَايِدٍ؛ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتَوَقَّفْ صَاحِبُ الكَرْمِ عَنْ إِرْسَالِ رُسُلِهِ إِلَيْهِمْ (Homiliae in Matthaeum 68، PG 58). وَهَكَذَا يَكْشِفُ المَثَلُ، فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، خَطِيئَةَ الإِنْسَانِ وَطُولَ أَنَاةِ اللهِ. وَيَتَّفِقُ هَذَا المَعْنَى مَعَ قَوْلِ يَسُوعَ لاحِقًا لِلكَتَبَةِ وَالفَرِّيسِيِّينَ: "هَا إِنِّي أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ أَنْبِيَاءَ وَحُكَمَاءَ وَكَتَبَةً، فَمِنْهُمْ مَنْ تَقْتُلُونَ وَتَصْلِبُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَجْلِدُونَ فِي مَجَامِعِكُمْ وَتَطْرُدُونَ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى مَدِينَةٍ" (مَتَّى 23: 34). فَالمَثَلُ لَا يَرْوِي حَادِثَةً مُنْفَرِدَةً، بَلْ يَعْرِضُ نَمَطًا مُتَكَرِّرًا مِنْ رَفْضِ صَوْتِ اللهِ عِنْدَمَا يُزْعِجُ مَصَالِحَ الإِنْسَانِ وَيَدْعُوهُ إِلَى التَّوْبَةِ. وَتَكْشِفُ هَذِهِ الآيَةُ أَيْضًا عَنْ مَسَارٍ خَطِيرٍ: رَفْضُ الكَلِمَةِ يَقُودُ إِلَى رَفْضِ الرَّسُولِ، وَرَفْضُ الرَّسُولِ قَدْ يَتَحَوَّلُ إِلَى العُنْفِ ضِدَّهُ.  وَهَذَا المَبْدَأُ يَتَجَاوَزُ الإِطَارَ التَّارِيخِيَّ لِلْمَثَلِ، فَيُصْبِحُ تَحْذِيرًا دَائِمًا لِكُلِّ جِيلٍ، وَلِلْكَنِيسَةِ نَفْسِهَا: هَلْ نَسْتَقْبِلُ كَلِمَةَ اللهِ حِينَ تُوَافِقُ رَغَبَاتِنَا فَقَطْ، أَمْ نَقْبَلُهَا أَيْضًا حِينَ تَدْعُونَا إِلَى التَّوْبَةِ وَتَغْيِيرِ حَيَاتِنَا؟

 

 36 "فَأَرْسَلَ أَيْضًا خَدَمًا آخَرِينَ أَكْثَرَ عَدَدًا مِنَ الأَوَّلِينَ، فَفَعَلُوا بِهِمْ مِثْلَ ذٰلِكَ"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَأَرْسَلَ أَيْضًا"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ πάλιν ἀπέστειλεν، إِلَى تَكْرَارِ مُبَادَرَةِ صَاحِبِ الكَرْمِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ سُوءِ مُعَامَلَةِ الخَدَمِ الأَوَّلِينَ. فَكَلِمَةُ πάλιν تَعْنِي "مَرَّةً أُخْرَى" أَوْ "مِنْ جَدِيدٍ"، وَالفِعْلُ ἀπέστειλεν، مِنْ ἀποστέλλω، يَعْنِي "أَرْسَلَ" فِي مُهِمَّةٍ مُحَدَّدَةٍ. وَهُنَا يَبْرُزُ التَّنَاقُضُ بَيْنَ طُولِ أَنَاةِ صَاحِبِ الكَرْمِ وَإِصْرَارِ الكَرَّامِينَ عَلَى الرَّفْضِ: فَبَعْدَ أَنْ ضَرَبُوا وَقَتَلُوا وَرَجَمُوا خَدَمَهُ الأَوَّلِينَ، كَانَ مِنَ المُتَوَقَّعِ أَنْ يُعَاقِبَهُمْ، لٰكِنَّهُ، عِوَضًا عَنْ ذٰلِكَ، أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مِنْ جَدِيدٍ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "خَدَمًا آخَرِينَ أَكْثَرَ عَدَدًا مِنَ الأَوَّلِينَ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ ἄλλους δούλους πλείονας τῶν πρώτων، أَيْ: "خَدَمًا آخَرِينَ أَكْثَرَ مِنَ الأَوَّلِينَ". وَتُشِيرُ كَلِمَةُ ἄλλους   إِلَى خَدَمٍ آخَرِينَ مِنَ النَّوْعِ نَفْسِهِ، بَيْنَمَا تَدُلُّ πλείονας عَلَى كَثْرَتِهِمْ. وَبِذٰلِكَ يُشَدِّدُ النَّصُّ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الكَرْمِ لَمْ يَقْطَعْ سُبُلَ التَّوَاصُلِ بَعْدَ رَفْضِ رُسُلِهِ الأَوَّلِينَ، بَلْ ضَاعَفَ إِرْسَالَ خَدَمِهِ، فَكَانَتْ كَثْرَةُ الرُّسُلِ دَلِيلًا عَلَى كَثْرَةِ فُرَصِ التَّوْبَةِ. وَفِي المَعْنَى الرَّمْزِيِّ، يُشِيرُ هَؤُلَاءِ الخَدَمُ الآخَرُونَ، فِي المَقَامِ الأَوَّلِ، إِلَى الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ تَعَاقَبُوا فِي تَارِيخِ إِسْرَائِيلَ. وَهَذَا مَا يَتَّفِقُ مَعَ شَهَادَةِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ: "وَقَدْ أَرْسَلَ الرَّبُّ إِلَيْكُمْ جَمِيعَ عَبِيدِهِ الأَنْبِيَاءَ مُبَكِّرًا وَمُرْسِلًا، فَلَمْ تَسْمَعُوا" (إِرْمِيَا 25: 4؛ راجِعْ 7: 25). وَيَرِدُ المَعْنَى نَفْسُهُ فِي خُلاصَةِ سِفْرِ أَخْبَارِ الأَيَّامِ: "وَكَانَ رَبُّ آبَائِهِمْ يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ عَنْ يَدِ رُسُلِهِ مُبَكِّرًا وَمُرْسِلًا، لِأَنَّهُ أَشْفَقَ عَلَى شَعْبِهِ وَعَلَى مَسْكَنِهِ" (2 أَخْبَارِ الأَيَّامِ 36: 15).  وَمِنْ هُنَا، فَمِنَ الأَدَقِّ أَكَادِيمِيًّا أَلَّا نُحَدِّدَ "الخَدَمَ الآخَرِينَ" بِالرُّسُلِ وَمُبَشِّرِي العَهْدِ الجَدِيدِ مُبَاشَرَةً؛ لِأَنَّ سِيَاقَ المَثَلِ يَقُودُ أَوَّلًا إِلَى أَنْبِيَاءِ العَهْدِ القَدِيمِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ إِلَى إِرْسَالِ الِابْنِ نَفْسِهِ (مَتَّى 21: 37). أَمَّا الرُّسُلُ وَخُدَّامُ الإِنْجِيلِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُرَوْا تَطْبِيقًا كَنَسِيًّا لاحِقًا لِمَبْدَإِ إِرْسَالِ اللهِ شُهُودَهُ، وَلَيْسُوا المَرْجِعَ الأَوَّلَ المُبَاشِرَ لِلآيَةِ. وَيَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ فِي تَكْرَارِ إِرْسَالِ الخَدَمِ بُرْهَانًا عَلَى طُولِ أَنَاةِ اللهِ وَعَظِيمِ صَبْرِهِ؛ فَإِنَّ سُوءَ مُعَامَلَةِ الإِرْسَالِيَّةِ الأُولَى لَمْ يَدْفَعْ صَاحِبَ الكَرْمِ إِلَى إِهْلَاكِ الكَرَّامِينَ فَوْرًا، بَلْ إِلَى إِرْسَالِ آخَرِينَ، مُعْطِيًا إِيَّاهُمْ فُرْصَةً جَدِيدَةً لِلرُّجُوعِ (Homiliae in Matthaeum 68، PG 58).  وَهٰذَا التَّكْرَارُ يَجْعَلُ رَفْضَ الكَرَّامِينَ أَشَدَّ خُطُورَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ رَدَّ فِعْلٍ عَابِرًا، بَلْ أَصْبَحَ مَوْقِفًا مُتَعَمَّدًا وَمُتَكَرِّرًا. وَكَذٰلِكَ يَرْبِطُ القِدِّيسُ إِيرِينِيُوسُ اللِّيُونِيُّ تَعَاقُبَ الخَدَمِ بِتَعَاقُبِ الأَنْبِيَاءِ فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ، إِذْ لَمْ يَتْرُكِ اللهُ شَعْبَهُ مِنْ دُونِ شَهَادَةٍ، بَلْ وَاصَلَ دَعْوَتَهُ إِلَى الأَمَانَةِ وَإِلَى إِثْمَارِ البِرِّ (Adversus Haereses IV).  وَهَكَذَا فَإِنَّ تَعَدُّدَ الخَدَمِ لَا يُعَبِّرُ عَنْ ضَعْفِ صَاحِبِ الكَرْمِ، بَلْ عَنْ إِصْرَارِ المَحَبَّةِ الإِلَهِيَّةِ عَلَى إِعْطَاءِ فُرَصٍ جَدِيدَةٍ لِلتَّوْبَةِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "فَفَعَلُوا بِهِمْ مِثْلَ ذٰلِكَ"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ καὶ ἐποίησαν αὐτοῖς ὡσαύτως ، أَيْ: "وَفَعَلُوا بِهِمْ عَلَى النَّحْوِ نَفْسِهِ". وَتُشِيرُ كَلِمَةُ ὡσαύτως   إِلَى تَكْرَارِ السُّلُوكِ نَفْسِهِ الَّذِي وَرَدَ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ: الضَّرْبِ وَالقَتْلِ وَالرَّجْمِ (مَتَّى 21: 35). فَكَمَا تَكَرَّرَ إِرْسَالُ صَاحِبِ الكَرْمِ، تَكَرَّرَ أَيْضًا رَفْضُ الكَرَّامِينَ؛ وَهُنَا تَقُومُ المُفَارَقَةُ الأَسَاسِيَّةُ فِي النَّصِّ: إِزَاءَ تَزَايُدِ رَحْمَةِ صَاحِبِ الكَرْمِ، يَتَزَايَدُ عِنَادُ الكَرَّامِينَ. وَتُذَكِّرُنَا هَذِهِ الصُّورَةُ بِكَلِمَةِ يَسُوعَ: "يَا أُورَشَلِيمُ، يَا أُورَشَلِيمُ، يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ المُرْسَلِينَ إِلَيْهَا! كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ بَنِيكِ... فَلَمْ تُرِيدُوا!" (مَتَّى 23: 37). فَالمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي نَقْصِ مُبَادَرَةِ اللهِ، بَلْ فِي رَفْضِ الإِنْسَانِ المُتَكَرِّرِ لَهَا. وَأَمَّا القَوْلُ إِنَّ صَاحِبَ الكَرْمِ أَرْسَلَ خَدَمَهُ فِي ثَلَاثِ مَرَاحِلَ، فَيَحْتَاجُ إِلَى بَعْضِ الدِّقَّةِ. فَمَتَّى يَذْكُرُ دُفْعَتَيْنِ مِنَ الخَدَمِ: الأُولَى فِي الآيَتَيْنِ 34–35، وَالثَّانِيَةَ فِي الآيَةِ 36؛ ثُمَّ تَأْتِي الذِّرْوَةُ الثَّالِثَةُ، وَلٰكِنَّهَا لَيْسَتْ إِرْسَالَ خَدَمٍ آخَرِينَ، بَلْ إِرْسَالَ الِابْنِ: "وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَهُ آخِرَ الأَمْرِ" (مَتَّى 21: 37). وَهٰذَا التَّدَرُّجُ مُهِمٌّ جِدًّا؛ لِأَنَّ المَثَلَ يَنْتَقِلُ مِنْ الخَدَمِ إِلَى الِابْنِ، وَمِنَ الأَنْبِيَاءِ إِلَى المَسِيحِ. وَهٰكَذَا تَكْشِفُ الآيَةُ عَنْ وَجْهَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ: طُولِ أَنَاةِ اللهِ وَإِصْرَارِ الإِنْسَانِ عَلَى الرَّفْضِ. فَاللهُ لَا يَمَلُّ مِنْ إِرْسَالِ رُسُلِهِ، وَيُعْطِي فُرْصَةً بَعْدَ أُخْرَى؛ لٰكِنَّ كُلَّ فُرْصَةٍ جَدِيدَةٍ تَحْمِلُ مَعَهَا أَيْضًا مَسْؤُولِيَّةً أَكْبَرَ. وَمِنْ هُنَا يَطْرَحُ النَّصُّ عَلَيْنَا سُؤَالًا رُوحِيًّا: كَمْ مَرَّةً أَرْسَلَ اللهُ إِلَيْنَا كَلِمَتَهُ، أَوْ شَخْصًا، أَوْ حَدَثًا يَدْعُونَا إِلَى التَّوْبَةِ، وَمَعَ ذٰلِكَ بَقِينَا عَلَى مَوْقِفِنَا؟

 

37 "فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَهُ آخِرَ الأَمْرِ، وَقَالَ: سَيَهَابُونَ ابْنِي"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَهُ آخِرَ الأَمْرِ"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: ὕστερον δὲ ἀπέστειλεν πρὸς αὐτοὺς τὸν υἱὸν αὐτοῦ، إِلَى ذِرْوَةِ المَثَلِ وَنُقْطَةِ تَحَوُّلِهِ المَسِيحَانِيَّةِ.  فَكَلِمَةُ ὕστερον تَعْنِي "أَخِيرًا" أَوْ "فِي آخِرِ الأَمْرِ"، وَتَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِرْسَالَ الِابْنِ يَأْتِي بَعْدَ سِلْسِلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنْ إِرْسَالِ الخَدَمِ. وَهَكَذَا يَنْتَقِلُ المَثَلُ مِنْ زَمَنِ الأَنْبِيَاءِ إِلَى حُضُورِ الِابْنِ، وَمِنَ الرُّسُلِ إِلَى مَنْ يَحْمِلُ سُلْطَانَ صَاحِبِ الكَرْمِ نَفْسِهِ. وَيَسْتَعْمِلُ النَّصُّ الفِعْلَ ἀπέστειλεν، مِنْ ἀποστέλλω يُرْسِلُ، وَهُوَ الفِعْلُ نَفْسُهُ الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِي إِرْسَالِ الخَدَمِ (مَتَّى 21: 34، 36). غَيْرَ أَنَّ المُرْسَلَ هَذِهِ المَرَّةَ لَيْسَ δοῦλος (خَادِمًا)، بَلْ υἱός (ابْنًا). وَهُنَا تَكْمُنُ المُفَارَقَةُ اللَّاهُوتِيَّةُ الكُبْرَى: الِابْنُ لَيْسَ وَاحِدًا مِنَ الخَدَمِ، بَلْ يَتَمَيَّزُ مِنْهُمْ تَمْيِيزًا جَوْهَرِيًّا بِعَلَاقَتِهِ الفَرِيدَةِ بِالأَبِ. وَلِذَلِكَ، فَمِنَ الأَدَقِّ تَعْدِيلُ العِبَارَةِ القَائِلَةِ إِنَّ اللهَ "أَرْسَلَ الِابْنَ كَوَاحِدٍ بَيْنَ الخَدَمِ"؛ فَبِنْيَةُ المَثَلِ نَفْسُهَا تَقُومُ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الخَدَمِ وَالِابْنِ.  الخَدَمُ كَثِيرُونَ وَيَتَعَاقَبُونَ، أَمَّا الِابْنُ فَلَهُ مَكَانَةٌ فَرِيدَةٌ، وَهُوَ الَّذِي سَيُسَمِّيهِ الكَرَّامُونَ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ "الوَارِثَ" (مَتَّى 21: 38).

 

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "ابْنَهُ"، بِاليُونَانِيَّةِ τὸν υἱὸν αὐτοῦ ، فِي المُسْتَوَى المَسِيحَانِيِّ لِلْمَثَلِ، إِلَى يَسُوعَ المَسِيحِ، ابْنِ اللهِ.  وَيَزِيدُ مَرْقُسُ هَذَا المَعْنَى وُضُوحًا بِقَوْلِهِ: "بَقِيَ عِنْدَهُ وَاحِدٌ، وَهُوَ ابْنُهُ الحَبِيبُ" (مَرْقُس 6: 12)، وَفِي اليُونَانِيَّةِ: υἱὸν ἀγαπητόν  " ابْنًا حَبِيبًا". وَتَسْتَحْضِرُ هَذِهِ العِبَارَةُ صَوْتَ الآبِ عِنْدَ مَعْمُودِيَّةِ يَسُوعَ: "هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ" (مَتَّى 3: 17؛ راجِعْ 17: 5). وَيَكْشِفُ هَذَا التَّدَرُّجُ عَنْ بُعْدٍ أَسَاسِيٍّ فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ: فَاللهُ الَّذِي تَكَلَّمَ إِلَى شَعْبِهِ بِالأَنْبِيَاءِ أَرْسَلَ، فِي مِلْءِ الزَّمَانِ، ابْنَهُ. وَهَذَا مَا تُعَبِّرُ عَنْهُ الرِّسَالَةُ إِلَى العِبْرَانِيِّينَ بِصُورَةٍ لَافِتَةٍ: "إِنَّ اللهَ، بَعْدَ أَنْ كَلَّمَ آبَاءَنَا قَدِيمًا بِالأَنْبِيَاءِ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً وَبِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هٰذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ بِابْنٍ" (العِبْرَانِيِّينَ 1: 1–2). وَهَكَذَا فَإِرْسَالُ الِابْنِ لَيْسَ مُجَرَّدَ حَلْقَةٍ أُخْرَى فِي سِلْسِلَةِ الإِرْسَالَاتِ، بَلْ ذِرْوَةُ الوَحْيِ وَتَارِيخِ الخَلَاصِ. وَيُشَدِّدُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هَذَا التَّدَرُّجِ فِي المَثَلِ: فَبَعْدَ أَنْ أَرْسَلَ صَاحِبُ الكَرْمِ خَدَمَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَلَمْ يَجِدْ إِلَّا الرَّفْضَ، أَرْسَلَ ابْنَهُ، وَهُوَ مَا يَكْشِفُ عِظَمَ طُولِ أَنَاتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ يُظْهِرُ خُطُورَةَ رَفْضِ الِابْنِ بَعْدَ رَفْضِ الخَدَمِ (يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ، Homiliae in Matthaeum 68، PG 58). وَفِي هَذَا المَعْنَى يَتَّفِقُ المَثَلُ مَعَ إِعْلَانِ الإِنْجِيلِ عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ: "فَإِنَّ اللهَ أَحَبَّ العَالَمَ حَتَّى إِنَّهُ جَادَ بِابْنِهِ الوَحِيدِ، لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونَ لَهُ الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يُوحَنَّا 3: 16). وَيُعَبِّرُ يُوحَنَّا أَيْضًا عَنْ هَذِهِ المُبَادَرَةِ قَائِلًا: "ظَهَرَتْ مَحَبَّةُ اللهِ بَيْنَنَا بِأَنَّ اللهَ أَرْسَلَ ابْنَهُ الوَحِيدَ إِلَى العَالَمِ لِنَحْيَا بِهِ" (1 يُوحَنَّا 4: 9). فَإِرْسَالُ الِابْنِ هُوَ، فِي الإِيمَانِ المَسِيحِيِّ، أَسْمَى تَعْبِيرٍ عَنْ مَحَبَّةِ الآبِ لِلْإِنْسَانِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "سَيَهَابُونَ ابْنِي"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: ἐντραπήσονται τὸν υἱόν μου وَالفِعْلُ ἐντρέπομαι يَحْمِلُ هُنَا مَعْنَى "يَحْتَرِمُ، يَهَابُ، يَسْتَحْيِي أَمَامَ شَخْصٍ فَيُرَاعِي مَقَامَهُ". فَلَيْسَ المَقْصُودُ الخَوْفَ فَقَطْ، بَلِ الِاحْتِرَامَ الَّذِي يَلِيقُ بِمَقَامِ الِابْنِ. وَكَأَنَّ صَاحِبَ الكَرْمِ يَقُولُ: إِنْ كَانُوا قَدْ رَفَضُوا الخَدَمَ، فَلَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَ مَكَانَةَ الِابْنِ وَيَسْتَقْبِلُونَهُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُفْهَمَ عِبَارَةُ "سَيَهَابُونَ ابْنِي" عَلَى أَنَّ اللهَ كَانَ يَجْهَلُ مَا سَيَحْدُثُ لِلْمَسِيحِ أَوْ أَنَّهُ تَوَقَّعَ نَتِيجَةً ثُمَّ فُوجِئَ بِعَكْسِهَا. فَهٰذَا جُزْءٌ مِنَ اللُّغَةِ القَصَصِيَّةِ لِلْمَثَلِ، الَّتِي تُصَوِّرُ مَا كَانَ يَنْبَغِي أَخْلَاقِيًّا أَنْ يَفْعَلَهُ الكَرَّامُونَ: كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَحْتَرِمُوا الِابْنَ. وَبِذٰلِكَ تَكْشِفُ العِبَارَةُ مَسْؤُولِيَّتَهُمْ، لَا جَهْلَ صَاحِبِ الكَرْمِ بِمَصِيرِ ابْنِهِ. وَيَلْفِتُ القِدِّيسُ ايرونيموس إِلَى هَذَا البُعْدِ، فَيَفْهَمُ كَلَامَ صَاحِبِ الكَرْمِ بِحَسَبِ أُسْلُوبِ المَثَلِ، لَا عَلَى أَنَّهُ نَفْيٌ لِعِلْمِ اللهِ السَّابِقِ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ بَيَانٌ لِمَا كَانَ يَجِبُ عَلَى الكَرَّامِينَ أَنْ يَفْعَلُوهُ عِنْدَ حُضُورِ الِابْنِ (PL 26). وَيَتَّضِحُ مِنْ هُنَا البُعْدُ المَسِيحَانِيُّ لِلْمَثَلِ.  فَيَسُوعُ لَا يَضَعُ نَفْسَهُ فِي صَفِّ الأَنْبِيَاءِ وَحَسْبُ، بَلْ يُمَيِّزُ نَفْسَهُ عَنْهُمْ: هُمْ الخَدَمُ، وَهُوَ الِابْنُ؛ هُمْ يُرْسَلُونَ تِبَاعًا، أَمَّا هُوَ فَيَأْتِي "آخِرَ الأَمْرِ"؛ وَهُمْ يَطْلُبُونَ الثَّمَرَ بِاسْمِ المَالِكِ، أَمَّا هُوَ فَسَيُعْرَفُ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ بِأَنَّهُ "الوَارِثُ" (مَتَّى 21: 38). وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ رَفْضَ الِابْنِ لَيْسَ مُجَرَّدَ رَفْضِ نَبِيٍّ آخَرَ، بَلْ يَبْلُغُ بِهِ تَارِيخُ الرَّفْضِ ذِرْوَتَهُ. وَهُنَا تَبْرُزُ المُفَارَقَةُ العَمِيقَةُ فِي المَثَلِ: كُلَّمَا ازْدَادَ رَفْضُ الكَرَّامِينَ، ازْدَادَ وُضُوحُ مُبَادَرَةِ صَاحِبِ الكَرْمِ؛ وَبَعْدَ الخَدَمِ أَرْسَلَ ابْنَهُ. فَآخِرُ كَلِمَةٍ مِنَ اللهِ لِلْإِنْسَانِ لَيْسَتِ العُنْفَ، بَلْ عَطِيَّةَ الِابْنِ. وَمِنْ هُنَا يَطْرَحُ النَّصُّ سُؤَالَهُ عَلَى كُلِّ قَارِئٍ: إِذَا كَانَ اللهُ قَدْ كَلَّمَنَا فِي ابْنِهِ، فَكَيْفَ نَسْتَقْبِلُ الِابْنَ، وَمَا الثَّمَرُ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ مِنَّا؟

 

 38 "فَلَمَّا رَأَى الكَرَّامُونَ الِابْنَ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هُوَذَا الوَارِثُ، هَلُمَّ نَقْتُلْهُ وَنَأْخُذْ مِيرَاثَهُ"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَلَمَّا رَأَى الكَرَّامُونَ الِابْنَ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: οἱ δὲ γεωργοὶ ἰδόντες τὸν υἱὸν εἶπον ἐν ἑαυτοῖς ، إِلَى تَآمُرِ الكَرَّامِينَ المُتَعَمَّدِ عَلَى الِابْنِ.  فَالفِعْلُ ἰδόντες ، مِنْ ὁράω  (يَرَى)، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوُا الِابْنَ وَتَعَرَّفُوا إِلَى مَكَانَتِهِ، ثُمَّ اتَّخَذُوا قَرَارَهُمْ. أَمَّا عِبَارَةُ εἶπον ἐν ἑαυτοῖς فَتَعْنِي حَرْفِيًّا: "قَالُوا فِي مَا بَيْنَهُمْ"، وَتُبْرِزُ طَابَعَ التَّشَاوُرِ وَالتَّخْطِيطِ المُشْتَرَكِ. وَهُنَا يَبْلُغُ تَمَرُّدُ الكَرَّامِينَ ذِرْوَتَهُ. فَقَدْ رَفَضُوا الخَدَمَ أَوَّلًا، ثُمَّ ضَرَبُوا وَقَتَلُوا وَرَجَمُوا مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ، وَالآنَ، عِنْدَ حُضُورِ الِابْنِ، لَا يَتَرَاجَعُونَ، بَلْ يَتَشَاوَرُونَ فِي قَتْلِهِ. وَبِذٰلِكَ يُصَوِّرُ المَثَلُ تَصَاعُدًا دِرَامِيًّا: رَفْضُ الخَدَمِ يَبْلُغُ ذِرْوَتَهُ فِي رَفْضِ الِابْنِ. وَعَلَى المُسْتَوَى المَسِيحَانِيِّ، يَتَوَازَى هَذَا التَّشَاوُرُ مَعَ مَا يَرْوِيهِ الإِنْجِيلُ عَنْ تَصَاعُدِ المُعَارَضَةِ لِيَسُوعَ مِنْ قِبَلِ بَعْضِ القِيَادَاتِ الدِّينِيَّةِ فِي أُورَشَلِيمَ. فَبَعْدَ إِقَامَةِ لَعَازَرَ، يَرْوِي يُوحَنَّا: "فَجَمَعَ عُظَمَاءُ الكَهَنَةِ وَالفَرِّيسِيُّونَ المَجْلِسَ وَقَالُوا: مَاذَا نَعْمَلُ؟ فَإِنَّ هٰذَا الرَّجُلَ يَأْتِي بِآيَاتٍ كَثِيرَةٍ"، ثُمَّ يُضِيفُ: "فَعَزَمُوا مُنْذُ ذٰلِكَ اليَوْمِ عَلَى قَتْلِهِ" (يُوحَنَّا 11: 47، 53). وَهُنَا أَيْضًا يَنْبَغِي حِفْظُ دِقَّةِ السِّيَاقِ: فَالنَّصُّ لَا يُسَوِّغُ نَسْبَ التَّآمُرِ إِلَى اليَهُودِ جَمِيعًا، بَلْ يَتَحَدَّثُ عَنْ قِيَادَاتٍ مُحَدَّدَةٍ دَخَلَتْ فِي صِرَاعٍ مَعَ يَسُوعَ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "هُوَذَا الوَارِثُ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ οὗτός ἐστιν ὁ κληρονόμος، أَيْ "هٰذَا هُوَ الوَارِثُ".  وَتَحْمِلُ كَلِمَةُ κληρονόμος   مَعْنَى "الوَارِثِ"، أَيْ مَنْ يَحِقُّ لَهُ المِيرَاثُ بِحُكْمِ عَلاقَتِهِ بِالأَبِ. وَهِيَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ κλῆρος (نَصِيبٌ، حِصَّةٌ، مِيرَاثٌ) وَνόμος (قَاعِدَةٌ/نِظَامٌ)، وَتَدُلُّ فِي الِاسْتِعْمَالِ عَلَى مَنْ يَتَلَقَّى المِيرَاثَ شَرْعًا. وَيُعَدُّ لَقَبُ "الوَارِثِ" مِنْ أَهَمِّ مَفَاتِيحِ المَثَلِ المَسِيحَانِيَّةِ؛ فَالِابْنُ لَيْسَ خَادِمًا آخَرَ، بَلْ وَارِثُ صَاحِبِ الكَرْمِ.  وَهٰذَا المَعْنَى يَتَّفِقُ مَعَ مُقَدِّمَةِ الرِّسَالَةِ إِلَى العِبْرَانِيِّينَ: "كَلَّمَنَا فِي هٰذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ بِابْنٍ، جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَبِهِ أَنْشَأَ العَالَمِينَ" (العِبْرَانِيِّينَ 1: 2). فَالمِيرَاثُ يَرْتَبِطُ بِبُنُوَّةِ المَسِيحِ وَسُلْطَانِهِ، لَا بِاغْتِصَابٍ أَوْ مُنَافَسَةٍ. وَيَكْمُنُ أَيْضًا فِي قَوْلِ الكَرَّامِينَ "هُوَذَا الوَارِثُ" بُعْدٌ أَدَبِيٌّ مُهِمٌّ: فَالمَثَلُ يُصَوِّرُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ هُوِيَّةَ الِابْنِ دَاخِلَ القِصَّةِ، وَمَعَ ذٰلِكَ يَقْرِّرُونَ قَتْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي تَحْوِيلُ هٰذَا التَّفْصِيلِ المَثَلِيِّ إِلَى حُكْمٍ تَارِيخِيٍّ مُطْلَقٍ بِأَنَّ جَمِيعَ مُعَارِضِي يَسُوعَ كَانُوا يَعْرِفُونَ يَقِينًا أَنَّهُ ابْنُ اللهِ ثُمَّ قَتَلُوهُ مَعَ هٰذِهِ المَعْرِفَةِ الكَامِلَةِ. فَالمَثَلُ يُبْرِزُ خُطُورَةَ رَفْضِ الِابْنِ بِصُورَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ وَدِرَامِيَّةٍ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "هَلُمَّ نَقْتُلْهُ"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: δεῦτε ἀποκτείνωμεν αὐτόν وَتَعْنِي δεῦτε  "هَلُمَّ" أَوْ "تَعَالَوْا"، بَيْنَمَا ἀποκτείνωμεν  هِيَ صِيغَةُ الحَثِّ الجَمَاعِيِّ مِنَ الفِعْلِ ἀποκτείνω (يَقْتُلُ): "هَلُمَّ نَقْتُلْهُ". وَتَكْشِفُ هَذِهِ الصِّيغَةُ أَنَّ القَتْلَ فِي بِنْيَةِ المَثَلِ قَرَارٌ مُشْتَرَكٌ وَمُتَعَمَّدٌ، لَا حَادِثًا عَرَضِيًّا. وَتَسْتَحْضِرُ هَذِهِ العِبَارَةُ أَيْضًا لُغَةَ قِصَّةِ يُوسُفَ، حَيْثُ قَالَ إِخْوَتُهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: "هُوَذَا صَاحِبُ الأَحْلَامِ قَادِمٌ. وَالآنَ هَلُمَّ نَقْتُلْهُ" (تَكْوِين 37: 19–20). وَالتَّوَازِي لَافِتٌ: فَفِي الحَالَتَيْنِ هُنَاكَ شَخْصٌ مَرْفُوضٌ يَتَشَاوَرُ آخَرُونَ فِي التَّخَلُّصِ مِنْهُ. وَمَعَ أَنَّ مَتَّى لَا يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ يَقْتَبِسُ قِصَّةَ يُوسُفَ، فَالتَّشَابُهُ اللُّغَوِيُّ وَالمَوْضُوعِيُّ يُثْرِي قِرَاءَةَ المَثَلِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَنَأْخُذْ مِيرَاثَهُ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِκαὶ σχῶμεν τὴν κληρονομίαν αὐτοῦ  ، أَيْ: "وَنَسْتَحْوِذْ عَلَى مِيرَاثِهِ". وَكَلِمَةُ κληρονομία تَعْنِي "المِيرَاثَ" أَوْ "المُلْكَ المَوْرُوثَ". وَهُنَا يَكْشِفُ المَثَلُ مَا كَانَ مُسْتَتِرًا فِي قُلُوبِ الكَرَّامِينَ: لَمْ يَعُدْ هَدَفُهُمْ مُجَرَّدَ الِامْتِنَاعِ عَنْ تَسْلِيمِ الثِّمَارِ، بَلْ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَا لَا يَمْلِكُونَهُ أَصْلًا. وَبِذٰلِكَ يَنْكَشِفُ جَوْهَرُ خَطِيئَتِهِمْ: أَرَادُوا المِيرَاثَ مِنْ دُونِ الوَارِثِ، وَالكَرْمَ مِنْ دُونِ صَاحِبِ الكَرْمِ. فَهُمْ لَمْ يَعُودُوا يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَكَلَاءَ أَوْ مُؤْتَمَنِينَ، بَلْ تَصَرَّفُوا كَأَنَّهُمْ أَصْحَابُ الحَقِّ المُطْلَقِ. وَهٰذَا هُوَ المَعْنَى اللَّاهُوتِيُّ العَمِيقُ لِلْمَثَلِ: عِنْدَمَا يَنْسَى الإِنْسَانُ أَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ، يَبْدَأُ بِالتَّصَرُّفِ كَأَنَّهُ المَالِكُ. وَفِي السِّيَاقِ الإِنْجِيلِيِّ، يُمْكِنُ رَبْطُ هٰذَا البُعْدِ بِالمَخَاوِفِ الَّتِي يَنْسُبُهَا إِنْجِيلُ يُوحَنَّا إِلَى المَجْلِسِ: "إِنْ تَرَكْنَاهُ هٰكَذَا، آمَنَ بِهِ الجَمِيعُ، فَيَأْتِي الرُّومَانِيُّونَ وَيَقْضُونَ عَلَى مَقْدِسِنَا وَأُمَّتِنَا" (يُوحَنَّا 11: 48). وَيُقَدِّمُ يُوحَنَّا هُنَا مَخَاوِفَ سِيَاسِيَّةً وَمُؤَسَّسِيَّةً مُرْتَبِطَةً بِتَصَاعُدِ تَأْثِيرِ يَسُوعَ. وَمِنَ الأَدَقِّ عَدَمُ اخْتِزَالِ دَوَافِعِ شَخْصِيَّاتِ الأَنَاجِيلِ فِي الطَّمَعِ بِالسُّلْطَانِ وَحْدَهُ، بَلْ عَرْضُ مَا تَذْكُرُهُ النُّصُوصُ نَفْسُهَا مِنْ دَوَافِعَ وَمَخَاوِفَ وَصِرَاعَاتٍ. وَيَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ فِي قَوْلِ الكَرَّامِينَ "هُوَذَا الوَارِثُ" تَشْدِيدًا عَلَى جَسَامَةِ رَفْضِ الِابْنِ بَعْدَ كُلِّ مَا سَبَقَهُ مِنْ إِرْسَالِ الخَدَمِ، وَعَلَى أَنَّ طُولَ أَنَاةِ صَاحِبِ الكَرْمِ لَمْ يَقُدِ الكَرَّامِينَ إِلَى التَّوْبَةِ، بَلْ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ التَّجَاسُرِ (Homiliae in Matthaeum 68، PG 58). وَتَكْشِفُ الآيَةُ، إِذًا، البُعْدَ المَسِيحَانِيَّ لِلْمَثَلِ بِصُورَةٍ أَكْثَرَ وُضُوحًا: يَسُوعُ هُوَ الِابْنُ وَالوَارِثُ؛ وَرَفْضُهُ يَقُودُ المَثَلَ إِلَى آلامِهِ وَمَوْتِهِ. غَيْرَ أَنَّ المَثَلَ لَا يَنْتَهِي بِانْتِصَارِ الكَرَّامِينَ؛ فَالِابْنُ الَّذِي يَرْفُضُهُ البَنَّاؤُونَ سَيَصِيرُ، فِي خَاتِمَةِ المَثَلِ، "رَأْسَ الزَّاوِيَةِ" (مَتَّى 21: 42؛ مَزْمُور 118: 22–23). وَهُنَا يَلُوحُ، فِي ضَوْءِ الإِيمَانِ الفِصْحِيِّ، أُفُقُ القِيَامَةِ وَانْتِصَارِ اللهِ عَلَى الرَّفْضِ وَالمَوْتِ. وَيَحْمِلُ النَّصُّ أَيْضًا تَطْبِيقًا رُوحِيًّا دَائِمًا. فَقَدْ يَعِيشُ الإِنْسَانُ كَأَنَّ حَيَاتَهُ مِلْكِيَّةٌ خَاصَّةٌ مُطْلَقَةٌ، وَكَأَنَّهُ المَرْجِعُ الأَخِيرُ لِوُجُودِهِ وَمَوَاهِبِهِ وَوَقْتِهِ وَخَيْرَاتِهِ، فَيَبْنِي خِيَارَاتِهِ كُلَّهَا حَوْلَ مِحْوَرِ "الأَنَا". وَلكِنَّ المَثَلَ يُذَكِّرُنَا بِأَنَّنَا مُؤْتَمَنُونَ لَا مُلَّاكٌ مُطْلَقُونَ؛ فَالحَيَاةُ وَالمَوَاهِبُ وَالمَسْؤُولِيَّاتُ عَطَايَا تُسَلَّمُ إِلَيْنَا لِكَيْ نُثْمِرَهَا، لَا لِنَسْتَحْوِذَ عَلَيْهَا بِمَعْزِلٍ عَنْ وَاهِبِهَا.

 

39 "فَأَمْسَكُوهُ وَأَلْقَوْهُ فِي خَارِجِ الكَرْمِ وَقَتَلُوهُ"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَأَمْسَكُوهُ"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ καὶ λαβόντες αὐτόν ، إِلَى تَنْفِيذِ الكَرَّامِينَ مَا كَانُوا قَدْ تَشَاوَرُوا عَلَيْهِ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ: "هَلُمَّ نَقْتُلْهُ وَنَأْخُذْ مِيرَاثَهُ" (مَتَّى 21: 38). وَالفِعْلُ λαβόντες، مِنْ λαμβάνω  (يَأْخُذُ، يُمْسِكُ، يَقْبِضُ عَلَى)، هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِي الآيَةِ 35 عِنْدَ الإِمْسَاكِ بِالخَدَمِ. وَهَكَذَا يَضَعُ مَتَّى الِابْنَ فِي سِلْسِلَةِ المُرْسَلِينَ المَرْفُوضِينَ، وَلٰكِنَّهُ يَتَمَيَّزُ عَنْهُمْ بِأَنَّهُ الِابْنُ وَالوَارِثُ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "وَأَلْقَوْهُ فِي خَارِجِ الكَرْمِ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ ἐξέβαλον ἔξω τοῦ ἀμπελῶνος، وَتَحْمِلُ مَعْنًى قَوِيًّا مِنَ الرَّفْضِ وَالإِقْصَاءِ وَالإِهَانَةِ.  فَالفِعْلُ ἐκβάλλω يَعْنِي "يُخْرِجُ، يَطْرُدُ، يَطْرَحُ إِلَى الخَارِجِ"، وَتُشَدِّدُ كَلِمَةُ ἔξω (خَارِجًا) عَلَى الإِبْعَادِ عَنِ الكَرْمِ. وَالمُفَارَقَةُ أَنَّ الوَارِثَ الشَّرْعِيَّ لِلْكَرْمِ يُطْرَدُ مِنْ كَرْمِ أَبِيهِ عَلَى يَدِ مُجَرَّدِ مُسْتَأْجِرِينَ. وَعَلَى المُسْتَوَى المَسِيحَانِيِّ، رَأَى التَّقْلِيدُ المَسِيحِيُّ فِي إِخْرَاجِ الِابْنِ إِلَى خَارِجِ الكَرْمِ إِشَارَةً إِلَى آلامِ يَسُوعَ وَمَوْتِهِ خَارِجَ أُورَشَلِيمَ.  وَتَظْهَرُ هَذِهِ القِرَاءَةُ بِوُضُوحٍ فِي الرِّسَالَةِ إِلَى العِبْرَانِيِّينَ: "لِذٰلِكَ تَأَلَّمَ يَسُوعُ أَيْضًا فِي خَارِجِ البَابِ، لِيُقَدِّسَ الشَّعْبَ بِدَمِهِ" (العِبْرَانِيِّينَ 13: 12). فَصُورَةُ الِابْنِ المَطْرُودِ مِنَ الكَرْمِ تَجِدُ، فِي القِرَاءَةِ المَسِيحِيَّةِ، صَدَاهَا فِي المَسِيحِ المَرْفُوضِ الَّذِي يَتَأَلَّمُ خَارِجَ المَدِينَةِ. وَيَتَّفِقُ لُوقَا مَعَ مَتَّى فِي تَرْتِيبِ الحَدَثَيْنِ: "فَأَلْقَوْهُ فِي خَارِجِ الكَرْمِ وَقَتَلُوهُ" (لُوقَا 20: 15)، أَيْ إِنَّ الإِخْرَاجَ يَسْبِقُ القَتْلَ. أَمَّا مَرْقُسُ فَيَعْكِسُ التَّرْتِيبَ: "فَأَمْسَكُوهُ وَقَتَلُوهُ وَأَلْقَوْهُ فِي خَارِجِ الكَرْمِ" (مَرْقُس 12: 8). وَهٰذَا الِاخْتِلَافُ الصَّغِيرُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الإِزَائِيَّةِ مُهِمٌّ تَفْسِيرِيًّا؛ فَتَرْتِيبُ مَتَّى وَلُوقَا يَسْمَحُ بِقِرَاءَةٍ أَوْضَحَ تُحِيلُ إِلَى مَوْتِ يَسُوعَ خَارِجَ المَدِينَةِ، بَيْنَمَا يَرْكُزُ مَرْقُسُ عَلَى الإِهَانَةِ الَّتِي تَتَوَاصَلُ حَتَّى بَعْدَ القَتْلِ.

 

وَتَحْمِلُ صُورَةُ "الخَارِجِ" خَلْفِيَّةً كِتَابِيَّةً أَيْضًا. فَفِي شَرِيعَةِ القَدَاسَةِ، يُؤْمَرُ بِإِخْرَاجِ المُجَدِّفِ إِلَى خَارِجِ المُخَيَّمِ قَبْلَ رَجْمِهِ: "أَخْرِجِ اللَّاعِنَ إِلَى خَارِجِ المُخَيَّمِ... وَلْتَرْجُمْهُ كُلُّ الجَمَاعَةِ" (الأَحْبَار 24: 14؛ راجِعْ 24: 16). وَفِي العَهْدِ الجَدِيدِ، نَجِدُ صُورَةً مُشَابِهَةً فِي اسْتِشْهَادِ إِسْطِفَانُسَ: "وَأَخْرَجُوهُ مِنَ المَدِينَةِ وَأَخَذُوا يَرْجُمُونَهُ" (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 7: 58). وَمِنَ الضَّرُورِيِّ هُنَا تَصْحِيحُ الإِحَالَةِ: هِيَ أَعْمَالُ الرُّسُل 7: 58- 60). وَقَدْ رَأَى القِدِّيسُ ايرونيموس فِي إِخْرَاجِ الِابْنِ مِنَ الكَرْمِ إِشَارَةً إِلَى آلامِ المَسِيحِ خَارِجَ أُورَشَلِيمَ؛ فَالمَسِيحُ، وَهُوَ الِابْنُ وَالوَارِثُ، يُرْفَضُ وَيُخْرَجُ إِلَى خَارِجِ المَدِينَةِ لِيُقْتَلَ (ايرونيموس، Commentariorum in Matthaeum III، PL 26).  وَفِي هَذِهِ القِرَاءَةِ الآبَائِيَّةِ يَتَحَوَّلُ "خَارِجُ الكَرْمِ" إِلَى صُورَةٍ اسْتِبَاقِيَّةٍ لِلجُلْجُلَةِ.

 

أَمَّا رَبْطُ "خَارِجِ الكَرْمِ" بِتَسْلِيمِ يَسُوعَ إِلَى السُّلْطَةِ الرُّومَانِيَّةِ، اسْتِنَادًا إِلَى قَوْلِ يُوحَنَّا: "ثُمَّ سَاقُوا يَسُوعَ مِنْ عِنْدِ قَيَافَا إِلَى دَارِ الحَاكِمِ" (يُوحَنَّا 18: 28)، فَهُوَ تَفْسِيرٌ رَمْزِيٌّ مُمْكِنٌ فِي التَّقْلِيدِ، وَلَيْسَ المَعْنَى الصَّرِيحَ الَّذِي يَفْرِضُهُ نَصُّ المَثَلِ.  فَالأَسَاسُ فِي الصُّورَةِ هُوَ رَفْضُ الِابْنِ وَطَرْدُهُ مِنَ الكَرْمِ، أَمَّا التَّفَاصِيلُ المُتَعَلِّقَةُ بِالسُّلْطَةِ الرُّومَانِيَّةِ فَتَنْتَمِي إِلَى رِوَايَةِ الآلامِ نَفْسِهَا.

 

وَأَمَّا عِبَارَةُ "وَقَتَلُوهُ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ καὶ ἀπέκτειναν، مِنَ الفِعْلِ ἀποκτείνω (يَقْتُلُ). وَهِيَ تُمَثِّلُ ذِرْوَةَ شَرِّ الكَرَّامِينَ: فَقَدْ بَدَؤُوا بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى ثِمَارِ الكَرْمِ، ثُمَّ رَفَضُوا الخَدَمَ وَاضْطَهَدُوهُمْ، وَأَخِيرًا قَتَلُوا الِابْنَ نَفْسَهُ. وَبِذٰلِكَ لَمْ يَعُدْ تَمَرُّدُهُمْ مُوَجَّهًا فَقَطْ ضِدَّ رُسُلِ صَاحِبِ الكَرْمِ، بَلْ بَلَغَ الوَارِثَ نَفْسَهُ. وَيَجِبُ أَيْضًا أَنْ نُرَاعِيَ الدِّقَّةَ عِنْدَ نَقْلِ الرَّمْزِ إِلَى تَارِيخِ آلامِ يَسُوعَ. فَالمَثَلُ يَرْمُزُ إِلَى رَفْضِ الِابْنِ وَقَتْلِهِ، وَالسِّيَاقُ فِي مَتَّى يُوَجِّهُ النَّقْدَ بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ إِلَى قِيَادَاتٍ دِينِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ (مَتَّى 21: 45)، وَلَا يُجِيزُ تَحْمِيلَ الشَّعْبِ اليَهُودِيِّ كُلِّهِ مَسْؤُولِيَّةً جَمَاعِيَّةً عَنْ مَوْتِ يَسُوعَ. وَتُظْهِرُ رِوَايَاتُ الآلامِ نَفْسُهَا أَنَّ الصَّلْبَ نُفِّذَ فِي ظِلِّ السُّلْطَةِ الرُّومَانِيَّةِ. وَالمَقْصُودُ اللَّاهُوتِيُّ لِلْمَثَلِ أَعْمَقُ مِنْ تَوْزِيعِ اللَّوْمِ التَّارِيخِيِّ: إِنَّهُ يَكْشِفُ مَأْسَاةَ رَفْضِ مُرْسَلِ اللهِ وَابْنِهِ. وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ هَذَا التَّصَاعُدَ عَلَى أَنَّهُ يَكْشِفُ، مِنْ جِهَةٍ، طُولَ أَنَاةِ صَاحِبِ الكَرْمِ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، تَصَاعُدَ عِنَادِ الكَرَّامِينَ: فَبَعْدَ إِرْسَالِ خَدَمٍ كَثِيرِينَ، يَبْلُغُ الرَّفْضُ نِهَايَتَهُ بِقَتْلِ الِابْنِ (Homiliae in Matthaeum 68، PG 58).  وَهَكَذَا يَتَحَوَّلُ المَثَلُ إِلَى إِعْلَانٍ نَبَوِيٍّ عَنْ آلامِ المَسِيحِ وَرَفْضِهِ وَمَوْتِهِ. غَيْرَ أَنَّ القَتْلَ لَيْسَ الكَلِمَةَ الأَخِيرَةَ فِي المَثَلِ. فَسَيَسْتَشْهِدُ يَسُوعُ بَعْدَ قَلِيلٍ بِالمَزْمُور: "الحَجَرُ الَّذِي رَذَلَهُ البَنَّاؤُونَ هُوَ الَّذِي صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ" (مَتَّى 21: 42؛ مَزْمُور 118: 22–23). وَمِنْ ثَمَّ، فَفِي القِرَاءَةِ المَسِيحِيَّةِ الفِصْحِيَّةِ، يُشِيرُ قَتْلُ الِابْنِ إِلَى الصَّلِيبِ، أَمَّا صَيْرُورَةُ الحَجَرِ المَرْذُولِ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ فَتَفْتَحُ النَّصَّ عَلَى القِيَامَةِ وَتَمْجِيدِ المَسِيحِ. وَيَحْمِلُ النَّصُّ أَيْضًا تَطْبِيقًا رُوحِيًّا: فَقَدْ يَسْعَى الإِنْسَانُ إِلَى إِخْرَاجِ صَاحِبِ العَطِيَّةِ مِنْ عَطِيَّتِهِ؛ يَسْتَعْمِلُ الحَيَاةَ وَالمَوَاهِبَ وَالخَيْرَاتِ وَالسُّلْطَةَ كَأَنَّهَا مِلْكٌ مُطْلَقٌ لَهُ، وَيَنْسَى وَاهِبَهَا. وَهُنَا يُوَجِّهُ المَثَلُ سُؤَالًا إِلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ: هَلْ نَسْتَقْبِلُ الِابْنَ فِي "كَرْمِ" حَيَاتِنَا، أَمْ نُبْعِدُهُ عَنْ قَرَارَاتِنَا لِنَبْقَى نَحْنُ أَصْحَابَ السُّلْطَانِ فِيهَا؟

 

40 "فَمَاذَا يَفْعَلُ رَبُّ الكَرْمِ بِأُولٰئِكَ الكَرَّامِينَ عِنْدَ عَوْدَتِهِ؟"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَمَاذَا يَفْعَلُ رَبُّ الكَرْمِ بِأُولٰئِكَ الكَرَّامِينَ عِنْدَ عَوْدَتِهِ؟"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: ὅταν οὖν ἔλθῃ ὁ κύριος τοῦ ἀμπελῶνος, τί ποιήσει τοῖς γεωργοῖς ἐκείνοις; ، إِلَى سُؤَالٍ قَضَائِيٍّ يَطْرَحُهُ يَسُوعُ عَلَى سَامِعِيهِ بَعْدَ أَنْ أَتَمَّ سَرْدَ المَثَلِ. فَلَا يُعْطِي يَسُوعُ الحُكْمَ مُبَاشَرَةً، بَلْ يَدْعُ مُخَاطَبِيهِ إِلَى اسْتِخْلَاصِهِ بِأَنْفُسِهِمْ. وَتَحْمِلُ أَدَاةُ οὖν (إِذًا، فَبِنَاءً عَلَى ذٰلِكَ) دَلَالَةً مُهِمَّةً؛ فَالسُّؤَالُ هُوَ النَّتِيجَةُ المَنْطِقِيَّةُ لِكُلِّ مَا سَبَقَ: إِذَا كَانَ صَاحِبُ الكَرْمِ قَدْ غَرَسَ وَسَيَّجَ وَحَفَرَ وَبَنَى، ثُمَّ أَرْسَلَ خَدَمَهُ مَرَّاتٍ، وَأَخِيرًا أَرْسَلَ ابْنَهُ، وَقَابَلَ الكَرَّامُونَ كُلَّ ذٰلِكَ بِالرَّفْضِ وَالعُنْفِ وَالقَتْلِ، فَمَاذَا يَبْقَى لِصَاحِبِ الكَرْمِ أَنْ يَفْعَلَ؟

 

وَتَرِدُ عِبَارَةُ "عِنْدَ عَوْدَتِهِ" فِي التَّرْجَمَةِ العَرَبِيَّةِ لِلتَّعْبِيرِ اليُونَانِيِّ ὅταν... ἔλθῃ ، أَيْ حَرْفِيًّا: "مَتَى جَاءَ" أَوْ "عِنْدَمَا يَأْتِي".  وَالفِعْلُ ἔλθῃ مِنْ ἔρχομαι (يَأْتِي، يَجِيءُ). وَعَلَى المُسْتَوَى القَصَصِيِّ، المَقْصُودُ هُوَ مَجِيءُ صَاحِبِ الكَرْمِ لِلْمُحَاسَبَةِ؛ أَمَّا فِي القِرَاءَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ، فَيَحْمِلُ هٰذَا المَجِيءُ بُعْدًا دَيْنُونِيًّا: فَالأَمَانَةُ لِلْوَدِيعَةِ سَتَخْضَعُ فِي النِّهَايَةِ لِلْمُحَاسَبَةِ.

وَتَحْمِلُ عِبَارَةُ "رَبُّ الكَرْمِ"، بِاليُونَانِيَّةِ ὁ κύριος τοῦ ἀμπελῶνος، دَلَالَةً لَاهُوتِيَّةً مُهِمَّةً. فَكَلِمَةُ κύριος تَعْنِي "السَّيِّدَ" أَوْ "الرَّبَّ"، وَهِيَ تُعِيدُ التَّذْكِيرَ بِالحَقِيقَةِ الَّتِي حَاوَلَ الكَرَّامُونَ تَجَاهُلَهَا: الكَرْمُ لَهُ صَاحِبٌ، وَالكَرَّامُونَ مُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ وَلَيْسُوا مُلَّاكَهُ. وَغَايَةُ سُؤَالِ يَسُوعَ هِيَ أَنْ يَجْعَلَ السَّامِعِينَ يَصْدُرُونَ الحُكْمَ الأَخْلَاقِيَّ بِأَنْفُسِهِمْ. فَحِينَ يُجِيبُونَ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ، يُقِرُّونَ بِأَنَّ سُلُوكَ الكَرَّامِينَ يَسْتَوْجِبُ الحُكْمَ. وَهٰذَا أُسْلُوبٌ نَبَوِيٌّ مَعْرُوفٌ، يَجْعَلُ المُخَاطَبَ يُصْدِرُ الحُكْمَ قَبْلَ أَنْ يَكْتَشِفَ أَنَّ المَثَلَ يَمَسُّ مَوْقِفَهُ هُوَ. وَيَذْكُرُ هٰذَا، عَلَى نَحْوٍ مَا، بِمَثَلِ نَاتَانَ أَمَامَ دَاوُدَ، حِينَ أَصْدَرَ دَاوُدُ الحُكْمَ عَلَى صَاحِبِ الغَنَمِ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ: "أَنْتَ هُوَ الرَّجُلُ" (2 صَمُوئِيل 12: 1-7). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا الأُسْلُوبِ مُبَيِّنًا أَنَّ المَسِيحَ يَجْعَلُ مُخَاطَبِيهِ يَحْكُمُونَ فِي القَضِيَّةِ بِأَنْفُسِهِمْ؛ فَيَظْهَرُ مِنْ جَوَابِهِمْ أَنَّ العَدَالَةَ تَقْتَضِي مُحَاسَبَةَ الكَرَّامِينَ بَعْدَ كُلِّ مَا صَنَعَهُ صَاحِبُ الكَرْمِ مِنْ أَجْلِهِمْ (PG 58).

 

يَسْتَحْضِرُ سُؤَالُ يَسُوعَ بِوُضُوحٍ نَشِيدَ الكَرْمِ فِي إِشَعْيَاء 5: 1–7، الَّذِي يَقِفُ خَلْفَ المَثَلِ كُلِّهِ. فَبَعْدَ أَنْ يَصِفَ إِشَعْيَاءُ عِنَايَةَ صَاحِبِ الكَرْمِ بِكَرْمِهِ، يَأْتِي السُّؤَالُ: "مَاذَا كَانَ يُصْنَعُ أَيْضًا لِكَرْمِي وَلَمْ أَصْنَعْهُ لَهُ؟" (إِشَعْيَاء 5: 4). ثُمَّ يُعْلِنُ الحُكْمَ: "فَالآنَ أُعَرِّفُكُمْ مَاذَا أَصْنَعُ بِكَرْمِي: أَنْزِعُ سِيَاجَهُ... وَأَجْعَلُهُ خَرَابًا" (إِشَعْيَاء 5: 5-6). وَلٰكِنْ تَوْجَدُ مُفَارَقَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ مُهِمَّةٌ بَيْنَ إِشَعْيَاءَ وَمَثَلِ مَتَّى. فَفِي إِشَعْيَاءَ يَقَعُ الحُكْمُ عَلَى الكَرْمِ الَّذِي لَمْ يُثْمِرْ، أَمَّا فِي مَثَلِ يَسُوعَ فَيَنْتَقِلُ التَّرْكِيزُ إِلَى الكَرَّامِينَ الَّذِينَ خَانُوا الأَمَانَةَ وَرَفَضُوا رُسُلَ صَاحِبِ الكَرْمِ وَابْنَهُ. وَهٰذَا الفَرْقُ مُهِمٌّ؛ فَالمَشْكِلَةُ فِي المَثَلِ لَيْسَتْ فِي أَنَّ اللهَ تَخَلَّى عَنْ مَقْصِدِهِ الخَلَاصِيِّ، بَلْ فِي فَشَلِ الوُكَلَاءِ فِي تَأْدِيَةِ الأَمَانَةِ وَإِعْطَاءِ الثِّمَارِ.

 

أَمَّا إِنْجِيلُ لُوقَا فَيَرْوِي، قَبْلَ إِرْسَالِ الِابْنِ، قَوْلَ صَاحِبِ الكَرْمِ: "مَاذَا أَصْنَعُ؟ أُرْسِلُ ابْنِيَ الحَبِيبَ، فَلَعَلَّهُمْ يَهَابُونَهُ" (لُوقَا 20: 13).  وَلَا تَعْنِي عِبَارَةُ "مَاذَا أَصْنَعُ؟" أَنَّ صَاحِبَ الكَرْمِ عَاجِزٌ أَوْ حَائِرٌ، بَلْ هِيَ مِنَ الأُسْلُوبِ القَصَصِيِّ الَّذِي يُبْرِزُ أَنَّهُ اسْتَنْفَدَ، فِي إِطَارِ المَثَلِ، سُبُلَ الصَّبْرِ وَالدَّعْوَةِ، حَتَّى بَلَغَ إِرْسَالُهُ ذِرْوَتَهُ فِي إِرْسَالِ الِابْنِ الحَبِيبِ.

 

لَا يَنْتَهِي مَثَلُ الكَرَّامِينَ عِنْدَ الدَّيْنُونَةِ. فَرَفْضُ الكَرَّامِينَ لَا يُبْطِلُ مُخَطَّطَ اللهِ الخَلَاصِيَّ، وَلَا يَجْعَلُ قَتْلَ الِابْنِ نِهَايَةَ القِصَّةِ. وَسَيَقُولُ يَسُوعُ بَعْدَ قَلِيلٍ: «الحَجَرُ الَّذِي رَذَلَهُ البَنَّاؤُونَ هُوَ الَّذِي صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ» (مَتَّى 21: 42؛ مَزْمُور 118: 22–23). فَمَا رَفَضَهُ البَشَرُ يُدْخِلُهُ اللهُ فِي تَحْقِيقِ مَقْصِدِهِ. وَكَذٰلِكَ سَيَقُولُ: "يُنْزَعُ مِنْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ وَيُعْطَى لِأُمَّةٍ تُثْمِرُ ثَمَرَهُ" (مَتَّى 21: 43). وَمِنَ الأَدَقِّ لَاهُوتِيًّا أَلَّا نَخْتَزِلَ هٰذِهِ العِبَارَةَ فِي قَوْلِنَا إِنَّ الكَرْمَ «أُعْطِيَ لِلْوَثَنِيِّينَ بَدَلَ اليَهُودِ»؛ فَالمِحْوَرُ الَّذِي يُشَدِّدُ عَلَيْهِ مَتَّى هُوَ الثَّمَرُ وَالأَمَانَةُ. وَالسِّيَاقُ المُبَاشِرُ يُوَجِّهُ النَّقْدَ إِلَى القِيَادَاتِ الَّتِي فَهِمَتْ أَنَّ المَثَلَ يَعْنِيهَا (مَتَّى 21: 45)، بَيْنَمَا جَمَاعَةُ المَلَكُوتِ تَضُمُّ، فِي الرُّؤْيَةِ المَسِيحِيَّةِ، مُؤْمِنِينَ مِنَ اليَهُودِ وَالأُمَمِ مَعًا. وَهٰكَذَا يَكْشِفُ سُؤَالُ يَسُوعَ عَنْ مَبْدَإٍ أَسَاسِيٍّ فِي المَثَلِ: طُولُ أَنَاةِ اللهِ لَا يُلْغِي مَسْؤُولِيَّةَ الإِنْسَانِ، وَالرَّحْمَةُ لَا تَنْفِي المُحَاسَبَةَ. فَصَاحِبُ الكَرْمِ صَبَرَ وَأَرْسَلَ وَأَعَادَ الإِرْسَالَ، حَتَّى أَرْسَلَ ابْنَهُ؛ وَلٰكِنَّ الوَدِيعَةَ تَبْقَى مَسْؤُولِيَّةً، وَالثِّمَارُ مَطْلُوبَةً. وَمِنْ هُنَا يَتَحَوَّلُ سُؤَالُ المَثَلِ إِلَى سُؤَالٍ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَلِكُلِّ جَمَاعَةٍ كَنَسِيَّةٍ: إِذَا جَاءَ رَبُّ الكَرْمِ يَطْلُبُ ثَمَرَ مَا ائْتَمَنَنَا عَلَيْهِ، فَمَاذَا يَجِدُ فِي كَرْمِ حَيَاتِنَا: ثِمَارَ الإِيمَانِ وَالمَحَبَّةِ وَالعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ، أَمْ مُجَرَّدَ الِادِّعَاءِ بِمِلْكِيَّةِ مَا ائْتَمَنَنَا اللهُ عَلَيْهِ؟

 

 41 "قَالُوا لَهُ: يُهْلِكُ هٰؤُلَاءِ الأَشْرَارَ شَرَّ هَلَاكٍ، وَيُؤَجِّرُ الكَرْمَ كَرَّامِينَ آخَرِينَ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِ الثَّمَرَ فِي وَقْتِهِ"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "قَالُوا لَهُ" َفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ λέγουσιν αὐτῷ "يَقُولُونَ لَهُ"، إِلَى جَوَابِ سَامِعِي المَثَلِ عَنْ سُؤَالِ يَسُوعَ: "فَمَاذَا يَفْعَلُ رَبُّ الكَرْمِ بِأُولٰئِكَ الكَرَّامِينَ عِنْدَ عَوْدَتِهِ؟" (مَتَّى 21: 40). وَبِجَوَابِهِمْ يُصْدِرُونَ بِأَنْفُسِهِمْ حُكْمًا عَلَى سُلُوكِ الكَرَّامِينَ؛ ثُمَّ يَكْشِفُ سِيَاقُ المَثَلِ أَنَّ هٰذَا الحُكْمَ يَمَسُّهُمْ هُمْ أَيْضًا، إِذْ يَقُولُ مَتَّى: "وَلَمَّا سَمِعَ رُؤَسَاءُ الكَهَنَةِ وَالفَرِّيسِيُّونَ أَمْثَالَهُ، فَهِمُوا أَنَّهُ يَعْنِيهِمْ"(مَتَّى 21: 45). وَيُذَكِّرُ هٰذَا الأُسْلُوبُ بِالمَثَلِ الَّذِي رَوَاهُ نَاتَانُ لِدَاوُدَ، حَيْثُ أَصْدَرَ دَاوُدُ الحُكْمَ عَلَى الرَّجُلِ الظَّالِمِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُ النَّبِيُّ: "أَنْتَ هُوَ الرَّجُلُ" (2 صَمُوئِيل 12: 1–7). وَهٰكَذَا يَقُودُ يَسُوعُ مُخَاطَبِيهِ، بِوَاسِطَةِ المَثَلِ، إِلَى أَنْ يَرَوْا بِأَنْفُسِهِمْ مَا تَقْتَضِيهِ العَدَالَةُ مِنْ مُحَاسَبَةِ الوُكَلَاءِ غَيْرِ الأُمَنَاءِ.

 

تَرِدُ عبارة "يُهْلِكُ هٰؤُلَاءِ الأَشْرَارَ شَرَّ هَلَاكٍ" فِي اليُونَانِيَّةِ في عِبَارَةٌ بَلَاغِيَّةٌ قَوِيَّةٌ: κακοὺς κακῶς ἀπολέσει αὐτούς ، وَيُمْكِنُ تَرْجَمَتُهَا: "أُولٰئِكَ الأَشْرَارُ، سَيُهْلِكُهُمْ هَلَاكًا شَدِيدًا".  وَيَنْشَأُ التَّأْكِيدُ مِنْ تَكْرَارِ الجِذْرِ κακ: فَـ κακούς تَعْنِي "أَشْرَارًا"، وَκακῶς تَعْنِي "بِشَرٍّ/بِسُوءٍ"، أَمَّا ἀπολέσει ، مِنْ ἀπόλλυμι ، فَتَعْنِي "يُهْلِكُ" أَوْ "يَقْضِي عَلَى". وَمِنْ هُنَا جَاءَ التَّعْبِيرُ العَرَبِيُّ البَلِيغُ: "يُهْلِكُ هٰؤُلَاءِ الأَشْرَارَ شَرَّ هَلَاكٍ". وَتَسْتَحْضِرُ هٰذِهِ الدَّيْنُونَةُ مَا وَرَدَ فِي إِشَعْيَاءَ عَنْ القِيَادَاتِ الَّتِي أَسَاءَتِ التَّصَرُّفَ فِي كَرْمِ الرَّبِّ: "الرَّبُّ مُنْتَصِبٌ لِلْخُصُومَةِ، وَقَائِمٌ لِدَيْنُونَةِ الشُّعُوبِ. الرَّبُّ يَدْخُلُ فِي المُحَاكَمَةِ مَعَ شُيُوخِ شَعْبِهِ وَرُؤَسَائِهِ: أَنْتُمْ أَتْلَفْتُمُ الكَرْمَ" (إِشَعْيَاء 3: 13–14). وَبِذٰلِكَ يَتَّصِلُ مَثَلُ يَسُوعَ بِالتَّقْلِيدِ النَّبَوِيِّ الَّذِي يَرْبِطُ الِامْتِيَازَ بِالمَسْؤُولِيَّةِ، وَالوَدِيعَةَ بِالمُحَاسَبَةِ. وَقَدْ رَبَطَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ المَسِيحِيِّينَ هٰذِهِ الدَّيْنُونَةَ بِخَرَابِ أُورَشَلِيمَ وَالهَيْكَلِ سَنَةَ 70م عَلَى يَدِ الجَيْشِ الرُّومَانِيِّ. وَيُمْكِنُ ذِكْرُ هٰذَا بوصفه قِرَاءَةً تَفْسِيرِيَّةً تَارِيخِيَّةً، وَلٰكِنْ لَا يَنْبَغِي حَصْرُ مَعْنَى المَثَلِ فِيهَا؛ فَنَصُّ مَتَّى 21: 41 لَا يَذْكُرُ حَدَثَ سَنَةِ 70م صَرَاحَةً، وَمِحْوَرُهُ المُبَاشِرُ هُوَ دَيْنُونَةُ الكَرَّامِينَ غَيْرِ الأُمَنَاءِ وَنَقْلُ مَسْؤُولِيَّةِ الكَرْمِ إِلَى آخَرِينَ.

 

تَرِدُ عبارة "وَيُؤَجِّرُ الكَرْمَ كَرَّامِينَ آخَرِينَ" فِي اليُونَانِيَّةِ: καὶ τὸν ἀμπελῶνα ἐκδώσεται ἄλλοις γεωργοῖς ، أَيْ: "وَيُسَلِّمُ الكَرْمَ إِلَى كَرَّامِينَ آخَرِينَ" .  وَالفِعْلُ ἐκδίδωμι يُسْتَعْمَلُ هُنَا بِمَعْنَى "ُؤَجِّرُ" أَوْ "يُسَلِّمُ لِلِاسْتِثْمَارِ"، وَهُوَ الفِعْلُ نَفْسُهُ الَّذِي وَرَدَ فِي بِدَايَةِ المَثَلِ عِنْدَمَا "آجَرَهُ بَعْضَ الكَرَّامِينَ" (مَتَّى 21: 33). وَهٰذَا التَّكْرَارُ مُهِمٌّ: الكَرْمُ لَا يَتَغَيَّرُ صَاحِبُهُ، وَلٰكِنَّ الوُكَلَاءَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَغَيَّرُوا. وَهُنَا تَظْهَرُ النُّقْطَةُ المِحْوَرِيَّةُ فِي الحُكْمِ: لَا يُدَمَّرُ الكَرْمُ، بَلْ يُنْزَعُ مِنَ الكَرَّامِينَ غَيْرِ الأُمَنَاءِ وَيُسَلَّمُ إِلَى كَرَّامِينَ آخَرِينَ. وَهٰذَا مَا سَيَشْرَحُهُ يَسُوعُ فِي الآيَةِ 43: "لِذٰلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ سَيُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لِأُمَّةٍ تُثْمِرُ ثَمَرَهُ" (مَتَّى 21: 43). وَمِنَ الضَّرُورِيِّ هُنَا التَّمْيِيزُ بَيْنَ النَّصِّ نَفْسِهِ وَبَعْضِ التَّفْسِيرَاتِ اللَّاحِقَةِ. فَلَا يَقُولُ مَتَّى بِبَسَاطَةٍ إِنَّ "الشَّعْبَ اليَهُودِيَّ خَسِرَ مَكَانَتَهُ وَحَلَّتِ الكَنِيسَةُ مَحَلَّهُ"؛ بَلْ يَجْعَلُ المِحْوَرَ فِي الأَمَانَةِ وَإِثْمَارِ ثَمَرِ المَلَكُوتِ، وَالسِّيَاقُ المُبَاشِرُ يُوَجِّهُ النَّقْدَ إِلَى رُؤَسَاءِ الكَهَنَةِ وَالفَرِّيسِيِّينَ الَّذِينَ "فَهِمُوا أَنَّهُ يَعْنِيهِمْ" (مَتَّى 21: 45). وَمِنْ ثَمَّ، فَالأَدَقُّ أَنْ نَتَحَدَّثَ عَنْ نَقْلِ مَسْؤُولِيَّةِ القِيَادَةِ وَالثَّمَرِ مِنْ وُكَلَاءَ غَيْرِ أُمَنَاءَ إِلَى جَمَاعَةٍ تُثْمِرُ ثَمَرَ المَلَكُوتِ. وَفِي القِرَاءَةِ المَسِيحِيَّةِ، تَتَشَكَّلُ هٰذِهِ الجَمَاعَةُ حَوْلَ المَسِيحِ وَالرُّسُلِ، وَتَتَّسِعُ لِتَضُمَّ مُؤْمِنِينَ مِنَ اليَهُودِ وَالأُمَمِ مَعًا. وَهٰذَا مَا يَنْسَجِمُ مَعَ رُؤْيَةِ بُولُسَ الَّذِي لَا يَتَحَدَّثُ عَنْ إِلْغَاءِ إِسْرَائِيلَ، بَلْ يَسْتَعْمِلُ صُورَةَ الزَّيْتُونَةِ الوَاحِدَةِ الَّتِي طُعِّمَتْ فِيهَا أَغْصَانٌ مِنَ الأُمَمِ، وَيُحَذِّرُهَا مِنَ الِافْتِخَارِ عَلَى الأَغْصَانِ الأَصْلِيَّةِ (رُومَا 11: 17–25). وَيَرِدُ أَيْضًا التَّعْبِيرُ "إِسْرَائِيلُ اللهِ" فِي غَلَاطِيَة 6: 16، وَهُوَ تَعْبِيرٌ دَارَ حَوْلَ دَلَالَتِهِ نِقَاشٌ تَفْسِيرِيٌّ، فَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ وَحْدَهُ دَلِيلًا قَاطِعًا عَلَى نَظَرِيَّةِ "الِاسْتِبْدَالِ". يَرَى القِدِّيسُ إِيرِينِيُوسُ اللِّيُونِيُّ فِي الكَرَّامِينَ الآخَرِينَ امْتِدَادَ عَمَلِ اللهِ الخَلَاصِيِّ فِي العَالَمِ، إِذْ يَرْبِطُ الكَرْمَ بِجَمَاعَةِ الإِيمَانِ الَّتِي تُدْعَى إِلَى أَنْ تُقَدِّمَ ثِمَارَهَا لِلرَّبِّ. وَيُمْكِنُ صِيَاغَةُ فِكْرِهِ، بِالمَعْنَى لَا كَاقْتِبَاسٍ حَرْفِيٍّ، عَلَى النَّحْوِ الآتِي: إِنَّ الرَّبَّ أَوْكَلَ كَرْمَهُ إِلَى كَرَّامِينَ آخَرِينَ لِيُؤَدُّوا لَهُ الثِّمَارَ فِي أَوْقَاتِهَا، وَانْفَتَحَتْ رِسَالَةُ الخَلَاصِ عَلَى الأُمَمِ (Adversus Haereses IV). وَيَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ جَوَابَ السَّامِعِينَ يَحْمِلُ حُكْمَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ؛ فَهُمْ يُقِرُّونَ بِأَنَّ مَنْ يَسْتَمِرُّ فِي رَفْضِ صَاحِبِ الكَرْمِ وَرُسُلِهِ وَابْنِهِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْقَى مُؤْتَمَنًا عَلَى الكَرْمِ (PG 58). وَسَيَسْتَخْدِمُ يَسُوعُ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ صُورَةَ الحَجَرِ الَّذِي رَذَلَهُ البَنَّاؤُونَ (مَتَّى 21: 42؛ مَزْمُور 118: 22–23). وَقَدْ رَأَى آبَاءُ الكَنِيسَةِ فِي المَسِيحِ حَجَرَ الزَّاوِيَةِ الَّذِي يَجْمَعُ فِي بِنَاءٍ وَاحِدٍ مَنْ كَانُوا مُتَبَاعِدِينَ. وَهٰذَا المَعْنَى يَنْسَجِمُ مَعَ قَوْلِ بُولُسَ عَنِ المَسِيحِ الَّذِي جَعَلَ الجَمَاعَتَيْنِ وَاحِدَةً، "لِيَخْلُقَ فِي شَخْصِهِ مِنْ هَاتَيْنِ الجَمَاعَتَيْنِ... إِنْسَانًا جَدِيدًا وَاحِدًا" (أَفَسُس 2: 14–16). وَمِنْ ثَمَّ، فَالمَسِيحُ لَا يُؤَسِّسُ جَمَاعَةً عَلَى الإِقْصَاءِ العِرْقِيِّ، بَلْ يَجْمَعُ فِي الإِيمَانِ شَعْبًا مِنْ أُصُولٍ مُخْتَلِفَةٍ.

 

تَرِدُ عبارة "يُؤَدُّونَ إِلَيْهِ الثَّمَرَ فِي وَقْتِهِ" فِي اليُونَانِيَّةِ: οἵτινες ἀποδώσουσιν αὐτῷ τοὺς καρποὺς ἐν τοῖς καιροῖς αὐτῶν ، أَيْ: "الَّذِينَ سَيُؤَدُّونَ لَهُ الثِّمَارَ فِي أَوْقَاتِهَا. " وَالفِعْلُ ἀποδίδωμι (يَعْنِي "يَرُدُّ، يُؤَدِّي مَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ"، وَكَلِمَةُ καρπο ί تَعْنِي "الثِّمَارَ"، أَمَّا καιρός فَيَدُلُّ عَلَى "الوَقْتِ المُعَيَّنِ أَوِ المُنَاسِبِ". وَهُنَا نَصِلُ إِلَى المِحْوَرِ الأَسَاسِيِّ لِلْمَثَلِ كُلِّهِ: الثَّمَرُ. فَالقَضِيَّةُ لَيْسَتِ الِامْتِيَازَ فِي ذَاتِهِ، بَلِ الأَمَانَةَ لِمَا ائْتَمَنَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَيْهِ. وَالثِّمَارُ، فِي السِّيَاقِ الكِتَابِيِّ، تَشْمَلُ الإِيمَانَ، وَالتَّوْبَةَ، وَالعَدْلَ، وَالرَّحْمَةَ، وَالأَمَانَةَ لِلْعَهْدِ، وَالمَحَبَّةَ الَّتِي تَظْهَرُ فِي العَمَلِ. وَهٰذَا مَا سَيُؤَكِّدُهُ مَتَّى 21: 43 بِالعِبَارَةِ الحَاسِمَةِ: "أُمَّةٍ تُثْمِرُ ثَمَرَهُ". وَمِنْ هُنَا، فَالمَثَلُ لَا يَسْمَحُ لِلكَنِيسَةِ أَنْ تَقْرَأَهُ كَإِعْلَانِ امْتِيَازٍ جَدِيدٍ فَقَطْ؛ بَلْ يَضَعُهَا هِيَ أَيْضًا تَحْتَ مِعْيَارِ الثَّمَرِ وَالمُحَاسَبَةِ. فَإِنْ كَانَ الكَرْمُ عَطِيَّةً، فَهُوَ أَيْضًا مَسْؤُولِيَّةٌ. وَإِنْ كَانَتِ النِّعْمَةُ امْتِيَازًا، فَهِيَ دَعْوَةٌ إِلَى الإِثْمَارِ. وَمِنْ ثَمَّ يَبْقَى السُّؤَالُ مُوَجَّهًا إِلَى كُلِّ جَمَاعَةٍ وَكُلِّ مُؤْمِنٍ: هَلْ نَكْتَفِي بِأَنَّنَا نَعْمَلُ فِي كَرْمِ الرَّبِّ، أَمْ نُؤَدِّي إِلَيْهِ فِعْلًا ثِمَارَ كَرْمِهِ فِي وَقْتِهَا؟

 

42 "قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الكُتُبِ: الحَجَرُ الَّذِي رَذَلَهُ البَنَّاؤُونَ هُوَ الَّذِي صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ كَانَ ذٰلِكَ، وَهُوَ عَجَبٌ فِي أَعْيُنِنَا"

 

تَرِدُ عبارة "أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الكُتُبِ؟" فِي اليُونَانِيَّةِ Οὐδέποτε ἀνέγνωτε ἐν ταῖς γραφαῖς?  ، أَيْ: "أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الكُتُبِ؟". وَتَعْنِي οὐδέποτε "قَطُّ/أَبَدًا"، وَἀνέγνωτε " الكُتُبَ المُقَدَّسَةَ". وَلَا يَسْأَلُ يَسُوعُ عَنْ مُجَرَّدِ مَعْرِفَتِهِمُ النَّصَّ، بَلْ يَدْعُوهُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِ فِي ضَوْءِ العَمَلِ الَّذِي يُتِمُّهُ اللهُ أَمَامَهُمْ. وَهٰذَا يَنْسَجِمُ مَعَ الإِيمَانِ المَسِيحِيِّ بِأَنَّ الإِنْجِيلَ كَانَ مُهَيَّأً فِي الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ، كَمَا يَقُولُ بُولُسُ عَنْ "إِنْجِيلِ اللهِ الَّذِي وَعَدَ بِهِ مِنْ قَبْلُ عَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائِهِ فِي الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ" "رُومَا 1: 1-2). وَيَقْتَبِسُ يَسُوعُ هُنَا مَزْمُور 118: 22-23) "الحَجَرُ الَّذِي رَذَلَهُ البَنَّاؤُونَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ كَانَ ذٰلِكَ، وَهُوَ عَجَبٌ فِي أَعْيُنِنَا".  وَهُوَ مِنْ مَزَامِير الهَلِّيل (مَزَامِير 113–118)، الَّتِي ارْتَبَطَتْ بِالأَعْيَادِ اليَهُودِيَّةِ، وَمِنْهَا الفِصْحُ. وَقَدْ ظَهَرَ المَزْمُورُ نَفْسُهُ قَبْلَ هٰذَا المَثَلِ مُبَاشَرَةً فِي دُخُولِ يَسُوعَ إِلَى أُورَشَلِيمَ، إِذْ هَتَفَتِ الجُمُوعُ بِعِبَارَاتٍ مِنْ مَزْمُور 118: "هُوشَعْنَا لِابْنِ دَاوُدَ! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ!" (مَتَّى 21: 9؛ مَزْمُور 118: 25–26). وَهَكَذَا يَسْتَعْمِلُ مَتَّى المَزْمُورَ لِيَرْبِطَ بَيْنَ دُخُولِ يَسُوعَ المَلَكِيِّ، وَرَفْضِهِ، ثُمَّ تَمْجِيدِهِ.

 

 عبارة "الحَجَرُ الَّذِي رَذَلَهُ البَنَّاؤُونَ" فِي اليُونَانِيَّةِ: Λίθον ὃν ἀπεδοκίμασαν οἱ οἰκοδομοῦντες وَتَعْنِي λίθος "حَجَرًا»، أَمَّا ἀποδοκιμάζω فَيَعْنِي "يَفْحَصُ ثُمَّ يَرْفُضُ بِاعْتِبَارِهِ غَيْرَ صَالِحٍ". وَتَعْنِي οἱ οἰκοδομοῦντες  "الَّذِينَ يَبْنُونَ"، أَيْ البَنَّائِينَ. وَبِهٰذِهِ الصُّورَةِ تَتَغَيَّرُ الِاسْتِعَارَةُ مِنَ الكَرْمِ إِلَى البِنَاءِ، وَلٰكِنَّ المَعْنَى يَبْقَى مُتَّصِلًا: الِابْنُ الَّذِي رَفَضَهُ الكَرَّامُونَ هُوَ نَفْسُهُ، فِي الصُّورَةِ الجَدِيدَةِ، الحَجَرُ الَّذِي رَذَلَهُ البَنَّاؤُونَ.

 

وَفِي السِّيَاقِ المَتَّاوِيِّ، يَرْمُزُ الحَجَرُ إِلَى يَسُوعَ المَسِيحِ، أَمَّا البَنَّاؤُونَ فَيَتَّصِلُونَ، فِي السِّيَاقِ المُبَاشِرِ، بِالقِيَادَاتِ الَّتِي رَفَضَتْ سُلْطَانَهُ، إِذْ يُصَرِّحُ مَتَّى بَعْدَ ذٰلِكَ: "فَهِمُوا أَنَّهُ يَعْنِيهِمْ" (مَتَّى 21: 45). وَلِذٰلِكَ فَمِنَ الأَدَقِّ أَلَّا يُحَوَّلَ "البَنَّاؤُونَ" إِلَى حُكْمٍ عَلَى الشَّعْبِ اليَهُودِيِّ كُلِّهِ. وَتَجِدُ الكَنِيسَةُ الرَّسُولِيَّةُ فِي هٰذِهِ الآيَةِ نَبُوءَةً عَنْ رَفْضِ المَسِيحِ وَتَمْجِيدِهِ. فَيَقُولُ بُطْرُسُ أَمَامَ المَجْلِسِ: "هُوَ الحَجَرُ الَّذِي رَذَلْتُمُوهُ أَنْتُمُ البَنَّائِينَ، فَصَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ" (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 4: 11). وَتَرِدُ الصُّورَةُ أَيْضًا فِي 1 بُطْرُس 2: 4) "اقْتَرِبُوا مِنْهُ، فَهُوَ الحَجَرُ الحَيُّ الَّذِي رَذَلَهُ النَّاسُ، فَاخْتَارَهُ اللهُ وَكَانَ عِنْدَهُ كَرِيمًا.

 

هَلْ تَرْوِي الآيَةُ قِصَّةَ حَجَرٍ حَقِيقِيٍّ فِي هَيْكَلِ سُلَيْمَانَ؟ يَنْبَغِي التَّحَفُّظُ عِلْمِيًّا عَلَى القِصَّةِ الشَّائِعَةِ الَّتِي تَقُولُ إِنَّ بَنَّائِي هَيْكَلِ سُلَيْمَانَ وَجَدُوا حَجَرًا ضَخْمًا فَرَفَضُوهُ، ثُمَّ اكْتَشَفُوا أَنَّهُ الحَجَرُ المُعَدُّ لِرَأْسِ الزَّاوِيَةِ. لَا يُقَدِّمُ النَّصُّ الكِتَابِيُّ هٰذِهِ القِصَّةَ كَحَدَثٍ تَارِيخِيٍّ، وَلَا يَنْبَغِي عَرْضُهَا كَحَقِيقَةٍ أَثَرِيَّةٍ ثَابِتَةٍ. وَالأَدَقُّ أَنْ تُعْرَضَ، إِنْ ذُكِرَتْ، بِوَصْفِهَا تَقْلِيدًا تَفْسِيرِيًّا لَاحِقًا يُحَاوِلُ تَجْسِيدَ صُورَةِ المَزْمُورِ.

 

عبارة "هُوَ الَّذِي صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ" فِي اليُونَانِيَّةِ: οὗτος ἐγενήθη εἰς κεφαλὴν γωνίας وَتَعْنِي κεφαλὴ γωνίας حَرْفِيًّا "رَأْسَ الزَّاوِيَةِ". وَلَا يَنْبَغِي الجَزْمُ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ يَدُلُّ تَقْنِيًّا عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ أَحْجَارِ البِنَاءِ؛ فَقَدْ نُوقِشَ هَلْ هُوَ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ الأَسَاسِيُّ الَّذِي يَرْبِطُ جِدَارَيْنِ، أَمْ حَجَرٌ رَأْسِيٌّ مُهِمٌّ فِي إِتْمَامِ البِنَاءِ. وَالمَعْنَى اللَّاهُوتِيُّ فِي السِّيَاقِ أَوْضَحُ مِنَ التَّحْدِيدِ المِعْمَارِيِّ: الحَجَرُ الَّذِي حَكَمَ البَنَّاؤُونَ بِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِ جَعَلَهُ اللهُ حَجَرًا أَسَاسِيًّا فِي بِنَائِهِ. وَيَتَقَاطَعُ هٰذَا المَعْنَى مَعَ إِشَعْيَاءَ: "هَا إِنِّي وَاضِعٌ فِي صِهْيَوْنَ حَجَرًا، حَجَرًا مُمْتَحَنًا، حَجَرَ زَاوِيَةٍ كَرِيمًا، أَسَاسًا مُحْكَمًا" (إِشَعْيَاء 28: 16). وَقَدْ جَمَعَ 1 بُطْرُس 2: 4–8 بَيْنَ صُورَةِ مَزْمُور 118 وَإِشَعْيَاءَ 28 فِي قِرَاءَةٍ مَسِيحَانِيَّةٍ وَاحِدَةٍ. وَيُطَبِّقُ بُولُسُ صُورَةَ البِنَاءِ عَلَى الكَنِيسَةِ، فَيَقُولُ إِنَّ المُؤْمِنِينَ "بُنُوا عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَحَجَرُ الزَّاوِيَةِ هُوَ المَسِيحُ يَسُوعُ نَفْسُهُ" (أَفَسُس 2: 20)، وَيُكْمِلُ: "فِيهِ يَتَمَاسَكُ البِنَاءُ كُلُّهُ وَيَنْمُو لِيَكُونَ هَيْكَلًا مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ"(أَفَسُس 2: 21). وَيَرْبِطُ بُولُسُ هٰذَا البِنَاءَ بِوَحْدَةِ اليَهُودِ وَالأُمَمِ فِي المَسِيحِ: "إِنَّهُ سَلَامُنَا، فَقَدْ جَعَلَ مِنَ الجَمَاعَتَيْنِ جَمَاعَةً وَاحِدَةً" (أَفَسُس 2: 14؛ راجِعْ 2: 14–18). وَبِذٰلِكَ يَصِيرُ المَسِيحُ حَجَرَ الوَحْدَةِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ شَعْبٌ مُصَالَحٌ فِي اللهِ. يَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ فِي انْتِقَالِ يَسُوعَ مِنْ مَثَلِ الكَرَّامِينَ إِلَى نُبُوءَةِ الحَجَرِ تَأْكِيدًا أَنَّ رَفْضَ المَسِيحِ لَا يُفْشِلُ قَصْدَ اللهِ؛ فَالمَرْفُوضُ مِنَ البَنَّائِينَ يَرْفَعُهُ اللهُ وَيَجْعَلُهُ أَسَاسًا لِعَمَلِهِ (PG 58). وَيَشْرَحُ القِدِّيسُ أوغسطينوس صُورَةَ حَجَرِ الزَّاوِيَةِ فِي ضَوْءِ وَحْدَةِ شَعْبِ اللهِ، إِذْ يَرَى فِي المَسِيحِ مَنْ يَجْمَعُ فِي بِنَاءٍ وَاحِدٍ مَنْ كَانُوا مُتَبَاعِدِينَ، وَخَاصَّةً اليَهُودَ وَالأُمَمَ، وَهُوَ مَعْنًى يَنْسَجِمُ مَعَ أَفَسُس 2: 14–22 (PL 37)). وَكَذٰلِكَ يَسْتَعْمِلُ القِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ صُورَةَ الحَجَرِ المَرْفُوضِ وَحَجَرِ الزَّاوِيَةِ فِي قِرَاءَتِهِ المَسِيحَانِيَّةِ، مُبَيِّنًا أَنَّ المَسِيحَ، الَّذِي رَفَضَهُ البَنَّاؤُونَ، أَصْبَحَ بِتَدْبِيرِ اللهِ مَبْدَأَ وَحْدَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ.

 

عبارة "مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ كَانَ ذٰلِكَ" فِي اليُونَانِيَّةِ παρὰ κυρίου ἐγένετο αὕτη ، أَيْ إِنَّ هٰذَا الِانْقِلَابَ المُدْهِشَ لَيْسَ صُنْعَ البَشَرِ، بَلْ عَمَلُ اللهِ. فَالبَنَّاؤُونَ رَذَلُوا الحَجَرَ، أَمَّا اللهُ فَاخْتَارَهُ وَجَعَلَهُ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. وَهُنَا تَظْهَرُ المُفَارَقَةُ بَيْنَ حُكْمِ الإِنْسَانِ وَحُكْمِ اللهِ: مَنْ حَكَمَ عَلَيْهِ البَشَرُ بِالرَّفْضِ جَعَلَهُ اللهُ مَرْكَزَ بِنَائِهِ. وَمِنْ هُنَا تَفْهَمُ الجَمَاعَةُ المَسِيحِيَّةُ الأُولَى الآيَةَ فِي ضَوْءِ القِيَامَةِ: فَالصَّلْبُ هُوَ رَفْضُ الحَجَرِ، أَمَّا القِيَامَةُ وَالتَّمْجِيدُ فَهُمَا عَمَلُ اللهِ الَّذِي جَعَلَ المَرْفُوضَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ.

 

تَرِدُ عبارة "وَهُوَ عَجَبٌ فِي أَعْيُنِنَا" فِي اليُونَانِيَّةِ: καὶ ἔστιν θαυμαστὴ ἐν ὀφθαλμοῖς ἡμῶν وَتَعْنِي θαυμαστή "عَجِيبَةٌ، مُدْهِشَةٌ، جَدِيرَةٌ بِالإِعْجَابِ". وَلَيْسَ «العَجَبُ" هُنَا مُجَرَّدَ الحَيْرَةِ أَمَامَ حَدَثٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ، بَلْ هُوَ الدَّهْشَةُ الإِيمَانِيَّةُ أَمَامَ عَمَلِ اللهِ الَّذِي يُحَوِّلُ الرَّفْضَ إِلَى اخْتِيَارٍ، وَالمَوْتَ إِلَى حَيَاةٍ، وَالحَجَرَ المَرْذُولَ إِلَى رَأْسِ الزَّاوِيَةِ. وَفِي القِرَاءَةِ المَسِيحِيَّةِ، يَبْلُغُ هٰذَا العَجَبُ ذِرْوَتَهُ فِي سِرِّ الفِصْحِ: مَوْتِ المَسِيحِ وَقِيَامَتِهِ. اما البُعْدُ الفِصْحِيُّ لِلْمَثَلِ فيَكْشِفُ مَتَّى 21: 42 أَنَّ مَثَلَ الكَرَّامِينَ لَا يَنْتَهِي عِنْدَ "وَقَتَلُوهُ" (21: 39).  فَالحَجَرُ المَرْفُوضُ "صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ".  وَمِنْ هُنَا قَرَأَتِ الجَمَاعَةُ الرَّسُولِيَّةُ مَزْمُور 118 فِي ضَوْءِ القِيَامَةِ، وَرَأَتْ فِي المَسِيحِ المَصْلُوبِ وَالقَائِمِ تَحْقِيقًا لِصُورَةِ الحَجَرِ المَرْفُوضِ الَّذِي اخْتَارَهُ اللهُ. وَلٰكِنْ مِنَ الأَدَقِّ أَكادِيمِيًّا تَعْدِيلُ القَوْلِ بِأَنَّ "الجَمَاعَةَ المَسِيحِيَّةَ الأُولَى أَضَافَتْ هٰذِهِ الآيَةَ وَجَعَلَتْهَا عَلَى لِسَانِ يَسُوعَ". فَهٰذَا يَنْتَمِي إِلَى فَرْضِيَّةٍ نَقْدِيَّةٍ حَوْلَ تَارِيخِ التَّقْلِيدِ، وَلَيْسَ حَقِيقَةً نَصِّيَّةً يُمْكِنُ الجَزْمُ بِهَا. الأَدَقُّ أَنْ نَقُولَ: "فِي صِيغَةِ المَثَلِ الَّتِي نَقَلَهَا مَتَّى، يُوضَعُ مَزْمُور 118: 22–23 عَلَى لِسَانِ يَسُوعَ، وَتُظْهِرُ اسْتِعْمَالَاتُهُ فِي أَعْمَالِ الرُّسُلِ وَ1 بُطْرُس أَنَّ الجَمَاعَةَ المَسِيحِيَّةَ الأُولَى قَرَأَتْ هٰذَا المَزْمُورَ فِي ضَوْءِ مَوْتِ يَسُوعَ وَقِيَامَتِهِ". وَخُلَاصَةُ الآيَةِ أَنَّ رَفْضَ المَسِيحِ لَا يُبْطِلُ مَشْرُوعَ اللهِ. فَالِابْنُ الَّذِي أَخْرَجَهُ الكَرَّامُونَ مِنَ الكَرْمِ وَقَتَلُوهُ هُوَ نَفْسُهُ الحَجَرُ الَّذِي رَذَلَهُ البَنَّاؤُونَ، وَلٰكِنَّ اللهَ جَعَلَهُ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. وَبِذٰلِكَ يَنْتَقِلُ المَثَلُ مِنَ الرَّفْضِ إِلَى الِاخْتِيَارِ، وَمِنَ الصَّلِيبِ إِلَى القِيَامَةِ، وَمِنْ عَمَلِ البَشَرِ إِلَى عَمَلِ اللهِ العَجِيبِ. تُمَثِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ المِفْتَاحَ المَسِيحَانِيَّ وَالفِصْحِيَّ لِفَهْمِ مَثَلِ الكَرَّامِينَ القَتَلَةِ. فَبَعْدَ أَنْ تَحَدَّثَ المَثَلُ عَنِ الِابْنِ الَّذِي رَفَضَهُ الكَرَّامُونَ وَأَخْرَجُوهُ مِنَ الكَرْمِ وَقَتَلُوهُ، يَنْتَقِلُ يَسُوعُ مِنْ صُورَةِ الكَرْمِ وَالِابْنِ إِلَى صُورَةِ البِنَاءِ وَالحَجَرِ، لِيُبَيِّنَ أَنَّ رَفْضَ الِابْنِ وَقَتْلَهُ لَيْسَا نِهَايَةَ مَشْرُوعِ اللهِ، بَلْ إِنَّ اللهَ نَفْسَهُ سَيَجْعَلُ المَرْفُوضَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. وَيَبْقَى السُّؤَالُ التَّطْبِيقِيُّ: هَلْ نَبْنِي حَيَاتَنَا عَلَى المَسِيحِ، حَجَرِ الزَّاوِيَةِ، أَمْ نَرْفُضُهُ عِنْدَمَا لَا يَتَّفِقُ إِنْجِيلُهُ مَعَ مَقَايِيسِنَا وَمَصَالِحِنَا؟

 

 43 "لِذٰلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ سَيُنْزَعُ مِنْكُمْ، وَيُعْطَى لِأُمَّةٍ تُثْمِرُ ثَمَرَهُ"

 

تَرِدُ عبارة "لِذٰلِكَ أَقُولُ لَكُمْ" فِي اليُونَانِيَّةِ Διὰ τοῦτο λέγω ὑμῖν، أَيْ: "لِهٰذَا السَّبَبِ أَقُولُ لَكُمْ". وَتَرْبِطُ διὰ τοῦτο ( لِذٰلِكَ، لِهٰذَا السَّبَبِ) الحُكْمَ بِمَا سَبَقَهُ: رَفَضِ الخَدَمِ، وَقَتْلِ الِابْنِ، وَرَذْلِ الحَجَرِ.

 

وَالضَّمِيرُ "لَكُمْ" يَجِبُ أَنْ يُفْهَمَ فِي سِيَاقِهِ السَّرْدِيِّ، وَلَا يَصِحُّ تَوْسِيعُهُ لِيَعْنِيَ الشَّعْبَ اليَهُودِيَّ كُلَّهُ. فَمَتَّى يُوَضِّحُ فِي الآيَةِ 45 أَنَّ رُؤَسَاءَ الكَهَنَةِ وَالفَرِّيسِيِّينَ "فَهِمُوا أَنَّهُ يَعْنِيهِمْ". فَالمَوْضُوعُ المُبَاشِرُ هُوَ مَسْؤُولِيَّةُ الوُكَلَاءِ وَالقِيَادَاتِ عَنْ كَرْمِ اللهِ وَثِمَارِهِ.

 

تَرِدُ عِبَارَةُ "إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ" باليوناني ἡ βασιλεία τοῦ θεοῦ . وَكَلِمَةُ βασιλεία لَا تَعْنِي فِي المَقَامِ الأَوَّلِ مَكَانًا جُغْرَافِيًّا، بَلْ مُلْكَ اللهِ وَسِيَادَتَهُ وَفِعْلَهُ الخَلَاصِيَّ فِي التَّارِيخِ. وَهُنَا يَحْسُنُ تَعْدِيلُ القَوْلِ بِأَنَّ "مَلَكُوتَ اللهِ هُوَ الكَنِيسَةُ" تَعْدِيلًا لَاهُوتِيًّا دَقِيقًا. فَالعَهْدُ الجَدِيدُ لَا يُطَابِقُ بَيْنَ المَلَكُوتِ وَالكَنِيسَةِ مُطَابَقَةً تَامَّةً. الكَنِيسَةُ هِيَ جَمَاعَةُ الَّذِينَ يَسْتَقْبِلُونَ مَلَكُوتَ اللهِ، وَهِيَ بَدْءُ حُضُورِهِ وَأَدَاتُهُ وَعَلَامَتُهُ فِي التَّارِيخِ، أَمَّا المَلَكُوتُ فَهُوَ أَوْسَعُ مِنْهَا وَيَبْلُغُ كَمَالَهُ فِي نِهَايَةِ الأَزْمِنَةِ. وَهٰذَا يَنْسَجِمُ مَعَ تَعْلِيمِ المَجْمَعِ الفَاتِيكَانِيِّ الثَّانِي الَّذِي يَصِفُ الكَنِيسَةَ بِأَنَّهَا "بِذْرَةُ المَلَكُوتِ وَبَدْؤُهُ عَلَى الأَرْضِ" (نور العالم، 5). وَيَقُومُ شَعْبُ اللهِ عَلَى عَهْدِ الشَّرِكَةِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ إِرْمِيَا: "وَتَكُونُونَ لِي شَعْبًا، وَأَكُونُ لَكُمْ إِلٰهًا" (إِرْمِيَا 30: 22؛ راجِعْ 31: 31-33). أَمَّا القَوْلُ إِنَّ مَتَّى يَسْتَعْمِلُ "مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" لِأَنَّ عِبَارَةَ "مَلَكُوتِ اللهِ" كَانَتْ تُعَدُّ تَجْدِيفًا عِنْدَ اليَهُودِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى تَصْحِيحٍ. الأَدَقُّ أَنَّ التَّعْبِيرَ المَتَّاوِيَّ المُفَضَّلَ "مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ" يَنْسَجِمُ مَعَ المَيْلِ اليَهُودِيِّ إِلَى تَوَقِّي الِاسْتِعْمَالِ المُتَكَرِّرِ لِاسْمِ اللهِ، وَلٰكِنَّ قَوْلَ "مَلَكُوتِ اللهِ" لَيْسَ فِي ذَاتِهِ تَجْدِيفًا. وَالدَّلِيلُ أَنَّ مَتَّى نَفْسَهُ يَسْتَعْمِلُ عِبَارَةَ "مَلَكُوتِ اللهِ" فِي مَوَاضِعَ مِنْ إِنْجِيلِهِ، وَمِنْهَا هٰذِهِ الآيَةُ. وَكَذٰلِكَ يَنْبَغِي عَكْسُ المُقَارَنَةِ الوَارِدَةِ فِي النَّصِّ الأَصْلِيِّ: "مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ" هُوَ التَّعْبِيرُ المُميِّزُ لِمَتَّى، أَمَّا مَرْقُسُ وَلُوقَا فَيَسْتَعْمِلَانِ عَادَةً "مَلَكُوتَ اللهِ".

 

ترد عبارة "سَيُنْزَعُ مِنْكُمْ" فِي اليُونَانِيَّةِἀρθήσεται ἀφ’ ὑμῶν ، وَالفِعْلُ ἀρθήσεται  هُوَ صِيغَةُ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ مِنْ αἴρω  (يَرْفَعُ، يَأْخُذُ، يَنْزِعُ). وَالمَبْنِيُّ لِلْمَجْهُولِ هُنَا يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ فِي ضَوْءِ مَا يُسَمِّيهِ الدَّارِسُونَ "المَبْنِيَّ لِلْمَجْهُولِ الإِلٰهِيَّ"، أَيْ إِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي يَحْكُمُ وَيَنْقُلُ المَسْؤُولِيَّةَ. وَلٰكِنَّ "النَّزْعَ" لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ عَلَى أَنَّهُ إِعْلَانٌ بِأَنَّ اللهَ أَلْغَى إِسْرَائِيلَ أَوْ رَفَضَ الشَّعْبَ اليَهُودِيَّ رَفْضًا نِهَائِيًّا. فَهٰذَا يَتَجَاوَزُ مَا يَقُولُهُ النَّصُّ. وَيُؤَكِّدُ بُولُسُ، فِي سِيَاقِ حَدِيثِهِ عَنْ إِسْرَائِيلَ: "أَلَعَلَّ اللهَ رَفَضَ شَعْبَهُ؟ حَاشَا!" (رُومَا 11: 1)، ثُمَّ يُحَذِّرُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الأُمَمِ مِنَ الِافْتِخَارِ عَلَى الأَغْصَانِ الأَصْلِيَّةِ (رُومَا 11: 17-21). وَمِنْ ثَمَّ، فَالأَدَقُّ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ مَتَّى يُعْلِنُ نَزْعَ مَسْؤُولِيَّةِ المَلَكُوتِ مِنْ وُكَلَاءَ لَمْ يُؤَدُّوا ثِمَارَهُ، وَإِسْنَادَهَا إِلَى جَمَاعَةٍ تُثْمِرُ.

 

وعبارة "وَيُعْطَى لِأُمَّةٍ" فِي اليُونَانِيَّةِ καὶ δοθήσεται ἔθνει ، أَيْ: "وَيُعْطَى لِأُمَّةٍ/شَعْبٍ".  وَكَلِمَةُ ἔθνος  قَدْ تَعْنِي "أُمَّةً" أَوْ "شَعْبًا"، وَفِي صِيغَةِ الجَمْعِ ἔθνη  كَثِيرًا مَا تُسْتَعْمَلُ لِلأُمَمِ غَيْرِ اليَهُودِيَّةِ. أَمَّا هُنَا فَهِيَ مُفْرَدٌ: ἔθνει، وَلِذٰلِكَ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَعْنِيَ "الوَثَنِيِّينَ" وَحْدَهُمْ. وَيُرَجَّحُ أَنَّ الصُّورَةَ تَسْتَحْضِرُ لُغَةَ العَهْدِ فِي سِفْرِ الخُرُوجِ: "وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً" (الخُرُوج 19: 6). وَسَيَسْتَعْمِلُ 1 بُطْرُس هٰذِهِ اللُّغَةَ لِجَمَاعَةِ المُؤْمِنِينَ: "أَمَّا أَنْتُمْ فَذُرِّيَّةٌ مُخْتَارَةٌ، وَجَمَاعَةٌ مَلَكِيَّةٌ كَهَنُوتِيَّةٌ، وَأُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، وَشَعْبُ اقْتِنَاءٍ" (1 بُطْرُس 2: 9؛ راجِعْ 2: 9-10). وَفِي القِرَاءَةِ الكَنَسِيَّةِ، تَتَجَسَّدُ هٰذِهِ الجَمَاعَةُ فِي شَعْبِ اللهِ المَجْمُوعِ حَوْلَ المَسِيحِ، مِنَ اليَهُودِ وَالأُمَمِ. فَالرُّسُلُ الأَوَّلُونَ أَنْفُسُهُمْ كَانُوا يَهُودًا، ثُمَّ انْفَتَحَتِ الجَمَاعَةُ المَسِيحِيَّةُ عَلَى الأُمَمِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَلَيْسَتِ الصُّورَةُ بِبَسَاطَةٍ: "إِسْرَائِيلُ خَارِجٌ، وَالأُمَمُ دَاخِلٌ"، بَلْ: شَعْبٌ مَسِيحَانِيٌّ جَدِيدُ التَّكْوِينِ، مِعْيَارُهُ الإِيمَانُ بِالمَسِيحِ وَإِثْمَارُ ثَمَرِ المَلَكُوتِ. وَيُسَاعِدُ أَفَسُس 2: 14–18 عَلَى فَهْمِ هٰذَا البُعْدِ، إِذْ يَعْرِضُ المَسِيحَ جَامِعًا اليَهُودَ وَالأُمَمَ فِي وَحْدَةٍ جَدِيدَةٍ، "لِيَخْلُقَ فِي شَخْصِهِ مِنْ هَاتَيْنِ الجَمَاعَتَيْنِ... إِنْسَانًا جَدِيدًا وَاحِدًا" (أَفَسُس 2: 15). 

 

هَلِ الكَنِيسَةُ "تَنُوبُ عَنْ إِسْرَائِيلَ"؟ تَحْتَاجُ عِبَارَةُ "خَسِرَ الشَّعْبُ اليَهُودِيُّ مَكَانَتَهُ وَحَلَّتِ الكَنِيسَةُ مَحَلَّهُ" إِلَى تَدْقِيقٍ لَاهُوتِيٍّ مُهِمٍّ، وَخَاصَّةً فِي التَّعْلِيمِ الكَاثُولِيكِيِّ المُعَاصِرِ. فَالأَفْضَلُ عَدَمُ صِيَاغَةِ مَتَّى 21: 43 كَأَنَّهُ إِلْغَاءٌ لإِسْرَائِيلَ وَاسْتِبْدَالٌ عِرْقِيٌّ بِهِ. فَالمَجْمَعُ الفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي يُذَكِّرُ بِأَنَّ الكَنِيسَةَ مُرْتَبِطَةٌ رُوحِيًّا بِشَعْبِ العَهْدِ القَدِيمِ، وَيَرْفُضُ تَحْمِيلَ اليَهُودِ جَمِيعًا، فِي زَمَنِ يَسُوعَ أَوْ فِي الأَزْمِنَةِ اللَّاحِقَةِ، مَسْؤُولِيَّةَ مَوْتِ المَسِيحِ (Nostra Aetate 4). وَيُعَلِّمُ التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ لِلكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ أَنَّ إِسْرَائِيلَ يَحْتَفِظُ بِمَكَانٍ خَاصٍّ فِي تَدْبِيرِ الخَلَاصِ (راجع CCC 839–840). وَلِذٰلِكَ فَالصِّيَاغَةُ الأَدَقُّ هِيَ "يُعْلِنُ المَثَلُ نَقْلَ مَسْؤُولِيَّةِ المَلَكُوتِ مِنَ الوُكَلَاءِ غَيْرِ الأُمَنَاءِ إِلَى شَعْبٍ مَسِيحَانِيٍّ يَجْمَعُ اللهُ فِيهِ المُؤْمِنِينَ بِالمَسِيحِ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى إِثْمَارِ ثَمَرِ المَلَكُوتِ".

 

العِبَارَةُ "تُثْمِرُ ثَمَرَهُ" هِيَ الأَهَمُّ فِي الآيَةِ. فَاليُونَانِيَّةُ تَقُولُ ποιοῦντι τοὺς καρποὺς αὐτῆς، وَحَرْفِيًّا: "تَصْنَعُ/تُنْتِجُ ثِمَارَهُ".  وَالفِعْلُ ποιέω يَعْنِي "يَفْعَلُ، يَصْنَعُ، يُنْتِجُ"، وَκαρποί تَعْنِي "الثِّمَارَ". وَهُنَا تَكْتَمِلُ الدَّائِرَةُ الَّتِي بَدَأَتْ فِي مَتَّى 21: 34: "فَلَمَّا حَانَ وَقْتُ الثَّمَرِ...".  فَالثَّمَرُ هُوَ مِحْوَرُ المَثَلِ مِنْ بِدَايَتِهِ إِلَى نِهَايَتِهِ. لَيْسَ السُّؤَالُ: مَنْ يَمْلِكُ الِامْتِيَازَ؟ بَلْ: مَنْ يَسْتَجِيبُ لِنِعْمَةِ اللهِ وَيُثْمِرُ؟ وَفِي إِنْجِيلِ مَتَّى، تَرْتَبِطُ الثِّمَارُ بِالتَّوْبَةِ وَالعَمَلِ المُنْسَجِمِ مَعَ مَشِيئَةِ اللهِ: "فَأَثْمِرُوا ثَمَرًا يَدُلُّ عَلَى تَوْبَتِكُمْ" (مَتَّى 3: 8)، وَ "مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ" (مَتَّى 7: 16). فَثَمَرُ المَلَكُوتِ هُوَ الإِيمَانُ الَّذِي يَتَجَسَّدُ فِي التَّوْبَةِ وَالعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ وَالمَحَبَّةِ وَالأَمَانَةِ لِمَشِيئَةِ اللهِ. يَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ فِي هٰذِهِ الآيَةِ تَتِمَّةَ الحُكْمِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ السَّامِعُونَ أَنْفُسُهُمْ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ: فَالكَرْمُ يُعْهَدُ إِلَى آخَرِينَ لَا لِمُجَرَّدِ حُصُولِهِمْ عَلَى امْتِيَازٍ، بَلْ لِيُؤَدُّوا الثِّمَارَ الَّتِي يَطْلُبُهَا صَاحِبُ الكَرْمِ (PG 58). وَفِي التَّقْلِيدِ الإِيرِينِيِّ، يَرْتَبِطُ انْفِتَاحُ كَرْمِ اللهِ عَلَى الشُّعُوبِ بِاتِّسَاعِ دَعْوَةِ الإِنْجِيلِ إِلَى العَالَمِ. وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُ فِكْرِ القِدِّيسِ إِيرِينِيُوسَ اللِّيُونِيِّ، بِالمَعْنَى لَا كَاقْتِبَاسٍ حَرْفِيٍّ، بِأَنَّ كَرْمَ الرَّبِّ يَتَّسِعُ لِيَشْمَلَ الشُّعُوبَ الَّتِي تُدْعَى إِلَى أَنْ تُقَدِّمَ لِلرَّبِّ ثِمَارَ الإِيمَانِ وَالبِرِّ (Adversus Haereses IV). وَيَظْهَرُ المَعْنَى نَفْسُهُ فِي 1 بُطْرُس 2: 4–10: فَالمَسِيحُ هُوَ "الحَجَرُ الحَيُّ"، وَالمُؤْمِنُونَ أَيْضًا "حِجَارَةٌ حَيَّةٌ" تُبْنَى بَيْتًا رُوحِيًّا، وَهُمْ "أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ" دُعِيَتْ لِإِعْلَانِ أَعْمَالِ اللهِ. وَهَكَذَا يَرْتَبِطُ الحَجَرُ فِي الآيَةِ 42 بِـالأُمَّةِ المُثْمِرَةِ فِي الآيَةِ 43. لَا تَعْنِي مَتَّى 21: 43 أَنَّ اللهَ فَشِلَ فِي عَهْدِهِ الأَوَّلِ فَبَدَأَ مَشْرُوعًا آخَرَ، بَلْ عَلَى العَكْسِ: ِنَّ خِيَانَةَ الوُكَلَاءِ لَا تُبْطِلُ أَمَانَةَ صَاحِبِ الكَرْمِ. فَاللهُ يُوَاصِلُ تَدْبِيرَهُ الخَلَاصِيَّ، وَالحَجَرُ المَرْفُوضُ يَصِيرُ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ، وَالكَرْمُ يُعْهَدُ إِلَى مَنْ يُطْلَبُ مِنْهُمْ أَنْ يُثْمِرُوا. وَمِنْ هُنَا تَحْمِلُ الآيَةُ تَحْذِيرًا لِلكَنِيسَةِ نَفْسِهَا، لَا امْتِيَازًا تَفْتَخِرُ بِهِ عَلَى غَيْرِهَا. فَإِذَا كَانَ المِعْيَارُ هُوَ الثَّمَرَ، فَكُلُّ مَنْ يُؤْتَمَنُ عَلَى الكَرْمِ يَبْقَى مَسْؤُولًا أَمَامَ صَاحِبِهِ. تُمَثِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ الخُلَاصَةَ التَّفْسِيرِيَّةَ الَّتِي يُقَدِّمُهَا يَسُوعُ لِمَثَلِ الكَرَّامِينَ القَتَلَةِ. فَبَعْدَ أَنْ تَحَدَّثَ المَثَلُ عَنْ كَرْمٍ سُلِّمَ إِلَى كَرَّامِينَ لِيُثْمِرُ، وَعَنْ خَدَمٍ رُفِضُوا، وَابْنٍ قُتِلَ، وَحَجَرٍ رَذَلَهُ البَنَّاؤُونَ فَجَعَلَهُ اللهُ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ، يَصِلُ يَسُوعُ إِلَى النَّتِيجَةِ: مَسْؤُولِيَّةُ المَلَكُوتِ لَا تَقُومُ عَلَى الِامْتِيَازِ، بَلْ عَلَى الأَمَانَةِ وَالإِثْمَارِ. وَالسُّؤَالُ الَّذِي يَطْرَحُهُ المَثَلُ عَلَيْنَا هُوَ: مَا الثِّمَارُ الَّتِي يَجِدُهَا اللهُ اليَوْمَ فِي كَنِيسَتِنَا وَجَمَاعَاتِنَا وَحَيَاتِنَا: ثِمَارَ الإِيمَانِ وَالعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ وَالمَحَبَّةِ، أَمْ مُجَرَّدَ الِاكْتِفَاءِ بِالِانْتِمَاءِ وَالِامْتِيَازِ؟

 

44" مَنْ وَقَعَ عَلَى هٰذَا الحَجَرِ تَهَشَّمَ، وَمَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ هٰذَا الحَجَرُ حَطَّمَهُ"

 

تُوَاصِلُ هٰذِهِ الآيَةُ صُورَةَ الحَجَرِ الَّتِي بَدَأَتْ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ: «الحَجَرُ الَّذِي رَذَلَهُ البَنَّاؤُونَ هُوَ الَّذِي صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ» (مَتَّى 21: 42). غَيْرَ أَنَّ الحَجَرَ هُنَا لَا يَظْهَرُ فَقَطْ بِوَصْفِهِ حَجَرَ البِنَاءِ وَرَأْسَ الزَّاوِيَةِ، بَلْ أَيْضًا بِوَصْفِهِ حَجَرَ امْتِحَانٍ وَدَيْنُونَةٍ: فَالمَوْقِفُ مِنَ المَسِيحِ لَهُ نَتَائِجُ حَاسِمَةٌ.

 

تَرِدُ عبارة "مَنْ وَقَعَ عَلَى هٰذَا الحَجَرِ تَهَشَّمَ" فِي اليُونَانِيَّةِ ὁ πεσὼν ἐπὶ τὸν λίθον τοῦτον ، أَيْ:"مَنْ سَقَطَ عَلَى هٰذَا الحَجَرِ". وَكَلِمَةُ πεσών مِنَ الفِعْلِ πίπτω، أَيْ "يَسْقُطُ"، وَλίθος تَعْنِي "الحَجَرَ".أَمَّا الفِعْلُ συνθλασθήσεται فَمِنْ συνθλάω (synthláō)، وَيَعْنِي "يَتَحَطَّمُ، يَتَكَسَّرُ، يَتَهَشَّمُ". فَالصُّورَةُ شَدِيدَةٌ: مَنْ يَصْطَدِمُ بِالحَجَرِ يَتَحَطَّمُ عَلَيْهِ. وَتَسْتَحْضِرُ هٰذِهِ الصُّورَةُ بِوُضُوحٍ إِشَعْيَاءَ 8: 14–15، حَيْثُ يَصِيرُ الرَّبُّ "حَجَرَ صَدْمٍ وَصَخْرَ عِثَارٍ"، فَيَعْثُرُ بِهِ كَثِيرُونَ وَيَسْقُطُونَ وَيَتَحَطَّمُونَ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ صُورَةَ الحَجَرِ فِي مَتَّى تَجْمَعُ خَيْطَيْنِ كِتَابِيَّيْنِ: الحَجَرَ المَرْفُوضَ الَّذِي يَصِيرُ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ (مَزْمُور 118: 22–23)، وَحَجَرَ الصَّدْمِ وَصَخْرَ العِثَارِ (إِشَعْيَاء 8: 14-15). وَقَدْ جَمَعَ بُولُسُ بَيْنَ تَقَالِيدِ الحَجَرِ فِي قَوْلِهِ: "هَا أَنَا ذَا أَضَعُ فِي صِهْيَوْنَ حَجَرَ صَدْمٍ وَصَخْرَةَ عِثَارٍ، وَمَنْ آمَنَ بِهِ لَنْ يُخْزَى" (رُومَا 9: 33؛ راجِعْ إِشَعْيَاء 8: 14؛ 28: 16). وَهُنَا تَظْهَرُ المُفَارَقَةُ: الحَجَرُ نَفْسُهُ يَكُونُ أَسَاسًا لِمَنْ يُؤْمِنُ، وَحَجَرَ عِثَارٍ لِمَنْ يَرْفُضُ. وَيَظْهَرُ المَعْنَى نَفْسُهُ فِي 1 بُطْرُس 2: 6–8، حَيْثُ يُوصَفُ المَسِيحُ بِأَنَّهُ مِنْ جِهَةٍ "حَجَرُ زَاوِيَةٍ مُخْتَارٌ كَرِيمٌ"، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى "حَجَرُ صَدْمٍ وَصَخْرَةُ عِثَارٍ" لِمَنْ يَرْفُضُونَ الكَلِمَةَ.

 

أَمَّا الجُزْءُ الثَّانِي فَيَقُولُ "وَمَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ هٰذَا الحَجَرُ حَطَّمَهُ": ἐφ’ ὃν δ’ ἂν πέσῃ λικμήσει αὐτόν ، أَيْ: "وَمَنْ سَقَطَ عَلَيْهِ [الحَجَرُ] يَسْحَقُهُ". وَالفِعْلُ λικμάω مُهِمٌّ جِدًّا؛ فَمَعْنَاهُ الأَصْلِيُّ يَرْتَبِطُ بِالتَّذْرِيَةِ وَفَصْلِ الحَبِّ عَنِ التِّبْنِ، وَمِنْ ثَمَّ يَحْمِلُ مَعْنَى السَّحْقِ أَوِ التَّبْدِيدِ كَالْغُبَارِ. فَالصُّورَةُ أَقْوَى مِنْ مُجَرَّدِ "الإِصَابَةِ: " إِنَّهَا تُشِيرُ إِلَى حُكْمٍ حَاسِمٍ. وَهُنَا يُمْكِنُ أَنْ نَرَى صَدًى لِرُؤْيَا دَانِيَالَ عَنِ الحَجَرِ الَّذِي "انْقَطَعَ لَا بِيَدَيْنِ" وَضَرَبَ التِّمْثَالَ وَسَحَقَ مَمَالِكَهُ (دَانِيَال 2: 34–35)، ثُمَّ يُفَسَّرُ الحَجَرُ فِي إِطَارِ مَلَكُوتِ اللهِ: "وَفِي أَيَّامِ هٰؤُلَاءِ المُلوكِ يُقِيمُ إِلٰهُ السَّمَاءِ مَمْلَكَةً لَا تَنْقَضِي لِلأَبَدِ... فَتَسْحَقُ وَتُفْنِي جَمِيعَ تِلْكَ المَمَالِكِ، وَهِيَ تَثْبُتُ لِلأَبَدِ" (دَانِيَال 2: 44؛ راجِعْ 2: 34-35، 45). وَمِنَ الأَدَقِّ أَكادِيمِيًّا أَنْ نَقُولَ إِنَّ مَتَّى 21: 44 يُذَكِّرُ بِصُوَرِ دَانِيَالَ 2، مِنْ دُونِ الجَزْمِ بِأَنَّهُ اقْتِبَاسٌ حَرْفِيٌّ مِنْهُ. فَفِي كِلَا النَّصَّيْنِ يَظْهَرُ الحَجَرُ فِي سِيَاقِ مَلَكُوتِ اللهِ وَانْتِصَارِ قَصْدِهِ.

 

تَكْشِفُ الآيَةُ مُفَارَقَةً لَاهُوتِيَّةً مُهِمَّةً: المَسِيحُ نَفْسُهُ هُوَ حَجَرُ الخَلَاصِ وَحَجَرُ الِامْتِحَانِ. فَمَنْ يَبْنِي عَلَيْهِ يَجِدُ فِيهِ أَسَاسَ الحَيَاةِ، أَمَّا مَنْ يَرْفُضُهُ فَيَجِدُ نَفْسَهُ مُصْطَدِمًا بِعَمَلِ اللهِ. وَيُسَاعِدُ قَوْلُ سِمْعَانَ الشَّيْخِ فِي فَهْمِ هٰذِهِ المُفَارَقَةِ: "هَا إِنَّهُ جُعِلَ لِسُقُوطِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَقِيَامِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ فِي إِسْرَائِيلَ، وَآيَةً مُعَرَّضَةً لِلرَّفْضِ" (لُوقَا 2: 34). فَحُضُورُ المَسِيحِ يَسْتَدْعِي قَرَارًا، وَيَكْشِفُ مَوْقِفَ القَلْبِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَمِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَقُولَ بِصُورَةٍ حَرْفِيَّةٍ: "المَسِيحُ الآنَ حَجَرُ رَحْمَةٍ، وَفِي الآخِرَةِ يَتَحَوَّلُ إِلَى حَجَرٍ سَاحِقٍ"؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَا يَصِفُ تَغَيُّرًا فِي شَخْصِ المَسِيحِ. بَلِ الحَجَرُ وَاحِدٌ، وَالِاخْتِلَافُ يَكْمُنُ فِي مَوْقِفِ الإِنْسَانِ مِنْهُ. فَمَنْ يَقْبَلُ المَسِيحَ بِالإِيمَانِ يَجِدْ فِيهِ الخَلَاصَ، وَمَنْ يُصِرُّ عَلَى رَفْضِهِ يَقِفْ أَمَامَ دَيْنُونَةِ اللهِ.

 

يَشْرَحُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ هٰذِهِ الآيَةَ فِي سِيَاقِ تَصَاعُدِ التَّحْذِيرِ فِي المَثَلِ: فَرَفْضُ الحَجَرِ لَا يُبْطِلُ اخْتِيَارَ اللهِ لَهُ، بَلْ يَرْتَدُّ رَفْضُهُ عَلَى الرَّافِضِينَ أَنْفُسِهِمْ. فَالحَجَرُ الَّذِي حَكَمَ البَنَّاؤُونَ بِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِ هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ أَسَاسًا لِبِنَائِهِ (PG 58). وَيَرَى القِدِّيسُ ايرونيموس فِي صُورَتَيِ السُّقُوطِ عَلَى الحَجَرِ وَسُقُوطِ الحَجَرِ عَلَى الإِنْسَانِ تَحْذِيرًا مِنْ عَوَاقِبِ رَفْضِ المَسِيحِ، وَيَرْبِطُ صُورَةَ الحَجَرِ بِالنُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي تَجْعَلُ الحَجَرَ مَوْضِعَ خَلَاصٍ لِلْمُؤْمِنِ وَعِثَارٍ لِمَنْ يَرْفُضُ (، PL 26).

 

تَجْمَعُ صُورَةُ الحَجَرِ فِي مَتَّى 21: 42–44 ثَلَاثَ حَرَكَاتٍ لَاهُوتِيَّةٍ مُتَرَابِطَةٍ: حَجَرٌ رَذَلَهُ البَنَّاؤُونَ، فَجَعَلَهُ اللهُ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ؛ حَجَرٌ يَعْثُرُ بِهِ مَنْ يَرْفُضُهُ؛ وَحَجَرٌ يَكْشِفُ فِي النِّهَايَةِ سِيَادَةَ مَلَكُوتِ اللهِ عَلَى كُلِّ مُقَاوَمَةٍ. وَبِذٰلِكَ فَالمَسِيحُ المَرْفُوضُ لَيْسَ ضَحِيَّةً هَزَمَهَا التَّارِيخُ، بَلْ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. وَيَتَحَوَّلُ النَّصُّ إِلَى سُؤَالٍ تَطْبِيقِيٍّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ: هَلْ نَجْعَلُ المَسِيحَ حَجَرَ الأَسَاسِ الَّذِي نَبْنِي عَلَيْهِ حَيَاتَنَا، أَمْ نَجْعَلُهُ حَجَرَ عِثَارٍ بِرَفْضِ كَلِمَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ؟

 

 

ثَانِيًا: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 21: 33-44).

 

بَعْدَ دِرَاسَةِ وَقَائِعِ مَثَلِ الكَرَّامِينَ القَتَلَةِ وَتَحْلِيلِ عَنَاصِرِهِ (مَتَّى 21: 33–44)، يَتَّضِحُ أَنَّ المَثَلَ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ الأَمَانَةِ لِوَدِيعَةِ اللهِ، وَمَسْؤُولِيَّةِ قَبُولِ سُلْطَانِ المَسِيحِ، وَضَرُورَةِ إِثْمَارِ ثَمَرِ المَلَكُوتِ. وَيَأْتِي المَثَلُ فِي سِيَاقِ الجَوَابِ غَيْرِ المُبَاشِرِ عَنْ سُؤَالِ رُؤَسَاءِ الكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ: "بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَعْمَلُ هٰذِهِ الأَعْمَالَ؟ وَمَنْ أَعْطَاكَ هٰذَا السُّلْطَانَ؟" (مَتَّى 21: 23). فَيَكْشِفُ يَسُوعُ، مِنْ خِلَالِ المَثَلِ، هُوِيَّتَهُ بِوَصْفِهِ الِابْنَ وَالوَارِثَ، وَيَكْشِفُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ خَطَرَ رَفْضِ سُلْطَانِهِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَا يَخُصُّ اللهَ.

 

وَقَدْ وَضَعَ مَتَّى هٰذَا المَثَلَ ضِمْنَ سِلْسِلَةٍ مِنَ الأَمْثَالِ الَّتِي تَرِدُ فِي سِيَاقِ المُوَاجَهَةِ بَيْنَ يَسُوعَ وَالقِيَادَاتِ الدِّينِيَّةِ فِي أُورَشَلِيمَ: مَثَلُ الابْنَيْنِ (مَتَّى 21: 28–32)، وَمَثَلُ الكَرَّامِينَ القَتَلَةِ (21: 33–44)، ثُمَّ مَثَلُ وَلِيمَةِ العُرْسِ (22: 1-14). وَيُصَرِّحُ الإِنْجِيلِيُّ فِي نِهَايَةِ المَثَلِ: "وَلَمَّا سَمِعَ رُؤَسَاءُ الكَهَنَةِ وَالفَرِّيسِيُّونَ أَمْثَالَهُ، فَهِمُوا أَنَّهُ يَعْنِيهِمْ" (مَتَّى 21: 45).

 

وَيُمْكِنُ تَمْيِيزُ حَرَكَتَيْنِ أَسَاسِيَّتَيْنِ فِي المَثَلِ: فَفِي الأُولَى يَطْلُبُ صَاحِبُ الكَرْمِ ثِمَارَهُ، فَيُرْسِلُ خَدَمَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، ثُمَّ يُرْسِلُ ابْنَهُ، وَلٰكِنَّ الكَرَّامِينَ يَرْفُضُونَ الخَدَمَ وَيَقْتُلُونَ الِابْنَ (مَتَّى 21: 34–39). وَفِي الثَّانِيَةِ يَأْتِي الحُكْمُ وَالمُحَاسَبَةُ، فَيُعْهَدُ الكَرْمُ إِلَى كَرَّامِينَ آخَرِينَ يُؤَدُّونَ ثِمَارَهُ، وَيُعْلَنُ أَنَّ الحَجَرَ المَرْفُوضَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ (21: 40-44). وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ دِرَاسَةُ المَثَلِ مِنْ خِلَالِ ثَلَاثَةِ أَبْعَادٍ مُتَكَامِلَةٍ: التَّطْبِيقِ التَّارِيخِيِّ، وَالتَّطْبِيقِ المَسِيحَانِيِّ، وَالتَّطْبِيقِ الرُّوحِيِّ.

 

1) التَّطْبِيقُ التَّارِيخِيُّ

 

يَرْوِي يَسُوعُ مَثَلَ الكَرَّامِينَ القَتَلَةِ فِي أُورَشَلِيمَ، بَعْدَ دُخُولِهِ إِلَيْهَا وَتَطْهِيرِهِ الهَيْكَلَ، وَفِي إِطَارِ مُوَاجَهَتِهِ مَعَ رُؤَسَاءِ الكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ (مَتَّى 21: 23). وَيُقَدِّمُ المَثَلُ، فِي صُورَةٍ مُكَثَّفَةٍ، مَسِيرَةً مِنْ تَارِيخِ الخَلَاصِ: فَرَبُّ البَيْتِ يُشِيرُ إِلَى اللهِ، وَالكَرْمُ يَسْتَحْضِرُ شَعْبَ العَهْدِ، وَالكَرَّامُونَ يُمَثِّلُونَ، فِي السِّيَاقِ المُبَاشِرِ، الوُكَلَاءَ وَالقِيَادَاتِ المُؤْتَمَنَةَ عَلَى الشَّعْبِ، وَالخَدَمُ يُذَكِّرُونَ بِالأَنْبِيَاءِ، أَمَّا الِابْنُ الوَارِثُ فَيُشِيرُ إِلَى يَسُوعَ المَسِيحِ.

 

وَيَسْتَعِيدُ يَسُوعُ صُورَةَ الكَرْمِ مِنَ التَّقْلِيدِ النَّبَوِيِّ، وَبِخَاصَّةٍ نَشِيدِ الكَرْمِ فِي إِشَعْيَاء 5: 1-7 "إِنَّ كَرْمَ رَبِّ القُوَّاتِ هُوَ بَيْتُ إِسْرَائِيلَ" (إِشَعْيَاء 5: 7). غَيْرَ أَنَّ التَّرْكِيزَ فِي مَثَلِ مَتَّى يَنْتَقِلُ مِنَ الكَرْمِ إِلَى الكَرَّامِينَ: فَالمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي نَقْصِ عِنَايَةِ صَاحِبِ الكَرْمِ، بَلْ فِي خِيَانَةِ الوُكَلَاءِ لِلأَمَانَةِ وَامْتِنَاعِهِمْ عَنْ تَقْدِيمِ الثِّمَارِ.

 

وَيَتَّصِلُ هٰذَا المَثَلُ بِمَثَلِ الابْنَيْنِ السَّابِقِ (مَتَّى 21: 28–32). فَفِي مَثَلِ الابْنَيْنِ يَشَدِّدُ يَسُوعُ عَلَى أَنَّ العَمَلَ بِمَشِيئَةِ الآبِ أَهَمُّ مِنَ المُوَافَقَةِ اللَّفْظِيَّةِ عَلَيْهَا؛ أَمَّا فِي مَثَلِ الكَرَّامِينَ فَيَتَصَاعَدُ المَوْقِفُ مِنْ عَدَمِ إِعْطَاءِ الثَّمَرِ إِلَى رَفْضِ رُسُلِ صَاحِبِ الكَرْمِ، ثُمَّ رَفْضِ الِابْنِ نَفْسِهِ وَقَتْلِهِ.

 

وَيَسْتَحْضِرُ إِرْسَالُ الخَدَمِ تَارِيخَ إِرْسَالِ الأَنْبِيَاءِ إِلَى شَعْبِ العَهْدِ: "أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ جَمِيعَ عَبِيدِيَ الأَنْبِيَاءَ مُبَكِّرًا وَمُرْسِلًا" (إِرْمِيَا 7: 25؛ راجِعْ 25: 4). وَيُؤَكِّدُ سِفْرُ أَخْبَارِ الأَيَّامِ أَنَّ اللهَ كَانَ يُرْسِلُ رُسُلَهُ "لأَنَّهُ أَشْفَقَ عَلَى شَعْبِهِ"، وَلٰكِنَّ الرُّسُلَ تَعَرَّضُوا لِلِازْدِرَاءِ وَالرَّفْضِ (2 أَخْبَارِ الأَيَّامِ 36: 15–16). فَتَكْرَارُ الإِرْسَالِ فِي المَثَلِ لَا يَكْشِفُ فَقَطْ عِنَادَ الكَرَّامِينَ، بَلْ يَكْشِفُ أَوَّلًا طُولَ أَنَاةِ اللهِ وَمُثَابَرَتَهُ فِي دَعْوَةِ الإِنْسَانِ إِلَى التَّوْبَةِ.

 

وَيَبْلُغُ التَّارِيخُ ذِرْوَتَهُ فِي قَوْلِ صَاحِبِ الكَرْمِ: "فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَهُ آخِرَ الأَمْرِ" (مَتَّى 21: 37). فَالِابْنُ لَيْسَ خَادِمًا آخَرَ فِي سِلْسِلَةِ الخَدَمِ، بَلْ يَحْتَلُّ مَكَانًا فَرِيدًا؛ إِنَّهُ الِابْنُ وَالوَارِثُ (21: 37-38). وَهُنَا يَلْتَقِي المَثَلُ مَعَ التَّعْبِيرِ الوَارِدِ فِي الرِّسَالَةِ إِلَى العِبْرَانِيِّينَ: "إِنَّ اللهَ، بَعْدَ أَنْ كَلَّمَ الآبَاءَ قَدِيمًا بِالأَنْبِيَاءِ... كَلَّمَنَا فِي هٰذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ بِابْنٍ" (عِبْرَانِيِّينَ 1: 1-2).

 

وَبِقَوْلِ الكَرَّامِينَ: "هُوَذَا الوَارِثُ، هَلُمَّ نَقْتُلْهُ وَنَأْخُذْ مِيرَاثَهُ" (مَتَّى 21: 38)، يَكْشِفُ المَثَلُ جَوْهَرَ خَطِيئَةِ الوَكِيلِ غَيْرِ الأَمِينِ: أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْ مُؤْتَمَنٍ عَلَى وَدِيعَةِ اللهِ إِلَى مُدَّعٍ لِمِلْكِيَّتِهَا.  وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُ هٰذِهِ الخَطِيئَةِ بِالعِبَارَةِ: أَرَادُوا المِيرَاثَ مِنْ دُونِ الوَارِثِ، وَالكَرْمَ مِنْ دُونِ صَاحِبِ الكَرْمِ.

 

وَيَكْشِفُ المَثَلُ أَيْضًا أَنَّ يَسُوعَ يَسِيرُ نَحْوَ الآلَامِ وَهُوَ وَاعٍ بِتَصَاعُدِ المُعَارَضَةِ ضِدَّهُ. غَيْرَ أَنَّهُ يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ اللُّغَةِ الرَّمْزِيَّةِ لِلْمَثَلِ وَالتَّفَاصِيلِ التَّارِيخِيَّةِ لِرِوَايَةِ الآلَامِ؛ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِ الكَرَّامِينَ «هُوَذَا الوَارِثُ" أَنَّ جَمِيعَ مُعَارِضِي يَسُوعَ كَانُوا يَعْرِفُونَ هُوِيَّتَهُ الإِلٰهِيَّةَ مَعْرِفَةً كَامِلَةً ثُمَّ رَفَضُوهُ عَنْ وَعْيٍ لَاهُوتِيٍّ كَامِلٍ. إِنَّهَا، أَوَّلًا، لُغَةُ المَثَلِ الَّتِي تُبْرِزُ خُطُورَةَ رَفْضِ الِابْنِ.

 

وَعِنْدَمَا يَقُولُ المَثَلُ: "فَأَمْسَكُوهُ وَأَلْقَوْهُ فِي خَارِجِ الكَرْمِ وَقَتَلُوهُ" (مَتَّى 21: 39)، قَرَأَ التَّقْلِيدُ المَسِيحِيُّ فِي هٰذِهِ الصُّورَةِ إِشَارَةً إِلَى آلامِ يَسُوعَ خَارِجَ المَدِينَةِ، وَهُوَ مَا يَسْتَحْضِرُهُ قَوْلُ الرِّسَالَةِ إِلَى العِبْرَانِيِّينَ: "لِذٰلِكَ فَإِنَّ يَسُوعَ أَيْضًا، لِيُقَدِّسَ الشَّعْبَ بِدَمِهِ، تَأَلَّمَ فِي خَارِجِ البَابِ" (عِبْرَانِيِّينَ 13: 12).

 

دَيْنُونَةُ الكَرَّامِينَ فِي سِيَاقِ الأَنْبِيَاءِ. لَا تَأْتِي مُحَاسَبَةُ الكَرَّامِينَ مِنْ فَرَاغٍ، بَلْ تَمْتَدُّ جُذُورُهَا إِلَى نَقْدِ الأَنْبِيَاءِ لِلرُّعَاةِ وَالقَادَةِ غَيْرِ الأُمَنَاءِ. فَيَقُولُ إِشَعْيَاءُ: "الرَّبُّ يَدْخُلُ فِي المُحَاكَمَةِ مَعَ شُيُوخِ شَعْبِهِ وَرُؤَسَائِهِ: إِنَّكُمْ أَنْتُمْ أَتْلَفْتُمُ الكَرْمَ" (إِشَعْيَاء 3: 14). وَيَقُولُ إِرْمِيَا: "رُعَاةٌ كَثِيرُونَ أَتْلَفُوا كَرْمِي، وَدَاسُوا نَصِيبِي" (إِرْمِيَا 12: 10).

 

وَهٰذَا يُسَاعِدُ عَلَى فَهْمِ هُوِيَّةِ الكَرَّامِينَ فِي سِيَاقِ مَتَّى: فَالمَثَلُ لَا يُوَجِّهُ اتِّهَامًا عِرْقِيًّا إِلَى "اليَهُودِ" كَجَمَاعَةٍ، بَلْ يُوَجِّهُ نَقْدًا نَبَوِيًّا إِلَى الوُكَلَاءِ وَالقِيَادَاتِ غَيْرِ الأَمِينَةِ. وَهٰذَا يَتَّضِحُ مِنْ مَتَّى 21: 45، حَيْثُ يَذْكُرُ الإِنْجِيلِيُّ رُؤَسَاءَ الكَهَنَةِ وَالفَرِّيسِيِّينَ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ.

 

رَأَى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فِي دَيْنُونَةِ الكَرَّامِينَ إِشَارَةً إِلَى الأَزْمَةِ التَّارِيخِيَّةِ الَّتِي بَلَغَتْ ذِرْوَتَهَا فِي خَرَابِ أُورَشَلِيمَ وَالهَيْكَلِ سَنَةَ 70م؛ غَيْرَ أَنَّ المَثَلَ نَفْسَهُ يُرَكِّزُ عَلَى مُحَاسَبَةِ الوُكَلَاءِ غَيْرِ الأُمَنَاءِ وَعَلَى ضَرُورَةِ إِثْمَارِ ثَمَرِ المَلَكُوتِ".

 

لَا يَنْتَهِي المَثَلُ بِمَوْتِ الِابْنِ، بَلْ يَنْتَقِلُ مِنْ عَمَلِ الكَرَّامِينَ إِلَى عَمَلِ اللهِ: "الحَجَرُ الَّذِي رَذَلَهُ البَنَّاؤُونَ هُوَ الَّذِي صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ كَانَ ذٰلِكَ، وَهُوَ عَجَبٌ فِي أَعْيُنِنَا" (مَتَّى 21: 42؛ مَزْمُور 118: 22-23).  وَهُنَا يَتَحَوَّلُ المَثَلُ مِنْ تَارِيخِ الرَّفْضِ إِلَى إِعْلَانِ النُّصْرَةِ الإِلٰهِيَّةِ. فَالِابْنُ المَرْفُوضُ وَالمَقْتُولُ هُوَ الحَجَرُ الَّذِي يَجْعَلُهُ اللهُ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. وَمِنْ هُنَا قَرَأَتِ الكَنِيسَةُ الرَّسُولِيَّةُ هٰذَا النَّصَّ فِي ضَوْءِ مَوْتِ المَسِيحِ وَقِيَامَتِهِ: "هٰذَا هُوَ الحَجَرُ الَّذِي رَذَلْتُمُوهُ أَنْتُمُ البَنَّائِينَ، فَصَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ" (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 4: 11).

 

وَبِذٰلِكَ لَا يَفْشَلُ مَشْرُوعُ اللهِ بِسَبَبِ رَفْضِ البَشَرِ، بَلْ يَسْتَمِرُّ تَدْبِيرُهُ الخَلَاصِيُّ. فَيُعْهَدُ الكَرْمُ إِلَى مَنْ يُطْلَبُ مِنْهُمْ أَنْ يُؤَدُّوا ثِمَارَهُ، وَيَقُولُ يَسُوعُ: "إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ سَيُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لِأُمَّةٍ تُثْمِرُ ثَمَرَهُ" (مَتَّى 21: 43). وَالمِعْيَارُ هُنَا لَيْسَ الِانْتِمَاءَ العِرْقِيَّ، بَلْ إِثْمَارَ ثَمَرِ المَلَكُوتِ.

 

وَفِي القِرَاءَةِ المَسِيحِيَّةِ، تَتَكَوَّنُ هٰذِهِ الجَمَاعَةُ حَوْلَ المَسِيحِ وَالرُّسُلِ، وَتَضُمُّ مُؤْمِنِينَ مِنَ اليَهُودِ وَالأُمَمِ. وَلِذٰلِكَ لَا يَنْبَغِي فَهْمُ المَثَلِ عَلَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ اسْتِبْدَالِ شَعْبٍ بِشَعْبٍ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ إِعْلَانٌ أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ عَطِيَّةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ، وَأَنَّ مَنْ يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ مَدْعُوٌّ إِلَى الإِثْمَارِ.

 

وَهُنَا تَظْهَرُ المُفَارَقَةُ الكُبْرَى فِي المَثَلِ: الكَرَّامُونَ أَرَادُوا المِيرَاثَ بِقَتْلِ الوَارِثِ، أَمَّا اللهُ فَجَعَلَ الوَارِثَ المَرْفُوضَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. وَمِنْ هُنَا يَكْمُنُ الخَلَاصُ فِي الِاسْتِجَابَةِ لِنِدَاءِ المَسِيحِ: "تُوبُوا وَآمِنُوا بِالبِشَارَةِ" (مَرْقُس 1: 15)، وَفِي أَنْ يَبْنِيَ الإِنْسَانُ حَيَاتَهُ عَلَيْهِ، لأَنَّ "حَجَرَ الزَّاوِيَةِ هُوَ المَسِيحُ يَسُوعُ نَفْسُهُ" (أَفَسُس 2: 20).

 

وَخُلَاصَةُ التَّطْبِيقِ التَّارِيخِيِّ: يَكْشِفُ المَثَلُ مَسِيرَةَ أَمَانَةِ اللهِ فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ، وَتَكَرُّرَ إِرْسَالِهِ لِلأَنْبِيَاءِ، وَبُلُوغَ هٰذَا الإِرْسَالِ ذِرْوَتَهُ فِي الِابْنِ. وَفِي المُقَابِلِ، يَكْشِفُ خَطَرَ أَنْ يَنْسَى الوَكِيلُ أَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ وَلَيْسَ مَالِكًا. فَتَارِيخُ الخَلَاصِ لَا يَتَوَقَّفُ عِنْدَ خِيَانَةِ الإِنْسَانِ، لأَنَّ اللهَ يَظَلُّ أَمِينًا، وَالحَجَرَ الَّذِي رَذَلَهُ البَنَّاؤُونَ يَجْعَلُهُ هُوَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ.

 

2) التَّطْبِيقُ المَسِيحَانِيُّ

 

لَا يَقْتَصِرُ مَثَلُ الكَرَّامِينَ القَتَلَةِ عَلَى بُعْدِهِ التَّارِيخِيِّ، بَلْ يَحْمِلُ بُعْدًا مَسِيحَانِيًّا وَفِصْحِيًّا عَمِيقًا؛ فَالِابْنُ الَّذِي أَرْسَلَهُ صَاحِبُ الكَرْمِ "آخِرَ الأَمْرِ" (مَتَّى 21: 37) يَحْتَلُّ مَكَانًا فَرِيدًا يَخْتَلِفُ عَنْ مَكَانِ الخَدَمِ الَّذِينَ سَبَقُوهُ. إِنَّهُ الِابْنُ وَالوَارِثُ، وَفِي ضَوْءِ الإِنْجِيلِ كُلِّهِ يَتَّضِحُ أَنَّهُ يَسُوعُ المَسِيحُ، الِابْنُ الحَبِيبُ الَّذِي أَعْلَنَ الآبُ عَنْهُ: "هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ" (مَتَّى 3: 17؛ راجِعْ 17: 5). وَلِذٰلِكَ يَتَجَاوَزُ المَثَلُ تَارِيخَ رَفْضِ الأَنْبِيَاءِ لِيُصْبِحَ إِنْبَاءً رَمْزِيًّا بِسِرِّ المَسِيحِ: رَفْضِهِ وَمَوْتِهِ، ثُمَّ قِيَامَتِهِ وَتَمْجِيدِهِ.

 

أ. الِابْنُ هُوَ الوَارِثُ

يَبْلُغُ المَثَلُ ذِرْوَتَهُ عِنْدَمَا يَقُولُ الكَرَّامُونَ: "هُوَذَا الوَارِثُ، هَلُمَّ نَقْتُلْهُ وَنَأْخُذْ مِيرَاثَهُ" (مَتَّى 21: 38). وَتَرِدُ كَلِمَةُ "الوَارِث" فِي اليُونَانِيَّةِ ὁ κληρονόμος، وَهِيَ تُظْهِرُ تَمَيُّزَ الِابْنِ عَنِ الخَدَمِ. فَاللَّهُ أَرْسَلَ الأَنْبِيَاءَ خُدَّامًا، أَمَّا فِي النِّهَايَةِ فَأَرْسَلَ ابْنَهُ. وَيُوَضِّحُ العَهْدُ الجَدِيدُ هٰذَا التَّمَيُّزَ: "إِنَّ اللهَ، بَعْدَ أَنْ كَلَّمَ الآبَاءَ قَدِيمًا بِالأَنْبِيَاءِ... كَلَّمَنَا فِي هٰذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ بِابْنٍ، جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ" (عِبْرَانِيِّينَ 1: 1-2).

فَيَسُوعُ لَيْسَ مُجَرَّدَ نَبِيٍّ آخَرَ يُضَافُ إِلَى سِلْسِلَةِ الأَنْبِيَاءِ، بَلْ هُوَ الِابْنُ وَالوَارِثُ. وَمِنْ هُنَا يَحْمِلُ المَثَلُ إِجَابَةً غَيْرَ مُبَاشِرَةٍ عَنْ سُؤَالِ القِيَادَاتِ: "بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَعْمَلُ هٰذِهِ الأَعْمَالَ؟: (مَتَّى 21: 23). فَسُلْطَانُ يَسُوعَ يَنْبُعُ مِنْ هُوِيَّتِهِ: إِنَّهُ ابْنُ صَاحِبِ الكَرْمِ وَوَارِثُهُ.

 

ب. "أَلْقَوْهُ فِي خَارِجِ الكَرْمِ وَقَتَلُوهُ": صُورَةُ الآلَامِ

يَقُولُ المَثَلُ: "فَأَمْسَكُوهُ وَأَلْقَوْهُ فِي خَارِجِ الكَرْمِ وَقَتَلُوهُ" (مَتَّى 21: 39). وَفِي القِرَاءَةِ المَسِيحَانِيَّةِ، تَسْتَحْضِرُ هٰذِهِ الصُّورَةُ آلامَ يَسُوعَ وَمَوْتَهُ خَارِجَ أُورَشَلِيمَ.  وَيَقُولُ كَاتِبُ الرِّسَالَةِ إِلَى العِبْرَانِيِّينَ: "لِذٰلِكَ فَإِنَّ يَسُوعَ أَيْضًا، لِيُقَدِّسَ الشَّعْبَ بِدَمِهِ، تَأَلَّمَ فِي خَارِجِ البَابِ"(عِبْرَانِيِّينَ 13: 12).

وَلٰكِنْ يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ الصُّورَةِ المَثَلِيَّةِ وَالتَّقْرِيرِ التَّارِيخِيِّ. فَقَوْلُ الكَرَّامِينَ: "هُوَذَا الوَارِثُ" لَا يَعْنِي أَنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ عَارَضُوا يَسُوعَ كَانُوا يَمْلِكُونَ مَعْرِفَةً كَامِلَةً بِهُوِيَّتِهِ الإِلٰهِيَّةِ ثُمَّ قَتَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ ابْنُ اللهِ. فَهٰذِهِ أَوَّلًا لُغَةُ المَثَلِ الَّتِي تُبْرِزُ خُطُورَةَ رَفْضِ الِابْنِ.

وَكَذٰلِكَ، فَمِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَقُولَ عَلَى وَجْهِ التَّعْمِيمِ: "رَفَضَ اليَهُودُ المَسِيحَ وَصَلَبُوهُ". فَالسِّيَاقُ المَتَّاوِيُّ يُوَجِّهُ نَقْدَهُ، عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ، إِلَى بَعْضِ القِيَادَاتِ الدِّينِيَّةِ (مَتَّى 21: 45)، أَمَّا التَّنْفِيذُ التَّارِيخِيُّ لِلصَّلْبِ فَقَدْ تَمَّ تَحْتَ السُّلْطَةِ الرُّومَانِيَّةِ. وَمِنْ ثَمَّ فَالمَعْنَى اللَّاهُوتِيُّ لِلْمَثَلِ هُوَ رَفْضُ الِابْنِ المَرْسَلِ مِنَ الآبِ، لَا إِسْنَادُ ذَنْبٍ جَمَاعِيٍّ إِلَى شَعْبٍ بِأَكْمَلِهِ.

 

ج. مِنَ الِابْنِ المَقْتُولِ إِلَى الحَجَرِ المُمَجَّدِ

لَا يَنْتَهِي المَثَلُ عِنْدَ قَوْلِهِ: "وَقَتَلُوهُ". فَيَسُوعُ يُتْبِعُهُ بِقَوْلِ المَزْمُورِ: "الحَجَرُ الَّذِي رَذَلَهُ البَنَّاؤُونَ هُوَ الَّذِي صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ كَانَ ذٰلِكَ، وَهُوَ عَجَبٌ فِي أَعْيُنِنَا" (مَتَّى 21: 42؛ مَزْمُور 118: 22-23).

وَهُنَا يَنْتَقِلُ المَثَلُ مِنْ فِعْلِ البَشَرِ إِلَى فِعْلِ اللهِ: البَشَرُ رَذَلُوا الحَجَرَ، أَمَّا اللهُ فَجَعَلَهُ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. وَفِي ضَوْءِ الفِصْحِ، رَأَتِ الجَمَاعَةُ الرَّسُولِيَّةُ فِي هٰذَا الِانْقِلَابِ صُورَةً لِمَوْتِ يَسُوعَ وَقِيَامَتِهِ. فَيَقُولُ بُطْرُسُ: "هُوَ الحَجَرُ الَّذِي رَذَلْتُمُوهُ أَنْتُمُ البَنَّائِينَ، فَصَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ" (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 4: 11).

وَلِذٰلِكَ فَالأَدَقُّ أَلَّا نَقُولَ إِنَّ المَوْتَ كَانَ "فُرْصَةً" لِيَنْتَصِرَ المَسِيحُ، كَأَنَّ الصَّلْبَ حَادِثٌ عَرَضِيٌّ اسْتَفَادَ مِنْهُ اللهُ، بَلْ: إِنَّ اللهَ حَوَّلَ رَفْضَ البَشَرِ وَمَوْتَ الِابْنِ إِلَى مَوْضِعٍ لِإِظْهَارِ قُوَّةِ حُبِّهِ وَنُصْرَةِ القِيَامَةِ. فَالصَّلِيبُ وَالقِيَامَةُ يُشَكِّلَانِ مَعًا سِرَّ الفِصْحِ.

 

د. المَسِيحُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ الَّذِي يَجْمَعُ

تَتَّسِعُ صُورَةُ حَجَرِ الزَّاوِيَةِ فِي التَّعْلِيمِ الرَّسُولِيِّ لِتَدُلَّ عَلَى المَسِيحِ الَّذِي يَجْمَعُ المُؤْمِنِينَ فِي بِنَاءٍ وَاحِدٍ. فَيَقُولُ بُولُسُ: "إِنَّهُ سَلَامُنَا، فَقَدْ جَعَلَ مِنَ الجَمَاعَتَيْنِ جَمَاعَةً وَاحِدَةً" (أَفَسُس 2: 14)، ثُمَّ يَقُولُ: "بُنِيتُمْ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَحَجَرُ الزَّاوِيَةِ هُوَ المَسِيحُ يَسُوعُ نَفْسُهُ" (أَفَسُس 2: 20). وَالجَمَاعَتَانِ فِي سِيَاقِ أَفَسُس هُمَا اليَهُودُ وَالأُمَمُ؛ فَالمَسِيحُ لَا يُقِيمُ وَحْدَتَهُ عَلَى إِقْصَاءِ أَحَدٍ، بَلْ "لِيَخْلُقَ فِي شَخْصِهِ مِنْ هَاتَيْنِ الجَمَاعَتَيْنِ... إِنْسَانًا جَدِيدًا وَاحِدًا" (أَفَسُس 2: 15).

وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الكَنِيسَةَ، فِي القِرَاءَةِ المَسِيحِيَّةِ، هِيَ جَمَاعَةُ الَّذِينَ جُمِعُوا فِي المَسِيحِ وَدُعُوا إِلَى إِثْمَارِ ثَمَرِ المَلَكُوتِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَالأَدَقُّ لَاهُوتِيًّا أَلَّا نَقُولَ إِنَّ "الكَنِيسَةَ خَرَجَتْ مِنَ الصَّلِيبِ" بِمَعْنًى زَمَنِيٍّ بَسِيطٍ، بَلْ إِنَّهَا وُلِدَتْ مِنْ سِرِّ المَسِيحِ الفِصْحِيِّ، وَتَجَلَّتْ عَلَنًا بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ فِي العَنْصَرَةِ.

 

هـ. المَسِيحُ هُوَ الكَرْمَةُ الحَقِيقِيَّةُ

تَأْخُذُ صُورَةُ الكَرْمِ بُعْدًا مَسِيحَانِيًّا أَعْمَقَ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، حَيْثُ لَا يَكُونُ المَسِيحُ مُجَرَّدَ ابْنِ صَاحِبِ الكَرْمِ، بَلْ يَقُولُ: "أَنَا الكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. فَمَنْ ثَبَتَ فِيَّ وَثَبَتُّ فِيهِ فَذٰلِكَ الَّذِي يُثْمِرُ ثَمَرًا كَثِيرًا، لأَنَّكُمْ بِمَعْزِلٍ عَنِّي لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَعْمَلُوا شَيْئًا" (يُوحَنَّا 15: 5).

وَبِذٰلِكَ لَا تَسْتَطِيعُ الكَنِيسَةُ أَنْ تُثْمِرَ بِقُوَّتِهَا الذَّاتِيَّةِ. فَالمَسِيحُ لَيْسَ مُجَرَّدَ مُؤَسِّسٍ تَارِيخِيٍّ لَهَا، بَلْ هُوَ مَصْدَرُ حَيَاتِهَا وَثَمَرِهَا. وَمِنْ هُنَا يَلْتَقِي مَتَّى 21 مَعَ يُوحَنَّا 15: الكَرْمُ مِلْكُ اللهِ، وَالثَّمَرُ مَطْلُوبٌ، وَلٰكِنَّ الإِثْمَارَ الحَقِيقِيَّ يَتَحَقَّقُ بِالثَّبَاتِ فِي المَسِيحِ.

وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يَصِحُّ اسْتِحْضَارُ دَعْوَةِ القِدِّيسِ البَابَا يُوحَنَّا بُولُسَ الثَّانِي إِلَى جَعْلِ يَسُوعَ المَسِيحِ حَجَرَ الزَّاوِيَةِ فِي حَيَاةِ الشَّبَابِ وَفِي بِنَاءِ حَضَارَةٍ قَائِمَةٍ عَلَى التَّضَامُنِ وَالمُشَارَكَةِ.  (ِخِطَابِ تَشِيلِي سَنَةَ 1987).

 

و. مِنْ صُورَةِ العَبْدِ إِلَى المَجْدِ

تَحْتَاجُ عِبَارَةُ "المَسِيحُ الَّذِي مَا كَانَ إِنْسَانًا، لٰكِنَّهُ صَارَ إِنْسَانًا" إِلَى تَدْقِيقٍ عَقَائِدِيٍّ. وَالأَدَقُّ أَنْ نَقُولَ: "المَسِيحُ، ابْنُ اللهِ الأَزَلِيُّ، الَّذِي هُوَ إِلٰهٌ حَقٌّ، اتَّخَذَ فِي مِلْءِ الزَّمَانِ طَبِيعَتَنَا البَشَرِيَّةَ وَصَارَ إِنْسَانًا حَقًّا، مِنْ دُونِ أَنْ يَفْقِدَ أُلُوهِيَّتَهُ". وَهٰذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ نَشِيدُ فِيلِبِّي: "أَخْلَى ذَاتَهُ، مُتَّخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ... وَوَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى المَوْتِ، مَوْتِ الصَّلِيبِ. لِذٰلِكَ رَفَعَهُ اللهُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ" (فِيلِبِّي 2: 7-9). وَتَنْسَجِمُ هٰذِهِ الحَرَكَةُ تَمَامًا مَعَ صُورَةِ الحَجَرِ فِي المَثَلِ: الرَّفْضُ - المَوْتُ – التَّمْجِيدُ. فَالحَجَرُ الَّذِي رُذِلَ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ.

 

ز. "فَلْنَخْرُجْ إِلَيْهِ فِي خَارِجِ المُخَيَّمِ"

إِذَا كَانَ الِابْنُ قَدْ أُخْرِجَ "خَارِجَ الكَرْمِ"، فَإِنَّ تِلْمِيذَهُ مَدْعُوٌّ إِلَى مُشَارَكَتِهِ فِي طَرِيقِ الصَّلِيبِ. وَمِنْ هُنَا يَأْخُذُ قَوْلُ الرِّسَالَةِ إِلَى العِبْرَانِيِّينَ مَعْنًى رُوحِيًّا عَمِيقًا: "فَلْنَخْرُجْ إِلَيْهِ إِذًا فِي خَارِجِ المُخَيَّمِ حَامِلِينَ عَارَهُ" (عِبْرَانِيِّينَ 13: 13).

فَاتِّبَاعُ المَسِيحِ لَا يَعْنِي البَحْثَ عَنِ الرَّفْضِ أَوِ الأَلَمِ لِذَاتِهِمَا، بَلِ الأَمَانَةَ لِلْمَسِيحِ حَتَّى عِنْدَمَا تَكُونُ لِلأَمَانَةِ كُلْفَةٌ. وَهٰذَا مَا أَعْلَنَهُ يَسُوعُ: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَنِي، فَلْيَزْهَدْ فِي نَفْسِهِ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (مَتَّى 16: 24).

أَمَّا الاستشهادُ بِـعِبْرَانِيِّينَ 6: 6 فَلَا يَصْلُحُ دَلِيلًا مُبَاشِرًا عَلَى صَلْبِ يَسُوعَ التَّارِيخِيِّ؛ لأَنَّ سِيَاقَهُ يَتَحَدَّثُ عَنِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا بَعْدَ أَنْ ذَاقُوا عَطَايَا الخَلَاصِ، فَيَقُولُ عَنْهُمْ مَجَازًا إِنَّهُمْ "يَصْلِبُونَ ابْنَ اللهِ ثَانِيَةً". وَلِذٰلِكَ فَالأَفْضَلُ حَذْفُهُ مِنَ البَرْهَانِ عَلَى مَتَّى 21: 39، وَالِاكْتِفَاءُ بِعِبْرَانِيِّينَ 13: 12–13، فَهُوَ أَشَدُّ صِلَةً بِصُورَةِ "خَارِجِ الكَرْمِ".

 

ح. الوَارِثُ يَجْعَلُنَا وَرَثَةً مَعَهُ

إِنَّ المَسِيحَ هُوَ الوَارِثُ بِمَعْنًى فَرِيدٍ؛ أَمَّا المُؤْمِنُونَ فَيَصِيرُونَ وَرَثَةً بِالنِّعْمَةِ وَبِالتَّبَنِّي وَبِالِاتِّحَادِ بِالمَسِيحِ. وَهٰذَا التَّمْيِيزُ مُهِمٌّ: فَنَحْنُ لَا نَمْلِكُ مِيرَاثَ الِابْنِ بِحَقٍّ مُسْتَقِلٍّ عَنْهُ، بَلْ نَشْتَرِكُ فِيهِ لأَنَّنَا صِرْنَا فِيهِ أَبْنَاءَ بِالتَّبَنِّي. وَهٰذَا مَا يُعَلِّمُهُ بُولُسُ: "فَإِذَا كُنَّا أَبْنَاءً، فَنَحْنُ وَرَثَةٌ أَيْضًا: وَرَثَةُ اللهِ وَشُرَكَاءُ المَسِيحِ فِي المِيرَاثِ" (رُومَا 8: 17؛ راجِعْ غَلَاطِيَة 4: 4-7). فَالمُفَارَقَةُ جَمِيلَةٌ: الكَرَّامُونَ أَرَادُوا أَنْ يَأْخُذُوا المِيرَاثَ بِقَتْلِ الوَارِثِ؛ أَمَّا الإِنْجِيلُ فَيُعَلِّمُنَا أَنَّ المِيرَاثَ لَا يُغْتَصَبُ، بَلْ يُقْبَلُ عَطِيَّةً بِالِاتِّحَادِ بِالوَارِثِ.

وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ قَوْلُ يَسُوعَ: "اُطْلُبُوا أَوَّلًا مَلَكُوتَهُ وَبِرَّهُ، تُزَادُوا هٰذَا كُلَّهُ" (مَتَّى 6: 33). فَالمَلَكُوتُ لَيْسَ غَنِيمَةً يَسْتَوْلِي عَلَيْهَا الإِنْسَانُ، بَلْ هِبَةٌ مِنَ الآبِ تُقْبَلُ فِي الِابْنِ وَتُثْمِرُ بِالرُّوحِ القُدُسِ.

 

ط. المَسِيحُ حَجَرُ الخَلَاصِ وَمِعْيَارُ الدَّيْنُونَةِ

أَخِيرًا، يَنْبَغِي تَدْقِيقُ العِبَارَةِ: "المَسِيحُ الآنَ حَجَرُ البِنَاءِ يُقَدِّمُ الرَّحْمَةَ، وَلٰكِنَّهُ فِي الدَّيْنُونَةِ يُصْبِحُ حَجَرًا سَاحِقًا". فَالمَسِيحُ لَا "يَتَحَوَّلُ" مِنْ حَجَرِ رَحْمَةٍ إِلَى حَجَرِ دَيْنُونَةٍ؛ بَلْ هُوَ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ، وَمَوْقِفُ الإِنْسَانِ مِنْهُ هُوَ الَّذِي يَكْشِفُ الخَلَاصَ أَوِ الدَّيْنُونَةَ. فَمَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يَبْنِي عَلَيْهِ، وَمَنْ يَرْفُضُهُ يَعْثُرُ بِهِ (مَتَّى 21: 42–44؛ رُومَا 9: 32–33؛ 1 بُطْرُس 2: 6-8).

خُلَاصَةُ القول يَكْشِفُ مَثَلُ الكَرَّامِينَ القَتَلَةِ هُوِيَّةَ يَسُوعَ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ مُتَرَابِطَةٍ: هُوَ الِابْنُ، وَهُوَ الوَارِثُ، وَهُوَ الحَجَرُ الَّذِي رَذَلَهُ البَنَّاؤُونَ فَجَعَلَهُ اللهُ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. وَمِنْ هُنَا يَتَّخِذُ المَثَلُ بِنْيَةً فِصْحِيَّةً وَاضِحَةً: إِرْسَالُ الِابْنِ - رَفْضُهُ - إِخْرَاجُهُ وَقَتْلُهُ - تَدَخُّلُ اللهِ - تَمْجِيدُ الحَجَرِ المَرْفُوضِ - تَكْوِينُ جَمَاعَةٍ تُثْمِرُ ثَمَرَ المَلَكُوتِ. وَهٰكَذَا لَا تَكُونُ الكَلِمَةُ الأَخِيرَةُ لِلرَّفْضِ وَلَا لِلصَّلِيبِ، بَلْ لِلْقِيَامَةِ وَعَمَلِ اللهِ العَجِيبِ: "مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ كَانَ ذٰلِكَ، وَهُوَ عَجَبٌ فِي أَعْيُنِنَا" (مَتَّى 21: 24).

وَيَبْقَى السُّؤَالُ الرُّوحِيُّ: إِذَا كَانَ المَسِيحُ هُوَ الِابْنَ وَالوَارِثَ وَحَجَرَ الزَّاوِيَةِ، فَهَلْ نَبْنِي حَيَاتَنَا عَلَيْهِ، وَنَقْبَلُ أَنْ نَكُونَ وَرَثَةً مَعَهُ بِالنِّعْمَةِ، أَمْ نُرِيدُ عَطَايَا اللهِ وَمِيرَاثَهُ مِنْ دُونِ سُلْطَانِ الِابْنِ عَلَى حَيَاتِنَا؟

 

3) التَّطْبِيقُ الرُّوحِيُّ

 

يَحْمِلُ مَثَلُ الكَرَّامِينَ القَتَلَةِ، إِلَى جَانِبِ بُعْدَيْهِ التَّارِيخِيِّ وَالمَسِيحَانِيِّ، تَطْبِيقًا رُوحِيًّا دَائِمًا يَتَوَجَّهُ إِلَى الكَنِيسَةِ وَإِلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ. فَالمَثَلُ لَا يَسْأَلُ فَقَطْ: مَاذَا فَعَلَ الكَرَّامُونَ قَدِيمًا؟ بَلْ يَسْأَلُ أَيْضًا: مَاذَا نَفْعَلُ نَحْنُ بِالكَرْمِ الَّذِي ائْتَمَنَنَا اللهُ عَلَيْهِ؟ وَأَيَّ ثَمَرٍ نُقَدِّمُهُ لَهُ؟ وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُ رِسَالَةِ المَثَلِ الرُّوحِيَّةِ فِي ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ: الوَدِيعَةُ، وَالأَمَانَةُ، وَالثَّمَرُ.

 

أ. الإِنْسَانُ وَكِيلٌ لَا مَالِكٌ

كَمَا سَلَّمَ رَبُّ البَيْتِ كَرْمَهُ إِلَى الكَرَّامِينَ، هٰكَذَا ائْتَمَنَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى عَطَايَا كَثِيرَةٍ: الحَيَاةِ، وَالزَّمَنِ، وَالعَائِلَةِ، وَالمَوَاهِبِ، وَالعَمَلِ، وَالمَالِ، وَالمَعْرِفَةِ، وَالسُّلْطَةِ، وَالخَلِيقَةِ، وَالرِّسَالَةِ الَّتِي دَعَاهُ إِلَيْهَا. فَمُنْذُ صَفَحَاتِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ الأُولَى أَوْكَلَ اللهُ إِلَى الإِنْسَانِ مَسْؤُولِيَّةَ العِنَايَةِ بِالخَلِيقَةِ: "اُنْمُوا وَاكْثُرُوا وَامْلَأُوا الأَرْضَ وَأَخْضِعُوهَا" (التَّكْوِين 1: 28؛ راجِعْ 2: 15).

وَلَا يَعْنِي "إِخْضَاعُ الأَرْضِ" اسْتِغْلَالَهَا بِلا حُدُودٍ، بَلْ مُمارَسَةَ وِكَالَةٍ مَسْؤُولَةٍ تَحْتَ سِيَادَةِ الخَالِقِ. فَالأَرْضُ لِلرَّبِّ، وَالإِنْسَانُ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهَا. وَمِنْ هُنَا تَظْهَرُ الخَطِيئَةُ الجَوْهَرِيَّةُ لِلكَرَّامِينَ: نَسُوا أَنَّهُمْ وُكَلَاءُ وَتَصَرَّفُوا كَأَنَّهُمْ أَصْحَابُ الكَرْمِ. وَهٰذَا الإِغْرَاءُ نَفْسُهُ يَتَكَرَّرُ فِي حَيَاةِ الإِنْسَانِ عِنْدَمَا يَتَصَرَّفُ فِي حَيَاتِهِ وَمَوَاهِبِهِ وَمَالِهِ وَسُلْطَانِهِ كَأَنَّهَا مُلْكٌ مُطْلَقٌ لَهُ، لَا وَدِيعَةٌ سَيُسْأَلُ عَنْهَا. وَلِذٰلِكَ يُمْكِنُ اخْتِصَارُ خَطِيئَةِ الكَرَّامِينَ بِهٰذِهِ العِبَارَةِ: أَرَادُوا عَطَايَا صَاحِبِ الكَرْمِ مِنْ دُونِ صَاحِبِ الكَرْمِ، وَالمِيرَاثَ مِنْ دُونِ الوَارِثِ، وَالنِّعْمَةَ مِنْ دُونِ طَاعَةِ المُنْعِمِ.

 

ب. اللهُ يَطْلُبُ ثَمَرَ مَا أَعْطَاهُ

يَقُولُ الإِنْجِيلُ: "فَلَمَّا حَانَ وَقْتُ الثَّمَرِ، أَرْسَلَ خَدَمَهُ إِلَى الكَرَّامِينَ لِيَأْخُذُوا ثَمَرَهُ" (مَتَّى 21: 34). فَاللهُ لَا يَطْلُبُ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْئًا لَمْ يَهَبْهُ أَوَّلًا؛ بَلْ يَطْلُبُ ثَمَرَ النِّعْمَةِ الَّتِي زَرَعَهَا فِيهِ.

وَمِنَ الأَدَقِّ لَاهُوتِيًّا تَعْدِيلُ العِبَارَةِ: "اللهُ يُعْطِي وَيَتَرَقَّبُ أَنْ يَأْخُذَ بِالمُقَابِلِ"؛ لِئَلَّا تُفْهَمَ العَلَاقَةُ مَعَ اللهِ كَأَنَّهَا مُبَادَلَةٌ تِجَارِيَّةٌ. فَاللهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِنَّا، بَلْ إِنَّ نِعْمَتَهُ السَّابِقَةَ تَدْعُونَا إِلَى الِاسْتِجَابَةِ وَالإِثْمَارِ. فَالثَّمَرُ هُوَ اسْتِجَابَةُ الحُرِّيَّةِ البَشَرِيَّةِ لِنِعْمَةِ اللهِ.

هٰذِهِ الثِّمَارُ هِيَ: الإِيمَانُ، وَالتَّوْبَةُ، وَالمَحَبَّةُ، وَالعَدْلُ، وَالرَّحْمَةُ، وَالأَمَانَةُ، وَالخِدْمَةُ، وَالأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ. وَقَدْ أَعْلَنَ يَسُوعُ: "بِهٰذَا يُمَجَّدُ أَبِي: أَنْ تُثْمِرُوا ثَمَرًا كَثِيرًا وَتَكُونُوا لِي تَلَامِيذَ" (يُوحَنَّا 15: 8).

 

ج. لِكُلِّ إِنْسَانٍ "كَرْمٌ" ائْتَمَنَهُ اللهُ عَلَيْهِ

يُمْكِنُ أَنْ نَرَى فِي الكَرْمِ، عَلَى المُسْتَوَى الرُّوحِيِّ، كُلَّ مَجَالٍ أَوْكَلَهُ اللهُ إِلَى الإِنْسَانِ لِيَخْدُمَ فِيهِ. فَالأُسْرَةُ كَرْمٌ، وَالدَّعْوَةُ كَرْمٌ، وَالكَهَنُوتُ كَرْمٌ، وَالتَّرْبِيَةُ كَرْمٌ، وَالعَمَلُ كَرْمٌ، وَالسُّلْطَةُ كَرْمٌ، وَالفَقِيرُ الَّذِي وُضِعَ فِي طَرِيقِنَا كَرْمٌ، وَالمَوْهِبَةُ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا كَرْمٌ.

وَيُمْكِنُ أَيْضًا، فِي القِرَاءَةِ الرُّوحِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ، أَنْ نَرَى نَفْسَ الإِنْسَانِ كَرْمًا عَهِدَ اللهُ إِلَيْهِ بِالعِنَايَةِ بِهِ. فَبِالمَعْمُودِيَّةِ نَالَ المُؤْمِنُ نِعْمَةَ الحَيَاةِ الجَدِيدَةِ، وَبِكَلِمَةِ اللهِ وَالأَسْرَارِ وَحَيَاةِ الصَّلَاةِ تُرْوَى هٰذِهِ الحَيَاةُ وَتَنْمُو، لِكَيْ تُثْمِرَ فِي الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.

وَلٰكِنَّ هٰذِهِ القِرَاءَةَ هِيَ تَطْبِيقٌ رُوحِيٌّ، أَمَّا فِي المَعْنَى الأَوَّلِ لِلْمَثَلِ فَالكَرْمُ يَسْتَحْضِرُ شَعْبَ اللهِ وَمَلَكُوتَهُ، وَالكَرَّامُونَ هُمُ المُؤْتَمَنُونَ عَلَى خِدْمَتِهِ.

 

د. مِنَ الوِكَالَةِ إِلَى التَّمَلُّكِ

أَخْطَرُ تَحَوُّلٍ رُوحِيٍّ يَكْشِفُهُ المَثَلُ هُوَ أَنْ يَتَحَوَّلَ الإِنْسَانُ مِنْ وَكِيلٍ إِلَى مُتَمَلِّكٍ. فَالكَرَّامُونَ لَمْ يَعُودُوا يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ خُدَّامًا لِصَاحِبِ الكَرْمِ، بَلْ أَرَادُوا أَنْ يَصِيرُوا هُمُ الأَسْيَادَ. وَهٰذَا يَحْدُثُ رُوحِيًّا عِنْدَمَا يَقُولُ الإِنْسَانُ، وَلَوْ مِنْ دُونِ كَلِمَاتٍ: حَيَاتِي لِي وَحْدِي، وَمَالِي لِي وَحْدِي، وَمَوَاهِبِي لِمَجْدِي، وَسُلْطَانِي لِمَصْلَحَتِي، وَمَكَانِي فِي الكَنِيسَةِ أَوِ المُجْتَمَعِ مُلْكٌ لِي.

وَعِنْدَمَا يُصْبِحُ الإِنْسَانُ مَرْكَزَ كُلِّ شَيْءٍ، يَبْدَأُ فِي إِقْصَاءِ كُلِّ مَنْ يُذَكِّرُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ صَاحِبَ الكَرْمِ. وَقَدْ لَا يَكُونُ هٰذَا الإِقْصَاءُ قَتْلًا جَسَدِيًّا، بَلْ قَدْ يَكُونُ رَفْضًا لِكَلِمَةِ اللهِ، أَوْ إِسْكَاتًا لِلضَّمِيرِ، أَوْ رَفْضًا لِلنَّصِيحَةِ، أَوْ اسْتِعْمَالًا لِلسُّلْطَةِ لِحِمَايَةِ المَصْلَحَةِ الشَّخْصِيَّةِ. فَخَطِيئَةُ الكَرَّامِينَ لَا تَبْدَأُ بِالقَتْلِ؛ إِنَّهَا تَبْدَأُ يَوْمَ يَنْسَى الوَكِيلُ أَنَّهُ وَكِيلٌ.

 

هـ. المَسِيحُ: حَجَرُ الأَسَاسِ أَمْ حَجَرُ العِثَارِ؟

يَقُولُ يَسُوعُ: "الحَجَرُ الَّذِي رَذَلَهُ البَنَّاؤُونَ هُوَ الَّذِي صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ" (مَتَّى 21: 42). وَتَحْمِلُ هٰذِهِ الصُّورَةُ سُؤَالًا رُوحِيًّا حَاسِمًا: مَا المَكَانُ الَّذِي يَحْتَلُّهُ المَسِيحُ فِي بِنَاءِ حَيَاتِنَا؟

فَقَدْ يَكُونُ المَسِيحُ حَجَرَ الأَسَاسِ الَّذِي نَبْنِي عَلَيْهِ، وَهٰذَا مَا يُعَلِّمُهُ يَسُوعُ: "كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ كَلَامِي هٰذَا وَيَعْمَلُ بِهِ يُشَبَّهُ بِرَجُلٍ عَاقِلٍ بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ" (مَتَّى 7: 24).

وَقَدْ يَصِيرُ الحَجَرُ نَفْسُهُ حَجَرَ عِثَارٍ لِمَنْ يَرْفُضُ كَلِمَتَهُ (رُومَا 9: 32–33؛ 1 بُطْرُس 2: 6–8). وَلَيْسَ المَعْنَى أَنَّ المَسِيحَ يَتَحَوَّلُ مِنْ حَجَرِ رَحْمَةٍ إِلَى "حَجَرٍ سَاحِقٍ"، بَلْ إِنَّ المَسِيحَ هُوَ نَفْسُهُ أَمْسِ وَاليَوْمَ، وَمَوْقِفُ الإِنْسَانِ مِنْهُ هُوَ الَّذِي يَكْشِفُ قَبُولَهُ لِلخَلَاصِ أَوْ رَفْضَهُ لَهُ. فَالسُّؤَالُ لَيْسَ: هَلْ نَعْرِفُ المَسِيحَ؟ فَقَطْ، بَلْ: هَلْ بَنَيْنَا حَيَاتَنَا عَلَيْهِ؟

 

و. المَثَلُ تَحْذِيرٌ لِلكَنِيسَةِ أَيْضًا

لَا يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَقْرَأَ هٰذَا المَثَلَ عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى آخَرِينَ فَقَطْ، ثُمَّ يَضَعَ نَفْسَهُ خَارِجَ دَائِرَةِ المُحَاسَبَةِ. فَإِذَا كَانَ مِعْيَارُ المَثَلِ هُوَ الثَّمَرَ، فَإِنَّ الكَنِيسَةَ وَكُلَّ مُؤْمِنٍ يَبْقَيَانِ تَحْتَ هٰذَا المِعْيَارِ.

وَهُنَا تَكْتَسِبُ كَلِمَاتُ بُولُسَ أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً. فَبَعْدَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ صُورَةَ الزَّيْتُونَةِ وَالأَغْصَانِ، يُحَذِّرُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الأُمَمِ مِنَ الكِبْرِيَاءِ: "فَإِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُبْقِ عَلَى الأَغْصَانِ الطَّبِيعِيَّةِ، فَلَنْ يُبْقِيَ عَلَيْكَ أَيْضًا. فَاعْتَبِرْ إِذًا لُطْفَ اللهِ وَشِدَّتَهُ..."(رُومَا 11: 21-22).

وَيَحْذَرُ بُولُسُ هُنَا مِنَ الِافْتِخَارِ عَلَى إِسْرَائِيلَ، لَا مِنْ أَجْلِ إِنْشَاءِ "كَرْمَةٍ جَدِيدَةٍ" تَلْغِي القَدِيمَةَ؛ فَصُورَتُهُ هِيَ فِي الوَاقِعِ زَيْتُونَةٌ وَاحِدَةٌ دَخَلَتْ إِلَيْهَا أَغْصَانٌ مِنَ الأُمَمِ بِالتَّطْعِيمِ (رُومَا 11: 17–24). وَهٰذَا يَجْعَلُ النَّصَّ تَحْذِيرًا مِنَ الغُرُورِ الرُّوحِيِّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ.

 

ز. المَسْؤُولِيَّةُ امْتِيَازٌ وَمُحَاسَبَةٌ

يُعَلِّمُ المَثَلُ أَنَّ كُلَّ امْتِيَازٍ رُوحِيٍّ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ مَسْؤُولِيَّةً. فَمَنْ نَالَ أَكْثَرَ لَا يُدْعَى إِلَى الِافْتِخَارِ، بَلْ إِلَى خِدْمَةٍ أَعْمَقَ وَثَمَرٍ أَوْفَرَ.

وَلٰكِنْ يَنْبَغِي تَعْدِيلُ القَوْلِ إِنَّ "أَقْسَى دَيْنُونَةٍ هِيَ أَنْ يَأْخُذَ اللهُ مِنَ الإِنْسَانِ العَمَلَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَهُ"؛ لأَنَّ هٰذَا لَيْسَ تَعْرِيفًا كِتَابِيًّا لِلدَّيْنُونَةِ. الأَدَقُّ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ فَقْدَ المَسْؤُولِيَّةِ الَّتِي ائْتَمَنَنَا اللهُ عَلَيْهَا قَدْ يَكُونُ عَلَامَةً خَطِيرَةً عَلَى فَشَلِ الوَكَالَةِ؛ أَمَّا الدَّيْنُونَةُ فَتَتَعَلَّقُ، فِي نِهَايَةِ الأَمْرِ، بِمَوْقِفِ الإِنْسَانِ مِنَ اللهِ وَنِعْمَتِهِ وَبِمَا أَثْمَرَتْهُ حَيَاتُهُ مِنْ إِيمَانٍ وَمَحَبَّةٍ وَأَعْمَالٍ. وَهُنَا يَتَرَدَّدُ مَبْدَأُ يَسُوعَ: "مَنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا يُطْلَبُ مِنْهُ كَثِيرٌ، وَمَنْ أُودِعَ كَثِيرًا يُطَالَبُ بِأَكْثَرَ" (لُوقَا 12: 48).

 

ح. لَا يَفْشَلُ مَشْرُوعُ اللهِ

يَحْمِلُ المَثَلُ أَيْضًا رِسَالَةَ رَجَاءٍ:خِيَانَةُ الإِنْسَانِ لَا تُفْشِلُ أَمَانَةَ اللهِ,  فَالكَرَّامُونَ يَفْشَلُونَ، وَلٰكِنَّ الكَرْمَ يَبْقَى لِصَاحِبِهِ. وَالبَنَّاؤُونَ يَرْفُضُونَ الحَجَرَ، وَلٰكِنَّ اللهَ يَجْعَلُهُ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. وَهٰذِهِ الحَقِيقَةُ تَحْمِلُ فِي آنٍ وَاحِدٍ رَجَاءً وَتَحْذِيرًا: رَجَاءً، لأَنَّ مَشْرُوعَ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ ضَعْفِنَا؛ وَتَحْذِيرًا، لأَنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ نَجَاحَ مَشْرُوعِهِ مُرْتَهِنًا بِشَخْصٍ أَوْ جَمَاعَةٍ بِعَيْنِهَا. فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَقُولَ: "الكَرْمُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمِرَّ مِنْ دُونِي".  فَالكَرْمُ لِلرَّبِّ، وَنَحْنُ خُدَّامٌ فِيهِ.

 

ط. المَثَلُ دَعْوَةٌ إِلَى فَحْصِ الضَّمِيرِ

لَا يَنْتَهِي التَّطْبِيقُ الرُّوحِيُّ بِالخَوْفِ مِنَ العِقَابِ، بَلْ يَقُودُ إِلَى فَحْصِ الضَّمِيرِ وَالتَّوْبَةِ وَالإِثْمَارِ. فَبَدَلًا مِنْ أَنْ نَسْأَلَ فَقَطْ: مَنْ هُمُ الكَرَّامُونَ القَتَلَةُ؟ يَدْعُونَا الإِنْجِيلُ إِلَى أَنْ نَسْأَلَ أَنْفُسَنَا:

مَا الكَرْمُ الَّذِي ائْتَمَنَنِي اللهُ عَلَيْهِ؟

مَا الثِّمَارُ الَّتِي يَنْتَظِرُهَا مِنِّي؟

هَلْ أَتَصَرَّفُ كَوَكِيلٍ أَمِينٍ، أَمْ كَمَالِكٍ مُطْلَقٍ؟

هَلْ أَقْبَلُ كَلِمَةَ اللهِ عِنْدَمَا تُصَحِّحُنِي، أَمْ أَرْفُضُ كُلَّ مَنْ يُذَكِّرُنِي بِمَسْؤُولِيَّتِي؟

هَلِ المَسِيحُ حَقًّا حَجَرُ الزَّاوِيَةِ فِي قَرَارَاتِي وَعَلَاقَاتِي وَرِسَالَتِي؟

 

خُلَاصَةُ القول: إِنَّ مَثَلَ الكَرَّامِينَ القَتَلَةِ هُوَ فِي جَوْهَرِهِ مَثَلُ الوِكَالَةِ وَالأَمَانَةِ وَالثَّمَرِ. فَكُلُّ مَا نَمْلِكُهُ هُوَ فِي الأَصْلِ عَطِيَّةٌ: حَيَاتُنَا، وَوَقْتُنَا، وَمَوَاهِبُنَا، وَرِسَالَتُنَا، وَخِدْمَتُنَا. وَالسُّؤَالُ الَّذِي سَيَبْقَى أَمَامَنَا لَيْسَ: كَمْ أَعْطَانَا اللهُ؟ بَلْ: مَاذَا فَعَلْنَا بِمَا أَعْطَانَا؟

 

وَالمَثَلُ لَا يَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَعِيشَ فِي خَوْفٍ مِنْ صَاحِبِ الكَرْمِ، بَلْ إِلَى أَنْ نَعِيشَ أَمَانَةَ الأَبْنَاءِ وَمَسْؤُولِيَّةَ الوُكَلَاءِ. فَاللهُ هُوَ الَّذِي غَرَسَ، وَسَيَّجَ، وَحَفَرَ المَعْصَرَ، وَبَنَى البُرْجَ؛ أَيْ إِنَّ نِعْمَتَهُ سَبَقَتْ كُلَّ عَمَلٍ مِنَّا. وَمَا يَنْتَظِرُهُ هُوَ أَنْ تَصِيرَ هٰذِهِ النِّعْمَةُ فِينَا ثَمَرًا. وَلِذٰلِكَ تَبْقَى كَلِمَةُ المَسِيحِ خُلَاصَةَ التَّطْبِيقِ الرُّوحِيِّ كُلِّهِ: "بِهٰذَا يُمَجَّدُ أَبِي: أَنْ تُثْمِرُوا ثَمَرًا كَثِيرًا وَتَكُونُوا لِي تَلَامِيذَ" (يُوحَنَّا 15: 8). وَالسُّؤَالُ الأَخِيرُ الَّذِي يَضَعُهُ المَثَلُ أَمَامَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا هُوَ: إِذَا جَاءَ رَبُّ الكَرْمِ اليَوْمَ يَطْلُبُ ثَمَرَ مَا ائْتَمَنَنِي عَلَيْهِ، فَمَاذَا يَجِدُ فِي كَرْمِ حَيَاتِي؟

 

 

خُلَاصَةُ عامة

 

يُقَدِّمُ مَثَلُ الكَرَّامِينَ القَتَلَةِ (مَتَّى 21: 33–44) صُورَةً مُكَثَّفَةً لِتَارِيخِ الخَلَاصِ، وَيَكْشِفُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ هُوِيَّةَ يَسُوعَ وَمَسْؤُولِيَّةَ الإِنْسَانِ أَمَامَ نِعْمَةِ اللهِ. فَـالكَرْمُ يَسْتَحْضِرُ شَعْبَ إِسْرَائِيلَ (إِشَعْيَاء 5: 1–7)، وَالخَدَمُ يُمَثِّلُونَ الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَالكَرَّامُونَ يُشِيرُونَ، فِي السِّيَاقِ المُبَاشِرِ لِلْمَثَلِ، إِلَى القِيَادَاتِ الدِّينِيَّةِ المُؤْتَمَنَةِ عَلَى الشَّعْبِ، وَبِخَاصَّةٍ رُؤَسَاءِ الكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ، وَيَذْكُرُ مَتَّى بَعْدَ المَثَلِ رُؤَسَاءَ الكَهَنَةِ وَالفَرِّيسِيِّينَ قَائِلًا إِنَّهُمْ "فَهِمُوا أَنَّهُ يَعْنِيهِمْ" (مَتَّى 21: 45).

 

وَقَدْ رَفَضَ الكَرَّامُونَ خَدَمَ صَاحِبِ الكَرْمِ، فَضَرَبُوا بَعْضَهُمْ وَقَتَلُوا وَرَجَمُوا آخَرِينَ (مَتَّى 21: 35–36). وَيَكْشِفُ هٰذَا التَّصَاعُدُ مِنْ جِهَةٍ تَارِيخَ رَفْضِ الأَنْبِيَاءِ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى طُولَ أَنَاةِ اللهِ الَّذِي وَاصَلَ إِرْسَالَ رُسُلِهِ وَدَعْوَةَ شَعْبِهِ إِلَى التَّوْبَةِ وَالإِثْمَارِ.

 

ثُمَّ يَبْلُغُ المَثَلُ ذِرْوَتَهُ عِنْدَمَا يُرْسِلُ صَاحِبُ الكَرْمِ ابْنَهُ. وَمِنَ الأَدَقِّ لَاهُوتِيًّا أَلَّا نَصِفَ إِرْسَالَ الِابْنِ بِأَنَّهُ "مُحَاوَلَةٌ أَخِيرَةٌ"، لأَنَّ هٰذِهِ العِبَارَةَ قَدْ تُوحِي بِمُحَاوَلَاتٍ إِلٰهِيَّةٍ فَاشِلَةٍ، بَلْ نَقُولُ: بَعْدَ إِرْسَالِ الخَدَمِ، بَلَغَ إِرْسَالُ اللهِ ذِرْوَتَهُ بِإِرْسَالِ الِابْنِ وَالوَارِثِ: "فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَهُ آخِرَ الأَمْرِ" (مَتَّى 21: 37). وَهٰذَا يَتَّفِقُ مَعَ قَوْلِ الرِّسَالَةِ إِلَى العِبْرَانِيِّينَ إِنَّ اللهَ، بَعْدَ أَنْ كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ، "كَلَّمَنَا... بِابْنٍ، جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ" (عِبْرَانِيِّينَ 1: 1-2).

 

وَلٰكِنَّ الكَرَّامِينَ قَالُوا: "هُوَذَا الوَارِثُ، هَلُمَّ نَقْتُلْهُ وَنَأْخُذْ مِيرَاثَهُ"، ثُمَّ "أَمْسَكُوهُ وَأَلْقَوْهُ فِي خَارِجِ الكَرْمِ وَقَتَلُوهُ" (مَتَّى 21: 38–39). وَفِي القِرَاءَةِ المَسِيحَانِيَّةِ، تَسْتَحْضِرُ هٰذِهِ الصُّورَةُ رَفْضَ يَسُوعَ وَآلامَهُ وَمَوْتَهُ خَارِجَ أُورَشَلِيمَ. غَيْرَ أَنَّ المَثَلَ لَا يُسْنِدُ ذَنْبًا جَمَاعِيًّا إِلَى الشَّعْبِ اليَهُودِيِّ كُلِّهِ، بَلْ يُوَجِّهُ نَقْدَهُ المُبَاشِرَ إِلَى الوُكَلَاءِ وَالقِيَادَاتِ الَّتِي فَشِلَتْ فِي أَمَانَتِهَا (مَتَّى 21: 45).

 

وَيَتْبَعُ رَفْضَ الِابْنِ حُكْمٌ عَلَى الكَرَّامِينَ غَيْرِ الأُمَنَاءِ: يُنْزَعُ مِنْهُمُ الكَرْمُ وَيُعْهَدُ بِهِ إِلَى آخَرِينَ "يُؤَدُّونَ إِلَيْهِ الثَّمَرَ فِي وَقْتِهِ" (مَتَّى 21: 41). وَيُفَسِّرُ يَسُوعُ هٰذَا الحُكْمَ قَائِلًا: " مَلَكُوتَ اللهِ سَيُنْزَعُ مِنْكُمْ، وَيُعْطَى لِأُمَّةٍ تُثْمِرُ ثَمَرَهُ" ( 21: 43) وَالمِعْيَارُ الحَاسِمُ هُنَا لَيْسَ الِانْتِمَاءَ العِرْقِيَّ، بَلْ الأَمَانَةَ وَالإِثْمَارَ. فَالكَرْمُ يَبْقَى مِلْكًا لِلرَّبِّ، أَمَّا الوُكَلَاءُ فَيُحَاسَبُونَ عَلَى الثِّمَارِ.

 

وَلَا تَنْتَهِي رِسَالَةُ المَثَلِ بِمَوْتِ الِابْنِ، بَلْ تَبْلُغُ قِمَّتَهَا المَسِيحَانِيَّةَ فِي قَوْلِ يَسُوعَ: "الحَجَرُ الَّذِي رَذَلَهُ البَنَّاؤُونَ هُوَ الَّذِي صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ كَانَ ذٰلِكَ، وَهُوَ عَجَبٌ فِي أَعْيُنِنَا" (مَتَّى 21: 42؛ مَزْمُور 118: 22–23). فَالحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ البَنَّاؤُونَ لَا يُلْغِيهِ رَفْضُهُمْ، بَلْ يَجْعَلُهُ اللهُ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. وَفِي القِرَاءَةِ الفِصْحِيَّةِ يَتَجَلَّى هُنَا سِرُّ المَوْتِ وَالقِيَامَةِ: البَشَرُ يَرْفُضُونَ، أَمَّا اللهُ فَيَرْفَعُ وَيُمَجِّدُ.

 

وَتَلْتَقِي صُورَةُ حَجَرِ الزَّاوِيَةِ مَعَ نُبُوءَةِ إِشَعْيَاءَ: "هَا إِنِّي وَاضِعٌ حَجَرًا فِي صِهْيَوْنَ، حَجَرًا مُمْتَحَنًا، حَجَرَ زَاوِيَةٍ كَرِيمًا، أَسَاسًا مُحْكَمًا" (إِشَعْيَاء 28: 16). فَالمَسِيحُ، فِي القِرَاءَةِ الرَّسُولِيَّةِ، هُوَ الأَسَاسُ الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ شَعْبُ اللهِ: "وَحَجَرُ الزَّاوِيَةِ هُوَ المَسِيحُ يَسُوعُ نَفْسُهُ" (أَفَسُس 2: 20).

 

وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، يَسْتَحْضِرُ النَّصُّ صُورَةَ حَجَرِ الصَّدْمِ وَصَخْرَةِ العِثَارِ: "فَيَكُونُ... حَجَرَ صَدْمٍ وَصَخْرَ عِثَارٍ" (إِشَعْيَاء 8: 14–15؛ راجِعْ رُومَا 9: 32–33؛ 1 بُطْرُس 2: 6–8). وَبِذٰلِكَ فَالمَسِيحُ نَفْسُهُ يَكُونُ أَسَاسَ الخَلَاصِ لِمَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، وَحَجَرَ عِثَارٍ لِمَنْ يَرْفُضُهُ. وَلَيْسَ المَعْنَى أَنَّ المَسِيحَ يَتَحَوَّلُ مِنْ حَجَرِ رَحْمَةٍ إِلَى حَجَرِ دَيْنُونَةٍ، بَلْ إِنَّ المَوْقِفَ مِنَ الحَجَرِ الوَاحِدِ هُوَ الَّذِي يَكْشِفُ مَوْقِفَ الإِنْسَانِ مِنْ عَمَلِ اللهِ. وَهٰكَذَا يَجْمَعُ المَثَلُ فِي خُلَاصَتِهِ بَيْنَ تَارِيخِ الخَلَاصِ وَسِرِّ المَسِيحِ وَمَسْؤُولِيَّةِ المُؤْمِنِ: فَاللهُ هُوَ صَاحِبُ الكَرْمِ، وَالإِنْسَانُ وَكِيلٌ فِيهِ؛ وَالمَسِيحُ هُوَ الِابْنُ وَالوَارِثُ وَحَجَرُ الزَّاوِيَةِ؛ وَالثَّمَرُ هُوَ المِعْيَارُ الَّذِي يَكْشِفُ أَمَانَةَ الوَكِيلِ.

 

وَتَبْقَى رِسَالَةُ المَثَلِ لِكُلِّ جِيلٍ: لَا يَكْفِي أَنْ نَكُونَ فِي كَرْمِ الرَّبِّ، بَلْ عَلَيْنَا أَنْ نَكُونَ أُمَنَاءَ فِيهِ؛ وَلَا يَكْفِي أَنْ نَعْرِفَ حَجَرَ الزَّاوِيَةِ، بَلْ عَلَيْنَا أَنْ نَبْنِيَ حَيَاتَنَا عَلَيْهِ؛ وَلَا يَكْفِي أَنْ نَنَالَ نِعْمَةَ اللهِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تُصْبِحَ نِعْمَتُهُ فِينَا ثَمَرًا: إِيمَانًا وَمَحَبَّةً وَعَدْلًا وَرَحْمَةً وَأَمَانَةً.

 

 

دُعَاء

 

أَنْتَ يَا رَبُّ، دَعَوْتَنَا إِلَى العَمَلِ فِي كَرْمِكَ، وَائْتَمَنْتَنَا عَلَى عَطَايَاكَ، وَتَنْتَظِرُ مِنَّا ثِمَارَ الإِيمَانِ وَالمَحَبَّةِ وَالعَدْلِ وَالأَمَانَةِ. فَهَبْ لَنَا أَنْ نَثْبُتَ فِيكَ، وَأَنْ نَقُومَ بِمَسْؤُولِيَّاتِنَا بِأَمَانَةٍ، فَنُثْمِرَ ثَمَرًا يَانِعًا يَلِيقُ بِدَعْوَتِنَا، وَنَكُونَ حَقًّا تَلَامِيذَكَ.

 

فَأَنْتَ قُلْتَ لَنَا: "أَنَا الكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. فَمَنْ ثَبَتَ فِيَّ وَثَبَتُّ فِيهِ فَذٰلِكَ الَّذِي يُثْمِرُ ثَمَرًا كَثِيرًا، لأَنَّكُمْ بِمَعْزِلٍ عَنِّي لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَعْمَلُوا شَيْئًا" (يُوحَنَّا 5: 15).

 

يَا يَسُوعُ، يَا ابْنَ الآبِ الحَبِيبَ وَوَارِثَ الكَرْمِ، أَنْتَ الحَجَرُ الَّذِي رَذَلَهُ البَنَّاؤُونَ فَصَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. لَقَدْ قَبِلْتَ مِنْ أَجْلِنَا عَارَ الصَّلِيبِ، وَبِمَوْتِكَ وَقِيَامَتِكَ وَهَبْتَنَا الحَيَاةَ، وَمِنْ سِرِّ صَلِيبِكَ اسْتَمَدَّ الرُّسُلُ وَالشُّهَدَاءُ قُوَّةَ الشَّهَادَةِ، فَأَثْمَرَتْ حَيَاتُهُمْ إِيمَانًا وَمَحَبَّةً، وَبَلَغَتْ بِشَارَتُكَ إِلَى أَقَاصِي الأَرْضِ.

 

فَلَا تَسْمَحْ لَنَا أَنْ نَنْسَى أَنَّنَا وُكَلَاءُ فِي كَرْمِكَ وَلَسْنَا أَصْحَابَهُ. نَقِّ قُلُوبَنَا مِنَ الكِبْرِيَاءِ وَحُبِّ الذَّاتِ، وَعَلِّمْنَا أَنْ نَرُدَّ لَكَ ثَمَرَ مَا غَرَسَتْهُ نِعْمَتُكَ فِينَا.

 

ثَبِّتْنَا فِيكَ، يَا كَرْمَتَنَا الحَقِيقِيَّةَ، وَاجْعَلْنَا أَغْصَانًا حَيَّةً فِيكَ، حَتَّى تُثْمِرَ حَيَاتُنَا إِيمَانًا فِي القَلْبِ، وَمَحَبَّةً فِي العَمَلِ، وَعَدْلًا فِي التَّصَرُّفِ، وَرَحْمَةً فِي العَلَاقَةِ مَعَ الآخَرِينَ، وَأَمَانَةً فِي كُلِّ مَا ائْتَمَنْتَنَا عَلَيْهِ.

 

وَعِنْدَمَا تَأْتِي، يَا رَبَّ الكَرْمِ، تَطْلُبُ ثَمَرَ مَا أَوْدَعْتَهُ فِينَا، هَبْ أَنْ تَجِدَنَا أُمَنَاءَ، فَنَسْمَعَ مِنْكَ كَلِمَةَ الرِّضَا وَنَدْخُلَ فَرَحَكَ الأَبَدِيَّ. لَكَ المَجْدُ وَالشُّكْرُ، أَيُّهَا الآبُ، بِابْنِكَ يَسُوعَ المَسِيحِ، فِي وَحْدَةِ الرُّوحِ القُدُسِ، الآنَ وَكُلَّ أَوَانٍ وَإِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِين.

 

 

قصَّةٌ وَاقِعِيَّةٌ مِنْ خِيَانَةِ المَسْؤُولِيَّةِ إِلَى أَمَانَةِ الإِثْمَارِ

 

فِي إِحْدَى القُرَى، اضْطُرَّ رَجُلٌ مُسِنٌّ إِلَى السَّفَرِ مُدَّةً طَوِيلَةً لِلْعِلَاجِ، وَكَانَ يَمْلِكُ بُسْتَانًا وَاسِعًا مِنَ الزَّيْتُونِ وَالكَرْمِ، وَقَدْ أَمْضَى سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً فِي غَرْسِهِ وَالعِنَايَةِ بِهِ. وَلَمَّا عَلِمَ أَنَّ غِيَابَهُ سَيَطُولُ، عَهِدَ بِالبُسْتَانِ إِلَى أَحَدِ أَقْرِبَائِهِ، وَقَالَ لَهُ: "اعْتَنِ بِهٰذِهِ الأَرْضِ كَأَنَّهَا أَرْضُكَ، وَادْفَعْ أُجْرَةَ العُمَّالِ، وَخُذْ مَا يَلْزَمُكَ لِمَعِيشَتِكَ، وَاحْفَظْ لِي نَصِيبِي مِنَ المَحْصُولِ".

 

فِي السَّنَوَاتِ الأُولَى كَانَ الرَّجُلُ أَمِينًا. كَانَ يَحْرُثُ الأَرْضَ، وَيُقَلِّمُ الأَشْجَارَ، وَيَجْمَعُ الثِّمَارَ، وَيُرْسِلُ إِلَى صَاحِبِهَا مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ. وَلٰكِنْ، مَعَ مُرُورِ السِّنِينَ، بَدَأَ شَيْءٌ يَتَغَيَّرُ فِي قَلْبِهِ. فَقَدْ صَارَ يَقُولُ لِلنَّاسِ: "هٰذَا بُسْتَانِي"، وَبَدَأَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَأَنَّهُ المَالِكُ. وَعِنْدَمَا كَانَ أَحَدٌ يُذَكِّرُهُ بِصَاحِبِ الأَرْضِ، كَانَ يَغْضَبُ وَيَقُولُ: "أَنَا الَّذِي أَعْمَلُ هُنَا، وَأَنَا الَّذِي أَعْرِفُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ البُسْتَانُ".

 

وَذَاتَ يَوْمٍ عَادَ صَاحِبُ الأَرْضِ مِنْ سَفَرِهِ عَلَى غَيْرِ انْتِظَارٍ. وَدَخَلَ البُسْتَانَ، فَوَجَدَ الأَشْجَارَ مُثْمِرَةً وَالمَخَازِنَ مَمْلُوءَةً. فَفَرِحَ بِالثَّمَرِ، وَلٰكِنَّهُ حَزِنَ لِمَا سَمِعَهُ مِنَ العُمَّالِ وَالجِيرَانِ. فَاسْتَدْعَى قَرِيبَهُ وَقَالَ لَهُ بِهُدُوءٍ: "لَقَدْ عَمِلْتَ كَثِيرًا، وَلٰكِنَّكَ نَسِيتَ شَيْئًا وَاحِدًا". فَسَأَلَهُ الرَّجُلُ: "وَمَاذَا نَسِيتُ؟". فَأَجَابَهُ: "نَسِيتَ أَنَّكَ مُؤْتَمَنٌ، وَلَسْتَ مَالِكًا".

 

سَكَتَ الرَّجُلُ طَوِيلًا. وَنَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى أَشْجَارِ الزَّيْتُونِ الَّتِي لَمْ يَغْرِسْهَا، وَإِلَى جُدْرَانِ البُسْتَانِ الَّتِي لَمْ يَبْنِهَا، وَإِلَى البِئْرِ الَّتِي لَمْ يَحْفِرْهَا. وَفَهِمَ فَجْأَةً أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ يَفْتَخِرُ بِهِ قَدْ تَسَلَّمَهُ أَوَّلًا مِنْ آخَرَ. فَقَالَ لِصَاحِبِ الأَرْضِ: "لَقَدْ خُنْتُ الأَمَانَةَ، لَا لأَنِّي أَهْمَلْتُ الأَرْضَ فَقَطْ، بَلْ لأَنِّي نَسِيتُ لِمَنْ تَنْتَمِي". فَأَجَابَهُ صَاحِبُهَا: "الثَّمَرُ الجَيِّدُ لَا يَكْفِي إِذَا جَعَلَنَا نَنْسَى صَاحِبَ الكَرْمِ. كُنْ أَمِينًا فِي مَا ائْتُمِنْتَ عَلَيْهِ، وَدَعْ ثَمَرَ عَمَلِكَ يَكُونُ شُكْرًا، لَا سَبَبًا لِلكِبْرِيَاءِ".

 

 

العِبْرَةُ

 

هٰذِهِ القِصَّةُ تُقَرِّبُ إِلَيْنَا رِسَالَةَ مَثَلِ الكَرَّامِينَ: أَخْطَرُ خِيَانَةٍ لِلْمَسْؤُولِيَّةِ تَبْدَأُ عِنْدَمَا يَنْسَى الوَكِيلُ أَنَّهُ وَكِيلٌ، وَيَتَصَرَّفُ كَأَنَّهُ المَالِكُ. فَحَيَاتُنَا كَرْمٌ، وَعَائِلَتُنَا كَرْمٌ، وَمَوَاهِبُنَا كَرْمٌ، وَعَمَلُنَا وَخِدْمَتُنَا وَسُلْطَتُنَا كُلُّهَا كَرْمٌ ائْتَمَنَنَا اللهُ عَلَيْهِ. وَالسُّؤَالُ لَيْسَ فَقَطْ: مَاذَا امْتَلَكْنَا؟ بَلْ: مَاذَا أَثْمَرْنَا بِمَا ائْتَمَنَنَا اللهُ عَلَيْهِ؟ وَلِذٰلِكَ يَقُولُ المَسِيحُ: "إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ... يُعْطَى لِأُمَّةٍ تُثْمِرُ ثَمَرَهُ" (مَتَّى 21: 43). فَنَحْنُ لَسْنَا أَصْحَابَ الكَرْمِ، بَلْ أُمَنَاءُ عَلَيْهِ؛ وَالأَمَانَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَا تُقَاسُ بِمَا نَمْلِكُهُ، بَلْ بِالثَّمَرِ الَّذِي نُقَدِّمُهُ لِرَبِّ الكَرْمِ.