موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ١٩ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦

مثل العُمّال في الكرم وأُجرتهم

بقلم :
الأب لويس حزبون - فلسطين
الأحَد الخَامس والعِشْرون مِن السِّنة: مَثَلُ العُمَّالِ فِي الكَرْمِ وَأُجْرَتِهِمْ (متى 20: 1-16)

الأحَد الخَامس والعِشْرون مِن السِّنة: مَثَلُ العُمَّالِ فِي الكَرْمِ وَأُجْرَتِهِمْ (متى 20: 1-16)

 

النَّصُّ الإنْجيلي (متى 29: 1-16)

1 فَمَثلُ مَلكوتِ السَّمَوات كَمَثلِ رَبِّ بَيتٍ خَرَجَ عِندَ الفَجرِ لِيَستأجِرَ عَمَلةً لِكَرمِه. 2   فاتَّفقَ معَ العَمَلةِ على دينارٍ في اليَوم وأَرسَلهم إِلى كَرْمِه. 3 خَرَجَ نَحوَ السَّاعةِ التَّاسِعة، فرأَى عَمَلةً آخَرينَ قائمينَ في السَّاحَةِ بَطَّالين.4 فقالَ لَهم: ((اِذهَبوا أَنتُم أَيضاً إِلى كَرْمي، وسَأُعطيكُم ما كانَ عَدْلاً))، 5 فذَهَبوا. وخرَجَ أَيضاً نَحوَ الظُّهْر ثُمَّ نَحوَ الثَّالِثَةِ بَعدَ الظُّهْر، ففَعلَ مِثلَ ذلك. 6-وخَرَجَ نَحوَ الخامِسةِ بَعدَ الظُّهْر، فَلَقِيَ أُناساً آخرينَ قائمينَ هُناك، فقالَ لَهم: لِماذا قُمتُم هَهُنا طَوالَ النَّهارِ بَطَّالين؟)) 7 قالوا له: ((لم يَستأجِرْنا أَحَد)). قالَ لَهم: ((اِذهَبوا أَنتُم أَيضاً إِلى كَرْمي)). 8 ولمَّا جاءَ المساء قالَ صاحِبُ الكَرْمِ لِوَكيلِه: ((أُدعُ العَمَلَةَ وادفَعْ لَهُمُ الأُجرَة، مُبتَدِئاً بِالآخِرين مُنتَهِياً بِالأَوَّلين)).  9 فجاءَ أَصحابُ السَّاعةِ الخامِسةِ بَعدَ الظُّهْر وأَخَذَ كُلٌّ مِنهُم ديناراً. 10-ثُمَّ جاءَ الأَوَّلون، فظَنُّوا أَنَّهم سيَأخُذونَ أَكثَرَ مِن هؤُلاء، فَأَخَذَ كُلٌّ مِنهُم أَيضاً ديناراً. 11 وكانوا يأخُذونَه ويقولون مُتَذَمِّرينَ على ربِّ البَيت: 12 ((هؤُلاءِ الَّذينَ أَتَوا آخِراً لم يَعمَلوا غَيرَ ساعةٍ واحدة، فساوَيتَهم بِنا نحنُ الَّذينَ احتَمَلْنا ثِقَلَ النَّهارِ وَحَرَّه الشَّديد)). 13 فأَجابَ واحداً مِنهُم: ((يا صَديقي، ما ظَلَمتُكَ، أَلم تَتَّفِقْ مَعي على دينار؟ 14 خُذْ ما لَكَ وَانصَرِفْ. فَهذا الَّذي أَتى آخِراً أُريدُ أَن أُعطِيَهُ مِثلَك: 15 أَلا يَجوزُ لي أَن أَتصرَّفَ بِمالي كما أَشاء؟ أَم عَينُكَ حَسودٌ لأَنِّي كريم؟)) 16 فهَكذا يَصيرُ الآخِرونَ أَوَّلين والأَوَّلونَ آخِرين)).

 

المُقَدِّمَةُ

يُسَلِّطُ إِنْجِيلُ هٰذَا الأَحَدِ الضَّوْءَ عَلَى دَعْوَةِ الإِنْسَانِ إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَمَجَّانِيَّةِ نِعْمَةِ اللهِ، مِنْ خِلَالِ مَثَلِ العُمَّالِ فِي الكَرْمِ وَأُجْرَتِهِمْ (مَتَّى 20: 1–16). وَيَأْتِي هٰذَا المَثَلُ فِي سِيَاقِ جَوَابِ يَسُوعَ عَنْ سُؤَالِ بُطْرُسَ: "هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ، فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟" (مَتَّى 19: 27)، وَبَعْدَ إِعْلَانِ يَسُوعَ أَنَّ "كَثِيرِينَ مِنَ الأَوَّلِينَ يَصِيرُونَ آخِرِينَ، وَالآخِرِينَ أَوَّلِينَ" (مَتَّى 19: 30؛ رَاجِعْ 20: 16). وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ المَثَلَ يَدْعُو التِّلْمِيذَ إِلَى تَجَاوُزِ مَنْطِقِ الحِسَابِ وَالمُقَارَنَةِ وَالاسْتِحْقَاقِ، لِيَدْخُلَ فِي مَنْطِقِ النِّعْمَةِ وَالعَطَاءِ الإِلٰهِيِّ.

فَالدُّخُولُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ لَا يَتَوَقَّفُ، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، عَلَى أَسْبَقِيَّةِ الإِنْسَانِ فِي الخِدْمَةِ، وَلَا عَلَى مُدَّتِهَا، وَلَا عَلَى مِقْدَارِ الإِنْتَاجِ الَّذِي يُحَقِّقُهُ، كَأَنَّ المَلَكُوتَ أُجْرَةٌ تُحْسَبُ وَفْقَ مَقَايِيسِ السُّوقِ البَشَرِيَّةِ؛ بَلْ يَقُومُ، أَوَّلًا، عَلَى مُبَادَرَةِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ وَصَلَاحِهِ وَكَرَمِهِ، وَيَسْتَدْعِي مِنَ الإِنْسَانِ اسْتِجَابَةً بِالإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالثِّقَةِ وَالأَمَانَةِ. فَرَبُّ الكَرْمِ هُوَ الَّذِي يَخْرُجُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لِيَبْحَثَ عَنِ العُمَّالِ وَيَدْعُوَهُمْ إِلَى كَرْمِهِ؛ وَهٰذِهِ المُبَادَرَةُ المُتَكَرِّرَةُ تُظْهِرُ أَنَّ الدَّعْوَةَ تَبْدَأُ مِنَ اللهِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ اسْتِحْقَاقًا مِنَ الإِنْسَانِ.

وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يُفَسِّرُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ الكَرْمَ بِأَنَّهُ وَصَايَا اللهِ، وَيَرَى فِي زَمَنِ العَمَلِ صُورَةً لِلحَيَاةِ الحَاضِرَةِ، وَفِي العُمَّالِ أُولٰئِكَ الَّذِينَ يُدْعَوْنَ، فِي أَوْقَاتٍ وَمَرَاحِلَ مُخْتَلِفَةٍ، إِلَى طَاعَةِ اللهِ وَالاسْتِجَابَةِ لِدَعْوَتِهِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ غَايَةَ المَثَلِ هِيَ تَشْجِيعُ الَّذِينَ يَسْتَجِيبُونَ لِدَعْوَةِ اللهِ مُتَأَخِّرِينَ، حَتَّى لَا يَظُنُّوا أَنَّ نَصِيبَهُمْ مِنَ الخَيْرِ الإِلٰهِيِّ أَقَلُّ مِنْ غَيْرِهِمْ (614-611، PG 58).

وَبِالمَعْنَى نَفْسِهِ، يَرَى القِدِّيسُ أوغسطينوس فِي اخْتِلَافِ سَاعَاتِ الدَّعْوَةِ صُورَةً لاخْتِلَافِ المَرَاحِلِ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا لِلإِنْسَانِ أَنْ يَسْمَعَ نِدَاءَ اللهِ وَيَسْتَجِيبَ لَهُ؛ فَبَابُ الدَّعْوَةِ يَبْقَى مَفْتُوحًا، وَنِعْمَةُ اللهِ قَادِرَةٌ عَلَى أَنْ تَبْلُغَ الإِنْسَانَ فِي مُخْتَلَفِ مَرَاحِلِ حَيَاتِهِ (322-319، PL 38).

أَمَّا القِدِّيسُ إيرونيموس فَيَرْبِطُ "الدِّينَارَ" بِصُورَةِ المَلِكِ المَطْبُوعَةِ عَلَيْهِ، فَيَجْعَلُهُ رَمْزًا إِلَى عَطِيَّةِ اللهِ الَّتِي تَرُدُّ الإِنْسَانَ إِلَى صُورَتِهِ وَمِثَالِهِ؛ وَبِذٰلِكَ يَكْشِفُ أَنَّ تَذَمُّرَ العُمَّالِ الأَوَّلِينَ لَمْ يَكُنْ نَاتِجًا عَنْ ظُلْمٍ لَحِقَ بِهِمْ، لأَنَّهُمْ نَالُوا مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، بَلْ عَنْ رَفْضِهِمْ أَنْ يَنَالَ الآخَرُونَ مِنْ كَرَمِ رَبِّ الكَرْمِ (PL 26).

وَهٰكَذَا يَكْشِفُ المَثَلُ أَنَّ مَقَايِيسَ مَلَكُوتِ اللهِ لَيْسَتْ هِيَ مَقَايِيسَ الحِسَابِ البَشَرِيِّ؛ فَاللهُ عَادِلٌ فِي وَعْدِهِ، وَفِيٌّ فِي عَطَائِهِ، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ حُرٌّ فِي سَخَائِهِ. وَهٰذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ رَبُّ الكَرْمِ بِقَوْلِهِ: "أَفَلا يَجُوزُ لِي أَنْ أَتَصَرَّفَ بِمَالِي كَمَا أَشَاءُ؟ أَمْ عَيْنُكَ حَسُودٌ لأَنِّي كَرِيمٌ؟" (مَتَّى 20: 15). فَالسُّؤَالُ الحَاسِمُ فِي المَثَلِ لَيْسَ: كَمْ عَمِلَ الإِنْسَانُ مُقَارَنَةً بِغَيْرِهِ؟ بَلْ: كَيْفَ اسْتَجَابَ لِدَعْوَةِ اللهِ حِينَ بَلَغَتْهُ؟ وَهَلْ يَفْرَحُ بِصَلَاحِ اللهِ نَحْوَ الآخَرِينَ كَمَا يَفْرَحُ بِهِ نَحْوَ نَفْسِهِ؟

وَمِنْ هُنَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ البَحْثِ فِي وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 20: 1–16) وَدَلَالَاتِهِ اللَّاهُوتِيَّةِ وَتَطْبِيقَاتِهِ الرُّوحِيَّةِ؛ لِنَكْتَشِفَ أَنَّ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ هُوَ، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، عَطِيَّةُ نِعْمَةٍ وَدَعْوَةُ مَحَبَّةٍ، وَأَنَّ صَلَاحَ اللهِ لَا يُنَاقِضُ عَدْلَهُ، بَلْ يَكْشِفُ أَنَّ عَدْلَ اللهِ يَتَجَاوَزُ مَنْطِقَ المُقَايَضَةِ وَالحِسَابِ إِلَى مَنْطِقِ الرَّحْمَةِ وَالسَّخَاءِ.

 

أَوَّلًا: وَقَائِعُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 20: 1–16)

 

1 "فَمَثَلُ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ كَمَثَلِ رَبِّ بَيْتٍ خَرَجَ عِنْدَ الفَجْرِ لِيَسْتَأْجِرَ عَمَلَةً لِكَرْمِهِ"

تُشِيرُ عِبَارَةُ "مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ"، فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἡ βασιλεία τῶν οὐρανῶν، إِلَى مُلْكِ اللهِ وَسِيَادَتِهِ الخَلَاصِيَّةِ، لَا إِلَى مَكَانٍ جُغْرَافِيٍّ فَحَسْبُ. وَهُوَ مَلَكُوتٌ دَخَلَ التَّارِيخَ فِي شَخْصِ يَسُوعَ المَسِيحِ وَرِسَالَتِهِ، وَيَنْتَظِرُ اكْتِمَالَهُ الأَخِيرَ. وَتَرِدُ عِبَارَةُ "مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى، وَيُرَادُ بِهَا التَّعْبِيرُ عَنْ حُكْمِ اللهِ وَعَمَلِهِ الخَلَاصِيِّ وَدَعْوَةِ الإِنْسَانِ إِلَى الدُّخُولِ فِي شَرِكَةِ حَيَاتِهِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "كَمَثَلِ رَبِّ بَيْتٍ"، وَاليُونَانِيَّةُ ἀνθρώπῳ οἰκοδεσπότῃ، فَتُقَدِّمُ شَخْصِيَّةَ رَبِّ البَيْتِ أَوْ صَاحِبِ المِلْكِ، وَهُوَ المِحْوَرُ الرَّئِيسُ فِي حَرَكَةِ المَثَلِ. وَيَرْمُزُ رَبُّ البَيْتِ، فِي المَعْنَى اللَّاهُوتِيِّ، إِلَى اللهِ الَّذِي يَمْلِكُ الكَرْمَ وَيُبَادِرُ إِلَى دَعْوَةِ العُمَّالِ إِلَيْهِ. وَاللَّافِتُ أَنَّ رَبَّ البَيْتِ لَا يَنْتَظِرُ مَجِيءَ العُمَّالِ إِلَيْهِ، بَلْ هُوَ الَّذِي يَخْرُجُ وَيَبْحَثُ عَنْهُمْ وَيَدْعُوهُمْ؛ وَفِي ذٰلِكَ صُورَةٌ لِمُبَادَرَةِ النِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ. وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الكَبِيرُ رَبَّ البَيْتِ بِالخَالِقِ نَفْسِهِ، وَالكَرْمَ بِالكَنِيسَةِ؛ إِذْ يَرَى أَنَّ اللهَ، كَرَبِّ البَيْتِ، يَدْعُو البَشَرَ إِلَى العَمَلِ فِي كَرْمِهِ عَبْرَ مَرَاحِلِ التَّارِيخِ المُخْتَلِفَةِ (1154–1159، PL 76).

أَمَّا قَوْلُهُ: "خَرَجَ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ ἐξῆλθεν، فَيُعَدُّ مِنَ الأَفْعَالِ المِفْتَاحِيَّةِ فِي المَثَلِ؛ إِذْ تَتَكَرَّرُ حَرَكَةُ خُرُوجِ رَبِّ البَيْتِ فِي أَوْقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ النَّهَارِ (مَتَّى 20: 1، 3، 5، 6). وَهٰذَا التَّكْرَارُ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَفْصِيلٍ سَرْدِيٍّ، بَلْ يَكْشِفُ، فِي القِرَاءَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ، مُبَادَرَةَ اللهِ الدَّائِمَةَ إِلَى البَحْثِ عَنِ الإِنْسَانِ وَدَعْوَتِهِ. فَاللهُ لَا يَنْتَظِرُ الإِنْسَانَ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهِ، بَلْ يَخْرُجُ إِلَى لِقَائِهِ، وَيَدْعُوهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى إِلَى شَرِكَةِ مَلَكُوتِهِ.

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "عِنْدَ الفَجْرِ" إِلَى اليُونَانِيَّةِ ἅμα πρωῒ، أَيْ: "فِي وَقْتٍ مُبَكِّرٍ مِنَ الصَّبَاحِ". وَفِي الإِطَارِ التَّارِيخِيِّ لِلْمَثَلِ، يَبْدَأُ يَوْمُ العَمَلِ مَعَ بُزُوغِ النَّهَارِ، أَيْ نَحْوَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ صَبَاحًا تَقْرِيبًا. أَمَّا فِي التَّفْسِيرِ الرَّمْزِيِّ الآبَائِيِّ، فَقَدْ رَأَى غِرِيغُورِيُوسُ الكَبِيرُ فِي سَاعَاتِ النَّهَارِ مَرَاحِلَ مُخْتَلِفَةً مِنْ تَارِيخِ الخَلَاصِ، وَاعْتَبَرَ أَنَّ الفَجْرَ يَرْمُزُ إِلَى الفَتْرَةِ المُبَكِّرَةِ مِنْ تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ، مِنْ آدَمَ إِلَى نُوحٍ، ثُمَّ تَتَوَالَى سَاعَاتُ الدَّعْوَةِ عَبْرَ مَرَاحِلِ التَّارِيخِ (1155–1156، PL 76).  وَيَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ، مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، أَنَّ اخْتِلَافَ سَاعَاتِ الدَّعْوَةِ يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ اخْتِلَافُ الأَوْقَاتِ الَّتِي يَسْتَجِيبُ فِيهَا البَشَرُ لِدَعْوَةِ اللهِ؛ فَبَعْضُهُمْ يَأْتِي مُنْذُ البِدَايَةِ، وَبَعْضُهُمْ يَسْتَجِيبُ فِي وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ، وَلٰكِنَّ اللهَ يَظَلُّ هُوَ الدَّاعِيَ وَالمُبَادِرَ (614–611، PG 58).

أَمَّا عِبَارَةُ "لِيَسْتَأْجِرَ عَمَلَةً"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ μισθώσασθαι ἐργάτας، فَتُحِيلُ إِلَى وَاقِعٍ اجْتِمَاعِيٍّ وَاقْتِصَادِيٍّ مَعْرُوفٍ فِي فِلَسْطِين فِي ذٰلِكَ الزَّمَنِ؛ إِذْ كَانَ العُمَّالُ يَقِفُونَ فِي السَّاحَاتِ أَوِ الأَسْوَاقِ مُنْذُ الصَّبَاحِ، فِي انْتِظَارِ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُمْ لِيَوْمِ عَمَلٍ وَاحِدٍ. وَكَانَتْ حَيَاتُهُمْ وَحَيَاةُ عَائِلَاتِهِمْ تَرْتَبِطُ، فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ، بِالأُجْرَةِ الَّتِي يَحْصُلُونَ عَلَيْهَا فِي نِهَايَةِ اليَوْمِ. أَمَّا عَلَى المُسْتَوَى اللَّاهُوتِيِّ، فَالعُمَّالُ ἐργάται هُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ دَعْوَةَ اللهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهَا. وَالدَّعْوَةُ إِلَى الكَرْمِ تَبْقَى، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، نِعْمَةً وَمُبَادَرَةً إِلٰهِيَّةً؛ وَهٰذَا المَعْنَى يَنْسَجِمُ مَعَ قَوْلِ يَسُوعَ لِتَلَامِيذِهِ: "لَمْ تَخْتَارُونِي أَنْتُمْ، بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا فَتُثْمِرُوا" (يُوحَنَّا 15: 16). وَمِنْ ثَمَّ، فَالعَمَلُ فِي الكَرْمِ لَيْسَ فَضْلًا يُقَدِّمُهُ الإِنْسَانُ إِلَى اللهِ، بَلْ هُوَ نَفْسُهُ عَطِيَّةُ دَعْوَةٍ وَشَرَكَةٍ فِي عَمَلِ اللهِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "لِكَرْمِهِ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ εἰς τὸν ἀμπελῶνα αὐτοῦ، فَتَنْطَلِقُ مِنْ صُورَةٍ مَأْلُوفَةٍ فِي الحَيَاةِ الزِّرَاعِيَّةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ. وَكَانَ قِطَافُ العِنَبِ يَتَطَلَّبُ عَدَدًا كَبِيرًا مِنَ العُمَّالِ فِي مُدَّةٍ زَمَنِيَّةٍ مَحْدُودَةٍ، مِمَّا يُفَسِّرُ حَاجَةَ صَاحِبِ الكَرْمِ إِلَى اسْتِئْجَارِ عُمَّالٍ إِضَافِيِّينَ خِلَالَ النَّهَارِ. وَلِلْكَرْمِ جُذُورٌ كِتَابِيَّةٌ عَمِيقَةٌ؛ فَقَدْ جَعَلَ الأَنْبِيَاءُ مِنْهُ صُورَةً لِشَعْبِ اللهِ، وَخَاصَّةً فِي نَشِيدِ الكَرْمِ عِنْدَ أَشَعْيَاءَ: "فَإِنَّ كَرْمَ رَبِّ القُوَّاتِ هُوَ بَيْتُ إِسْرَائِيلَ، وَرِجَالُ يَهُوذَا غَرْسُ مَسَرَّتِهِ" (أَشَعْيَاء 5: 7؛ رَاجِعْ مَزْمُور 80: 9–17). وَفِي ضَوْءِ العَهْدِ الجَدِيدِ، يَتَّسِعُ هٰذَا الرَّمْزُ لِيَشْمَلَ جَمَاعَةَ الَّذِينَ دَعَاهُمُ اللهُ إِلَى شَرِكَةِ المَلَكُوتِ. وَيُطَوِّرُ غِرِيغُورِيُوسُ الكَبِيرُ هٰذَا الرَّمْزَ، فَيَرَى فِي الكَرْمِ صُورَةَ الكَنِيسَةِ الجَامِعَةِ الَّتِي يَدْعُو اللهُ إِلَيْهَا العُمَّالَ عَبْرَ الأَزْمِنَةِ، وَيُضِيفُ بُعْدًا رُوحِيًّا إِذْ يَرَى أَنَّ مَنْ يَعْمَلُ عَلَى إِصْلَاحِ نَفْسِهِ وَخِدْمَةِ اللهِ إِنَّمَا يَعْمَلُ فِي كَرْمِ الرَّبِّ (1159–1154، PL 76). وَهٰكَذَا تَضَعُنَا الآيَةُ الأُولَى مُنْذُ البِدَايَةِ أَمَامَ الحَرَكَةِ الأَسَاسِيَّةِ فِي المَثَلِ: اللهُ هُوَ الَّذِي يَخْرُجُ، وَاللهُ هُوَ الَّذِي يَدْعُو، وَالكَرْمُ كَرْمُهُ، وَالعَمَلُ فِيهِ نِعْمَةٌ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ اسْتِحْقَاقًا. وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ مَحْوَرَ المَثَلِ لَيْسَ أَوَّلًا مِقْدَارَ مَا يُنْجِزُهُ العَامِلُ، بَلْ صَلَاحَ رَبِّ الكَرْمِ وَمُبَادَرَتَهُ وَاسْتِجَابَةَ الإِنْسَانِ لِدَعْوَتِهِ.

 

2 "فَاتَّفَقَ مَعَ العَمَلَةِ عَلَى دِينَارٍ فِي اليَوْمِ، وَأَرْسَلَهُمْ إِلَى كَرْمِهِ"

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَاتَّفَقَ مَعَ العَمَلَةِ"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ συμφωνήσας δὲ μετὰ τῶν ἐργατῶν، إِلَى اتِّفَاقٍ وَاضِحٍ وَمُسْبَقٍ بَيْنَ رَبِّ الكَرْمِ وَالعُمَّالِ عَلَى أُجْرَةِ يَوْمِ العَمَلِ. وَالفِعْلُ συμφωνέω يَعْنِي "يَتَّفِقُ" أَوْ "يَتَوَافَقُ"، وَمِنْ ثَمَّ يُبَيِّنُ النَّصُّ مُنْذُ البِدَايَةِ أَنَّ رَبَّ الكَرْمِ لَمْ يَظْلِمِ العُمَّالَ الأَوَّلِينَ؛ لأَنَّهُ وَفَى لَهُمْ فِي نِهَايَةِ النَّهَارِ بِالأُجْرَةِ الَّتِي اتَّفَقَ مَعَهُمْ عَلَيْهَا (مَتَّى 20: 10، 13). وَهُنَا يَظْهَرُ أَحَدُ المَفَاتِيحِ اللَّاهُوتِيَّةِ لِلمَثَلِ: العَدْلُ وَالسَّخَاءُ لَا يَتَعَارَضَانِ فِي اللهِ. فَقَدْ كَانَ رَبُّ الكَرْمِ عَادِلًا مَعَ العُمَّالِ الأَوَّلِينَ، إِذْ أَعْطَاهُمْ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ مَعَهُمْ، وَكَانَ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ سَخِيًّا مَعَ الآخِرِينَ، إِذْ أَعْطَاهُمْ مَا يَفُوقُ مَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَقَّعُوهُ بِحَسَبِ عَدَدِ سَاعَاتِ عَمَلِهِمْ. فَمُشْكِلَةُ العُمَّالِ الأَوَّلِينَ لَمْ تَكُنْ أَنَّ حَقَّهُمْ قَدْ نُقِصَ، بَلْ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا قَبُولَ سَخَاءِ رَبِّ الكَرْمِ نَحْوَ الآخَرِينَ.

أَمَّا عِبَارَةُ "العَمَلَةِ"، وَاليُونَانِيَّةُ τῶν ἐργατῶν، فَتُشِيرُ فِي المَعْنَى الحَرْفِيِّ إِلَى العُمَّالِ الَّذِينَ اسْتَأْجَرَهُمْ رَبُّ البَيْتِ لِلْعَمَلِ فِي كَرْمِهِ. وَفِي القِرَاءَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ لِلمَثَلِ، يُمْكِنُ أَنْ يَرْمُزُوا إِلَى الَّذِينَ يَسْمَعُونَ دَعْوَةَ اللهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهَا، سَوَاءٌ جَاءَتْهُمُ الدَّعْوَةُ فِي وَقْتٍ مُبَكِّرٍ أَمْ مُتَأَخِّرٍ.  وَقَدْ رَأَى بَعْضُ التَّفَاسِيرِ الآبَائِيَّةِ فِي العُمَّالِ الأَوَّلِينَ صُورَةً لِلَّذِينَ سَبَقُوا غَيْرَهُمْ فِي تَارِيخِ العَهْدِ وَمَعْرِفَةِ اللهِ، وَفِي المُتَأَخِّرِينَ صُورَةً لِلَّذِينَ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ فِي مَرْحَلَةٍ لَاحِقَةٍ. وَمِنْ هُنَا أَمْكَنَ لِبَعْضِ الآبَاءِ أَنْ يَرَوْا فِي المَثَلِ إِشَارَةً إِلَى إِسْرَائِيلَ وَالأُمَمِ، مِنْ دُونِ حَصْرِ مَعْنَى المَثَلِ فِي هٰذَا التَّفْسِيرِ وَحْدَهُ.

أَمَّا عِبَارَةُ «عَلَى دِينَارٍ فِي اليَوْمِ»، وَفِي اليُونَانِيَّةِ ἐκ δηναρίου τὴν ἡμέραν، فَتُشِيرُ إِلَى الدِّينَارِ الرُّومَانِيِّ δηνάριον، وَهُوَ قِطْعَةٌ نَقْدِيَّةٌ فِضِّيَّةٌ كَانَتْ تُمَثِّلُ، فِي السِّيَاقِ الَّذِي يَفْتَرِضُهُ المَثَلُ، أُجْرَةً مَأْلُوفَةً لِيَوْمِ عَمَلٍ لِعَامِلٍ زِرَاعِيٍّ. وَيَتَّضِحُ مِنْ بَقِيَّةِ المَثَلِ أَنَّ يَوْمَ العَمَلِ يَمْتَدُّ مِنْ نَحْوِ السَّاعَةِ الأُولَى إِلَى السَّاعَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ، أَيْ مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى المَسَاءِ (مَتَّى 20: 3، 5، 6، 8). وَلَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ الدِّينَارِ فِي قِيمَتِهِ المَالِيَّةِ فَقَطْ، بَلْ فِي دَوْرِهِ الرَّمْزِيِّ فِي المَثَلِ؛ فَالجَمِيعُ يَنَالُونَ فِي النِّهَايَةِ الدِّينَارَ نَفْسَهُ، عَلَى الرَّغْمِ مِنِ اخْتِلَافِ سَاعَةِ دَعْوَتِهِمْ وَمُدَّةِ عَمَلِهِمْ. وَهُنَا يَنْتَقِلُ المَثَلُ مِنْ مَنْطِقِ الأُجْرَةِ الحِسَابِيَّةِ إِلَى مَنْطِقِ العَطِيَّةِ وَالسَّخَاءِ. وَقَدْ رَأَى القِدِّيسُ أوغسطينوس فِي الدِّينَارِ رَمْزًا إِلَى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، الَّتِي هِيَ العَطِيَّةُ النِّهَائِيَّةُ المُشْتَرَكَةُ لِلَّذِينَ يَنْتَمُونَ إِلَى المَسِيحِ. فَاخْتِلَافُ زَمَنِ الدَّعْوَةِ لَا يَعْنِي وُجُودَ أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ؛ إِذْ يَقُولُ، فِي تَفْسِيرِهِ لِلمَثَلِ، إِنَّ الدِّينَارَ هُوَ الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ، وَفِي هٰذِهِ العَطِيَّةِ يَشْتَرِكُ الجَمِيعُ (530-540، (PL 38. وَفِي الخَطِّ التَّفْسِيرِيِّ نَفْسِهِ، يَرَى القِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الكَبِيرُ أَنَّ الدِّينَارَ يُمَثِّلُ مُكَافَأَةَ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ؛ فَكَمَا أَنَّ الدِّينَارَ وَاحِدٌ، كَذٰلِكَ الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ هِيَ العَطِيَّةُ الَّتِي يَبْلُغُ إِلَيْهَا المُخْتَارُونَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنِ اخْتِلَافِ أَزْمِنَةِ دَعْوَتِهِمْ (1154-1159، PL 76). وَيُمْكِنُ، فِي هٰذَا الإِطَارِ، فَهْمُ الدِّينَارِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ رَمْزٌ إِلَى عَطِيَّةِ الخَلَاصِ وَالشَّرِكَةِ النِّهَائِيَّةِ مَعَ اللهِ، لَا عَلَى أَنَّهُ أُجْرَةٌ مَادِّيَّةٌ مُتَنَاسِبَةٌ مَعَ كَمِّيَّةِ العَمَلِ. وَهٰذَا يَنْسَجِمُ مَعَ إِرَادَةِ اللهِ الخَلَاصِيَّةِ الشَّامِلَةِ الَّتِي يُعَبِّرُ عَنْهَا بُولُسُ الرَّسُولُ: "يُرِيدُ أَنْ يَخْلُصَ جَمِيعُ النَّاسِ وَيَبْلُغُوا إِلَى مَعْرِفَةِ الحَقِّ" (1 طيموثاوس 2: 4).

أَمَّا عِبَارَةُ "وَأَرْسَلَهُمْ إِلَى كَرْمِهِ"، وَاليُونَانِيَّةُ ἀπέστειλεν αὐτοὺς εἰς τὸν ἀμπελῶνα αὐτοῦ، فَتُبَيِّنُ أَنَّ الدَّعْوَةَ لَا تَنْتَهِي عِنْدَ سَمَاعِ النِّدَاءِ، بَلْ تَقُودُ إِلَى الرِّسَالَةِ وَالعَمَلِ. وَالفِعْلُ ἀποστέλλω، "يُرْسِلُ"، يَحْمِلُ فِي العَهْدِ الجَدِيدِ دَلَالَةً مُهِمَّةً: فَمَنْ يَدْعُوهُ اللهُ يُرْسِلُهُ أَيْضًا لِيَعْمَلَ فِي كَرْمِهِ وَيَحْمِلَ ثَمَرًا. وَهٰكَذَا تَجْمَعُ الآيَةُ بَيْنَ العَدْلِ وَالنِّعْمَةِ وَالرِّسَالَةِ: رَبُّ الكَرْمِ عَادِلٌ، لأَنَّهُ يَفِي بِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ؛ وَسَخِيٌّ، لأَنَّهُ حُرٌّ فِي أَنْ يَجُودَ عَلَى الآخَرِينَ؛ وَدَاعٍ وَمُرْسِلٌ، لأَنَّهُ لَا يَدْعُو الإِنْسَانَ إِلَى المَلَكُوتِ لِيَبْقَى عَاطِلًا، بَلْ لِيَشْتَرِكَ فِي عَمَلِ كَرْمِهِ. فَالدِّينَارُ لَيْسَ ثَمَنًا نَدْفَعُهُ لِنَشْتَرِيَ المَلَكُوتَ، بَلْ صُورَةٌ لِعَطِيَّةِ اللهِ الَّتِي نَسْتَقْبِلُهَا بِالنِّعْمَةِ وَنَسْتَجِيبُ لَهَا بِالأَمَانَةِ وَالعَمَلِ.

 

3 "ثُمَّ خَرَجَ نَحْوَ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَرَأَى عَمَلَةً آخَرِينَ قَائِمِينَ فِي السَّاحَةِ بَطَّالِينَ"

تُشِيرُ عِبَارَةُ "ثُمَّ خَرَجَ"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ καὶ ἐξελθὼν، إِلَى مُبَادَرَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ رَبِّ الكَرْمِ. فَهُوَ لَا يَكْتَفِي بِالعُمَّالِ الَّذِينَ دَعَاهُمْ عِنْدَ الفَجْرِ، بَلْ يَعُودُ فَيَخْرُجُ بِنَفْسِهِ لِلْبَحْثِ عَنْ عُمَّالٍ آخَرِينَ. وَتَكْرَارُ فِعْلِ "خَرَجَ" فِي المَثَلِ (مَتَّى 20: 1، 3، 5، 6) يَكْشِفُ أَنَّ المِحْوَرَ الأَسَاسِيَّ لَيْسَ بَحْثَ الإِنْسَانِ عَنِ اللهِ فَحَسْبُ، بَلْ، قَبْلَ ذٰلِكَ، مُبَادَرَةُ اللهِ الدَّائِمَةُ إِلَى البَحْثِ عَنِ الإِنْسَانِ وَدَعْوَتِهِ إِلَى كَرْمِهِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "نَحْوَ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ περὶ τρίτην ὥραν، فَتُشِيرُ إِلَى نَحْوِ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَبَاحًا بِحَسَبِ تَوْقِيتِنَا المُعَاصِرِ؛ لأَنَّ حِسَابَ سَاعَاتِ النَّهَارِ كَانَ يَبْدَأُ تَقْرِيبًا مِنْ شُرُوقِ الشَّمْسِ، أَيْ نَحْوَ السَّادِسَةِ صَبَاحًا. وَمِنْ ثَمَّ، فَالسَّاعَةُ الثَّالِثَةُ تُقَابِلُ نَحْوَ التَّاسِعَةِ صَبَاحًا، وَالسَّادِسَةُ نَحْوَ الظُّهْرِ، وَالتَّاسِعَةُ نَحْوَ الثَّالِثَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَالحَادِيَةُ عَشْرَةَ نَحْوَ الخَامِسَةِ مَسَاءً. وَيُقَدِّمُ القِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الكَبِيرُ قِرَاءَةً رَمْزِيَّةً لِهٰذِهِ السَّاعَاتِ، فَيَرَى فِي مَرَاحِلِ النَّهَارِ صُورَةً لِمَرَاحِلِ تَارِيخِ الخَلَاصِ. فَبَعْدَ أَنْ جَعَلَ الفَجْرَ رَمْزًا لِلْمَرْحَلَةِ المُمتَدَّةِ مِنْ آدَمَ إِلَى نُوحٍ، يَرَى فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ الفَتْرَةَ المُمتَدَّةَ مِنْ نُوحٍ إِلَى إِبْرَاهِيمَ؛ ثُمَّ تَتَوَالَى السَّاعَاتُ لِتَرْمُزَ إِلَى مَرَاحِلَ أُخْرَى مِنْ تَارِيخِ الخَلَاصِ. وَالمَقْصُودُ مِنْ هٰذِهِ القِرَاءَةِ الآبَائِيَّةِ التَّأْكِيدُ أَنَّ اللهَ لَمْ يَكُفَّ، عَبْرَ التَّارِيخِ، عَنْ دَعْوَةِ البَشَرِ إِلَى كَرْمِهِ (1155-1156، PL 76).

أَمَّا عِبَارَةُ "فَرَأَى عَمَلَةً آخَرِينَ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ εἶδεν ἄλλους، فَتُبْرِزُ فِعْلَ "رَأَى"εἶδεν وَهُوَ تَفْصِيلٌ سَرْدِيٌّ ذُو دَلَالَةٍ: فَرَبُّ الكَرْمِ لَا يَخْرُجُ فَقَطْ، بَلْ يَرَى أَيْضًا مَنْ لَمْ يَجِدْ عَمَلًا. وَفِي القِرَاءَةِ الرُّوحِيَّةِ، تُذَكِّرُ هٰذِهِ الصُّورَةُ بِاللهِ الَّذِي يَرَى الإِنْسَانَ فِي حَالَتِهِ وَحَاجَتِهِ، وَيَتَّخِذُ المُبَادَرَةَ لِدَعْوَتِهِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "قَائِمِينَ فِي السَّاحَةِ"، وَفِي الأَصْلِ ἑστῶτας ἐν τῇ ἀγορᾷ، فَتُشِيرُ إِلَى السُّوقِ أَوِ السَّاحَةِ العَامَّةِ ἀγορά، وَهِيَ المَكَانُ الَّذِي كَانَ يَجْتَمِعُ فِيهِ العُمَّالُ فِي انْتِظَارِ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُمْ. وَالسَّاحَةُ هُنَا لَيْسَتْ رَمْزًا ضَرُورِيًّا فِي المَعْنَى الأَوَّلِ لِلمَثَلِ، بَلْ هِيَ تَفْصِيلٌ يَنْتَمِي إِلَى الوَاقِعِ الاجْتِمَاعِيِّ الَّذِي اسْتَقَى مِنْهُ يَسُوعُ صُورَتَهُ.

وَتَحْمِلُ عِبَارَةُ "بَطَّالِينَ"، وَاليُونَانِيَّةُ ἀργούς، مَعْنَى "بِلَا عَمَلٍ" أَوْ "غَيْرَ مُشْتَغِلِينَ". وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُفْهَمَ هُنَا بِمَعْنَى الكَسَلِ الأَخْلَاقِيِّ؛ فَالنَّصُّ لَا يَقُولُ إِنَّهُمْ رَفَضُوا العَمَلَ، بَلْ سَيَكْشِفُ لَاحِقًا سَبَبَ بَقَائِهِمْ فِي السَّاحَةِ: "لَمْ يَسْتَأْجِرْنَا أَحَدٌ" (مَتَّى 20: 7). فَهُمْ أُنَاسٌ لَمْ تَتَحْ لَهُمْ بَعْدُ فُرْصَةُ العَمَلِ، لَا أُنَاسٌ رَفَضُوا العَمَلَ. وَهُنَا تَظْهَرُ لَمْسَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ عَمِيقَةٌ فِي المَثَلِ: فَرَبُّ الكَرْمِ يَلْتَفِتُ إِلَى الَّذِينَ مَا زَالُوا وَاقِفِينَ عَلَى الهَامِشِ، وَيَفْتَحُ أَمَامَهُمْ بَابَ العَمَلِ. وَفِي المَعْنَى اللَّاهُوتِيِّ، تُصْبِحُ هٰذِهِ الصُّورَةُ إِعْلَانًا أَنَّ دَعْوَةَ اللهِ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الَّذِينَ جَاؤُوا أَوَّلًا، وَلَا تُغْلَقُ أَبْوَابُهَا أَمَامَ مَنْ تَأَخَّرَ. وَيُوَسِّعُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ هٰذَا المَعْنَى، فَيَقْرَأُ اخْتِلَافَ سَاعَاتِ الدَّعْوَةِ عَلَى ضَوْءِ اخْتِلَافِ الأَوْقَاتِ الَّتِي يَسْتَجِيبُ فِيهَا الإِنْسَانُ لِلرَّبِّ؛ فَالبَعْضُ يَسْتَجِيبُ مُبَكِّرًا، وَالبَعْضُ الآخَرُ مُتَأَخِّرًا، غَيْرَ أَنَّ بَابَ الدَّعْوَةِ يَبْقَى مَفْتُوحًا (611-514، PG 58). وَيُمْكِنُ، فِي التَّطْبِيقِ الرُّوحِيِّ، أَنْ تَرْمُزَ سَاعَاتُ النَّهَارِ أَيْضًا إِلَى مَرَاحِلِ حَيَاةِ الإِنْسَانِ: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَسْمَعُ دَعْوَةَ اللهِ فِي طُفُولَتِهِ أَوْ شَبَابِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَجِيبُ فِي نُضْجِهِ أَوْ شَيْخُوخَتِهِ. وَالعِبْرَةُ لَيْسَتْ فِي أَنَّ التَّأَخُّرَ أَفْضَلُ مِنَ البُكُورِ، بَلْ فِي أَنَّ اللهَ يَظَلُّ يَخْرُجُ وَيَدْعُو، وَعَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يَسْتَجِيبَ عِنْدَمَا يَسْمَعُ الدَّعْوَةَ. وَهٰكَذَا تَكْشِفُ الآيَةُ عَنْ ثَلَاثِ حَرَكَاتٍ مُتَرَابِطَةٍ: رَبُّ الكَرْمِ يَخْرُجُ، وَيَرَى، وَسَيَدْعُو. وَهِيَ حَرَكَاتٌ تَكْشِفُ لَاهُوتِيًّا عَنْ إِلٰهٍ يُبَادِرُ إِلَى الإِنْسَانِ، وَيَرَى حَاجَتَهُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَنْ فَتْحِ بَابِ كَرْمِهِ أَمَامَهُ.

 

4 "فَقَالَ لَهُمْ: اِذْهَبُوا أَنْتُمْ أَيْضًا إِلَى كَرْمِي، وَسَأُعْطِيكُمْ مَا كَانَ عَدْلًا"

تُشِيرُ عِبَارَةُ "اِذْهَبُوا أَنْتُمْ أَيْضًا إِلَى كَرْمِي"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ὑπάγετε καὶ ὑμεῖς εἰς τὸν ἀμπελῶνα، إِلَى تَجَدُّدِ دَعْوَةِ رَبِّ الكَرْمِ وَاتِّسَاعِهَا. فَعِبَارَةُ "أَنْتُمْ أَيْضًا" καὶ ὑμεῖς تُبْرِزُ أَنَّ الدَّعْوَةَ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى العُمَّالِ الَّذِينَ جَاؤُوا عِنْدَ الفَجْرِ، بَلْ تَشْمَلُ أَيْضًا الَّذِينَ وَجَدَهُمْ رَبُّ الكَرْمِ لَاحِقًا. وَفِي ذٰلِكَ إِشَارَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ إِلَى اتِّسَاعِ دَعْوَةِ اللهِ وَاسْتِمْرَارِهَا؛ فَالكَرْمُ مَفْتُوحٌ أَمَامَ كُلِّ مَنْ يَسْمَعُ الدَّعْوَةَ وَيَسْتَجِيبُ لَهَا.

وَيَلْفِتُ النَّظَرَ أَنَّ رَبَّ البَيْتِ يَقُولُ هُنَا: "كَرْمِي" τὸν ἀμπελῶνα، فَالكَرْمُ يَبْقَى كَرْمَ الرَّبِّ، وَالعُمَّالُ مَدْعُوُّونَ إِلَى الدُّخُولِ فِيهِ وَالمُشَارَكَةِ فِي عَمَلِهِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَالدَّعْوَةُ إِلَى العَمَلِ فِي الكَرْمِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَكْلِيفٍ، بَلْ هِيَ أَيْضًا نِعْمَةُ اشْتِرَاكٍ فِي عَمَلِ اللهِ وَرِسَالَتِهِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "وَسَأُعْطِيكُمْ مَا كَانَ عَدْلًا"، فَتَرِدُ فِي اليُونَانِيَّةِ: καὶ ὃ ἐὰν ᾖ δίκαιον δώσω ὑμῖν، وَمَعْنَاهَا الحَرْفِيُّ: "وَمَا يَكُنْ عَادِلًا أُعْطِكُمْ". وَتَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ هٰذِهِ العِبَارَةِ فِي أَنَّ رَبَّ الكَرْمِ، عَلَى خِلَافِ مَا فَعَلَ مَعَ العُمَّالِ الأَوَّلِينَ، لَمْ يُحَدِّدْ أُجْرَةً مُعَيَّنَةً لِهٰؤُلَاءِ العُمَّالِ، بَلْ طَلَبَ مِنْهُمُ الذَّهَابَ إِلَى الكَرْمِ وَوَعَدَهُمْ بِمَا هُوَ "عَادِلٌ"   δίκαιον. وَهُنَا يَنْتَقِلُ المَثَلُ مِنْ اتِّفَاقٍ مُحَدَّدٍ مَعَ الفَرِيقِ الأَوَّلِ إِلَى الثِّقَةِ بِصَلَاحِ رَبِّ الكَرْمِ وَعَدْلِهِ عِنْدَ الفَرِيقِ الثَّانِي. فَهٰؤُلَاءِ لَمْ يَطْلُبُوا تَحْدِيدَ الأُجْرَةِ، وَلَمْ يُسَاوِمُوا عَلَيْهَا، بَلْ ذَهَبُوا إِلَى الكَرْمِ وَاثِقِينَ بِكَلِمَةِ صَاحِبِهِ. وَمِنَ الطَّبِيعِيِّ، بِحَسَبِ المَنْطِقِ البَشَرِيِّ، أَنْ يَتَوَقَّعُوا أُجْرَةً تَتَنَاسَبُ مَعَ مُدَّةِ عَمَلِهِمْ؛ غَيْرَ أَنَّ نِهَايَةَ المَثَلِ سَتَكْشِفُ أَنَّ سَخَاءَ رَبِّ الكَرْمِ يَتَجَاوَزُ حِسَابَ السَّاعَاتِ.

أَمَّا لَفْظُ " عَدْلًاδίκαιον "، فَهُوَ مِنَ المُصْطَلَحَاتِ المُهِمَّةِ فِي العَهْدِ الجَدِيدِ، وَيَرْتَبِطُ بِالجَذْرِ اليُونَانِيِّ δίκαιος، أَيْ "عَادِلٌ، بَارٌّ، مُسْتَقِيمٌ". وَفِي المَثَلِ لَا يُحَدِّدُ رَبُّ الكَرْمِ مَا هُوَ "العَادِلُ" بِمِقْيَاسِ العُمَّالِ، بَلْ سَتَكْشِفُ الأَحْدَاثُ أَنَّ عَدْلَهُ يَعْمَلُ فِي وَحْدَةٍ مَعَ صَلَاحِهِ وَسَخَائِهِ. وَهٰذَا هُوَ المِفْتَاحُ الَّذِي سَيُعْلِنُهُ رَبُّ الكَرْمِ فِي نِهَايَةِ المَثَلِ: "أَمْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةٌ لِأَنِّي أَنَا صَالِحٌ؟" (مَتَّى 20: 15). فَالمَثَلُ لَا يَضَعُ العَدْلَ فِي مُوَاجَهَةِ النِّعْمَةِ، وَلَا يَنْتَقِلُ مِنْ إِلٰهٍ عَادِلٍ إِلَى إِلٰهٍ مُتَسَاهِلٍ، بَلْ يَكْشِفُ أَنَّ عَدْلَ اللهِ عَدْلٌ يَسْكُنُ فِي قَلْبِ الصَّلَاحِ، وَأَنَّ صَلَاحَهُ لَا يَنْقُضُ العَدْلَ بَلْ يَتَجَاوَزُ مَنْطِقَ الاسْتِحْقَاقِ المَحْضِ بِسَخَاءِ النِّعْمَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى تَصَرُّفِ رَبِّ الكَرْمِ مُبَيِّنًا أَنَّ المَثَلَ يَهْدِفُ إِلَى إِظْهَارِ سَخَاءِ السَّيِّدِ، وَلَا سِيَّمَا نَحْوَ الَّذِينَ جَاءُوا مُتَأَخِّرِينَ؛ فَمَا يُعْطَى لَهُمْ لَا يَنْقُصُ شَيْئًا مِنْ حَقِّ الَّذِينَ جَاؤُوا أَوَّلًا. وَبِذٰلِكَ تَكُونُ المُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي ظُلْمِ صَاحِبِ الكَرْمِ، بَلْ فِي نَظْرَةِ مَنْ يَرْفُضُ أَنْ يَفْرَحَ بِالخَيْرِ الَّذِي يَنَالُهُ الآخَرُ (611-614، PG 58). وَيَذْهَبُ القِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الكَبِيرُ إِلَى أَنَّ دَعْوَةَ العُمَّالِ فِي سَاعَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ تُظْهِرُ اسْتِمْرَارَ دَعْوَةِ اللهِ عَبْرَ مَرَاحِلِ التَّارِيخِ وَحَيَاةِ الإِنْسَانِ؛ فَاللهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَنْ دَعْوَةِ العُمَّالِ إِلَى كَرْمِهِ، وَالدُّخُولُ إِلَى هٰذَا الكَرْمِ هُوَ فِي ذَاتِهِ نِعْمَةٌ (1154-1159، PL 76).  وَيَنْسَجِمُ هٰذَا المَعْنَى مَعَ الإِعْلَانِ الكِتَابِيِّ عَنْ عَدْلِ اللهِ: "عَدْلُكَ عَدْلٌ إِلَى الأَبَدِ" (مَزْمُور 119: 142)، وَهُوَ الإِلٰهُ الَّذِي "لَا يُحَابِي الوُجُوهَ" (تَثْنِيَةُ الاشْتِرَاع 10: 17؛ 1 بُطْرُس 1: 17)، وَالَّذِي لَا يَظْلِمُ أَحَدًا، إِذْ "لَيْسَ عِنْدَ اللهِ مُحَابَاةٌ" (رُومَة 2: 11). غَيْرَ أَنَّ المَثَلَ يَدْعُونَا إِلَى عَدَمِ اخْتِزَالِ عَدْلِ اللهِ فِي مُعَادَلَةٍ حِسَابِيَّةٍ بَشَرِيَّةٍ؛ فَطُرُقُ اللهِ تَتَجَاوَزُ مَقَايِيسَنَا الضَّيِّقَةَ، كَمَا يَقُولُ الرَّبُّ عَلَى لِسَانِ أَشَعْيَاءَ النَّبِيِّ: "فَإِنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ، وَلَا طُرُقُكُمْ طُرُقِي، يَقُولُ الرَّبُّ" (أَشَعْيَاء 55: 8). فَاللهُ لَا يَظْلِمُ الأَوَّلِينَ حِينَ يَجُودُ عَلَى الآخِرِينَ، بَلْ يَكْشِفُ أَنَّ صَلَاحَهُ أَوْسَعُ مِنْ حِسَابَاتِ الاسْتِحْقَاقِ البَشَرِيِّ. وَلِذٰلِكَ، فَالأَدَقُّ لَاهُوتِيًّا أَلَّا نَقُولَ إِنَّ المَثَلَ يَدْعُو إِلَى "العُبُورِ مِنْ عَدَالَةِ الشَّرِيعَةِ إِلَى عَدَالَةِ النِّعْمَةِ"، كَأَنَّ بَيْنَهُمَا تَعَارُضًا، بَلْ إِلَى اكْتِشَافِ عَدْلِ اللهِ فِي ضَوْءِ نِعْمَتِهِ وَصَلَاحِهِ. فَاللهُ يَفِي بِالحَقِّ، وَلٰكِنَّهُ لَا يَحْصُرُ عَطَاءَهُ فِي حُدُودِ مَا يَظُنُّ الإِنْسَانُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ. وَالعَدْلُ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ إِلٰهِيَّةٌ يَصِيرُ أَيْضًا دَعْوَةً أَخْلَاقِيَّةً لِلإِنْسَانِ: "العَدْلَ، العَدْلَ تَتَّبِعُ" (تَثْنِيَةُ الاشْتِرَاع 16: 20). وَتَتَأَكَّدُ هٰذِهِ المَسْؤُولِيَّةُ خَاصَّةً عِنْدَ أَصْحَابِ السُّلْطَةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ، وَفِي مُعَامَلَةِ الضُّعَفَاءِ وَالعُمَّالِ وَالمُحْتَاجِينَ؛ وَهٰذَا مَا يَنْسَجِمُ مَعَ وَصِيَّةِ بُولُسَ: "أَيُّهَا السَّادَةُ، عَامِلُوا عَبِيدَكُمْ بِالعَدْلِ وَالإِنْصَافِ، عَالِمِينَ أَنَّ لَكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا سَيِّدًا فِي السَّمَاءِ" (قُولُسِّي 4: 1). وَهٰكَذَا تُظْهِرُ الآيَةُ أَنَّ العُمَّالَ الثَّانِينَ دَخَلُوا الكَرْمَ مُعْتَمِدِينَ عَلَى كَلِمَةِ رَبِّ الكَرْمِ وَوَاثِقِينَ بِعَدْلِهِ. وَسَيَكْشِفُ خِتَامُ المَثَلِ أَنَّ مَا وَجَدُوهُ عِنْدَهُ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا فَحَسْبُ، بَلْ عَدْلًا مَقْرُونًا بِصَلَاحٍ وَسَخَاءٍ يَفُوقَانِ تَوَقُّعَاتِهِمْ.

 

5" فَذَهَبُوا. وَخَرَجَ أَيْضًا نَحْوَ الظُّهْرِ، ثُمَّ نَحْوَ الثَّالِثَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَفَعَلَ مِثْلَ ذٰلِكَ"

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَذَهَبُوا" إِلَى اسْتِجَابَةِ العُمَّالِ لِدَعْوَةِ رَبِّ الكَرْمِ الَّتِي وَجَّهَهَا إِلَيْهِمْ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ: "اِذْهَبُوا أَنْتُمْ أَيْضًا إِلَى كَرْمِي، وَسَأُعْطِيكُمْ مَا كَانَ عَدْلًا" (مَتَّى 20: 4). وَهِيَ اسْتِجَابَةٌ لَافِتَةٌ، لِأَنَّهُمْ ذَهَبُوا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ قَدْ حُدِّدَ لَهُمْ مِقْدَارُ الأُجْرَةِ، مُعْتَمِدِينَ عَلَى وَعْدِ رَبِّ الكَرْمِ وَوَاثِقِينَ بِعَدْلِهِ. وَفِي القِرَاءَةِ الرُّوحِيَّةِ، تَصِيرُ هٰذِهِ الاسْتِجَابَةُ صُورَةً لِلإِيمَانِ الَّذِي يَثِقُ بِكَلِمَةِ اللهِ وَيَتَحَرَّكُ بِمُقْتَضَاهَا.

أَمَّا عِبَارَةُ "وَخَرَجَ أَيْضًا"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ πάλιν δὲ ἐξελθών، فَتُؤَكِّدُ مَرَّةً أُخْرَى مُبَادَرَةَ رَبِّ الكَرْمِ. وَاللَّفْظُ πάλιν يَعْنِي "أَيْضًا" أَوْ "مَرَّةً أُخْرَى"، وَهُوَ يُبْرِزُ إِصْرَارَ صَاحِبِ الكَرْمِ عَلَى الخُرُوجِ وَالبَحْثِ عَنْ عُمَّالٍ جُدُدٍ. وَفِي البُعْدِ اللَّاهُوتِيِّ، تُصَوِّرُ هٰذِهِ الحَرَكَةُ اللهَ الَّذِي لَا يَكُفُّ عَنِ البَحْثِ عَنِ الإِنْسَانِ وَدَعْوَتِهِ إِلَى شَرِكَةِ مَلَكُوتِهِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "نَحْوَ الظُّهْرِ"، فَيَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ περὶ ἕκτην، أَيْ حَرْفِيًّا: "نَحْوَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ".  وَالسَّاعَةُ السَّادِسَةُ بِحَسَبِ حِسَابِ سَاعَاتِ النَّهَارِ فِي العَالَمِ اليَهُودِيِّ القَدِيمِ تُوَافِقُ تَقْرِيبًا السَّاعَةَ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ظُهْرًا بِحَسَبِ تَوْقِيتِنَا المُعَاصِرِ؛ إِذْ كَانَ النَّهَارُ يُحْسَبُ تَقْرِيبًا مِنْ شُرُوقِ الشَّمْسِ إِلَى غُرُوبِهَا. وَيَرَى القِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الكَبِيرُ، فِي قِرَاءَتِهِ الرَّمْزِيَّةِ لِسَاعَاتِ المَثَلِ، أَنَّ السَّاعَةَ السَّادِسَةَ تَرْمُزُ إِلَى الفَتْرَةِ المُمتَدَّةِ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِلَى مُوسَى. فَاللهُ، فِي هٰذِهِ المَرْحَلَةِ مِنْ تَارِيخِ الخَلَاصِ، وَاصَلَ دَعْوَةَ شَعْبِهِ وَإِرْسَالَ مَنْ يَعْمَلُونَ فِي كَرْمِهِ (1155-1156، PL 76).

أَمَّا عِبَارَةُ "ثُمَّ نَحْوَ الثَّالِثَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ"، فَيَقَابِلُهَا فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ καὶ ἐνάτην، أَيْ: "وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ".  وَالسَّاعَةُ التَّاسِعَةُ بِحَسَبِ الحِسَابِ القَدِيمِ تُوَافِقُ نَحْوَ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ بِحَسَبِ تَوْقِيتِنَا المُعَاصِرِ.  وَهٰكَذَا يَكُونُ رَبُّ الكَرْمِ قَدْ خَرَجَ عِنْدَ الفَجْرِ، وَنَحْوَ التَّاسِعَةِ صَبَاحًا، وَنَحْوَ الظُّهْرِ، وَنَحْوَ الثَّالِثَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَسَيَخْرُجُ مَرَّةً أُخْرَى نَحْوَ الخَامِسَةِ مَسَاءً (مَتَّى 20: 6). وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الكَبِيرُ السَّاعَةَ التَّاسِعَةَ رَمْزِيًّا بِأَنَّهَا الفَتْرَةُ المُمتَدَّةُ مِنْ مُوسَى إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ؛ وَبِذٰلِكَ يَقْرَأُ النَّهَارَ كُلَّهُ عَلَى أَنَّهُ صُورَةٌ لِتَارِيخِ الخَلَاصِ الَّذِي لَمْ يَتَوَقَّفِ اللهُ فِيهِ عَنْ دَعْوَةِ البَشَرِ إِلَى كَرْمِهِ (1155-1156، PL 76).

أَمَّا عِبَارَةُ "فَفَعَلَ مِثْلَ ذٰلِكَ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ ἐποίησεν ὡσαύτως، فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ رَبَّ الكَرْمِ كَرَّرَ مَعَ عُمَّالِ السَّاعَتَيْنِ السَّادِسَةِ وَالتَّاسِعَةِ مَا فَعَلَهُ مَعَ عُمَّالِ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ: دَعَاهُمْ إِلَى كَرْمِهِ وَوَعَدَهُمْ بِمَا هُوَ عَادِلٌ. وَلا يَذْكُرُ النَّصُّ أَيَّ مُفَاوَضَةٍ عَلَى الأُجْرَةِ، بَلْ يُرَكِّزُ عَلَى مُبَادَرَةِ صَاحِبِ الكَرْمِ وَاسْتِجَابَةِ العُمَّالِ. وَيَكْشِفُ تَكْرَارُ خُرُوجِ رَبِّ الكَرْمِ أَنَّ الدَّعْوَةَ هِيَ، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، مُبَادَرَةُ نِعْمَةٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى اخْتِلَافِ أَوْقَاتِ الدَّعْوَةِ مُبَيِّنًا أَنَّ اللهَ يَدْعُو الإِنْسَانَ فِي الوَقْتِ الَّذِي يَعْلَمُ فِيهِ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الاسْتِجَابَةِ؛ وَبِذٰلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ تَأَخُّرُ بَعْضِ العُمَّالِ عَلَى أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللهَ أَهْمَلَهُمْ، بَلْ إِنَّ المَثَلَ يُبْرِزُ اسْتِمْرَارَ دَعْوَتِهِ لَهُمْ (611-614، PG 58). وَيُمْكِنُ أَنْ نَرَى صَدًى لِهٰذِهِ المُبَادَرَةِ الإِلٰهِيَّةِ فِي خِبْرَةِ بُولُسَ الرَّسُولِ الَّذِي نَسَبَ دَعْوَتَهُ إِلَى نِعْمَةِ اللهِ قَائِلًا: "وَلٰكِنْ لَمَّا حَسُنَ لَدَى اللهِ الَّذِي أَفْرَدَنِي، مُذْ كُنْتُ فِي بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ" (غَلَاطِيَة 1: 15). وَمِنْ هُنَا، فَلِكُلِّ مُؤْمِنٍ دَعْوَةٌ إِلَى العَمَلِ فِي كَرْمِ الرَّبِّ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ صُوَرُ هٰذِهِ الدَّعْوَةِ وَأَوْقَاتُهَا وَخِدْمَاتُهَا. وَالعَمَلُ فِي الكَرْمِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الخِدْمَاتِ الكَنَسِيَّةِ الرَّسْمِيَّةِ، بَلْ يَشْمَلُ الحَيَاةَ المَسِيحِيَّةَ بِكُلِّيَّتِهَا: فِي الأُسْرَةِ، وَالكَنِيسَةِ، وَالعَمَلِ، وَالمُجْتَمَعِ، وَخِدْمَةِ القَرِيبِ، وَالشَّهَادَةِ لِلإِنْجِيلِ. وَهٰكَذَا تَضَعُنَا الآيَةُ أَمَامَ سُؤَالٍ رُوحِيٍّ شَخْصِيٍّ: مَا الدَّعْوَةُ الَّتِي وَجَّهَهَا اللهُ إِلَيَّ؟ هَلْ تَمَيَّزْتُهَا؟ وَكَيْفَ أَسْتَجِيبُ لَهَا اليَوْمَ؟ فَاللهُ لَا يَكُفُّ عَنِ الخُرُوجِ وَالدَّعْوَةِ، وَلٰكِنَّ الدَّعْوَةَ تَنْتَظِرُ مِنَ الإِنْسَانِ حُرِّيَّةَ الاسْتِجَابَةِ وَأَمَانَةَ العَمَلِ.

 

6 "وَخَرَجَ نَحْوَ الخَامِسَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَلَقِيَ أُنَاسًا آخَرِينَ قَائِمِينَ هُنَاكَ، فَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا قُمْتُمْ هٰهُنَا طَوَالَ النَّهَارِ بَطَّالِينَ؟»

تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَخَرَجَ نَحْوَ الخَامِسَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ" إِلَى مَا يَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: περὶ δὲ τὴν ἑνδεκάτην ἐξελθών، أَيْ حَرْفِيًّا: "وَخَرَجَ نَحْوَ السَّاعَةِ الحَادِيَةِ عَشْرَةَ"؟ وَهِيَ تُوَافِقُ تَقْرِيبًا السَّاعَةَ الخَامِسَةَ بَعْدَ الظُّهْرِ بِحَسَبِ تَوْقِيتِنَا المُعَاصِرِ، أَيْ قُبَيْلَ نِهَايَةِ يَوْمِ العَمَلِ بِسَاعَةٍ تَقْرِيبًا، إِذْ كَانَ النَّهَارُ يُحْسَبُ مِنْ شُرُوقِ الشَّمْسِ إِلَى غُرُوبِهَا. وَتَحْمِلُ "السَّاعَةُ الحَادِيَةُ عَشْرَةَ" (τὴν ἑνδεκάτην) أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً فِي بِنْيَةِ المَثَلِ؛ فَرَبُّ الكَرْمِ لَا يَعُدُّ السَّاعَةَ الأَخِيرَةَ مُتَأَخِّرَةً جِدًّا لِلدَّعْوَةِ. وَهُنَا تَظْهَرُ مُبَادَرَتُهُ بِصُورَةٍ أَشَدَّ وُضُوحًا: فَهُوَ يَخْرُجُ مَرَّةً أُخْرَى حَتَّى عِنْدَمَا لَا يَبْقَى مِنَ النَّهَارِ إِلَّا القَلِيلُ. وَهٰذَا يُمَهِّدُ لِذُرْوَةِ المَثَلِ، حِينَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ جُودَ رَبِّ الكَرْمِ لَا يُقَاسُ بِحِسَابِ السَّاعَاتِ فَقَطْ، بَلْ يَنْبَعُ مِنْ صَلَاحِهِ وَحُرِّيَّةِ عَطَائِهِ (مَتَّى 20: 14–15). وَيَقْرَأُ القِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الكَبِيرُ سَاعَاتِ المَثَلِ عَلَى ضَوْءِ تَارِيخِ الخَلَاصِ، فَيَرَى فِي السَّاعَةِ الحَادِيَةِ عَشْرَةَ الفَتْرَةَ المُمتَدَّةَ مِنْ مَجِيءِ الرَّبِّ إِلَى نِهَايَةِ العَالَمِ. وَبِهٰذَا المَعْنَى، يَسْتَمِرُّ اللهُ، بَعْدَ مَجِيءِ المَسِيحِ، فِي دَعْوَةِ البَشَرِ إِلَى كَرْمِهِ حَتَّى اكْتِمَالِ التَّارِيخِ (1155، PL76).  وَيُقَدِّمُ غِرِيغُورِيُوسُ الكَبِيرُ أَيْضًا قِرَاءَةً رُوحِيَّةً أُخْرَى، فَيَرَى فِي سَاعَاتِ النَّهَارِ مَرَاحِلَ عُمْرِ الإِنْسَانِ: فَالصَّبَاحُ يُشِيرُ إِلَى الطُّفُولَةِ، وَالسَّاعَةُ الثَّالِثَةُ إِلَى سِنِّ النُّشُوءِ، وَالسَّادِسَةُ إِلَى الشَّبَابِ، وَالتَّاسِعَةُ إِلَى سِنِّ النُّضْجِ، وَأَمَّا الحَادِيَةُ عَشْرَةَ فَتُشِيرُ إِلَى الشَّيْخُوخَةِ وَاقْتِرَابِ نِهَايَةِ الحَيَاةِ. وَالمَعْنَى الرُّوحِيُّ أَنَّ اللهَ لَا يَكُفُّ عَنْ دَعْوَةِ الإِنْسَانِ، حَتَّى إِذَا جَاءَتِ الاسْتِجَابَةُ فِي سَاعَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنْ عُمْرِهِ (1155-1157، PL 76). وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يَسْتَحْضِرُ التَّقْلِيدُ المَسِيحِيُّ اللِّصَّ التَّائِبَ عَلَى الصَّلِيبِ (لُوقَا 23: 39–43) مِثَالًا لِمَنْ لَبَّى دَعْوَةَ النِّعْمَةِ فِي السَّاعَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاتِهِ. وَيُشَدِّدُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ، فِي شَرْحِهِ لِهٰذَا المَثَلِ، عَلَى أَنَّ اخْتِلَافَ سَاعَاتِ الدَّعْوَةِ لَا يَعْنِي نَقْصًا فِي عِنَايَةِ اللهِ، بَلْ يَكْشِفُ عَنْ مُبَادَرَتِهِ المُسْتَمِرَّةِ وَعَنْ اخْتِلَافِ أَوْقَاتِ اسْتِجَابَةِ البَشَرِ (PG 58, 612-613).  وَهٰكَذَا يَظَلُّ "كَرْمُ الرَّبِّ" مَفْتُوحًا، وَتَظَلُّ دَعْوَةُ اللهِ قَائِمَةً مَا دَامَ لِلإِنْسَانِ وَقْتٌ لِلِاسْتِجَابَةِ. وَهٰذَا مَا يُضِيئُهُ قَوْلُ الرَّسُولِ: "شَجِّعُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كُلَّ يَوْمٍ، مَا دَامَ هُنَاكَ مَا يُدْعَى "اليَوْمَ"، لِئَلَّا يَتَقَسَّى أَحَدٌ مِنْكُمْ بِخِدَاعِ الخَطِيئَةِ" (عِبْرَانِيِّينَ 3: 13). وَمِنْ هُنَا، فَلَا يَنْبَغِي لِلإِنْسَانِ أَنْ يَيْأَسَ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى اللهِ بِحُجَّةِ أَنَّ الوَقْتَ قَدْ تَأَخَّرَ؛ فَالمَثَلُ يَكْشِفُ إِلٰهًا يَخْرُجُ حَتَّى فِي السَّاعَةِ الحَادِيَةِ عَشْرَةَ.

أَمَّا عِبَارَةُ "فَلَقِيَ أُنَاسًا آخَرِينَ قَائِمِينَ هُنَاكَ"، فَتَرِدُ فِي اليُونَانِيَّةِ: εὗρεν ἄλλους ἑστῶτας، أَيْ: "وَجَدَ آخَرِينَ وَاقِفِينَ". وَيُؤَكِّدُ الفِعْلُ εὗρεν، "وَجَدَ"، أَنَّ رَبَّ الكَرْمِ هُوَ الَّذِي خَرَجَ وَبَحَثَ وَوَجَدَ؛ أَيْ إِنَّ المُبَادَرَةَ تَبْقَى مُبَادَرَتَهُ. وَهٰذِهِ سِمَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ مُهِمَّةٌ فِي المَثَلِ: قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ العُمَّالُ إِلَى الكَرْمِ، خَرَجَ رَبُّ الكَرْمِ لِيَبْحَثَ عَنْهُمْ. وَلَا يَنْبَغِي الجَزْمُ بِأَنَّ هٰؤُلَاءِ العُمَّالَ يُمَثِّلُونَ الوَثَنِيِّينَ وَحْدَهُمْ؛ فَهٰذَا تَفْسِيرٌ رَمْزِيٌّ مُمْكِنٌ فِي ضَوْءِ انْفِتَاحِ الخَلَاصِ عَلَى الأُمَمِ، لٰكِنَّهُ لَيْسَ المَعْنَى الوَحِيدَ الَّذِي يَفْرِضُهُ النَّصُّ. وَالأَدَقُّ أَنْ نَقُولَ إِنَّهُمْ يُمَثِّلُونَ، فِي الإِطَارِ الأَوْسَعِ لِلمَثَلِ، كُلَّ مَنْ تَصِلُ إِلَيْهِ دَعْوَةُ اللهِ مُتَأَخِّرَةً، سَوَاءٌ فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ أَمْ فِي مَسِيرَةِ حَيَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ.

أَمَّا سُؤَالُ رَبِّ الكَرْمِ: "لِمَاذَا قُمْتُمْ هٰهُنَا طَوَالَ النَّهَارِ بَطَّالِينَ؟"، فَيَرِدُ فِي اليُونَانِيَّةِ: Τί ὧδε ἑστήκατε ὅλην τὴν ἡμέραν ἀργοί;. وَاللَّفْظُ ἀργοί يَعْنِي "عَاطِلِينَ عَنِ العَمَلِ" أَوْ "بِلَا عَمَلٍ". وَلَا يَحْمِلُ السُّؤَالُ بِالضَّرُورَةِ اتِّهَامًا لَهُمْ بِالكَسَلِ، بَلْ يَكْشِفُ عَنْ اهْتِمَامِ رَبِّ الكَرْمِ بِوَضْعِهِمْ، وَهُوَ مَا يُوَضِّحُهُ جَوَابُهُمُ المُبَاشِرُ: "لَمْ يَسْتَأْجِرْنَا أَحَدٌ".

 

7 "قَالُوا لَهُ: «لَمْ يَسْتَأْجِرْنَا أَحَدٌ». قَالَ لَهُمْ: «اِذْهَبُوا أَنْتُمْ أَيْضًا إِلَى كَرْمِي»"

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "لَمْ يَسْتَأْجِرْنَا أَحَدٌ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ ὅτι οὐδεὶς ἡμᾶς ἐμισθώσατο، إِلَى أَنَّ بَقَاءَهُمْ بِلَا عَمَلٍ لَمْ يَكُنْ، بِحَسَبِ سَرْدِ المَثَلِ، نَاتِجًا عَنْ رَفْضِهِمُ العَمَلَ، بَلْ عَنْ عَدَمِ اسْتِئْجَارِ أَحَدٍ لَهُمْ. وَهُنَا تَظْهَرُ مُجَدَّدًا رَحْمَةُ رَبِّ الكَرْمِ: فَهُوَ لَا يَسْأَلُهُمْ عَمَّا فَاتَ، وَلَا يُوَبِّخُهُمْ عَلَى السَّاعَاتِ الَّتِي ضَاعَتْ، بَلْ يَفْتَحُ لَهُمْ فُرْصَةً جَدِيدَةً فِي مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ.

وَتَبْلُغُ المُبَادَرَةُ ذُرْوَتَهَا فِي قَوْلِهِ: "اِذْهَبُوا أَنْتُمْ أَيْضًا إِلَى كَرْمِي"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ: Ὑπάγετε καὶ ὑμεῖς εἰς τὸν ἀμπελῶνα.  وَتَكْتَسِبُ عِبَارَةُ "أَنْتُمْ أَيْضًا" (καὶ ὑμεῖς) أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً؛ إِذْ تُعْلِنُ أَنَّ هٰؤُلَاءِ المُتَأَخِّرِينَ لَيْسُوا مُسْتَثْنَيْنَ مِنَ الدَّعْوَةِ. فَلَا يَقُولُ لَهُمْ رَبُّ الكَرْمِ: "لَقَدْ فَاتَ الأَوَانُ"، بَلْ: "اِذْهَبُوا أَنْتُمْ أَيْضًا". وَمِنَ اللَّافِتِ أَنَّ رَبَّ الكَرْمِ لَا يَذْكُرُ لِعُمَّالِ السَّاعَةِ الحَادِيَةِ عَشْرَةَ أَيَّ أُجْرَةٍ؛ فَالنَّصُّ لَا يَقُولُ حَتَّى مَا قَالَهُ لِعُمَّالِ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ: "سَأُعْطِيكُمْ مَا كَانَ عَدْلًا" (مَتَّى 20: 4). إِنَّهُمْ يَذْهَبُونَ إِلَى الكَرْمِ مُعْتَمِدِينَ كُلِّيًّا عَلَى صَلَاحِ رَبِّ الكَرْمِ. وَهٰذَا التَّفْصِيلُ يُمَهِّدُ لِمُفَاجَأَةِ الآيَةِ التَّاسِعَةِ، حِينَ يَنَالُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِينَارًا. وَهُنَا يَتَضِحُ أَنَّ تَكْرَارَ خُرُوجِ رَبِّ الكَرْمِ خَمْسَ مَرَّاتٍ لَا يَنْبَعُ فَقَطْ مِنْ حَاجَةِ الكَرْمِ إِلَى العُمَّالِ، بَلْ يَكْشِفُ، فِي مَنْطِقِ المَثَلِ، عَنْ اهْتِمَامِهِ بِالعُمَّالِ أَنْفُسِهِمْ. فَهُوَ لَا يُرِيدُهُمْ أَنْ يَبْقَوْا "بَطَّالِينَ" خَارِجَ الكَرْمِ، بَلْ يُدْخِلُهُمْ فِي العَمَلِ وَالشَّرِكَةِ، حَتَّى وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنَ النَّهَارِ إِلَّا سَاعَةٌ وَاحِدَةٌ. وَمِنْ هُنَا تَتَحَوَّلُ السَّاعَةُ الحَادِيَةُ عَشْرَةَ إِلَى رِسَالَةِ رَجَاءٍ: لَا يَكُونُ الوَقْتُ مُتَأَخِّرًا عَلَى الاسْتِجَابَةِ لِدَعْوَةِ اللهِ مَا دَامَ بَابُ التَّوْبَةِ وَالإِيمَانِ مَفْتُوحًا. وَلٰكِنَّ هٰذَا الرَّجَاءَ لَا يَدْعُو إِلَى تَأْجِيلِ الاسْتِجَابَةِ؛ فَالكِتَابُ يَقُولُ: "اليَوْمَ، إِذَا سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ، فَلَا تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ" (عِبْرَانِيِّينَ 3: 7–8). وَبِالتَّالِي، فَالسُّؤَالُ الرُّوحِيُّ الَّذِي تَطْرَحُهُ الآيَتَانِ لَيْسَ فَقَطْ: فِي أَيِّ سَاعَةٍ دَعَانِي اللهُ؟ بَلْ أَيْضًا: هَلْ أَسْتَجِيبُ الآنَ لِدَعْوَتِهِ؟ فَرَبُّ الكَرْمِ يَخْرُجُ وَيَبْحَثُ وَيَدْعُو حَتَّى السَّاعَةِ الأَخِيرَةِ، وَمِنْ جَانِبِ الإِنْسَانِ تَبْقَى الاسْتِجَابَةُ: "اِذْهَبُوا أَنْتُمْ أَيْضًا إِلَى كَرْمِي".

 

8 "وَلَمَّا جَاءَ المَسَاءُ، قَالَ صَاحِبُ الكَرْمِ لِوَكِيلِهِ: أُدْعُ العَمَلَةَ وَادْفَعْ لَهُمُ الأُجْرَةَ، مُبْتَدِئًا بِالآخِرِينَ مُنْتَهِيًا بِالأَوَّلِينَ"

تشير عِبَارَةُ "وَلَمَّا جَاءَ المَسَاءُ"، فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ  ὀψίας δὲ γενομένης، الى "وَلَمَّا حَلَّ المَسَاءُ". وَاللَّفْظُ ὀψία يَدُلُّ عَلَى المَسَاءِ أَوْ وَقْتِ الغُرُوبِ، وَهُوَ الوَقْتُ الَّذِي يَنْتَهِي فِيهِ يَوْمُ العَمَلِ وَيَحِينُ فِيهِ دَفْعُ أُجْرَةِ العَامِلِ اليَوْمِيِّ. وَيَنْسَجِمُ هٰذَا التَّفْصِيلُ مَعَ شَرِيعَةِ مُوسَى الَّتِي أَوْجَبَتْ دَفْعَ أُجْرَةِ الأَجِيرِ مِنْ دُونِ تَأْخِيرٍ: "لَا تُبَيِّتْ أُجْرَةَ الأَجِيرِ عِنْدَكَ إِلَى الغَدِ" (أَحْبَار 19: 13). وَيَشْرَحُ سِفْرُ تَثْنِيَةِ الاشْتِرَاعِ البُعْدَ الاجْتِمَاعِيَّ وَالإِنْسَانِيَّ لِهٰذِهِ الوَصِيَّةِ: "اِدْفَعْ إِلَيْهِ أُجْرَتَهُ فِي يَوْمِهِ، وَلَا تَغِبْ عَلَيْهَا الشَّمْسُ، لِأَنَّهُ مِسْكِينٌ وَإِلَيْهَا يَطْمَحُ" (تَثْنِيَةُ الاشْتِرَاع 24: 15). فَالأَجِيرُ اليَوْمِيُّ كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَى أُجْرَتِهِ لِتَأْمِينِ حَاجَاتِهِ وَحَاجَاتِ أُسْرَتِهِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ تَأْخِيرُ الأُجْرَةِ شَكْلًا مِنْ أَشْكَالِ الظُّلْمِ. وَعَلَى المُسْتَوَى الرَّمْزِيِّ، قَرَأَ التَّقْلِيدُ الآبَائِيُّ المَسَاءَ عَلَى أَنَّهُ صُورَةٌ لِنِهَايَةِ زَمَنِ العَمَلِ وَحُلُولِ سَاعَةِ الحِسَابِ. وَيَرَى القِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الكَبِيرُ أَنَّ المَسَاءَ يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ فِي ضَوْءِ نِهَايَةِ التَّارِيخِ وَمَجِيءِ زَمَنِ المُجَازَاةِ، بَعْدَ أَنْ قَرَأَ سَاعَاتِ النَّهَارِ عَلَى أَنَّهَا مَرَاحِلُ تَارِيخِ الخَلَاصِ وَمَرَاحِلُ حَيَاةِ الإِنْسَانِ (1154-1159، PL 76). وَيُمْكِنُ، فِي القِرَاءَةِ الرُّوحِيَّةِ، أَنْ يُفْهَمَ المَسَاءُ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ نِهَايَةُ الحَيَاةِ الشَّخْصِيَّةِ، حِينَ يَنْتَهِي زَمَنُ العَمَلِ وَيَقِفُ الإِنْسَانُ أَمَامَ اللهِ. غَيْرَ أَنَّ هٰذَا المَعْنَى يَبْقَى قِرَاءَةً رُوحِيَّةً لَاهُوتِيَّةً، وَلَيْسَ وَصْفًا حَرْفِيًّا لِكُلِّ تَفْصِيلٍ فِي المَثَلِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "قَالَ صَاحِبُ الكَرْمِ"، فَيَرِدُ فِي اليُونَانِيَّةِ λέγει ὁ κύριος τοῦ ἀμπελῶνος، أَيْ: "قَالَ رَبُّ الكَرْمِ". وَاللَّفْظُ κύριος يَعْنِي "السَّيِّد" أَوْ "الرَّبّ"، وَيُذَكِّرُ بِأَنَّ صَاحِبَ الكَرْمِ هُوَ صَاحِبُ السُّلْطَةِ فِي الدَّعْوَةِ وَفِي تَدْبِيرِ الكَرْمِ وَفِي دَفْعِ الأُجْرَةِ. وَفِي البُعْدِ اللَّاهُوتِيِّ لِلمَثَلِ، يَرْمُزُ رَبُّ الكَرْمِ إِلَى اللهِ الَّذِي يَدْعُو الإِنْسَانَ بِنِعْمَتِهِ وَيُعَامِلُهُ بِعَدْلِهِ وَجُودِهِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "لِوَكِيلِهِ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِτῷ ἐπιτρόπῳ αὐτοῦ وَاللَّفْظُ ἐπίτροπος يَعْنِي "الوَكِيل" أَوْ "المُشْرِف" أَوْ "مَنْ أُسْنِدَ إِلَيْهِ تَدْبِيرُ شُؤُونِ البَيْتِ أَوِ المُمْتَلَكَاتِ". وَمِنْ مَهَامِّهِ، فِي السِّيَاقِ الاجْتِمَاعِيِّ لِلمَثَلِ، الإِشْرَافُ عَلَى العُمَّالِ وَدَفْعُ أُجُورِهِمْ بِأَمْرِ صَاحِبِ الكَرْمِ. وَيُمْكِنُ فِي القِرَاءَةِ الرَّمْزِيَّةِ أَنْ يُرَى فِي الوَكِيلِ إِشَارَةٌ إِلَى المَسِيحِ الَّذِي بِهِ يَتَحَقَّقُ تَدْبِيرُ الخَلَاصِ وَالدَّيْنُونَةِ، وَلٰكِنْ يَنْبَغِي أَلَّا نَجْعَلَ هٰذَا التَّطْبِيقَ ضَرُورِيًّا لِفَهْمِ المَثَلِ؛ إِذْ إِنَّ الوَكِيلَ، عَلَى المُسْتَوَى السَّرْدِيِّ، يَقُومُ أَوَّلًا بِالدَّوْرِ الطَّبِيعِيِّ لِوَكِيلِ صَاحِبِ الأَرْضِ. وَمِحْوَرُ المَثَلِ لَيْسَ هُوِيَّةَ الوَكِيلِ، بَلْ إِرَادَةُ رَبِّ الكَرْمِ وَطَرِيقَةُ مُعَامَلَتِهِ لِلْعُمَّالِ.

أَمَّا الأَمْرُ "أُدْعُ العَمَلَةَ"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ κάλεσον τοὺς ἐργάτας وَالفِعْلُ καλέω يَعْنِي "يَدْعُو" أَوْ "يُنَادِي". وَمِنَ اللَّافِتِ أَنَّ المَثَلَ الَّذِي بَدَأَ بِدَعْوَةِ العُمَّالِ إِلَى الكَرْمِ يَنْتَهِي بِدَعْوَتِهِمْ لِتَلَقِّي الأُجْرَةِ: فَهُنَاكَ دَعْوَةٌ إِلَى العَمَلِ فِي بَدَايَةِ النَّهَارِ، وَهُنَاكَ دَعْوَةٌ إِلَى الحِسَابِ وَالأُجْرَةِ عِنْدَ المَسَاءِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "وَادْفَعْ لَهُمُ الأُجْرَةَ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ ἀπόδος αὐτοῖς τὸν μισθόν وَالفِعْلُ ἀποδίδωμι يَعْنِي "يُؤَدِّي"، "يَرُدُّ"، "يَدْفَعُ مَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ"، أَمَّا μισθός فَيَعْنِي "الأُجْرَة" أَوْ "المُكَافَأَة". وَهُنَا يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ الصُّورَةِ القَصَصِيَّةِ وَمَعْنَاهَا اللَّاهُوتِيِّ. فَالمَثَلُ يَسْتَعْمِلُ لُغَةَ العَمَلِ وَالأُجْرَةِ، وَلٰكِنَّهُ لَا يُحَوِّلُ الخَلَاصَ إِلَى أُجْرَةٍ تِجَارِيَّةٍ يَسْتَحِقُّهَا الإِنْسَانُ بِمِقْدَارِ سَاعَاتِ عَمَلِهِ.وَهٰذَا هُوَ بِالتَّحْدِيدِ مَا سَتَكْشِفُهُ نِهَايَةُ المَثَلِ: فَالأَوَّلُونَ نَالُوا مَا اتُّفِقَ عَلَيْهِ بِالعَدْلِ، وَالآخِرُونَ نَالُوا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَقَّعُوهُ بِحِسَابِ السَّاعَاتِ، وَذٰلِكَ مِنْ جُودِ صَاحِبِ الكَرْمِ. وَقَدْ رَأَى القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ فِي "الدِّينَارِ" الَّذِي يَنَالُهُ العُمَّالُ صُورَةً لِلحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، حَيْثُ لَا يَكُونُ الاخْتِلَافُ فِي زَمَنِ الدَّعْوَةِ سَبَبًا لِحِرْمَانِ مَنْ جَاءَ مُتَأَخِّرًا مِنْ عَطِيَّةِ الحَيَاةِ: فَالأُجْرَةُ الوَاحِدَةُ تَصِيرُ، فِي قِرَاءَتِهِ، صُورَةً لِلعَطِيَّةِ الأَخِيرَةِ الَّتِي يَهَبُهَا اللهُ لِخَاصَّتِهِ (PL 38, 530-535).

أَمَّا عِبَارَةُ "مُبْتَدِئًا بِالآخِرِينَ مُنْتَهِيًا بِالأَوَّلِينَ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ: ἀρξάμενος ἀπὸ τῶν ἐσχάτων ἕως τῶν πρώτων، أَيْ: "مُبْتَدِئًا مِنَ الآخِرِينَ حَتَّى الأَوَّلِينَ". وَاللَّفْظَانِ ἔσχατοι، "الآخِرُون"، وَπρῶτοι، "الأَوَّلُون"، يُشَكِّلَانِ مِفْتَاحًا أَدَبِيًّا وَلَاهُوتِيًّا لِفَهْمِ المَثَلِ. فَقَدْ سَبَقَ يَسُوعُ المَثَلَ بِقَوْلِهِ: "وَكَثِيرٌ مِنَ الأَوَّلِينَ يَصِيرُونَ آخِرِينَ، وَمِنَ الآخِرِينَ أَوَّلِينَ" (مَتَّى 19: 30)، وَسَيَخْتِمُهُ بِالقَوْلِ: "هٰكَذَا يَصِيرُ الآخِرُونَ أَوَّلِينَ وَالأَوَّلُونَ آخِرِينَ" (مَتَّى 20: 16). وَمِنْ ثَمَّ يَعْمَلُ المَثَلُ كَشَرْحٍ سَرْدِيٍّ لِهٰذِهِ المُفَارَقَةِ الإِنْجِيلِيَّةِ. وَتَبْدَأُ المُفَاجَأَةُ بِأَنَّ رَبَّ الكَرْمِ لَمْ يَأْمُرْ بِالدَّفْعِ وَفْقَ التَّرْتِيبِ المُتَوَقَّعِ، بَلْ قَلَبَ التَّرْتِيبَ: الآخِرُونَ أَوَّلًا، وَالأَوَّلُونَ أَخِيرًا. وَلَيْسَ هٰذَا التَّرْتِيبُ تَفْصِيلًا ثَانَوِيًّا؛ فَلَوْ قَبَضَ عُمَّالُ الفَجْرِ أُجْرَتَهُمْ أَوَّلًا وَانْصَرَفُوا، لَمَا شَهِدُوا مَا أَعْطَاهُ صَاحِبُ الكَرْمِ لِعُمَّالِ السَّاعَةِ الحَادِيَةِ عَشْرَةَ. إِنَّ التَّرْتِيبَ العَكْسِيَّ يَجْعَلُهُمْ شُهُودًا عَلَى جُودِ صَاحِبِ الكَرْمِ، وَهُوَ مَا سَيَكْشِفُ فِي الآيَاتِ التَّالِيَةِ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ تَذَمُّرٍ وَمُقَارَنَةٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذِهِ المُفَارَقَةِ مُبَيِّنًا أَنَّ غَرَضَ المَثَلِ لَيْسَ إِقَامَةَ حِسَابٍ رِيَاضِيٍّ بَيْنَ سَاعَاتِ العَمَلِ وَالأُجْرَةِ، بَلْ إِظْهَارَ عَظَمَةِ عَطَاءِ اللهِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى تَرْكِ الحَسَدِ مِمَّا يَنَالُهُ الآخَرُونَ مِنْ صَلَاحِهِ (, 611-615 PG 58). وَهُنَا يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ العَدْلِ وَالجُودِ مِنْ دُونِ تَعَارُضٍ بَيْنَهُمَا: فَرَبُّ الكَرْمِ لَمْ يَظْلِمِ الأَوَّلِينَ، لِأَنَّهُ سَيُعْطِيهِمْ كُلَّ مَا اتَّفَقَ مَعَهُمْ عَلَيْهِ؛ وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ جَادَ عَلَى الآخِرِينَ بِمَا تَجَاوَزَ حِسَابَ سَاعَاتِ عَمَلِهِمْ. فَالمَثَلُ لَا يَضَعُ رَحْمَةَ اللهِ ضِدَّ عَدْلِهِ، بَلْ يَكْشِفُ أَنَّ جُودَ اللهِ أَوْسَعُ مِنْ حِسَابَاتِ الاسْتِحْقَاقِ البَشَرِيَّةِ. وَبِذٰلِكَ تُعِدُّ الآيَةُ القَارِئَ لِلسُّؤَالِ الجَوْهَرِيِّ الَّذِي سَيَطْرَحُهُ صَاحِبُ الكَرْمِ: "أَمْ عَيْنُكَ سَيِّئَةٌ لِأَنِّي أَنَا صَالِحٌ؟" (مَتَّى 20: 15). فَالمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي أَنَّ رَبَّ الكَرْمِ ظَلَمَ الأَوَّلِينَ، بَلْ فِي أَنَّهُمْ قَاسُوا مَا نَالُوهُ بِمَا نَالَهُ الآخَرُونَ، بَدَلَ أَنْ يَفْرَحُوا بِمَا نَالُوهُ مِنْهُ. وَمِنْ هُنَا يَطْرَحُ النَّصُّ سُؤَالًا رُوحِيًّا عَمِيقًا: هَلْ أَفْرَحُ بِجُودِ اللهِ حِينَ يَظْهَرُ فِي حَيَاةِ الآخَرِينَ، أَمْ أَقِيسُ نِعْمَةَ اللهِ بِمِيزَانِ المُقَارَنَةِ وَالاسْتِحْقَاقِ؟ فَفِي مَلَكُوتِ اللهِ لَا يَخْسَرُ الأَوَّلُ حَقَّهُ حِينَ يُحْسِنُ اللهُ إِلَى الآخِرِ، وَلَا تَنْقُصُ نِعْمَةُ أَحَدٍ بِسَبَبِ فَيْضِ النِّعْمَةِ عَلَى أَخِيهِ.  تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ فِي مَثَلِ عُمَّالِ الكَرْمِ؛ فَبَعْدَ أَنْ رَكَّزَتِ الآيَاتُ السَّابِقَةُ عَلَى خُرُوجِ رَبِّ الكَرْمِ وَدَعْوَتِهِ المُتَكَرِّرَةِ لِلْعُمَّالِ (مَتَّى 20: 1–7)، يَنْتَقِلُ المَثَلُ الآنَ مِنْ زَمَنِ الدَّعْوَةِ وَالعَمَلِ إِلَى زَمَنِ الحِسَابِ وَالأُجْرَةِ. وَهُنَا تَبْدَأُ ذُرْوَةُ المَثَلِ الَّتِي سَتَكْشِفُ عَنْ مَنْطِقِ صَاحِبِ الكَرْمِ: عَدْلِهِ مِنْ جِهَةٍ، وَجُودِهِ الحُرِّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.

 

9 "فَجَاءَ أَصْحَابُ السَّاعَةِ الخَامِسَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَأَخَذَ كُلٌّ مِنْهُمْ دِينَارًا"

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَجَاءَ أَصْحَابُ السَّاعَةِ الخَامِسَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ" إِلَى العُمَّالِ الَّذِينَ اسْتَأْجَرَهُمْ رَبُّ الكَرْمِ فِي السَّاعَةِ الحَادِيَةِ عَشْرَةَ بِحَسَبِ التَّوْقِيتِ اليَهُودِيِّ القَدِيمِ، أَيْ نَحْوَ السَّاعَةِ الخَامِسَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ بِحَسَبِ تَوْقِيتِنَا، قَبْلَ نِهَايَةِ يَوْمِ العَمَلِ بِنَحْوِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ (مَتَّى 20: 6–7). وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: ἐλθόντες δὲ οἱ περὶ τὴν ἑνδεκάτην ὥραν، أَيْ: "وَلَمَّا جَاءَ الَّذِينَ [اسْتُؤْجِرُوا] نَحْوَ السَّاعَةِ الحَادِيَةِ عَشْرَةَ". وَاللَّفْظُ اليُونَانِيُّ ἑνδεκάτην، "الحَادِيَةَ عَشْرَةَ"، مُهِمٌّ لِفَهْمِ المُفَارَقَةِ الَّتِي يَبْنِي عَلَيْهَا يَسُوعُ المَثَلَ؛ فَهٰؤُلَاءِ لَمْ يَعْمَلُوا إِلَّا جُزْءًا يَسِيرًا مِنَ النَّهَارِ، وَسَيَقُولُ عُمَّالُ الفَجْرِ عَنْهُمْ لاحِقًا: "هٰؤُلَاءِ الآخِرُونَ عَمِلُوا سَاعَةً وَاحِدَةً" (مَتَّى 20: 12). وَمَعَ ذٰلِكَ، لَمْ يَحْرِمْهُمْ رَبُّ الكَرْمِ مِنْ أُجْرَةِ يَوْمٍ كَامِلٍ. وَيَلْفِتُ النَّصُّ الانْتِبَاهَ إِلَى أَنَّ هٰؤُلَاءِ العُمَّالَ، عِنْدَمَا سَمِعُوا دَعْوَةَ رَبِّ الكَرْمِ: "اِذْهَبُوا أَنْتُمْ أَيْضًا إِلَى كَرْمِي" (مَتَّى 20: 7)، ذَهَبُوا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلُوا مَعَهُ فِي مُفَاوَضَةٍ عَلَى الأُجْرَةِ. فَعَلَى خِلَافِ عُمَّالِ الفَجْرِ الَّذِينَ اتَّفَقَ مَعَهُمْ صَاحِبُ الكَرْمِ عَلَى دِينَارٍ فِي اليَوْمِ (مَتَّى 20: 2)، لَمْ يُذْكَرْ أَنَّ عُمَّالَ السَّاعَةِ الحَادِيَةِ عَشْرَةَ طَلَبُوا شَرْطًا أَوْ ضَمَانًا لِلأُجْرَةِ. وَبِذٰلِكَ يُمْكِنُ أَنْ تُقْرَأَ اسْتِجَابَتُهُمْ، فِي البُعْدِ الرُّوحِيِّ، عَلَى أَنَّهَا ثِقَةٌ بِدَعْوَةِ رَبِّ الكَرْمِ وَاسْتِعْدَادٌ لِلعَمَلِ، وَلَوْ فِي السَّاعَةِ الأَخِيرَةِ. غَيْرَ أَنَّ النَّصَّ لَا يَقُولُ صَرَاحَةً إِنَّ هٰؤُلَاءِ كَانُوا أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِمْ أَوْ أَشَدَّ إِيمَانًا؛ بَلْ يُرَكِّزُ أَسَاسًا عَلَى مُبَادَرَةِ رَبِّ الكَرْمِ وَجُودِهِ. فَهُوَ الَّذِي خَرَجَ يَبْحَثُ عَنْهُمْ، وَهُوَ الَّذِي دَعَاهُمْ، وَهُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُمْ إِلَى كَرْمِهِ، وَهُوَ الَّذِي سَيُفَاجِئُهُمْ بِعَطَائِهِ. وَهُنَا يَظْهَرُ بُعْدٌ إِنْسَانِيٌّ مُهِمٌّ فِي المَثَلِ: فَصَاحِبُ الكَرْمِ لَمْ يَخْرُجْ فِي السَّاعَةِ الحَادِيَةِ عَشْرَةَ لِأَنَّهُ كَانَ يَحْتَاجُ، بِالضَّرُورَةِ، إِلَى سَاعَةِ عَمَلٍ إِضَافِيَّةٍ، بَلْ يَكْشِفُ السَّرْدُ عَنْ اهْتِمَامِهِ بِأُنَاسٍ بَقُوا طَوَالَ النَّهَارِ مِنْ دُونِ عَمَلٍ. فَسُؤَالُهُ لَهُمْ: "لِمَاذَا قُمْتُمْ هٰهُنَا طَوَالَ النَّهَارِ بَطَّالِينَ؟"، وَجَوَابُهُمْ: "لَمْ يَسْتَأْجِرْنَا أَحَدٌ" (مَتَّى 20: 6–7)، يُبْرِزَانِ حَالَةَ احْتِيَاجِهِمْ أَكْثَرَ مِمَّا يُبْرِزَانِ حَاجَةَ الكَرْمِ إِلَى عَمَلِهِمْ. وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ فِي تَصَرُّفِ رَبِّ الكَرْمِ بُعْدُ الجُودِ وَالرَّحْمَةِ وَالعَطَاءِ المَجَّانِيِّ.

أَمَّا عِبَارَةُ "وَأَخَذَ كُلٌّ مِنْهُمْ دِينَارًا"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ: ἔλαβον ἀνὰ δηνάριον. وَتَحْمِلُ العِبَارَةُ ἀνὰ δηνάριον مَعْنَى: "دِينَارًا لِكُلِّ وَاحِدٍ". وَالدِّينَارُ δηνάριον عُمْلَةٌ رُومَانِيَّةٌ فِضِّيَّةٌ، وَيَظْهَرُ مِنْ مَثَلِ العُمَّالِ نَفْسِهِ أَنَّهُ كَانَ أُجْرَةَ يَوْمٍ اتُّفِقَ عَلَيْهَا مَعَ عُمَّالِ الفَجْرِ (مَتَّى 20: 2). وَهُنَا تَقَعُ المُفَاجَأَةُ الأُولَى فِي المَثَلِ: فالَّذِينَ عَمِلُوا سَاعَةً وَاحِدَةً لَمْ يَأْخُذُوا جُزْءًا مِنَ الدِّينَارِ بِحَسَبِ حِسَابِ السَّاعَاتِ، بَلْ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِينَارًا كَامِلًا. وَبِذٰلِكَ يَنْتَقِلُ المَثَلُ مِنْ مَنْطِقِ الحِسَابِ وَالاسْتِحْقَاقِ إِلَى مَنْطِقِ الجُودِ وَالنِّعْمَةِ. فَرَبُّ الكَرْمِ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا، وَلٰكِنَّهُ حُرٌّ فِي أَنْ يَجُودَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَيْرِهِ، وَهٰذَا مَا سَيُعْلِنُهُ صَرَاحَةً فِي قَوْلِهِ: "أَلَا يَجُوزُ لِي أَنْ أَتَصَرَّفَ بِمَالِي كَمَا أَشَاءُ؟ أَمْ عَيْنُكَ سَيِّئَةٌ لِأَنِّي أَنَا صَالِحٌ؟" (مَتَّى 20: 15). وَيَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ المَثَلَ يَهْدِفُ إِلَى إِظْهَارِ سَخَاءِ رَبِّ الكَرْمِ، لَا إِلَى إِقَامَةِ مُعَادَلَةٍ حِسَابِيَّةٍ بَيْنَ سَاعَاتِ العَمَلِ وَالمُكَافَأَةِ. وَيَرْبِطُ دَعْوَةَ المُتَأَخِّرِينَ بِرَحْمَةِ اللهِ الَّذِي لَا يُغْلِقُ بَابَ الدَّعْوَةِ أَمَامَ الإِنْسَانِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ فِي وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ مِنْ حَيَاتِهِ (611-615، PG 58).  وَفِي السِّيَاقِ نَفْسِهِ، يَقْرَأُ القِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الكَبِيرُ السَّاعَةَ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ عَلَى مُسْتَوَيَيْنِ: فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ، تُمَثِّلُ الزَّمَنَ المُمتَدَّ مِنْ مَجِيءِ الرَّبِّ إِلَى نِهَايَةِ العَالَمِ؛ وَفِي حَيَاةِ الإِنْسَانِ، يُمْكِنُ أَنْ تَرْمُزَ إِلَى الشَّيْخُوخَةِ أَوِ المَرْحَلَةِ الأَخِيرَةِ مِنَ الحَيَاةِ. وَبِذٰلِكَ يُعَلِّمُ أَنَّ مَنْ يَسْتَجِيبُ لِدَعْوَةِ اللهِ، وَلَوْ مُتَأَخِّرًا، لَا يُغْلَقُ أَمَامَهُ بَابُ الخَلَاصِ (1154-1159، PL 76). وَيَرَى القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ فِي الدِّينَارِ صُورَةً للحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ؛ فَاخْتِلَافُ أَوْقَاتِ الدَّعْوَةِ لَا يَعْنِي أَنَّ الحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ تُجَزَّأُ بِحَسَبِ سَاعَاتِ العَمَلِ. فَالدِّينَارُ الوَاحِدُ يَرْمُزُ، فِي قِرَاءَتِهِ، إِلَى الخَيْرِ الأَسَاسِيِّ المُشْتَرَكِ الَّذِي يَنَالُهُ المُخَلَّصُونَ، أَيْ الحَيَاةَ مَعَ اللهِ (530-535، PL 38).  وَيُمْكِنُ أَيْضًا، فِي إِطَارِ السِّيَاقِ المَتَّاوِيِّ وَتَارِيخِ الخَلَاصِ، أَنْ تُقْرَأَ صُورَةُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي ضَوْءِ انْفِتَاحِ الخَلَاصِ عَلَى الأُمَمِ. فَإِسْرَائِيلُ لَهُ أَوَّلِيَّةٌ تَارِيخِيَّةٌ فِي العَهْدِ وَالوَعْدِ، وَلٰكِنَّ هٰذِهِ الأَوَّلِيَّةَ لَا تَجْعَلُ نِعْمَةَ اللهِ حِكْرًا عَلَى شَعْبٍ وَاحِدٍ. وَيَظْهَرُ هٰذَا المَنْظُورُ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى نَفْسِهِ، حَيْثُ تَنْتَهِي رِسَالَةُ يَسُوعَ بِإِرْسَالِ التَّلَامِيذِ إِلَى "جَمِيعِ الأُمَمِ" (مَتَّى 28: 19). وَمَعَ ذٰلِكَ، فَمِنَ الأَدَقِّ تَفْسِيرِيًّا أَلَّا نُطَابِقَ بِصُورَةٍ حَصْرِيَّةٍ بَيْنَ عُمَّالِ الفَجْرِ وَاليَهُودِ، وَبَيْنَ عُمَّالِ السَّاعَةِ الحَادِيَةِ عَشْرَةَ وَالوَثَنِيِّينَ؛ لِأَنَّ المَثَلَ أَوْسَعُ مِنْ هٰذِهِ المُقَابَلَةِ. فَهُوَ يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ يَتَصَوَّرُ أَنَّ أَسْبَقِيَّتَهُ أَوْ طُولَ خِدْمَتِهِ يَجْعَلُ لَهُ حَقًّا عَلَى اللهِ أَكْبَرَ مِنْ غَيْرِهِ. وَيُعَلِّمُ المَثَلُ أَنَّ الدُّخُولَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ يَبْقَى، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، عَطِيَّةً مِنْ نِعْمَةِ اللهِ. وَهُنَا يَتَّضِحُ الفَرْقُ بَيْنَ المُسَاوَاةِ فِي العَطِيَّةِ وَالتَّسَاوِي فِي مِقْدَارِ العَمَلِ. فَالعُمَّالُ لَمْ يَعْمَلُوا السَّاعَاتِ نَفْسَهَا، وَلٰكِنَّهُمْ نَالُوا الدِّينَارَ نَفْسَهُ. وَالمَثَلُ لَا يُنْكِرُ اخْتِلَافَ خِدْمَةِ الإِنْسَانِ وَجُهْدِهِ، بَلْ يُرِيدُ أَنْ يَنْزِعَ مِنْ قَلْبِ التِّلْمِيذِ فِكْرَةَ أَنَّ نِعْمَةَ اللهِ تُقَاسُ حِسَابِيًّا بِمِقْدَارِ مَا قَدَّمَهُ الإِنْسَانُ. وَبِهٰذَا تُعِدُّ الآيَةُ لِلْمُفَارَقَةِ الَّتِي سَتَظْهَرُ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ: فَحِينَ يَرَى عُمَّالُ الفَجْرِ أَنَّ أَصْحَابَ السَّاعَةِ الحَادِيَةِ عَشْرَةَ نَالُوا دِينَارًا كَامِلًا، سَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ سَيَأْخُذُونَ أَكْثَرَ (مَتَّى 20: 10). وَهُنَا يَنْتَقِلُ المَثَلُ مِنْ سُؤَالِ "كَمْ عَمِلْتَ؟" إِلَى سُؤَالٍ أَعْمَقَ: هَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْرَحَ بِصَلَاحِ اللهِ نَحْوَ الآخَرِ، أَمْ أَجْعَلُ نِعْمَتَهُ مَوْضُوعَ مُقَارَنَةٍ وَحَسَدٍ؟ فَفِي مَلَكُوتِ اللهِ، لَا يَحْرِمُ تَأَخُّرُ الدَّعْوَةِ الإِنْسَانَ مِنْ فَيْضِ النِّعْمَةِ، وَلَا تَجْعَلُ أَسْبَقِيَّةُ الدَّعْوَةِ الإِنْسَانَ مَالِكًا لِلنِّعْمَةِ؛ فَالجَمِيعُ يَعِيشُونَ مِنْ صَلَاحِ رَبِّ الكَرْمِ الَّذِي يَدْعُو وَيَهَبُ وَيَجُودُ.

 

10"ثُمَّ جَاءَ الأَوَّلُونَ، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ سَيَأْخُذُونَ أَكْثَرَ مِنْ هٰؤُلَاءِ، فَأَخَذَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَيْضًا دِينَارًا"

تُشِيرُ عِبَارَةُ "ثُمَّ جَاءَ الأَوَّلُونَ" إِلَى العُمَّالِ الَّذِينَ اسْتَأْجَرَهُمْ رَبُّ الكَرْمِ عِنْدَ الفَجْرِ، وَاتَّفَقَ مَعَهُمْ مُنْذُ البِدَايَةِ عَلَى "دِينَارٍ فِي اليَوْمِ" (مَتَّى 20: 1–2). وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ تَرِدُ العِبَارَةُ: καὶ ἐλθόντες οἱ πρῶτοι، أَيْ: "وَلَمَّا جَاءَ الأَوَّلُونَ". وَاللَّفْظُ πρῶτοι، أَيْ "الأَوَّلُونَ"، يَرْتَبِطُ بِالمُفَارَقَةِ الَّتِي تُؤَطِّرُ المَثَلَ كُلَّهُ: "وَكَثِيرٌ مِنَ الأَوَّلِينَ يَصِيرُونَ آخِرِينَ، وَمِنَ الآخِرِينَ أَوَّلِينَ" (مَتَّى 19: 30)، وَ"هٰكَذَا يَصِيرُ الآخِرُونَ أَوَّلِينَ وَالأَوَّلُونَ آخِرِينَ" (مَتَّى 20: 16). وَلَا يَدُلُّ وَصْفُهُمْ بِـ"الأَوَّلِينَ"، فِي السِّيَاقِ المُبَاشِرِ، عَلَى أَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الآخَرِينَ، بَلْ عَلَى أَنَّهُمْ أَسْبَقُ مِنْهُمْ زَمَنًا فِي الدَّعْوَةِ وَالعَمَلِ. وَهُنَا يَبْدَأُ المَثَلُ فِي تَصْحِيحِ الخَلْطِ بَيْنَ الأَسْبَقِيَّةِ الزَّمَنِيَّةِ وَالاسْتِحْقَاقِ الأَكْبَرِ أَمَامَ اللهِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "فَظَنُّوا أَنَّهُمْ سَيَأْخُذُونَ أَكْثَرَ"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: ἐνόμισαν ὅτι πλεῖον λήμψονται. وَالفِعْلُ νομίζω يَعْنِي "يَظُنُّ" أَوْ "يَفْتَرِضُ" أَوْ "يَحْسَبُ"، أَمَّا πλεῖον فَتَعْنِي "أَكْثَرَ". وَهٰذَا التَّفْصِيلُ مُهِمٌّ جِدًّا؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الكَرْمِ لَمْ يَعِدْهُمْ بِأَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ، بَلْ هُمْ الَّذِينَ تَوَقَّعُوا الزِّيَادَةَ بَعْدَمَا شَاهَدُوا عُمَّالَ السَّاعَةِ الحَادِيَةِ عَشْرَةَ يَأْخُذُونَ دِينَارًا كَامِلًا. وَبِذٰلِكَ يَنْقُلُ الإِنْجِيلُ المَسْأَلَةَ مِنْ مَا وَعَدَ بِهِ رَبُّ الكَرْمِ إِلَى مَا تَوَقَّعَهُ العُمَّالُ فِي أَنْفُسِهِمْ. فَالمُشْكِلَةُ لَا تَكْمُنُ فِي أَنَّ رَبَّ الكَرْمِ أَخَلَّ بِاتِّفَاقِهِ، بَلْ فِي أَنَّ العُمَّالَ غَيَّرُوا مِقْيَاسَهُمْ لِمَا يَسْتَحِقُّونَهُ بَعْدَ أَنْ رَأَوْا مَا أَعْطَاهُ لِلآخَرِينَ. وَهُنَا يَكْشِفُ المَثَلُ عَنْ خَطَرٍ رُوحِيٍّ دَقِيقٍ، هُوَ مُقَارَنَةُ نِعْمَةِ اللهِ الَّتِي نَلْنَاهَا بِالنِّعْمَةِ الَّتِي يَهَبُهَا لِغَيْرِنَا. فَقَبْلَ أَنْ يَرَى عُمَّالُ الفَجْرِ أُجْرَةَ الآخِرِينَ، كَانَ الدِّينَارُ أُجْرَةً مَقْبُولَةً اتَّفَقُوا عَلَيْهَا؛ وَلٰكِنْ بَعْدَمَا رَأَوْا سَخَاءَ رَبِّ الكَرْمِ مَعَ الآخِرِينَ، صَارَ مَا كَانَ عَادِلًا فِي نَظَرِهِمْ يَبْدُو قَلِيلًا. وَهٰكَذَا لَا يَنْشَأُ تَذَمُّرُهُمْ مِنْ ظُلْمٍ وَقَعَ عَلَيْهِمْ، بَلْ مِنْ مُقَارَنَةِ عَطِيَّتِهِمْ بِعَطِيَّةِ الآخَرِينَ.

أَمَّا عِبَارَةُ "فَأَخَذَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَيْضًا دِينَارًا"، فَيَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: ἔλαβον τὸ ἀνὰ δηνάριον καὶ αὐτοί، وَمَعْنَاهَا: "فَأَخَذُوا هُمْ أَيْضًا دِينَارًا لِكُلِّ وَاحِدٍ". وَتُؤَكِّدُ عِبَارَةُ καὶ αὐτοί، أَيْ "هُمْ أَيْضًا"، المُفَارَقَةَ المَقْصُودَةَ: فَالَّذِينَ عَمِلُوا مُنْذُ الفَجْرِ نَالُوا الدِّينَارَ نَفْسَهُ الَّذِي نَالَهُ الَّذِينَ عَمِلُوا سَاعَةً وَاحِدَةً. وَهُنَا يَجِبُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ عَدْلِ رَبِّ الكَرْمِ وَجُودِهِ. فَهُوَ عَادِلٌ مَعَ الأَوَّلِينَ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُمْ بِالكَامِلِ مَا اتَّفَقَ مَعَهُمْ عَلَيْهِ: "أَمَا اتَّفَقْتَ مَعِي عَلَى دِينَارٍ؟" (مَتَّى 20: 13). وَهُوَ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ جَوَادٌ مَعَ الآخِرِينَ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يُتَوَقَّعُ بِحَسَبِ الحِسَابِ الزَّمَنِيِّ لِسَاعَاتِ العَمَلِ. وَمِنْ ثَمَّ فَالمَثَلُ لَا يُقَابِلُ بَيْنَ العَدْلِ وَالرَّحْمَةِ كَأَنَّهُمَا مُتَعَارِضَانِ، بَلْ يَكْشِفُ أَنَّ اللهَ لَا يَنْقُصُ أَحَدًا حَقَّهُ، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ يَبْقَى حُرًّا فِي جُودِهِ وَعَطَائِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذِهِ المُفَارَقَةِ مُبَيِّنًا أَنَّ رَبَّ الكَرْمِ لَمْ يَظْلِمِ العُمَّالَ الأَوَّلِينَ، بَلْ أَوْفَى لَهُمْ بِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ مَعَهُمْ، فِي حِينِ أَظْهَرَ جُودَهُ نَحْوَ المُتَأَخِّرِينَ. وَيُوَجِّهُ المَثَلُ، فِي قِرَاءَتِهِ، ضَرْبَةً إِلَى الحَسَدِ وَالاعْتِرَاضِ عَلَى خَيْرِ اللهِ نَحْوَ الآخَرِينَ؛ إِذْ لَا يَصِيرُ جُودُ اللهِ نَحْوَ الآخَرِ ظُلْمًا لِي (611-615، PG 58).  وَفِي القِرَاءَةِ الرُّوحِيَّةِ، رَأَى عَدَدٌ مِنَ الآبَاءِ فِي الدِّينَارِ رَمْزًا لِلْعَطِيَّةِ الأَخِيرَةِ الَّتِي يَهَبُهَا اللهُ لِخُدَّامِهِ، أَيْ الحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ.  وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ عَلَى الدِّينَارِ الوَاحِدِ بِأَنَّهُ يَرْمُزُ إِلَى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا المُخَلَّصُونَ؛ فَمَنْ دُعِيَ مُبَكِّرًا وَمَنْ دُعِيَ مُتَأَخِّرًا يَنَالَانِ العَطِيَّةَ الأَسَاسِيَّةَ نَفْسَهَا، أَيْ الحَيَاةَ مَعَ اللهِ (530-535، PL 38). هٰذِهِ المُسَاوَاةُ فِي الدِّينَارِ لَا تَعْنِي أَنَّ كُلَّ جَوَانِبِ المُكَافَأَةِ الأُخْرَوِيَّةِ تُفْهَمُ حِسَابِيًّا عَلَى أَنَّهَا مُتَطَابِقَةٌ بَيْنَ جَمِيعِ الأَشْخَاصِ؛ فَغَرَضُ المَثَلِ أَضْيَقُ وَأَوْضَحُ: عَطِيَّةُ مَلَكُوتِ اللهِ لَا تُشْتَرَى بِطُولِ الخِدْمَةِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ أَعْمَالِهِ دَيْنًا عَلَى اللهِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَضَاءَ عَلَى هٰذَا المَعْنَى بِتَعْلِيمِ بُولُسَ الرَّسُولِ: "فَإِنَّ أُجْرَةَ الخَطِيئَةِ هِيَ المَوْتُ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ فِي المَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا" (رُومَة 6: 23). فَاللَّفْظُ البُولُسِيُّ هُنَا مُعَبِّرٌ: فَالحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ هِيَ "هِبَةُ اللهِ"، وَلَيْسَتْ ثَمَنًا يَفْرِضُهُ الإِنْسَانُ عَلَى اللهِ. وَمِنْ هُنَا يَصِحُّ القَوْلُ إِنَّ الخَلَاصَ عَطِيَّةٌ مُقَدَّمَةٌ لِكُلِّ مَنْ يَسْتَجِيبُ لِدَعْوَةِ اللهِ بِالإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ، وَلَا يَحْرِمُ تَأَخُّرُ الاسْتِجَابَةِ الإِنْسَانَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ. وَمِنْ أَبْرَزِ الصُّوَرِ الإِنْجِيلِيَّةِ لِهٰذَا المَعْنَى اللِّصُّ التَّائِبُ الَّذِي تَوَجَّهَ إِلَى يَسُوعَ فِي السَّاعَاتِ الأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاتِهِ قَائِلًا: "يَا يَسُوعُ، اُذْكُرْنِي إِذَا مَا جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ"، فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: "الحَقَّ أَقُولُ لَكَ: سَتَكُونُ اليَوْمَ مَعِي فِي الفِرْدَوْسِ" (لُوقَا 23: 42–43). وَفِي المُقَابِلِ، يَقِفُ سِمْعَانُ الشَّيْخُ صُورَةً لِمَنْ عَاشَ زَمَنًا طَوِيلًا فِي الانْتِظَارِ وَالأَمَانَةِ، وَكَانَ "رَجُلًا بَارًّا تَقِيًّا يَنْتَظِرُ تَعْزِيَةَ إِسْرَائِيل" (لُوقَا 2: 25)، حَتَّى حَمَلَ الطِّفْلَ يَسُوعَ عَلَى ذِرَاعَيْهِ وَقَالَ: "لِأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلَاصَكَ" (لُوقَا 2: 30). فَاللِّصُّ التَّائِبُ جَاءَ فِي "السَّاعَةِ الأَخِيرَةِ"، وَسِمْعَانُ انْتَظَرَ بِأَمَانَةٍ زَمَنًا طَوِيلًا، وَمَعَ ذٰلِكَ فَكِلَاهُمَا يَعِيشُ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ وَخَلَاصِهِ، لَا مِنْ حِسَابِ السَّاعَاتِ. وَيَسْتَعْمِلُ القِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الكَبِيرُ مَرَاحِلَ النَّهَارِ لِيُشِيرَ أَيْضًا إِلَى مَرَاحِلِ عُمْرِ الإِنْسَانِ: فَقَدْ يُدْعَى الإِنْسَانُ فِي طُفُولَتِهِ، أَوْ شَبَابِهِ، أَوْ نُضْجِهِ، أَوْ حَتَّى فِي شَيْخُوخَتِهِ؛ وَلٰكِنَّ المُهِمَّ هُوَ أَلَّا يَبْقَى "بَطَّالًا" عَنْ عَمَلِ اللهِ بَعْدَ أَنْ تَبْلُغَهُ الدَّعْوَةُ (1154-1159، PL 76). وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ مَعْنَى "فَأَخَذَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَيْضًا دِينَارًا" لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مُجَرَّدِ "المُسَاوَاةِ فِي الأُجْرَةِ"، بَلْ يَكْشِفُ عَنْ مَبْدَإٍ لَاهُوتِيٍّ أَعْمَقَ: عَدْلُ اللهِ لَا يُلْغِي جُودَهُ، وَجُودُهُ لَا يَنْقُضُ عَدْلَهُ. أَعْطَى الأَوَّلِينَ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ، وَأَعْطَى الآخِرِينَ مِنْ فَيْضِ صَلَاحِهِ. وَمَا أَعْطَاهُ لِلآخَرِينَ لَمْ يَنْقُصْ شَيْئًا مِمَّا أَعْطَاهُ لِلأَوَّلِينَ. وَهٰذَا هُوَ التَّحَدِّي الرُّوحِيُّ الَّذِي يَضَعُهُ المَثَلُ أَمَامَ التِّلْمِيذِ: هَلْ أَفْرَحُ بِمَا وَهَبَنِي اللهُ، وَأَفْرَحُ أَيْضًا بِمَا يَهَبُهُ لِغَيْرِي، أَمْ أَجْعَلُ عَطَاءَهُ لِلآخَرِينَ سَبَبًا لِلتَّذَمُّرِ؟ فَنِعْمَةُ اللهِ لَيْسَتْ مَالًا مَحْدُودًا يَنْقُصُ إِذَا أَعْطَى مِنْهُ لِغَيْرِي؛ بَلْ هِيَ خَيْرٌ إِلٰهِيٌّ يَفِيضُ عَلَى الجَمِيعِ. وَبِذٰلِكَ تُمَهِّدُ الآيَةُ مُبَاشَرَةً لِلآيَتَيْنِ التَّالِيَتَيْنِ (مَتَّى 20: 11–12)، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الظَّنُّ بِالحُصُولِ عَلَى أَكْثَرَ إِلَى تَذَمُّرٍ عَلَى رَبِّ الكَرْمِ. وَهُنَا سَيَكْشِفُ يَسُوعُ أَنَّ المَسْأَلَةَ لَيْسَتْ فِي مِقْدَارِ الدِّينَارِ، بَلْ فِي القَلْبِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْرَحَ بِصَلَاحِ اللهِ نَحْوَ الآخَرِينَ.

 

 11 "وَكَانُوا يَأْخُذُونَهُ وَيَقُولُونَ مُتَذَمِّرِينَ عَلَى رَبِّ البَيْتِ"

تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَكَانُوا يَأْخُذُونَهُ" إِلَى أَنَّ العُمَّالَ الأَوَّلِينَ قَبِلُوا الدِّينَارَ الَّذِي اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مُنْذُ بَدَايَةِ النَّهَارِ (مَتَّى 20: 2)، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَكُنْ رَبُّ الكَرْمِ قَدْ نَقَصَهُمْ شَيْئًا مِنْ حَقِّهِمْ. فَقَدْ أَوْفَى بِاتِّفَاقِهِ كَامِلًا، وَأَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِينَارًا. هٰذِهِ النُّقْطَةُ أَسَاسِيَّةٌ لِفَهْمِ المَثَلِ: لَيْسَ مَوْضُوعُ النِّزَاعِ عَدَالَةَ رَبِّ الكَرْمِ مَعَ الأَوَّلِينَ، بَلْ جُودَهُ مَعَ الآخِرِينَ.

أَمَّا عِبَارَةُ "وَيَقُولُونَ مُتَذَمِّرِينَ"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: ἐγόγγυζον، مِنَ الفِعْلِ γογγύζω، وَيَعْنِي: يَتَذَمَّرُ، يَتَمَتْمُ بِالاعْتِرَاضِ، يَشْتَكِي بِاسْتِيَاءٍ. وَالفِعْلُ فِي صِيغَةِ المَاضِي النَّاقِصِ يُصَوِّرُ التَّذَمُّرَ كَحَالَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ: أَخَذُوا أُجْرَتَهُمْ، وَلٰكِنَّهُمْ ظَلُّوا يَعْتَرِضُونَ عَلَى تَصَرُّفِ رَبِّ البَيْتِ. وَلَمْ يَكُنْ سَبَبُ تَذَمُّرِهِمْ أَنَّهُمْ قَبَضُوا أُجْرَتَهُمْ بَعْدَ الآخَرِينَ، وَلَا أَنَّ رَبَّ الكَرْمِ أَعْطَاهُمْ أَقَلَّ مِمَّا وَعَدَهُمْ بِهِ، بَلْ إِنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ الَّذِينَ عَمِلُوا سَاعَةً وَاحِدَةً نَالُوا الدِّينَارَ نَفْسَهُ. وَهٰكَذَا تَحَوَّلَ مَا كَانَ فِي بَدَايَةِ النَّهَارِ أُجْرَةً عَادِلَةً وَمَقْبُولَةً إِلَى سَبَبٍ لِلاسْتِيَاءِ، لَا لِأَنَّ الأُجْرَةَ نَقَصَتْ، بَلْ لِأَنَّ جُودَ رَبِّ الكَرْمِ شَمِلَ الآخَرِينَ.

أَمَّا عِبَارَةُ "عَلَى رَبِّ البَيْتِ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ κατὰ τοῦ οἰκοδεσπότου، وَتَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَذَمُّرَهُمْ لَمْ يَكُنْ مُوَجَّهًا فَقَطْ إِلَى العُمَّالِ المُتَأَخِّرِينَ، بَلْ إِلَى صَاحِبِ الكَرْمِ نَفْسِهِ وَإِلَى طَرِيقَةِ تَصَرُّفِهِ. فَهُمْ، فِي الوَاقِعِ، لَمْ يَرْفُضُوا الدِّينَارَ، بَلْ رَفَضُوا مَنْطِقَ الجُودِ الَّذِي بِهِ عَامَلَ رَبُّ الكَرْمِ الآخَرِينَ. وَهُنَا يَنْقُلُنَا المَثَلُ مِنْ مُشْكِلَةِ الأُجْرَةِ إِلَى مُشْكِلَةِ القَلْبِ. فَالسُّؤَالُ لَمْ يَعُدْ: "هَلْ أَعْطَانِي اللهُ مَا هُوَ عَادِلٌ؟"، بَلْ: "هَلْ أَقْبَلُ أَنْ يَكُونَ اللهُ جَوَادًا مَعَ غَيْرِي؟". وَهٰذَا مَا سَيَكْشِفُهُ رَبُّ الكَرْمِ صَرَاحَةً فِي خِتَامِ حِوَارِهِ: "أَمْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةٌ لِأَنِّي أَنَا صَالِحٌ؟" (مَتَّى 20: 15). فَالمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي صَلَاحِ رَبِّ الكَرْمِ، بَلْ فِي العَيْنِ الَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَرَى خَيْرَ الآخَرِ مِنْ دُونِ حَسَدٍ.

وَيَسْتَحْضِرُ اسْتِعْمَالُ فِعْلِ "التَّذَمُّر" خَلْفِيَّةً كِتَابِيَّةً مُهِمَّةً. فَقَدْ كَانَ التَّذَمُّرُ سِمَةً مُتَكَرِّرَةً فِي مَسِيرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي البَرِّيَّةِ؛ فَتَذَمَّرُوا عَلَى مُوسَى عِنْدَ المِيَاهِ (خُرُوج 15: 24)، وَتَذَمَّرُوا بِسَبَبِ الطَّعَامِ (خُرُوج 16: 2–12)، وَعِنْدَ العَطَشِ (خُرُوج 17: 3). وَفِي هٰذِهِ النُّصُوصِ لَا يَكُونُ التَّذَمُّرُ مُجَرَّدَ شَكْوَى بَشَرِيَّةٍ، بَلْ يَكْشِفُ أَزْمَةً فِي الثِّقَةِ بِاللهِ وَبِطَرِيقَةِ تَدْبِيرِهِ. وَيَظْهَرُ المَوْقِفُ نَفْسُهُ فِي كَلَامِ الشَّعْبِ فِي سِفْرِ حِزْقِيَالَ: "لَيْسَ طَرِيقُ السَّيِّدِ بِمُسْتَقِيمٍ" (حِزْقِيَال 18: 25). وَيُجِيبُ اللهُ مُبَيِّنًا أَنَّ المُشْكِلَةَ لَيْسَتْ فِي عَدْلِهِ، بَلْ فِي مَقَايِيسِ الإِنْسَانِ. وَهٰذَا مَا يُذَكِّرُنَا أَيْضًا بِقَوْلِ إِشَعْيَاءَ: "فَإِنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ، وَلَا طُرُقُكُمْ طُرُقِي، يَقُولُ الرَّبُّ. كَمَا تَعْلُو السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، كَذٰلِكَ طُرُقِي تَعْلُو عَنْ طُرُقِكُمْ، وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ" (إِشَعْيَاء 55: 8–9). وَيَظْهَرُ المَوْقِفُ عَيْنُهُ فِي يُونَانَ النَّبِيِّ، الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعْ فِي البِدَايَةِ أَنْ يَفْرَحَ بِرَحْمَةِ اللهِ لِنِينَوَى؛ فَحِينَ رَأَى أَنَّ اللهَ رَحِمَ المَدِينَةَ بَعْدَ تَوْبَتِهَا "سَاءَ ذٰلِكَ يُونَانَ سُوءَا شَدِيدًا فَغَضِبَ" (يُونَان 4: 1). وَبِذٰلِكَ يَطْرَحُ السِّفْرُ السُّؤَالَ نَفْسَهُ الَّذِي يَطْرَحُهُ مَثَلُ عُمَّالِ الكَرْمِ: هَلْ يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يَفْرَحَ بِرَحْمَةِ اللهِ حِينَ تَصِلُ إِلَى مَنْ لَا يَظُنُّهُ مُسْتَحِقًّا لَهَا؟ وَنَجِدُ مُوَازَاةً إِنْجِيلِيَّةً وَاضِحَةً فِي مَثَلِ الأَبِ وَابْنَيْهِ (لُوقَا 15: 11–32). فَكَمَا تَذَمَّرَ عُمَّالُ السَّاعَةِ الأُولَى لِأَنَّ رَبَّ الكَرْمِ أَكْرَمَ المُتَأَخِّرِينَ، كَذٰلِكَ غَضِبَ الابْنُ الأَكْبَرُ حِينَ رَأَى أَبَاهُ يَسْتَقْبِلُ أَخَاهُ العَائِدَ بِالرَّحْمَةِ، فَقَالَ: "وَلَمَّا قَدِمَ ابْنُكَ هٰذَا الَّذِي أَكَلَ مَالَكَ... ذَبَحْتَ لَهُ العِجْلَ المُسَمَّنَ!" (لُوقَا 15: 30). وَفِي المَثَلَيْنِ، يَكُونُ الصِّرَاعُ حَوْلَ قَبُولِ جُودِ اللهِ لِلآخَرِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا المَثَلِ مُبَيِّنًا أَنَّ الغَايَةَ لَيْسَتْ إِثْبَاتَ ظُلْمٍ وَقَعَ عَلَى الأَوَّلِينَ، بَلْ إِظْهَارَ فَيْضِ جُودِ اللهِ نَحْوَ المُتَأَخِّرِينَ، وَتَحْذِيرَ الإِنْسَانِ مِنَ الحَسَدِ لِخَيْرِ الآخَرِينَ. فَإِحْسَانُ اللهِ إِلَى شَخْصٍ آخَرَ لَا يَسْلُبُنِي شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهُ (611-615، PG 58). وَيُعَمِّقُ القِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الكَبِيرُ هٰذَا البُعْدَ، فَيَرَى أَنَّ مَنْ يَتَذَمَّرُ مِنْ خَيْرِ نَالَهُ الآخَرُ يَكْشِفُ أَنَّهُ لَا يَنْظُرُ إِلَى العَطِيَّةِ فِي ذَاتِهَا، بَلْ إِلَى مَا نَالَهُ غَيْرُهُ؛ وَمِنْ هُنَا يَرْتَبِطُ التَّذَمُّرُ بِالحَسَدِ، أَيْ بِالحُزْنِ مِنْ خَيْرِ الآخَرِ بَدَلَ الفَرَحِ بِهِ (1154-1159، PL 76). وَفِي القِرَاءَةِ التَّارِيخِيَّةِ–اللَّاهُوتِيَّةِ، فَهِمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ القُدَمَاءِ الأَوَّلِينَ عَلَى أَنَّهُمْ صُورَةٌ لِمَنْ سَبَقُوا فِي تَارِيخِ العَهْدِ، وَالآخِرِينَ عَلَى أَنَّهُمْ صُورَةٌ لِلأُمَمِ الَّذِينَ دَخَلُوا مُتَأَخِّرِينَ إِلَى شَرِكَةِ شَعْبِ اللهِ. وَهٰذِهِ قِرَاءَةٌ رَمْزِيَّةٌ مُمْكِنَةٌ فِي إِطَارِ تَارِيخِ الخَلَاصِ، لٰكِنْ يَنْبَغِي أَلَّا تُفْهَمَ عَلَى أَنَّهَا إِدَانَةٌ لِلشَّعْبِ اليَهُودِيِّ كَكُلٍّ؛ فَالمَثَلُ يُوَجِّهُ تَحْذِيرَهُ إِلَى كُلِّ تِلْمِيذٍ يَتَحَوَّلُ فِي نَظَرِهِ سَبْقُهُ فِي الدَّعْوَةِ أَوْ الخِدْمَةِ إِلَى اسْتِحْقَاقٍ يَحْجُبُ عَنْهُ فَرَحَ النِّعْمَةِ. وَلِذٰلِكَ، فَالأَدَقُّ لَاهُوتِيًّا أَلَّا نَقُولَ إِنَّ "العَشَّارِينَ يَنَالُونَ مَا يَنَالُهُ الفَرِّيسِيُّونَ، وَالخُطَاةَ مَا يَنَالُهُ الأَبْرَارُ" عَلَى إِطْلَاقِهَا، بَلْ إِنَّ نِعْمَةَ اللهِ مَفْتُوحَةٌ لِلجَمِيعِ، وَإِنَّ التَّائِبَ الَّذِي يَسْتَجِيبُ لِدَعْوَةِ اللهِ، وَلَوْ فِي سَاعَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ، لَا يُحْرَمُ مِنْ عَطِيَّةِ الخَلَاصِ بِسَبَبِ تَأَخُّرِهِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الحَسَدَ يُشَوِّهُ نَظْرَةَ الإِنْسَانِ إِلَى نِعْمَةِ اللهِ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُهُ يَحْزَنُ لِمَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْرَحَ بِهِ. وَعِنْدَمَا يَرَى الإِنْسَانُ خَيْرَ اللهِ لِلآخَرِ تَهْدِيدًا لِمَكَانَتِهِ، يَنْتَقِلُ مِنَ الشُّكْرِ عَلَى مَا أُعْطِيَ لَهُ إِلَى التَّذَمُّرِ عَلَى مَا أُعْطِيَ لِغَيْرِهِ. وَلَيْسَ المَقْصُودُ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ اللهَ أَوْ يَبُثَّ أَمَامَهُ أَلَمَهُ؛ فَالمَزَامِيرُ نَفْسُهَا مَمْلُوءَةٌ بِالصُّرَاخِ وَالسُّؤَالِ وَالشَّكْوَى أَمَامَ اللهِ. وَلٰكِنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَعْرِضُ الأَلَمَ أَمَامَ اللهِ فِي إِيمَانٍ وَثِقَةٍ، وَبَيْنَ التَّذَمُّرِ الَّذِي يَجْعَلُ الإِنْسَانَ مِنْ مَقَايِيسِهِ الخَاصَّةِ حَكَمًا عَلَى صَلَاحِ اللهِ. وَهٰكَذَا تَدْعُونَا الآيَةُ إِلَى فَحْصِ قُلُوبِنَا: هَلْ أَفْرَحُ بِنِعْمَةِ اللهِ حِينَ أَرَاهَا تَعْمَلُ فِي حَيَاةِ غَيْرِي؟ أَمْ أَقِيسُ مَحَبَّةَ اللهِ لِي بِمَا أَعْطَاهُ لِلآخَرِينَ؟ فَالمَثَلُ يُعَلِّمُنَا أَنَّ الدَّوَاءَ مِنَ التَّذَمُّرِ لَيْسَ فِي أَنْ يُقَلِّلَ اللهُ عَطَاءَهُ لِلآخَرِينَ، بَلْ فِي أَنْ يَتَحَرَّرَ قَلْبُنَا مِنَ الحَسَدِ، فَنَفْرَحَ بِصَلَاحِ اللهِ، سَوَاءٌ ظَهَرَ فِي حَيَاتِنَا أَمْ فِي حَيَاةِ إِخْوَتِنَا.

 

12 "هؤُلَاءِ الَّذِينَ أَتَوْا آخِرًا لَمْ يَعْمَلُوا غَيْرَ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَسَاوَيْتَهُمْ بِنَا نَحْنُ الَّذِينَ احْتَمَلْنَا ثِقَلَ النَّهَارِ وَحَرَّهُ الشَّدِيدَ"

تُشِيرُ عِبَارَةُ "هٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَتَوْا آخِرًا"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ οὗτοι οἱ ἔσχατοι، حَرْفِيًّا: "هٰؤُلَاءِ الآخِرُونَ"، إِلَى العُمَّالِ الَّذِينَ اسْتَأْجَرَهُمْ رَبُّ الكَرْمِ فِي السَّاعَةِ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ، أَيْ نَحْوَ السَّاعَةِ الخَامِسَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ، قَبْلَ انْتِهَاءِ يَوْمِ العَمَلِ بِسَاعَةٍ تَقْرِيبًا (مَتَّى 20: 6–7). وَيَرْتَبِطُ وَصْفُهُمْ بِـ "الآخِرِينَ"، ἔσχατοι، بِالقَوْلِ الَّذِي يَخْتِمُ المَثَلَ: "فَهٰكَذَا يَصِيرُ الآخِرُونَ أَوَّلِينَ، وَالأَوَّلُونَ آخِرِينَ" (مَتَّى 20: 16؛ 19: 30). وَفِي القِرَاءَةِ الرَّمْزِيَّةِ الَّتِي عَرَفَهَا التَّقْلِيدُ التَّفْسِيرِيُّ القَدِيمُ، يُمْكِنُ أَنْ يُرَى فِي العُمَّالِ المُتَأَخِّرِينَ صُورَةٌ لِلأُمَمِ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى شَرِكَةِ العَهْدِ وَالخَلَاصِ فِي المَسِيحِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ إِسْرَائِيلُ قَدْ سَبَقَهُمْ فِي تَارِيخِ العَهْدِ وَمَعْرِفَةِ اللهِ. وَيَنْسَجِمُ هٰذَا البُعْدُ مَعَ إِعْلَانِ بُولُسَ أَنَّ الأُمَمَ أَصْبَحُوا فِي المَسِيحِ "شُرَكَاءَ فِي المِيرَاثِ وَالجَسَدِ وَالوَعْدِ" (أَفَسُس 3: 6). غَيْرَ أَنَّهُ يَنْبَغِي عَدَمُ حَصْرِ المَثَلِ فِي مُقَابَلَةٍ بَيْنَ اليَهُودِ وَالأُمَمِ؛ فَالآيَةُ تُخَاطِبُ، عَلَى مُسْتَوًى أَعْمَقَ، كُلَّ إِنْسَانٍ يَظُنُّ أَنَّ سَبْقَهُ فِي الدَّعْوَةِ أَوْ طُولَ خِدْمَتِهِ يَجْعَلُهُ أَكْثَرَ اسْتِحْقَاقًا لِنِعْمَةِ اللهِ مِنْ غَيْرِهِ. فَمَحْوَرُ المَثَلِ لَيْسَ إِلْغَاءَ قِيمَةِ العَمَلِ وَالأَمَانَةِ، بَلْ رَفْضَ تَحْوِيلِ العَلَاقَةِ بِاللهِ إِلَى حِسَابٍ تِجَارِيٍّ تُقَاسُ فِيهِ النِّعْمَةُ بِعَدَدِ سَاعَاتِ العَمَلِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "لَمْ يَعْمَلُوا غَيْرَ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ μίαν ὥραν ἐποίησαν، أَيْ حَرْفِيًّا: "عَمِلُوا سَاعَةً وَاحِدَةً". وَتُبْرِزُ العِبَارَةُ التَّفَاوُتَ الكَبِيرَ بَيْنَ مُدَّةِ عَمَلِ الفَرِيقَيْنِ: فَالأَوَّلُونَ عَمِلُوا مُنْذُ الفَجْرِ، أَمَّا الآخِرُونَ فَعَمِلُوا السَّاعَةَ الأَخِيرَةَ فَقَطْ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ قِصَرَ مُدَّةِ عَمَلِهِمْ لَمْ يَمْنَعْ رَبَّ الكَرْمِ مِنْ أَنْ يَشْمَلَهُمْ بِجُودِهِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "فَسَاوَيْتَهُمْ بِنَا"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ ἴσους ἡμῖν αὐτοὺς ἐποίησας، وَتَعْنِي حَرْفِيًّا: "جَعَلْتَهُمْ مُسَاوِينَ لَنَا". وَهُنَا تَبْلُغُ شَكْوَى العُمَّالِ الأَوَّلِينَ ذِرْوَتَهَا؛ فَهُمْ لَا يَتَّهِمُونَ رَبَّ الكَرْمِ بِأَنَّهُ حَرَمَهُمْ مِنَ الدِّينَارِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، بَلْ يَعْتَرِضُونَ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ الآخِرِينَ مُسَاوِينَ لَهُمْ فِي العَطِيَّةِ. وَهُنَا يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ العَدَالَةِ وَالجُودِ فِي المَثَلِ. فَرَبُّ الكَرْمِ كَانَ عَادِلًا مَعَ الأَوَّلِينَ، إِذْ أَعْطَاهُمْ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ مَعَهُمْ (مَتَّى 20: 2)، وَكَانَ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ جَوَادًا مَعَ الآخِرِينَ، إِذْ أَعْطَاهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَقَّعُوهُ بِحَسَبِ مُدَّةِ عَمَلِهِمْ. فَجُودُهُ لِلآخِرِينَ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا لِلأَوَّلِينَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا المَثَلِ مُبَيِّنًا أَنَّ المَسْأَلَةَ لَا تَقُومُ عَلَى اسْتِحْقَاقٍ حِسَابِيٍّ يُقَاسُ بِالسَّاعَاتِ، بَلْ عَلَى جُودِ رَبِّ الكَرْمِ الَّذِي يُظْهِرُ سَخَاءَهُ نَحْوَ المُتَأَخِّرِينَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْلِمَ الَّذِينَ سَبَقُوهُمْ. وَهٰكَذَا يَسْتَعْمِلُ المَثَلُ لُغَةَ الأُجْرَةِ لِيَكْشِفَ فِي النِّهَايَةِ مَنْطِقَ النِّعْمَةِ وَالجُودِ الإِلٰهِيِّ (611-515، PG 58). وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، لَا تَعْنِي المُسَاوَاةُ أَنَّ اللهَ لَا يَعْتَدُّ بِالأَمَانَةِ وَالأَعْمَالِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ؛ فَالعَهْدُ الجَدِيدُ يُؤَكِّدُ مَسْؤُولِيَّةَ الإِنْسَانِ عَنْ أَعْمَالِهِ (مَتَّى 16: 27؛ 25: 14–30؛ 2 قُورِنْتُس 5: 10). إِنَّمَا يَتَحَدَّثُ المَثَلُ عَنْ مَجَّانِيَّةِ الدَّعْوَةِ وَعَطِيَّةِ الخَلَاصِ الَّتِي لَا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يَجْعَلَهَا دَيْنًا مُسْتَحَقًّا عَلَى اللهِ. وَيَرَى القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ فِي الدِّينَارِ صُورَةً لِعَطِيَّةِ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ؛ فَهِيَ العَطِيَّةُ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا جَمِيعُ الَّذِينَ يَبْلُغُونَ إِلَى غَايَةِ الخَلَاصِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ زَمَنُ دَعْوَتِهِمْ وَخِدْمَتِهِمْ. فَلَيْسَتِ الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ نِصْفَ حَيَاةٍ لِهٰذَا وَحَيَاةً كَامِلَةً لِذَاكَ، بَلْ هِيَ شَرِكَةٌ فِي الحَيَاةِ الَّتِي يَهَبُهَا اللهُ لِمَنْ يَدْعُوهُمْ إِلَى مَلَكُوتِهِ (530-535، PL 38).  

أَمَّا عِبَارَةُ "نَحْنُ الَّذِينَ احْتَمَلْنَا ثِقَلَ النَّهَارِ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ οἱ βαστάσαντες τὸ βάρος τῆς ἡμέρας. وَالفِعْلُ βαστάζω يَعْنِي "يَحْمِلُ، يَحْتَمِلُ، يَتَحَمَّلُ"، وَالاسْمُ βάρος يَعْنِي "الثِّقَلَ، العِبْءَ، المَشَقَّةَ". وَبِذٰلِكَ يُشَدِّدُ العُمَّالُ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا وَقْتًا أَطْوَلَ فَحَسْبُ، بَلْ حَمَلُوا عِبْءَ يَوْمِ العَمَلِ كُلِّهِ.

وَتَزِيدُ عِبَارَةُ "وَحَرَّهُ الشَّدِيدَ" هٰذَا المَعْنَى قُوَّةً. فَاللَّفْظُ اليُونَانِيُّ هُوَ καύσων، وَيَدُلُّ عَلَى الحَرِّ اللَّافِحِ أَوِ الرِّيحِ الحَارَّةِ المُحْرِقَةِ. وَفِي البِيئَةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ، كَانَ العَمَلُ فِي الكَرْمِ تَحْتَ شَمْسِ النَّهَارِ، وَلَا سِيَّمَا فِي مَوْسِمِ الحَصَادِ وَالقِطَافِ، عَمَلًا شَاقًّا. وَلِذٰلِكَ فَشَكْوَى العُمَّالِ مَفْهُومَةٌ مِنْ وِجْهَةِ النَّظَرِ البَشَرِيَّةِ: "نَحْنُ عَمِلْنَا أَكْثَرَ وَتَعِبْنَا أَكْثَرَ، فَكَيْفَ تَجْعَلُهُمْ مُسَاوِينَ لَنَا؟" وَلٰكِنَّ المَثَلَ يَنْقُلُ السَّامِعَ مِنْ هٰذَا الحِسَابِ البَشَرِيِّ إِلَى مَنْطِقٍ آخَرَ: فَالخَلَاصُ لَيْسَ أُجْرَةً تِجَارِيَّةً يُلْزِمُ بِهَا الإِنْسَانُ اللهَ، بَلْ عَطِيَّةٌ تَنْبَعُ مِنْ صَلَاحِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ. وَهٰذَا لَا يُلْغِي قِيمَةَ العَمَلِ، بَلْ يَضَعُهُ فِي مَوْضِعِهِ الصَّحِيحِ: الإِنْسَانُ يَعْمَلُ اسْتِجَابَةً لِلدَّعْوَةِ، وَلٰكِنَّ اللهَ يَبْقَى حُرًّا فِي جُودِهِ. وَيُقَدِّمُ القِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الكَبِيرُ قِرَاءَةً رُوحِيَّةً لِاخْتِلَافِ سَاعَاتِ الدَّعْوَةِ، فَيَرَى فِيهَا مَرَاحِلَ مُخْتَلِفَةً مِنْ تَارِيخِ الخَلَاصِ، وَكَذٰلِكَ مَرَاحِلَ مُخْتَلِفَةً مِنْ حَيَاةِ الإِنْسَانِ. فَقَدْ يُدْعَى إِنْسَانٌ إِلَى خِدْمَةِ اللهِ مُنْذُ طُفُولَتِهِ، وَآخَرُ فِي شَبَابِهِ، وَآخَرُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ؛ وَلٰكِنَّ مَنْ يَسْتَجِيبُ لِلنِّعْمَةِ حَتَّى فِي السَّاعَةِ الأَخِيرَةِ لَا يُغْلَقُ أَمَامَهُ بَابُ المَلَكُوتِ (1154-1159، PL 76). وَيَتَجَسَّدُ هٰذَا المَعْنَى بِصُورَةٍ لَافِتَةٍ فِي اللِّصِّ التَّائِبِ عَلَى الصَّلِيبِ؛ فَقَدْ جَاءَ، بِتَعْبِيرِ المَثَلِ، فِي "السَّاعَةِ الأَخِيرَةِ"، وَمَعَ ذٰلِكَ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "الحَقَّ أَقُولُ لَكَ: سَتَكُونُ اليَوْمَ مَعِي فِي الفِرْدَوْسِ" (لُوقَا 23: 43). وَهُنَا تَظْهَرُ عَظَمَةُ النِّعْمَةِ: لَيْسَ تَأَخُّرُ التَّوْبَةِ سَبَبًا لِإِغْلَاقِ بَابِ الرَّحْمَةِ أَمَامَ مَنْ يَسْتَجِيبُ لِلرَّبِّ بِإِيمَانٍ صَادِقٍ.

وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ العِبَارَةَ "فَسَاوَيْتَهُمْ بِنَا" تَكْشِفُ المَسْأَلَةَ الرُّوحِيَّةَ الجَوْهَرِيَّةَ فِي المَثَلِ: هَلْ أَقْبَلُ أَنْ تَكُونَ نِعْمَةُ اللهِ لِلآخَرِ أَوْسَعَ مِنْ حِسَابَاتِي؟ فَقَدْ يَقْبَلُ الإِنْسَانُ عَدْلَ اللهِ مَعَهُ، وَلٰكِنَّهُ يَجِدُ صُعُوبَةً فِي قَبُولِ جُودِ اللهِ مَعَ غَيْرِهِ. لِذٰلِكَ لَا يَدْعُونَا المَثَلُ إِلَى أَنْ نَسْأَلَ: "لِمَاذَا أَعْطَى اللهُ الآخَرَ مِثْلِي؟"، بَلْ إِلَى أَنْ نَشْكُرَهُ لِأَنَّهُ دَعَانَا إِلَى كَرْمِهِ، وَأَنْ نَفْرَحَ لِأَنَّ رَحْمَتَهُ تَبْقَى مَفْتُوحَةً حَتَّى لِمَنْ يَأْتِي فِي السَّاعَةِ الأَخِيرَةِ. فَفِي مَلَكُوتِ اللهِ لَا يَنْقُصُ نَصِيبِي حِينَ يَجُودُ اللهُ عَلَى أَخِي، بَلْ يَكْتَمِلُ فَرَحُ المَلَكُوتِ حِينَ أَفْرَحُ أَنَا أَيْضًا بِالخَيْرِ الَّذِي يَهَبُهُ اللهُ لِلآخَرِينَ.

 

13 "أَجَابَ وَاحِدًا مِنْهُمْ: يَا صَدِيقِي، مَا ظَلَمْتُكَ، أَلَمْ تَتَّفِقْ مَعِي عَلَى دِينَارٍ؟"

تُشِيرُ عِبَارَةُ "أَجَابَ وَاحِدًا مِنْهُمْ" إِلَى جَوَابِ رَبِّ الكَرْمِ لِوَاحِدٍ مِنَ العُمَّالِ المُتَذَمِّرِينَ، بِاعْتِبَارِهِ مُمَثِّلًا لِلآخَرِينَ الَّذِينَ شَارَكُوهُ فِي التَّذَمُّرِ (مَتَّى 20: 11). وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ تَرِدُ العِبَارَةُ: ὁ δὲ ἀποκριθεὶς ἑνὶ αὐτῶν εἶπεν، أَيْ: "فَأَجَابَ وَاحِدًا مِنْهُمْ وَقَالَ". وَهٰكَذَا يَنْتَقِلُ المَثَلُ مِنْ شَكْوَى العُمَّالِ إِلَى جَوَابِ رَبِّ الكَرْمِ، وَهُوَ جَوَابٌ يَكْشِفُ فِي آنٍ وَاحِدٍ عَدْلَهُ وَحُرِّيَّتَهُ وَجُودَهُ. وَاللَّافِتُ أَنَّ رَبَّ الكَرْمِ لَا يَرُدُّ عَلَى التَّذَمُّرِ بِالغَضَبِ أَوِ الإِهَانَةِ، بَلْ يَدْخُلُ فِي حِوَارٍ مَعَ العَامِلِ، وَيُذَكِّرُهُ بِالاتِّفَاقِ الَّذِي تَمَّ بَيْنَهُمَا. فَالمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ أَنَّ العَامِلَ الأَوَّلَ لَمْ يَنَلْ حَقَّهُ، بَلْ أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ أَنْ يَنَالَ الآخَرُ مِنْ جُودِ رَبِّ الكَرْمِ مَا يَفُوقُ حِسَابَ الاسْتِحْقَاقِ البَشَرِيِّ.

أَمَّا عِبَارَةُ "يَا صَدِيقِي"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἑταῖρε، وَهِيَ صِيغَةُ نِدَاءٍ مِنَ الاسْمِ ἑταῖρος، وَتَعْنِي: "يَا رَفِيقِي" أَوْ "يَا صَاحِبِي". وَهِيَ لَيْسَتِ الكَلِمَةَ اليُونَانِيَّةَ المَأْلُوفَةَ لِلصَّدِيقِ الحَمِيمِ، φίλος، بَلْ لَفْظَةٌ تَدُلُّ عَلَى المُخَاطَبَةِ بِأُسْلُوبٍ هَادِئٍ وَمُهَذَّبٍ، مَعَ إِمْكَانِ وُجُودِ مَسَافَةٍ أَوْ عِتَابٍ فِي السِّيَاقِ. وَمِنَ اللَّافِتِ أَنَّ إِنْجِيلَ مَتَّى يَسْتَعْمِلُ ἑταῖρε فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى تَحْمِلُ نَبْرَةَ عِتَابٍ: يَقُولُ المَلِكُ لِلرَّجُلِ الَّذِي دَخَلَ العُرْسَ مِنْ غَيْرِ لِبَاسِ العُرْسِ: "يَا صَدِيقِي، كَيْفَ دَخَلْتَ هٰهُنَا وَلَيْسَ عَلَيْكَ لِبَاسُ العُرْسِ؟" (مَتَّى 22: 12)، وَيَقُولُ يَسُوعُ لِيَهُوذَا عِنْدَ القَبْضِ عَلَيْهِ: "يَا صَدِيقِي، لِمَا جِئْتَ؟" (مَتَّى 26: 50). لِذٰلِكَ فَالنِّدَاءُ هُنَا يَجْمَعُ بَيْنَ اللُّطْفِ وَالعِتَابِ: فَرَبُّ الكَرْمِ لَا يُهِينُ العَامِلَ، بَلْ يُوَاجِهُهُ بِحَقِيقَةِ مَوْقِفِهِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "مَا ظَلَمْتُكَ"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ οὐκ ἀδικῶ σε، وَالفِعْلُ ἀδικέω يَعْنِي "يَظْلِمُ، يَرْتَكِبُ ظُلْمًا، يَحْرِمُ آخَرَ مِنْ حَقِّهِ". وَالجُمْلَةُ فِي صِيغَةِ المُضَارِعِ تُؤَكِّدُ أَنَّ تَصَرُّفَ رَبِّ الكَرْمِ لَا يَتَضَمَّنُ أَيَّ ظُلْمٍ لِلْعَامِلِ: فَقَدْ أَعْطَاهُ كَامِلَ الأُجْرَةِ الَّتِي اتَّفَقَ مَعَهُ عَلَيْهَا مُنْذُ الفَجْرِ (مَتَّى 20: 2). وَهُنَا يَظْهَرُ المِحْوَرُ اللاهُوتِيُّ لِلْمَثَلِ: إِنَّ جُودَ اللهِ لِلآخَرِ لَا يَعْنِي ظُلْمَهُ لِي. فَمَا أَعْطَاهُ رَبُّ الكَرْمِ لِعُمَّالِ السَّاعَةِ الأَخِيرَةِ لَمْ يَنْتَقِصْ شَيْئًا مِنْ حَقِّ العُمَّالِ الأَوَّلِينَ. وَمِنْ ثَمَّ، فَالمَشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي عَدَالَةِ رَبِّ الكَرْمِ، بَلْ فِي نَظْرَةِ العَامِلِ الَّذِي أَصْبَحَ يَقِيسُ مَا نَالَهُ بِمَا نَالَهُ الآخَرُونَ. وَيُبَيِّنُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ، فِي شَرْحِهِ لِلْمَثَلِ، أَنَّ الغَايَةَ لَيْسَتِ الانتقاصَ مِنْ قِيمَةِ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا مُبَكِّرًا، بَلْ مَنْعَهُمْ مِنِ احْتِقَارِ الَّذِينَ جَاءُوا مُتَأَخِّرِينَ. فَاللهُ يَقْبَلُ مَنْ يَأْتِي إِلَيْهِ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَلا يَسْمَحُ لِسَبْقِ الدَّعْوَةِ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى سَبَبٍ لِلكِبْرِيَاءِ أَوِ الحَسَدِ (611-615، PG 58). وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ سَبْقَ الإِنْسَانِ فِي الإِيمَانِ أَوِ الخِدْمَةِ لَا يُعْطِيهِ سُلْطَانًا عَلَى نِعْمَةِ اللهِ، وَلَا حَقًّا فِي أَنْ يَحُدَّ مَا يَهَبُهُ اللهُ لِلآخَرِينَ. فَالنِّعْمَةُ تَبْقَى عَطِيَّةً، وَلَيْسَتْ مِلْكًا خَاصًّا يَحْتَكِرُهُ مَنْ سَبَقَ إِلَيْهَا.

أَمَّا عِبَارَةُ "أَلَمْ تَتَّفِقْ مَعِي عَلَى دِينَارٍ؟"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ οὐχὶ δηναρίου συνεφώνησάς μοι;، وَالفِعْلُ συμφωνέω يَعْنِي "يَتَّفِقُ، يَتَوَافَقُ"، وَمِنْهُ جَاءَتْ كَلِمَةُ symphony.  وَيُحِيلُ السُّؤَالُ مُبَاشَرَةً إِلَى بَدَايَةِ المَثَلِ: "فَاتَّفَقَ مَعَ العَمَلَةِ عَلَى دِينَارٍ فِي اليَوْمِ" (مَتَّى 20: 2). وَالسُّؤَالُ هُنَا اسْتِنْكَارِيٌّ، وَالجَوَابُ عَنْهُ وَاضِحٌ: نَعَمْ، كَانَ الاتِّفَاقُ عَلَى دِينَارٍ، وَقَدْ وَفَى رَبُّ الكَرْمِ بِاتِّفَاقِهِ كَامِلًا. لِذٰلِكَ لَا يَسْتَطِيعُ العَامِلُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ تَعَرَّضَ لِلظُّلْمِ. وَهٰكَذَا يَضَعُ رَبُّ الكَرْمِ أَمَامَهُ حَقِيقَتَيْنِ مُتَكَامِلَتَيْنِ: أَنَا لَمْ أَظْلِمْكَ، وَأَنَا جُدْتُ عَلَى غَيْرِكَ. وَيَرَى القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ فِي الدِّينَارِ رَمْزًا إِلَى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ؛ فَالعَطِيَّةُ النِّهَائِيَّةُ هِيَ الشَّرِكَةُ فِي حَيَاةِ اللهِ، وَهِيَ لَا تُقَسَّمُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ أَكْبَرَ لِمَنْ دُعِيَ أَوَّلًا وَأَصْغَرَ لِمَنْ دُعِيَ آخِرًا. وَمِنْ هُنَا يَقْرَأُ أُوغُسْطِينُوسُ تَسَاوِي العُمَّالِ فِي الدِّينَارِ عَلَى ضَوْءِ وَحْدَةِ عَطِيَّةِ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ (530-535، PL 38).  وَلٰكِنْ لَا يَنْبَغِي فَهْمُ "الدِّينَارِ" فِي المَثَلِ فَهْمًا آلِيًّا كَأَنَّ الخَلَاصَ "أُجْرَةٌ" يَسْتَحِقُّهَا الإِنْسَانُ بِمُجَرَّدِ عَمَلِهِ؛ فَالمَثَلُ نَفْسُهُ يَقْلِبُ هٰذَا المَنْطِقَ، إِذْ يُظْهِرُ أَنَّ العَطِيَّةَ النِّهَائِيَّةَ تَتَجَاوَزُ الحِسَابَ البَشَرِيَّ الدَّقِيقَ. فَالدَّعْوَةُ إِلَى الكَرْمِ نَفْسُهَا نِعْمَةٌ، وَالقُدْرَةُ عَلَى العَمَلِ فِيهِ نِعْمَةٌ، وَالوُصُولُ إِلَى غَايَةِ المَلَكُوتِ نِعْمَةٌ. وَيَكْشِفُ هٰذَا الجَوَابُ، إِذًا، عَنْ فَرْقٍ جَوْهَرِيٍّ بَيْنَ العَدْلِ وَالحَسَدِ: فَالعَدْلُ يَسْأَلُ: "هَلْ نِلْتُ حَقِّي؟"، أَمَّا الحَسَدُ فَيَسْأَلُ: "لِمَاذَا نَالَ الآخَرُ مِثْلِي؟". وَرَبُّ الكَرْمِ يُجِيبُ عَنِ السُّؤَالِ الأَوَّلِ بِوُضُوحٍ: "مَا ظَلَمْتُكَ"؛ أَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي فَسَيَكْشِفُ جَذْرَهُ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ: "أَمْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةٌ لِأَنِّي أَنَا صَالِحٌ؟" (مَتَّى 20: 15). وَمِنْ هُنَا تَحْمِلُ الآيَةُ تَطْبِيقًا رُوحِيًّا عَمِيقًا: لَا يَنْقُصُ مَا أَعْطَانِي اللهُ حِينَ يَجُودُ عَلَى غَيْرِي. فَنِعْمَةُ اللهِ لَيْسَتْ ثَرْوَةً مَحْدُودَةً إِذَا نَالَ مِنْهَا الآخَرُ نَقَصَ نَصِيبِي مِنْهَا. وَالمَطْلُوبُ مِنَ المُؤْمِنِ لَيْسَ فَقَطْ أَنْ يَقْبَلَ عَدْلَ اللهِ نَحْوَهُ، بَلْ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَيْضًا أَنْ يَفْرَحَ بِجُودِ اللهِ نَحْوَ الآخَرِينَ. وَهٰكَذَا يَنْقُلُنَا رَبُّ الكَرْمِ مِنْ مَنْطِقِ "مَاذَا أَسْتَحِقُّ؟" إِلَى مَنْطِقِ "كَمْ هُوَ اللهُ صَالِحٌ!"؛ فَهُوَ عَادِلٌ مَعَ الأَوَّلِينَ، وَجَوَادٌ مَعَ الآخِرِينَ، وَصَالِحٌ مَعَ الجَمِيعِ. وَهٰذَا الصَّلَاحُ الإِلٰهِيُّ، لَا ظُلْمُ رَبِّ الكَرْمِ، هُوَ الَّذِي سَيَكُونُ مَوْضُوعَ الآيَتَيْنِ التَّالِيَتَيْنِ (مَتَّى 20: 14–15).

 

 14 "خُذْ مَا لَكَ وَانْصَرِفْ. فَهٰذَا الَّذِي أَتَى آخِرًا أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَهُ مِثْلَكَ"

تُشِيرُ عِبَارَةُ "خُذْ مَا لَكَ وَانْصَرِفْ" إِلَى جَوَابِ رَبِّ الكَرْمِ لِلْعَامِلِ المُتَذَمِّرِ، بَعْدَمَا ذَكَّرَهُ بِالاتِّفَاقِ الَّذِي عَقَدَهُ مَعَهُ مُنْذُ بَدَايَةِ النَّهَارِ: "أَلَمْ تَتَّفِقْ مَعِي عَلَى دِينَارٍ؟» (مَتَّى 20: 13). وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ تَرِدُ العِبَارَةُ: ἆρον τὸ σὸν καὶ ὕπαγε، أَيْ حَرْفِيًّا: "خُذِ الَّذِي لَكَ وَاذْهَبْ".

وَالفِعْلُ "انْصَرِفْ" ἆρον هُوَ صِيغَةُ الأَمْرِ مِنَ الفِعْلِ αἴρω، الَّذِي يَعْنِي، بِحَسَبِ السِّيَاقِ، "يَرْفَعُ، يَحْمِلُ، يَأْخُذُ". أَمَّا التَّعْبِيرُ τὸ σόν فَيَعْنِي "مَا هُوَ لَكَ" أَوْ "حَقَّكَ". وَبِذٰلِكَ يُؤَكِّدُ رَبُّ الكَرْمِ أَنَّ العَامِلَ لَمْ يُحْرَمْ شَيْئًا مِمَّا اتُّفِقَ عَلَيْهِ، بَلْ نَالَ أُجْرَتَهُ كَامِلَةً. فَلا مَجَالَ لِاتِّهَامِ رَبِّ الكَرْمِ بِالظُّلْمِ، لأَنَّهُ كَانَ عَادِلًا وَأَمِينًا فِي الوَفَاءِ بِمَا وَعَدَ بِهِ. وَلَا يَقُولُ النَّصُّ إِنَّ العُمَّالَ الأَوَّلِينَ رَفَضُوا أَنْ يَأْخُذُوا أُجْرَتَهُمْ؛ فَقَدْ سَبَقَ أَنْ قَالَ الإِنْجِيلُ: "فَأَخَذَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَيْضًا دِينَارًا" (مَتَّى 20: 10)، ثُمَّ "كَانُوا يَأْخُذُونَهُ وَيَقُولُونَ مُتَذَمِّرِينَ عَلَى رَبِّ البَيْتِ" (مَتَّى 20: 11). وَإِذًا، فَمَشْكِلَتُهُمْ لَمْ تَكُنْ فِي نُقْصَانِ أُجْرَتِهِمْ، بَلْ فِي أَنَّ الآخَرِينَ نَالُوا مِثْلَهُمْ. أَمَّا الفِعْلُ ὕπαγε، "اِنْصَرِفْ" أَوْ "اِذْهَبْ"، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحَمَّلَ وَحْدَهُ مَعْنَى الحُكْمِ النِّهَائِيِّ أَوِ الإِقْصَاءِ عَنِ المَلَكُوتِ؛ فَهُوَ، فِي السِّيَاقِ السَّرْدِيِّ، يُنْهِي النِّقَاشَ بَعْدَمَا أَوْفَى رَبُّ الكَرْمِ العَامِلَ حَقَّهُ. وَيَنْتَقِلُ التَّرْكِيزُ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْ حَقِّ العَامِلِ الأَوَّلِ إِلَى حُرِّيَّةِ رَبِّ الكَرْمِ فِي الجُودِ عَلَى العَامِلِ الأَخِيرِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا المَثَلِ مُبَيِّنًا أَنَّ المَسِيحَ يُرِيدُ أَنْ يَنْزِعَ مِنَ الَّذِينَ سَبَقُوا فِي الاسْتِجَابَةِ كُلَّ سَبَبٍ لِلكِبْرِيَاءِ أَوِ احْتِقَارِ الَّذِينَ جَاءُوا مُتَأَخِّرِينَ؛ فَسَبْقُ الدَّعْوَةِ لَا يَجْعَلُ الإِنْسَانَ مَالِكًا لِنِعْمَةِ اللهِ، وَلَا يُعْطِيهِ حَقًّا فِي الاعْتِرَاضِ عَلَى جُودِ اللهِ نَحْوَ الآخَرِينَ (611-615، PG 58).

أَمَّا عِبَارَةُ "فَهٰذَا الَّذِي أَتَى آخِرًا أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَهُ مِثْلَكَ"، فَتَرِدُ فِي اليُونَانِيَّةِ: θέλω δὲ τούτῳ τῷ ἐσχάτῳ δοῦναι ὡς καὶ σοί، وَيُمْكِنُ تَرْجَمَتُهَا حَرْفِيًّا: "وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَ هٰذَا الأَخِيرَ كَمَا أَعْطَيْتُكَ".

وَيَكْتَسِبُ الفِعْلُ "أُرِيدُ" θέλω، أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً فِي بِنْيَةِ المَثَلِ؛ فَهُوَ يُبْرِزُ حُرِّيَّةَ رَبِّ الكَرْمِ فِي العَطَاءِ. وَهٰذِهِ الحُرِّيَّةُ لَيْسَتْ اعْتِبَاطًا وَلَا مُحَابَاةً، لأَنَّ رَبَّ الكَرْمِ لَمْ يَظْلِمِ الأَوَّلِينَ، بَلْ وَفَى لَهُمْ بِكُلِّ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ. إِنَّهُ عَادِلٌ مَعَ الأَوَّلِينَ، وَجَوَادٌ مَعَ الآخِرِينَ.

وَأَمَّا "هٰذَا الَّذِي أَتَى آخِرًا"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ τούτῳ τῷ ἐσχάτῳ، أَيْ: "هٰذَا الأَخِير". وَاللَّفْظُ ἔσχατος يَعْنِي "الأَخِير" أَوْ "المُتَأَخِّر"، وَهُوَ لَفْظٌ مِفْتَاحِيٌّ فِي هٰذِهِ الوَحْدَةِ، إِذْ يَرْبِطُ المَثَلَ بِقَوْلِ يَسُوعَ قَبْلَهُ: "وَكَثِيرٌ مِنَ الأَوَّلِينَ يَصِيرُونَ آخِرِينَ، وَمِنَ الآخِرِينَ أَوَّلِينَ" (مَتَّى 19: 30)، وَبِخَاتِمَتِهِ: "فَهٰكَذَا يَصِيرُ الآخِرُونَ أَوَّلِينَ، وَالأَوَّلُونَ آخِرِينَ" (مَتَّى 20: 16). وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يَنْبَغِي الحَذَرُ مِنْ حَصْرِ "الآخِرِينَ " فِي الأُمَمِ وَ"الأَوَّلِينَ" فِي اليَهُودِ حَصْرًا مُطْلَقًا. فَهٰذَا التَّطْبِيقُ مُمْكِنٌ فِي إِطَارِ تَارِيخِ الخَلَاصِ، وَلٰكِنَّ دَلَالَةَ المَثَلِ أَوْسَعُ؛ إِذْ تَشْمَلُ كُلَّ مَنْ يَدْعُوهُ اللهُ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَتُحَذِّرُ مَنْ سَبَقَ فِي الدَّعْوَةِ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ سَبْقَهُ سَبَبًا لِلِاسْتِحْقَاقِ المُتَعَالِي أَوِ الحَسَدِ.

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "أَنْ أُعْطِيَهُ"، δοῦναι، إِلَى مِحْوَرٍ لَاهُوتِيٍّ أَسَاسِيٍّ فِي المَثَلِ، هُوَ العَطِيَّةُ. فَرَبُّ الكَرْمِ لَا يَتَكَلَّمُ هُنَا فَقَطْ بِلُغَةِ "الأُجْرَةِ"، بَلْ بِلُغَةِ العَطَاءِ. وَهُنَا يَتَجَاوَزُ المَثَلُ مَنْطِقَ المُقَايَضَةِ: عَمَلٌ أَكْثَرُ = نِعْمَةٌ أَكْثَرُ؛ لِيَكْشِفَ أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ هُوَ، فِي أَصْلِهِ، عَطِيَّةٌ إِلٰهِيَّةٌ مَجَّانِيَّةٌ. وَيَرَى القِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الكَبِيرُ فِي هٰذَا المَثَلِ أَنَّ اخْتِلَافَ سَاعَاتِ الدَّعْوَةِ لَا يُلْغِي وَحْدَةَ الغَايَةِ؛ فَبَعْضُهُمْ يُدْعَى فِي بَدَايَةِ حَيَاتِهِ، وَبَعْضُهُمْ فِي مُنْتَصَفِهَا، وَبَعْضُهُمْ فِي آخِرِهَا، وَلٰكِنَّ مَنْ يَسْتَجِيبُ لِلدَّعْوَةِ يَدْخُلُ إِلَى كَرْمِ الرَّبِّ. وَبِذٰلِكَ يُصْبِحُ المَثَلُ دَعْوَةً إِلَى عَدَمِ اليَأْسِ مِنْ أَيِّ إِنْسَانٍ مَهْمَا تَأَخَّرَتْ سَاعَةُ اسْتِجَابَتِهِ (1154-1158، PL 76). وَيَتَّفِقُ هٰذَا المَنْطِقُ مَعَ مَا يُعَلِّمُهُ بُولُسُ الرَّسُولُ عَنْ فَيْضِ عَطَاءِ اللهِ: "ذَاكَ الَّذِي يَسْتَطِيعُ، بِقُوَّتِهِ العَامِلَةِ فِينَا، أَنْ يَبْلُغَ مَا يَفُوقُ كَثِيرًا كُلَّ مَا نَسْأَلُهُ أَوْ نَتَصَوَّرُهُ" (أَفَسُس 3: 20). فَاللهُ لَا يُعْطِي وَفْقَ حِسَابَاتِنَا الضَّيِّقَةِ، بَلْ وَفْقَ غِنَى نِعْمَتِهِ وَصَلَاحِهِ. وَمِنْ هُنَا، لَا يَقُومُ مَلَكُوتُ اللهِ عَلَى مُوَازَنَةٍ حِسَابِيَّةٍ بَيْنَ سَاعَاتِ العَمَلِ وَمِقْدَارِ النِّعْمَةِ، بَلْ عَلَى مُبَادَرَةِ اللهِ وَدَعْوَتِهِ وَعَطَائِهِ. فَفِي نِظَامِ الأُجْرَةِ البَشَرِيَّةِ يُحْسَبُ الأَجْرُ عَلَى قَدْرِ العَمَلِ وَالوَقْتِ وَالإِنْتَاجِ؛ أَمَّا فِي المَثَلِ، فَيَكْشِفُ يَسُوعُ مَنْطِقًا آخَرَ: مَنْطِقَ الأَبِ الَّذِي يَجُودُ، لَا مَنْطِقَ التَّاجِرِ الَّذِي يَحْسُبُ فَقَطْ. وَلٰكِنَّ هٰذَا لَا يَعْنِي أَنَّ العَمَلَ وَالأَمَانَةَ وَالمُثَابَرَةَ لَا قِيمَةَ لَهَا، بَلْ يَعْنِي أَنَّهَا لَا تَجْعَلُ الإِنْسَانَ دَائِنًا لِلَّهِ. فَحَتَّى قُدْرَتُنَا عَلَى العَمَلِ فِي كَرْمِهِ هِيَ نَفْسُهَا نِعْمَةٌ سَبَقَتْنَا. وَكَمَا يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ: "مَاذَا لَكَ لَمْ تَنَلْهُ؟ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ نِلْتَهُ، فَلِمَاذَا تَفْتَخِرُ كَأَنَّكَ لَمْ تَنَلْ؟" (1 قُورِنْثُس 4: 7). وَهٰكَذَا تَضَعُنَا الآيَةُ أَمَامَ حَقِيقَتَيْنِ مُتَكَامِلَتَيْنِ: اللهُ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا، وَاللهُ حُرٌّ فِي أَنْ يَجُودَ عَلَى الجَمِيعِ. فَعَدْلُهُ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ رَحْمَتِهِ، وَرَحْمَتُهُ لَا تُلْغِي عَدْلَهُ؛ بَلْ يَكْشِفُ المَثَلُ أَنَّ صَلَاحَ اللهِ أَوْسَعُ مِنْ حِسَابَاتِ الاسْتِحْقَاقِ البَشَرِيِّ. وَمِنْ هُنَا يَنْتَقِلُ السُّؤَالُ مِنْ: "لِمَاذَا أَعْطَى اللهُ الآخَرَ مِثْلِي؟" إِلَى السُّؤَالِ الأَعْمَقِ: "هَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْرَحَ لِأَنَّ اللهَ صَالِحٌ وَجَوَادٌ مَعَ غَيْرِي كَمَا هُوَ صَالِحٌ وَجَوَادٌ مَعِي؟" وَهٰذَا هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي سَتَكْشِفُهُ الآيَةُ التَّالِيَةُ: "أَمْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةٌ لِأَنِّي أَنَا صَالِحٌ؟" (مَتَّى 20: 15).

 

15 "أَلَا يَجُوزُ لِي أَنْ أَتَصَرَّفَ بِمَالِي كَمَا أَشَاءُ؟ أَمْ عَيْنُكَ حَسُودٌ لِأَنِّي كَرِيمٌ؟"

عِبَارَةُ "أَلَا يَجُوزُ لِي أَنْ أَتَصَرَّفَ بِمَالِي كَمَا أَشَاءُ؟"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: οὐκ ἔξεστίν μοι ὃ θέλω ποιῆσαι ἐν τοῖς ἐμοῖς;، وَمَعْنَاهَا الحَرْفِيُّ: "أَلَيْسَ مَسْمُوحًا لِي أَنْ أَفْعَلَ مَا أُرِيدُ بِمَا هُوَ لِي؟". وَيُفِيدُ الفِعْلُ ἔξεστιν مَعْنَى "يَجُوزُ"، أَوْ "يَحِقُّ"، أَوْ "هُوَ مُبَاحٌ". أَمَّا ἐν τοῖς ἐμοῖς فَتَعْنِي: "فِيمَا هُوَ لِي" أو "بِمَا أَمْلِكُهُ". وَهٰكَذَا يُؤَكِّدُ رَبُّ الكَرْمِ حُرِّيَّتَهُ فِي التَّصَرُّفِ بِخَيْرَاتِهِ، بَعْدَ أَنْ وَفَّى بِالعَدْلِ كُلَّ مَا التَزَمَ بِهِ نَحْوَ العُمَّالِ الأَوَّلِينَ.

أَمَّا عِبَارَةُ "كَمَا أَشَاءُ"، فَتَرْتَبِطُ بِالفِعْلِ اليُونَانِيِّ θέλω، أَيْ: "أُرِيدُ"، وَهُوَ نَفْسُهُ الَّذِي وَرَدَ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ: "أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَهُ مِثْلَكَ" (مَتَّى 20: 14). وَهٰذَا التَّكْرَارُ يُبْرِزُ حُرِّيَّةَ رَبِّ الكَرْمِ فِي العَطَاءِ. غَيْرَ أَنَّ هٰذِهِ الحُرِّيَّةَ لَيْسَتْ اعْتِبَاطِيَّةً وَلَا مُنَاقِضَةً لِلْعَدْلِ؛ فَقَدْ أَوْفَى لِلأَوَّلِينَ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ مَعَهُمْ، ثُمَّ تَجَاوَزَ حَدَّ العَدْلِ الحِسَابِيِّ بِجُودِهِ عَلَى الآخِرِينَ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ المَثَلَ لَا يُقَدِّمُ اللهَ سَيِّدًا مُتَعَسِّفًا "يُعْطِي أَوْ لَا يُعْطِي كَمَا يَشَاءُ"، بَلْ يَكْشِفُ عَنْ حُرِّيَّةِ صَلَاحِهِ: فَهُوَ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا، وَلٰكِنَّهُ فِي الوَقْتِ عَيْنِهِ لَا يَسْمَحُ لِحِسَابَاتِ الإِنْسَانِ أَنْ تَضَعَ حُدُودًا لِجُودِهِ وَرَحْمَتِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى المَثَلِ مُبَيِّنًا أَنَّ السَّيِّدَ، بَعْدَ أَنْ دَافَعَ عَنْ عَدْلِهِ، يَكْشِفُ أَنَّ الاعْتِرَاضَ لَا يَنْشَأُ مِنْ نَقْصٍ فِي الأُجْرَةِ، بَلْ مِنْ مُقَارَنَةِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِالآخَرِينَ وَتَضَايُقِهِ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي نَالُوهُ. وَهٰكَذَا يُرِيدُ المَسِيحُ أَنْ يَمْنَعَ الَّذِينَ سَبَقُوا فِي الدَّعْوَةِ مِنِ احْتِقَارِ الَّذِينَ جَاءُوا مُتَأَخِّرِينَ، أَوْ مِنَ الاعْتِقَادِ أَنَّ سَبْقَهُمْ يَجْعَلُهُمْ أَصْحَابَ امْتِيَازٍ أَمَامَ اللهِ (611-615، PG 58).

أَمَّا عِبَارَةُ "أَمْ عَيْنُكَ حَسُودٌ"، فَهِيَ فِي اليُونَانِيَّةِ ἢ ὁ ὀφθαλμός σου πονηρός ἐστιν، وَتَعْنِي حَرْفِيًّا: "أَمْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةٌ؟".  فَالصِّفَةُ πονηρός تَعْنِي "شِرِّير" أو "سَيِّئ"، أَمَّا تَرْجَمَتُهَا بِـ"حَسُود" فَتَنْقُلُ المَعْنَى الاصْطِلَاحِيَّ لِعِبَارَةِ "العَيْنِ الشِّرِّيرَةِ" فِي البِيئَةِ السَّامِيَّةِ. فَـ"العَيْنُ الشِّرِّيرَةُ" فِي الاسْتِعْمَالِ الكِتَابِيِّ لَا تَعْنِي مُجَرَّدَ النَّظَرِ السَّيِّئِ، بَلْ تَدُلُّ عَلَى الحَسَدِ وَالشُّحِّ وَالتَّضَايُقِ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي يَنَالُهُ الآخَرُ. وَيَظْهَرُ هٰذَا المَعْنَى فِي سِفْرِ تَثْنِيَةِ الاشْتِرَاعِ، حَيْثُ يُحَذِّرُ اللهُ الإِنْسَانَ مِنْ أَنْ "تَسُوءَ عَيْنُكَ إِلَى أَخِيكَ الفَقِيرِ وَلَا تُعْطِيَهُ شَيْئًا" (تَثْنِيَةُ الاشْتِرَاعِ 15: 9)، وَفِي سِفْرِ الأَمْثَالِ: "لَا تَأْكُلْ خُبْزَ حَسُودِ العَيْنِ" (أَمْثَال 23: 6). وَهٰذَا هُوَ بِالضَّبْطِ مَوْقِفُ العَامِلِ المُتَذَمِّرِ: لَمْ يُحْرَمْ مِنْ حَقِّهِ، بَلْ تَأَلَّمَ لِأَنَّ غَيْرَهُ نَالَ خَيْرًا مِثْلَهُ. فَمُشْكِلَتُهُ لَيْسَتْ فِي مَا أَخَذَهُ، بَلْ فِي مَا أَخَذَهُ الآخَرُ. وَمِنْ هُنَا يَكْشِفُ المَثَلُ جَوْهَرَ الحَسَدِ: أَنْ يَتَحَوَّلَ خَيْرُ الآخَرِ إِلَى سَبَبٍ لِحُزْنِي. وَفِي هٰذَا المَعْنَى يَقُولُ سِفْرُ الأَمْثَالِ: "حَيَاةُ الجَسَدِ قَلْبٌ هَادِئٌ، وَنَخْرُ العِظَامِ الحَسَدُ" (أَمْثَال 14: 30). وَيَذْكُرُ بُولُسُ الرَّسُولُ الحَسَدَ وَالخِصَامَ ضِمْنَ المَوَاقِفِ الَّتِي تُفَكِّكُ الجَمَاعَةَ (رُومَة 13: 13؛ 1 قُورِنْثُس 3: 3)، كَمَا يَرْبِطُ يَعْقُوبُ الرَّسُولُ "الحَسَدَ المُرَّ" بِالفَوْضَى وَالأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ (يَعْقُوب 3: 14–16). وَيَكْمُنُ خَطَرُ الحَسَدِ فِي أَنَّهُ يَجْعَلُ الإِنْسَانَ عَاجِزًا عَنْ الفَرَحِ بِنِعْمَةِ اللهِ عَلَى الآخَرِينَ. فَالعَامِلُ الأَوَّلُ لَمْ يَعُدْ يَرَى فِي الدِّينَارِ الَّذِي أَخَذَهُ خَيْرًا، لأَنَّهُ رَأَى الدِّينَارَ نَفْسَهُ فِي يَدِ الآخَرِ. وَبِذٰلِكَ أَفْسَدَتِ المُقَارَنَةُ فَرَحَهُ بِمَا نَالَهُ. وَيُذَكِّرُ هٰذَا المَوْقِفُ بِالابْنِ الأَكْبَرِ فِي مَثَلِ الابْنِ الضَّالِّ؛ فَهُوَ أَيْضًا لَمْ يُحْرَمْ مِنْ مَحَبَّةِ أَبِيهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَفْرَحَ بِعَوْدَةِ أَخِيهِ، فَقَالَ لَهُ الأَبُ: "يَا بُنَيَّ، أَنْتَ مَعِي دَائِمًا أَبَدًا، وَجَمِيعُ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ. وَلكِنْ كَانَ يَجِبُ أَنْ نَتَنَعَّمَ وَنَفْرَحَ" (لُوقَا 15: 31–32). فَالمُشْكِلَةُ فِي المَثَلَيْنِ هِيَ نَفْسُهَا: هَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْرَحَ بِرَحْمَةِ اللهِ حِينَ تَشْمَلُ غَيْرِي؟

أَمَّا عِبَارَةُ "لِأَنِّي كَرِيمٌ"، فَالأَصْلُ اليُونَانِيُّ أَدَقُّ مِنَ التَّرْجَمَةِ العَرَبِيَّةِ فِي هٰذَا المَوْضِعِ، إِذْ يَقُولُ: ὅτι ἐγὼ ἀγαθός εἰμι، أَيْ حَرْفِيًّا: "لِأَنِّي أَنَا صَالِحٌ".وَالصِّفَةُ ἀγαθός  تَعْنِي: "صَالِح، خَيِّر"، وَيَظْهَرُ هٰذَا الصَّلَاحُ هُنَا فِي الكَرَمِ وَالسَّخَاءِ وَالجُودِ؛ وَلِذٰلِكَ فَتَرْجَمَةُ "كَرِيم" تُعَبِّرُ عَنْ أَثَرِ صَلَاحِهِ فِي السِّيَاقِ، أَمَّا "صَالِح" فَهِيَ الأَقْرَبُ إِلَى اللَّفْظِ اليُونَانِيِّ. وَلِهٰذَا اللَّفْظِ أَهَمِّيَّةٌ خَاصَّةٌ فِي السِّيَاقِ القَرِيبِ مِنْ إِنْجِيلِ مَتَّى؛ فَقَدْ قَالَ يَسُوعُ قَبْلَ هٰذَا المَثَلِ مُبَاشَرَةً فِي حِوَارِهِ مَعَ الشَّابِّ الغَنِيِّ: "إِنَّمَا الصَّالِحُ وَاحِدٌ" (مَتَّى 19: 17). وَهُنَا يَقُولُ رَبُّ الكَرْمِ: "لِأَنِّي أَنَا صَالِحٌ". وَبِذٰلِكَ يَكْشِفُ المَثَلُ، مِنْ خِلَالِ صُورَةِ رَبِّ الكَرْمِ، شَيْئًا مِنْ صَلَاحِ اللهِ وَجُودِهِ. وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُ المُقَابَلَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ فِي الآيَةِ بِعِبَارَتَيْنِ: ὀφθαλμός πονηρός"عَيْنٌ شِرِّيرَةٌ/حَاسِدَةٌ"، وَἐγὼ ἀγαθός εἰμι، "أَنَا صَالِحٌ". فَالمَثَلُ يَضَعُ أَمَامَنَا العَيْنَ الَّتِي تَنْظُرُ بِالحَسَدِ، وَاللهَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ بِالصَّلَاحِ.  وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ المُشْكِلَةَ لَيْسَتْ فِي صَلَاحِ اللهِ، بَلْ فِي العَيْنِ الَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَرَى هٰذَا الصَّلَاحَ مِنْ دُونِ مُقَارَنَةٍ وَحَسَدٍ. وَيَرَى القِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الكَبِيرُ فِي التَّذَمُّرِ تَحْذِيرًا لِمَنْ يَعْمَلُ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ فِي كَرْمِ الرَّبِّ مِنْ أَنْ يُفْسِدَ فَرَحَ خِدْمَتِهِ بِالمُقَارَنَةِ مَعَ الآخَرِينَ؛ فَالغَايَةُ لَيْسَتْ أَنْ يَتَفَوَّقَ العَامِلُ عَلَى أَخِيهِ، بَلْ أَنْ يَصِلَ الجَمِيعُ إِلَى العَطِيَّةِ الَّتِي يَهَبُهَا رَبُّ الكَرْمِ (1154-1159، PL 76). وَتَكْشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ أَيْضًا أَنَّ النِّعْمَةَ لَا تُلْغِي العَدْلَ، بَلْ تَتَجَاوَزُهُ بِالجُودِ. فَرَبُّ الكَرْمِ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الأَوَّلِينَ لِيُعْطِيَ الآخِرِينَ، وَلَمْ يُنْقِصْ حَقَّ أَحَدٍ لِيُظْهِرَ رَحْمَتَهُ لِغَيْرِهِ. إِنَّهُ يُعْطِي الأَوَّلَ مَا وَعَدَهُ، وَيَجُودُ عَلَى الأَخِيرِ بِمَا يَفُوقُ مَا كَانَ يَنْتَظِرُهُ. وَمِنْ هُنَا لَا يَنْبَغِي أَنْ نَفْهَمَ المَثَلَ عَلَى أَنَّ العَمَلَ وَالأَمَانَةَ وَالمُثَابَرَةَ لَا قِيمَةَ لَهَا عِنْدَ اللهِ؛ فَالإِنْجِيلُ نَفْسُهُ يُؤَكِّدُ أَهَمِّيَّةَ الأَمَانَةِ وَالثَّمَرِ وَالمُثَابَرَةِ. وَلٰكِنَّ المَثَلَ يَرْفُضُ تَحْوِيلَ العَلَاقَةِ مَعَ اللهِ إِلَى عَلَاقَةِ حِسَابٍ وَاسْتِحْقَاقٍ، كَأَنَّ الإِنْسَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجْعَلَ اللهَ مَدِينًا لَهُ. فَالخَلَاصُ، فِي أَصْلِهِ، عَطِيَّةُ نِعْمَةٍ، كَمَا يُعَلِّمُ بُولُسُ الرَّسُولُ: "فَإِنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ بِالإِيمَانِ، وَذٰلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ، إِنَّمَا هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ، وَلَيْسَ مِنَ الأَعْمَالِ لِئَلَّا يَفْتَخِرَ أَحَدٌ" (أَفَسُس 2: 8–9). وَهٰذِهِ النِّعْمَةُ نَفْسُهَا تُنْشِئُ فِي الإِنْسَانِ حَيَاةَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ (أَفَسُس 2: 10). وَفِي هٰذَا الضَّوْءِ، لَا يَدْعُونَا المَثَلُ إِلَى أَنْ نَسْأَلَ: "لِمَاذَا أَعْطَى اللهُ هٰذَا الإِنْسَانَ مِثْلِي أَوْ أَكْثَرَ مِنِّي؟"، بَلْ إِلَى أَنْ نَتَعَلَّمَ الفَرَحَ بِالخَيْرِ الَّذِي يَصْنَعُهُ اللهُ مَعَ الآخَرِينَ. فَالمَحَبَّةُ الحَقِيقِيَّةُ "لَا تَحْسُدُ" (1 قُورِنْثُس 13: 4)، بَلْ تَفْرَحُ بِالخَيْرِ. وَبِهٰذَا المَعْنَى يَتَّضِحُ أَنَّ رَبَّ الكَرْمِ لَيْسَ مُجَرَّدَ رَبِّ عَمَلٍ يُدِيرُ حِسَابَ الأُجُورِ، بَلْ إِنَّ صُورَتَهُ فِي المَثَلِ تَكْشِفُ عَنْ صَلَاحِ اللهِ الأَبَوِيِّ الَّذِي يُرِيدُ الخَيْرَ لِكُلِّ مَنْ دَعَاهُمْ إِلَى كَرْمِهِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَالآخَرُ لَيْسَ مُنَافِسًا لِي عَلَى نِعْمَةِ اللهِ، بَلْ أَخٌ مَدْعُوٌّ مَعِي إِلَى العَطِيَّةِ نَفْسِهَا. وَهُنَا تَبْلُغُ الآيَةُ ذُرْوَتَهَا الرُّوحِيَّةَ: هَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْرَحَ لِأَنَّ اللهَ صَالِحٌ مَعَ الآخَرِينَ؟ أَمْ أَنَّ عَيْنِي تَضِيقُ حِينَ تَرَى نِعْمَةَ اللهِ تُغْدَقُ عَلَى مَنْ أَظُنُّ أَنَّهُ أَقَلُّ مِنِّي اسْتِحْقَاقًا؟ فَالحَسَدُ يَقُولُ: "لِمَاذَا أَعْطَيْتَهُ مِثْلِي؟"، أَمَّا المَحَبَّةُ فَتَقُولُ: "أَشْكُرُكَ يَا رَبُّ لأَنَّ صَلَاحَكَ وَصَلَ إِلَى أَخِي كَمَا وَصَلَ إِلَيَّ". وَهٰكَذَا يَنْقُلُنَا المَسِيحُ مِنْ مَنْطِقِ المُقَارَنَةِ إِلَى مَنْطِقِ الشُّكْرِ، وَمِنْ حِسَابِ الاسْتِحْقَاقِ إِلَى قَبُولِ النِّعْمَةِ، وَمِنَ العَيْنِ الحَاسِدَةِ إِلَى القَلْبِ القَادِرِ عَلَى الفَرَحِ بِصَلَاحِ اللهِ نَحْوَ الجَمِيعِ.  تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ المِفْتَاحَ التَّفْسِيرِيَّ وَاللَّاهُوتِيَّ لِمَثَلِ عُمَّالِ الكَرْمِ؛ فَبَعْدَ أَنْ أَثْبَتَ رَبُّ الكَرْمِ أَنَّهُ لَمْ يَظْلِمِ العُمَّالَ الأَوَّلِينَ، لأَنَّهُ أَعْطَاهُمْ مَا اتَّفَقَ مَعَهُمْ عَلَيْهِ، يَنْتَقِلُ الآنَ إِلَى كَشْفِ السَّبَبِ الحَقِيقِيِّ لِتَذَمُّرِهِمْ: لَيْسَ الظُّلْمَ الَّذِي لَحِقَ بِهِمْ، بَلِ الحَسَدَ أَمَامَ الخَيْرِ الَّذِي نَالَهُ الآخَرُونَ.

 

16 "فَهٰكَذَا يَصِيرُ الآخِرُونَ أَوَّلِينَ، وَالأَوَّلُونَ آخِرِينَ"

عِبَارَةُ "فَهٰكَذَا"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ οὕτως، تَرْبِطُ النَّتِيجَةَ بِكُلِّ مَا سَبَقَ فِي المَثَلِ: كَمَا أَنَّ رَبَّ الكَرْمِ بَدَأَ بِعُمَّالِ السَّاعَةِ الأَخِيرَةِ وَأَعْطَاهُمْ مَا أَعْطَى الأَوَّلِينَ، كذلك يَقْلِبُ مَنْطِقُ النِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ مَقَايِيسَ الأَوَّلِيَّةِ البَشَرِيَّةِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "يَصِيرُ الآخِرُونَ أَوَّلِينَ، وَالأَوَّلُونَ آخِرِينَ"، فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: οὕτως ἔσονται οἱ ἔσχατοι πρῶτοι καὶ οἱ πρῶτοι ἔσχατοι أَيْ حَرْفِيًّا: "هٰكَذَا سَيَكُونُ الآخِرُونَ أَوَّلِينَ، وَالأَوَّلُونَ آخِرِينَ".  وَتَرِدُ هُنَا مُقَابَلَةٌ بَلَاغِيَّةٌ بَيْنَ ἔσχατοι، "الآخِرِينَ"، وَπρῶτοι، "الأَوَّلِينَ"، لِتُعَبِّرَ عَنْ قَلْبِ المَقَايِيسِ البَشَرِيَّةِ أَمَامَ مَنْطِقِ مَلَكُوتِ اللهِ. وَهٰذِهِ الخَاتِمَةُ تُعِيدُ، بِتَرْتِيبٍ مَعْكُوسٍ، المَبْدَأَ الَّذِي وَرَدَ قَبْلَ المَثَلِ مُبَاشَرَةً: "وَكَثِيرٌ مِنَ الأَوَّلِينَ يَصِيرُونَ آخِرِينَ، وَمِنَ الآخِرِينَ أَوَّلِينَ" (مَتَّى 19: 30). فَتَأْتِي الآيَةُ 19: 30 كَمُقَدِّمَةٍ لِلْمَثَلِ، وَتَأْتِي الآيَةُ 20: 16 كَخَاتِمَةٍ لَهُ، فَيُحَاطُ المَثَلُ بِهٰذَا المَبْدَأِ مِنَ الجَانِبَيْنِ. وَهٰذَا الأُسْلُوبُ الأَدَبِيُّ يُظْهِرُ أَنَّ مَثَلَ العُمَّالِ هُوَ، فِي جَوْهَرِهِ، شَرْحٌ لِمَعْنَى الأَوَّلِيَّةِ وَالأَخِيرِيَّةِ فِي مَلَكُوتِ اللهِ. وَيَرْتَبِطُ هٰذَا المَبْدَأُ بِالسِّيَاقِ السَّابِقِ، وَلَا سِيَّمَا بِسُؤَالِ بُطْرُسَ لِيَسُوعَ: "هَا قَدْ تَرَكْنَا نَحْنُ كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ، فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟" (مَتَّى 19: 27). فَبَعْدَ أَنْ يَعِدَ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ بِالمُكَافَأَةِ (مَتَّى 19: 28–29)، يُحَذِّرُهُمْ مِنْ تَحْوِيلِ التَّلْمَذَةِ إِلَى حِسَابِ اسْتِحْقَاقٍ وَمُقَارَنَةٍ بِالآخَرِينَ. فَالسَّبْقُ فِي الدَّعْوَةِ لَا يَصِيرُ حَقًّا يُلْزِمُ اللهَ بِامْتِيَازٍ عَلَى غَيْرِهِمْ.

وَلِذٰلِكَ لَا تَعْنِي عِبَارَةُ "الآخِرُونَ أَوَّلِينَ" أَنَّ اللهَ يَظْلِمُ الأَوَّلِينَ لِيُفَضِّلَ الآخِرِينَ، بَلْ إِنَّ المَثَلَ أَكَّدَ العَكْسَ تَمَامًا: "يَا صَدِيقِي، مَا ظَلَمْتُكَ، أَلَمْ تَتَّفِقْ مَعِي عَلَى دِينَارٍ؟" (مَتَّى 20: 13). إِنَّمَا المَقْصُودُ أَنَّ نِعْمَةَ اللهِ لَا تُقَاسُ بِمَقَايِيسِ الأَسْبَقِيَّةِ وَالمُقَارَنَةِ وَالاسْتِحْقَاقِ البَشَرِيِّ. وَيُمْكِنُ أَنْ تُقْرَأَ هٰذِهِ الآيَةُ أَيْضًا عَلَى ضَوْءِ وَضْعِ الكَنِيسَةِ الأُولَى؛ فَالَّذِينَ دُعُوا مُتَأَخِّرِينَ مِنَ الأُمَمِ دَخَلُوا، بِالإِيمَانِ بِالمَسِيحِ، فِي شَرِكَةِ الخَلَاصِ مَعَ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ نَالُوا مُنْذُ القِدَمِ مَوَاعِيدَ العَهْدِ. غَيْرَ أَنَّ هٰذَا التَّفْسِيرَ لَا يَعْنِي أَنَّ المَثَلَ يَحْكُمُ عَلَى اليَهُودِ جَمِيعًا بِأَنَّهُمْ "الآخِرُونَ"؛ بَلْ يُعْلِنُ أَنَّ الانْتِمَاءَ السَّابِقَ أَوِ الامْتِيَازَ التَّارِيخِيَّ لَا يُعْطِي الإِنْسَانَ حَقًّا فِي احْتِكَارِ نِعْمَةِ اللهِ. فَالدَّعْوَةُ إِلَى المَلَكُوتِ تُفْتَحُ أَمَامَ الجَمِيعِ. وَهٰذَا المَعْنَى يَنْسَجِمُ مَعَ مَا سَيَقُولُهُ بُولُسُ الرَّسُولُ عَنْ دُخُولِ الأُمَمِ فِي شَرِكَةِ مَوَاعِيدِ اللهِ، إِذْ صَارَ الَّذِينَ كَانُوا "غُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ الوَعْدِ" قَرِيبِينَ "بِدَمِ المَسِيحِ" (أَفَسُس 2: 12–13). فَالمَسِيحُ يَفْتَحُ أَمَامَ الجَمِيعِ طَرِيقَ الدُّخُولِ إِلَى شَرِكَةِ شَعْبِ اللهِ. وَمِنْ نَاحِيَةٍ رُوحِيَّةٍ أَوْسَعَ، يُحَذِّرُ المَثَلُ كُلَّ مُؤْمِنٍ مِنَ الاغْتِرَارِ بِالأَسْبَقِيَّةِ: أَسْبَقِيَّةِ الإِيمَانِ، أَوِ الخِدْمَةِ، أَوِ العُمْرِ، أَوِ المَكَانَةِ، أَوْ كَثْرَةِ الأَعْمَالِ. فَمَنْ يَرَى نَفْسَهُ "أَوَّلًا" قَدْ يَقَعُ فِي خَطَرِ التَّذَمُّرِ وَالحَسَدِ وَالمُقَارَنَةِ، فَيَفْقِدُ رُوحَ الشُّكْرِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُرَافِقَ قَبُولَ النِّعْمَةِ. وَبِهٰذَا المَعْنَى، لَيْسَتِ الأَوَّلِيَّةُ فِي المَلَكُوتِ امْتِيَازًا زَمَنِيًّا، بَلْ هِيَ ثَمَرُ الاسْتِجَابَةِ الأَمِينَةِ لِنِعْمَةِ اللهِ. فَاللهُ لَا يَحْكُمُ عَلَى الإِنْسَانِ وَفْقَ المَظْهَرِ الخَارِجِيِّ وَالمَقَايِيسِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا البَشَرُ فِي المُقَارَنَةِ بَيْنَ بَعْضِهِمْ وَبَعْضٍ، بَلْ يَعْرِفُ القَلْبَ وَأَمَانَةَ الاسْتِجَابَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا المَثَلِ مُبَيِّنًا أَنَّ غَايَتَهُ هِيَ، مِنْ جُمْلَةِ مَا تَهْدِفُ إِلَيْهِ، أَلَّا يَفْتَخِرَ الَّذِينَ سَبَقُوا فِي الاسْتِجَابَةِ عَلَى الَّذِينَ جَاءُوا بَعْدَهُمْ، وَأَلَّا يَيْأَسَ الَّذِينَ تَأَخَّرُوا مِنْ إمْكَانِ الدُّخُولِ إِلَى الكَرْمِ. فَسَاعَةُ الدَّعْوَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَصِيرَ سَبَبًا لِلتَّعَالِي، كَمَا أَنَّ تَأَخُّرَهَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ سَبَبًا لِلْيَأْسِ (611-615، PG 58). أَمَّا القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ فَيَرَى فِي الدِّينَارِ الَّذِي أَخَذَهُ الجَمِيعُ رَمْزًا إِلَى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ؛ فَهٰذِهِ الحَيَاةُ لَا تُعْطَى لِبَعْضِ المُخَلَّصِينَ نَاقِصَةً وَلِبَعْضِهِمْ كَامِلَةً، بَلْ يَنَالُهَا الجَمِيعُ بِوَصْفِهَا شَرِكَةً فِي حَيَاةِ اللهِ. وَمِنْ هُنَا يَقُولُ، فِي شَرْحِهِ لِلْمَثَلِ، إِنَّهُ عِنْدَ نَيْلِ الدِّينَارِ يَكُونُ الأَوَّلُ كَالآخِرِ وَالآخِرُ كَالأَوَّلِ، لأَنَّ الدِّينَارَ هُوَ الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ (530-540، PL 38). وَلٰكِنَّ هٰذَا التَّسَاوِيَ فِي عَطِيَّةِ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ عَلَى أَنَّهُ إِلْغَاءٌ لِقِيمَةِ الأَمَانَةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَلَا عَلَى أَنَّ كُلَّ اخْتِلَافٍ فِي المُكَافَأَةِ الأُخْرَوِيَّةِ مُلْغًى. فَالعَهْدُ الجَدِيدُ نَفْسُهُ يَتَكَلَّمُ عَنْ مُجَازَاةِ كُلِّ إِنْسَانٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ (مَتَّى 16: 27؛ رُومَة 2: 6؛ 1 قُورِنْثُس 3: 8). إِنَّمَا يُرَكِّزُ هٰذَا المَثَلُ عَلَى حَقِيقَةٍ مُحَدَّدَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الخَلَاصَ وَالدُّخُولَ فِي شَرِكَةِ المَلَكُوتِ هِبَةُ نِعْمَةٍ، وَلَيْسَا أُجْرَةً تَخْضَعُ لِحِسَابَاتِ الإِنْسَانِ التِّجَارِيَّةِ. وَيُعَبِّرُ بُولُسُ الرَّسُولُ عَنْ هٰذَا المَبْدَأِ بِوُضُوحٍ: "فَإِنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ بِالإِيمَانِ، وَذٰلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ، إِنَّمَا هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ، وَلَيْسَ مِنَ الأَعْمَالِ لِئَلَّا يَفْتَخِرَ أَحَدٌ" (أَفَسُس 2: 8–9). وَيُضِيفُ مُبَاشَرَةً أَنَّ المُؤْمِنِينَ خُلِقُوا فِي المَسِيحِ "لِلأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ" (أَفَسُس 2: 10)، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ أَوَّلِيَّةِ النِّعْمَةِ وَضَرُورَةِ الاسْتِجَابَةِ لَهَا بِحَيَاةٍ أَمِينَةٍ.

إِنَّ قَوْلَ يَسُوعَ: "فَهٰكَذَا يَصِيرُ الآخِرُونَ أَوَّلِينَ، وَالأَوَّلُونَ آخِرِينَ" لَا يَدْعُونَا إِلَى تَرْتِيبِ النَّاسِ فِي فِئَاتٍ مِنَ "الأَوَّلِينَ" وَ"الآخِرِينَ"، بَلْ إِلَى التَّخَلِّي عَنْ مَنْطِقِ المُقَارَنَةِ أَمَامَ نِعْمَةِ اللهِ. فَمَنْ يَسْبِقُ غَيْرَهُ فِي الدَّعْوَةِ لَا يَمْلِكُ اللهَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، وَمَنْ يَأْتِي فِي السَّاعَةِ الأَخِيرَةِ لَا يَجِدُ بَابَ الرَّحْمَةِ مُغْلَقًا أَمَامَهُ. فَفِي مَلَكُوتِ اللهِ، لَا تَكُونُ القِيمَةُ فِي أَنْ يَقُولَ الإِنْسَانُ: "أَنَا أَتَيْتُ قَبْلَ غَيْرِي"، بَلْ فِي أَنْ يَسْتَجِيبَ لِلدَّعْوَةِ، وَيَعْمَلَ بِأَمَانَةٍ فِي الكَرْمِ، وَيَفْرَحَ بِأَنَّ صَلَاحَ اللهِ وَنِعْمَتَهُ يَشْمَلَانِ الآخَرِينَ أَيْضًا. وَهٰكَذَا يَبْدَأُ المَثَلُ بِالسُّؤَالِ عَنِ الأُجْرَةِ، وَلٰكِنَّهُ يَنْتَهِي بِالكَشْفِ عَنْ النِّعْمَةِ؛ يَبْدَأُ بِالعُمَّالِ، وَلٰكِنَّهُ يَنْتَهِي بِإِظْهَارِ شَخْصِيَّةِ رَبِّ الكَرْمِ؛ يَبْدَأُ بِحِسَابِ السَّاعَاتِ، وَلٰكِنَّهُ يَنْتَهِي بِصَلَاحِ اللهِ الَّذِي لَا يُقَاسُ بِالسَّاعَاتِ. وَهٰذَا هُوَ جَوْهَرُ المَثَلِ: مَلَكُوتُ اللهِ لَيْسَ مَيْدَانَ مُنَافَسَةٍ عَلَى النِّعْمَةِ، بَلْ شَرِكَةٌ فِي نِعْمَةٍ مَجَّانِيَّةٍ يَفْتَحُهَا اللهُ أَمَامَ كُلِّ مَنْ يَسْتَجِيبُ لِدَعْوَتِهِ. تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ خَاتِمَةَ مَثَلِ عُمَّالِ الكَرْمِ وَمِفْتَاحًا لِفَهْمِ مَغْزَاهُ اللَّاهُوتِيِّ.

 

ثَانِيًا: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 20: 1–16)

بَعْدَ دِرَاسَةِ وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 20: 1–16)، يَتَّضِحُ أَنَّ مَثَلَ عُمَّالِ الكَرْمِ لَا يَهْدِفُ، فِي المَقَامِ الأَوَّلِ، إِلَى وَضْعِ نِظَامٍ لِلأُجُورِ وَالعَمَلِ، بَلْ إِلَى الكَشْفِ عَنْ مَنْطِقِ مَلَكُوتِ اللهِ، حَيْثُ يَلْتَقِي عَدْلُ اللهِ بِصَلَاحِهِ، وَالأَمَانَةُ البَشَرِيَّةُ بِمَجَّانِيَّةِ النِّعْمَةِ. فَرَبُّ الكَرْمِ لَمْ يَظْلِمِ عُمَّالَ السَّاعَةِ الأُولَى، لأَنَّهُ أَعْطَاهُمْ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ مَعَهُمْ، وَلٰكِنَّهُ تَجَاوَزَ مَنْطِقَ الحِسَابِ مَعَ عُمَّالِ السَّاعَةِ الأَخِيرَةِ، فَأَعْطَاهُمْ مِنْ جُودِهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَسْتَطِيعُونَ المُطَالَبَةَ بِهِ كَحَقٍّ مُكْتَسَبٍ.

وَتَبْلُغُ رِسَالَةُ المَثَلِ ذُرْوَتَهَا فِي قَوْلِ رَبِّ الكَرْمِ: "أَمْ عَيْنُكَ حَسُودٌ لأَنِّي كَرِيمٌ؟" (مَتَّى 20: 15)، ثُمَّ فِي الخَاتِمَةِ: "فَهٰكَذَا يَصِيرُ الآخِرُونَ أَوَّلِينَ، وَالأَوَّلُونَ آخِرِينَ" (مَتَّى 20: 16). وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ دِرَاسَةُ المَثَلِ فِي أَبْعَادِهِ اللَّاهُوتِيَّةِ، وَالكَنَسِيَّةِ، وَالمَسْكُونِيَّةِ، وَالرُّوحِيَّةِ، وَالإِسْخَاتُولُوجِيَّةِ، انْطِلَاقًا مِنْ سُؤَالٍ أَسَاسِيٍّ: مَا مَعْنَى "الأُجْرَةِ" فِي المَثَلِ؟ وَكَيْفَ تَرْتَبِطُ بِالنِّعْمَةِ وَالأَعْمَالِ وَالدُّخُولِ فِي مَلَكُوتِ اللهِ؟

 

1) مَا مَعْنَى "الأُجْرَةِ" فِي مَثَلِ عُمَّالِ الكَرْمِ؟

 

أ- الأُجْرَةُ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ وَعَدَالَةُ اللهِ

يَعْرِفُ الكِتَابُ المُقَدَّسُ مَفْهُومَ الأُجْرَةِ وَالمُكَافَأَةِ، وَيَرْبِطُهُ بِعَدَالَةِ اللهِ وَأَمَانَتِهِ. فَالعَامِلُ يَسْتَحِقُّ أُجْرَتَهُ، وَهٰذَا مِنْ مُقْتَضَيَاتِ العَدْلِ؛ إِذْ يُشَبِّهُ أَيُّوبُ حَيَاةَ الإِنْسَانِ بِحَيَاةِ الأَجِيرِ الَّذِي يَنْتَظِرُ أُجْرَتَهُ (أَيُّوب 7: 1–2). وَمُنْذُ مَرَاحِلِ تَارِيخِ الخَلَاصِ الأُولَى، يَقُولُ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: "لَا تَخَفْ يَا أَبْرَامُ، أَنَا تُرْسٌ لَكَ، وَأَجْرُكَ عَظِيمٌ جِدًّا" (تَكْوِين 15: 1).

وَيَبْقَى مَبْدَأُ المُجَازَاةِ حَاضِرًا حَتَّى الصَّفَحَاتِ الأَخِيرَةِ مِنَ الكِتَابِ المُقَدَّسِ، حَيْثُ يَقُولُ المَسِيحُ: "هَا إِنِّي آتٍ سَرِيعًا، وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِ" (رُؤْيَا 22: 12). وَيَنْسَجِمُ هٰذَا مَعَ المَبْدَأِ الكِتَابِيِّ القَائِلِ إِنَّ اللهَ "يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ" (رُومَة 2: 6؛ راجع مَتَّى 16: 27).

إِلَّا أَنَّ المُجَازَاةَ الإِلٰهِيَّةَ لَا يَجُوزُ فَهْمُهَا وَفْقَ مَنْطِقِ العَقْدِ التِّجَارِيِّ بَيْنَ اللهِ وَالإِنْسَانِ، كَأَنَّ الإِنْسَانَ يَسْتَطِيعُ بِأَعْمَالِهِ أَنْ يَجْعَلَ اللهَ مَدِينًا لَهُ. فَالعَلَاقَةُ بَيْنَ اللهِ وَالإِنْسَانِ تَبْدَأُ دَائِمًا بِمُبَادَرَةِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ، ثُمَّ تَأْتِي اسْتِجَابَةُ الإِنْسَانِ. وَهٰذَا مَا يُبَيِّنُهُ مَثَلُ عُمَّالِ الكَرْمِ بِوُضُوحٍ: رَبُّ الكَرْمِ هُوَ الَّذِي خَرَجَ، وَهُوَ الَّذِي دَعَا، وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ العُمَّالَ، وَهُوَ الَّذِي وَعَدَ، وَهُوَ الَّذِي أَعْطَى. فَقَبْلَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ عَمَلٌ بَشَرِيٌّ، كَانَتْ هُنَاكَ مُبَادَرَةُ رَبِّ الكَرْمِ. وَهٰذِهِ هِيَ أَوَّلِيَّةُ النِّعْمَةِ.

 

ب- الخَلَاصُ عَطِيَّةٌ وَلَيْسَ أُجْرَةً تِجَارِيَّةً

فِي المَجَالِ اللَّاهُوتِيِّ، يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ الأُجْرَةِ كَصُورَةٍ مَثَلِيَّةٍ وَبَيْنَ الخَلَاصِ كَعَطِيَّةٍ مَجَّانِيَّةٍ مِنَ اللهِ.  فَالإِنْسَانُ لَا يَشْتَرِي الخَلَاصَ بِأَعْمَالِهِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ الحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ دَيْنٌ مُسْتَحَقٌّ لَهُ عَلَى اللهِ. وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُهُ بُولُسُ الرَّسُولُ حِينَ يَقُولُ: "أَمَّا الَّذِي يَعْمَلُ، فَلَا تُحْسَبُ لَهُ الأُجْرَةُ نِعْمَةً، بَلْ دَيْنًا" (رُومَة 4: 4). وَيَقُولُ أَيْضًا: "فَإِذَا كَانَ الاخْتِيَارُ بِالنِّعْمَةِ، فَلَيْسَ هُوَ إِذًا بِالأَعْمَالِ، وَإِلَّا لَمْ تَبْقَ النِّعْمَةُ نِعْمَةً" (رُومَة 11: 6). إِذًا، فَإِنَّ دُخُولَ مَلَكُوتِ اللهِ لَا يُشْتَرَى بِالأَعْمَالِ، بَلْ يُقْبَلُ كَعَطِيَّةٍ.  وَهٰذَا لَا يُلْغِي الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ، بَلْ يَضَعُهَا فِي مَكَانِهَا اللَّاهُوتِيِّ الصَّحِيحِ: فَهِيَ لَيْسَتْ ثَمَنَ النِّعْمَةِ، بَلْ ثَمَرَ النِّعْمَةِ وَاسْتِجَابَةَ الإِنْسَانِ لَهَا.

وَيُعَبِّرُ بُولُسُ عَنْ هٰذِهِ العَلَاقَةِ بِدِقَّةٍ: "فَإِنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ بِالإِيمَانِ، وَذٰلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ، إِنَّمَا هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ، وَلَيْسَ مِنَ الأَعْمَالِ لِئَلَّا يَفْتَخِرَ أَحَدٌ" (أَفَسُس 2: 8–9)، ثُمَّ يُضِيفُ فَوْرًا: "فَنَحْنُ صُنْعُهُ، خُلِقْنَا فِي المَسِيحِ يَسُوعَ لِلأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ" (أَفَسُس 2: 10). فَالنِّعْمَةُ، إِذًا، تَسْبِقُ العَمَلَ وَتَجْعَلُهُ مُمْكِنًا، وَالعَمَلُ يُعَبِّرُ عَنْ قَبُولِ النِّعْمَةِ وَالتَّعَاوُنِ مَعَهَا.

 

ج- الدِّينَارُ: رَمْزُ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ

رَأَى عَدَدٌ مِنْ آبَاءِ الكَنِيسَةِ فِي الدِّينَارِ الَّذِي أَعْطَاهُ رَبُّ الكَرْمِ لِكُلِّ العُمَّالِ صُورَةً لِعَطِيَّةِ الخَلَاصِ وَالحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ عَلَى المَثَلِ مُبَيِّنًا أَنَّ الدِّينَارَ يَرْمُزُ إِلَى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ؛ وَمِنْ هُنَا يَتَسَاوَى العُمَّالُ فِي قَبُولِ العَطِيَّةِ نَفْسِهَا، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ سَاعَةُ دَعْوَتِهِمْ. فَالحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ لَا تُعْطَى لِوَاحِدٍ نِصْفَ حَيَاةٍ وَلِآخَرَ حَيَاةً كَامِلَةً، بَلْ يَدْخُلُ الجَمِيعُ فِي شَرِكَةِ الحَيَاةِ مَعَ اللهِ (530-540، PL 38). وَيَنْبَغِي هُنَا التَّنْبِيهُ إِلَى أَنَّ التَّسَاوِيَ فِي "دِينَارِ" الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ لَا يَنْفِي المَجَازَاةَ بِحَسَبِ الأَعْمَالِ؛ فَالكِتَابُ المُقَدَّسُ يَجْمَعُ بَيْنَ الحَقِيقَتَيْنِ: الخَلَاصُ نِعْمَةٌ مَجَّانِيَّةٌ، وَاللهُ فِي الوَقْتِ عَيْنِهِ يُجَازِي الإِنْسَانَ عَلَى أَمَانَتِهِ وَأَعْمَالِهِ (مَتَّى 16: 27؛ رُومَة 2: 6؛ 1 قُورِنْثُس 3: 8).

 

د- النِّعْمَةُ لَا تُلْغِي حُرِّيَّةَ الإِنْسَانِ وَاسْتِجَابَتَهُ

إِذَا كَانَ المَلَكُوتُ عَطِيَّةً مَجَّانِيَّةً، فَهٰذَا لَا يَعْنِي أَنَّ الإِنْسَانَ يَبْقَى سَلْبِيًّا. فَالعُمَّالُ فِي المَثَلِ دُعُوا، فَذَهَبُوا إِلَى الكَرْمِ وَعَمِلُوا فِيهِ. وَهٰكَذَا فَإِنَّ نِعْمَةَ اللهِ تَسْتَدْعِي اسْتِجَابَةَ الإِنْسَانِ الحُرَّةَ. وَقَدْ عَبَّرَ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ عَنْ هٰذِهِ الحَقِيقَةِ بِقَاعِدَتِهِ المَعْرُوفَةِ: "الَّذِي خَلَقَكَ مِنْ دُونِكَ، لَا يُبَرِّرُكَ مِنْ دُونِكَ" (923؛ PL 38).  فَنِعْمَةُ اللهِ تَسْبِقُ، وَلٰكِنَّهَا لَا تُلْغِي حُرِّيَّةَ الإِنْسَانِ، بَلْ تُحَرِّكُهَا وَتَدْعُوهَا إِلَى التَّعَاوُنِ. وَهٰذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ بُولُسُ الرَّسُولُ حِينَ يَقُولُ: "بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ الَّتِي أُوتِيتُهَا لَمْ تَكُنْ فِيَّ بَاطِلَةً، بَلْ تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعًا، لَا أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي" (1 قُورِنْثُس 15: 10). فَهُنَا يَجْتَمِعُ العَمَلُ البَشَرِيُّ وَالنِّعْمَةُ الإِلٰهِيَّةُ مِنْ دُونِ أَنْ يُلْغِيَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ.

 

هـ- مَا الَّذِي يَطْلُبُهُ المَلَكُوتُ مِنَ الإِنْسَانِ؟

إِذَا كَانَ دُخُولُ المَلَكُوتِ عَطِيَّةَ نِعْمَةٍ، فَإِنَّ قَبُولَ هٰذِهِ العَطِيَّةِ يَتَطَلَّبُ مِنَ الإِنْسَانِ إِيمَانًا وَتَوْبَةً وَاسْتِجَابَةً وَحَيَاةً تَلِيقُ بِالدَّعْوَةِ. فَيَدْعُو يَسُوعُ إِلَى فَقْرِ الرُّوحِ: "طُوبَى لِفُقَرَاءِ الرُّوحِ، فَإِنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 5: 3)، وَإِلَى التَّوَاضُعِ وَرُوحِ الطُّفُولَةِ (مَتَّى 18: 1–4)، وَإِلَى طَلَبِ المَلَكُوتِ وَبِرِّ اللهِ أَوَّلًا (مَتَّى 6: 33)، وَإِلَى الثَّبَاتِ فِي وَجْهِ الاضْطِهَادِ مِنْ أَجْلِ البِرِّ (مَتَّى 5: 10).

كَمَا يَطْلُبُ المَلَكُوتُ اسْتِعْدَادَ الإِنْسَانِ لِأَنْ يَجْعَلَهُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، كَمَا فِي مَثَلِ الكَنْزِ المَخْفِيِّ وَاللُّؤْلُؤَةِ الكَرِيمَةِ (مَتَّى 13: 44–46)، وَأَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَةَ الآبِ: "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ، بَلِ الَّذِي يَعْمَلُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 7: 21).

وَتَحْتَلُّ المَحَبَّةُ العَمَلِيَّةُ لِلْقَرِيبِ مَكَانًا مَرْكَزِيًّا فِي هٰذِهِ الاسْتِجَابَةِ، كَمَا يَظْهَرُ فِي مَشْهَدِ الدَّيْنُونَةِ: "كُلَّمَا صَنَعْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذٰلِكَ لِوَاحِدٍ مِنْ إِخْوَتِي هٰؤُلَاءِ الصِّغَارِ، فَلِي قَدْ صَنَعْتُمُوهُ" (مَتَّى 25: 40). وَيُضَافُ إِلَى ذٰلِكَ السَّهَرُ وَاليَقَظَةُ وَالأَمَانَةُ فِي انْتِظَارِ مَجِيءِ الرَّبِّ (مَتَّى 25: 1–13). فَنَحْنُ أَمَامَ مُفَارَقَةٍ إِنْجِيلِيَّةٍ عَمِيقَةٍ: المَلَكُوتُ لَا يُشْتَرَى، وَلٰكِنَّهُ يَطْلُبُ الإِنْسَانَ كُلَّهُ؛ وَالخَلَاصُ مَجَّانِيٌّ، وَلٰكِنَّ قَبُولَهُ لَيْسَ سَلْبِيًّا؛ وَالنِّعْمَةُ لَا تُدْفَعُ ثَمَنًا لِعَمَلِنَا، بَلْ هِيَ الَّتِي تُمَكِّنُنَا مِنَ العَمَلِ وَتَجْعَلُهُ مُثْمِرًا.

 

و- الدَّعْوَةُ عَامَّةٌ، وَالاسْتِجَابَةُ شَخْصِيَّةٌ

يَدْعُو اللهُ الجَمِيعَ إِلَى الخَلَاصِ، فَهُوَ "يُرِيدُ أَنْ يَخْلُصَ جَمِيعُ النَّاسِ وَيَبْلُغُوا إِلَى مَعْرِفَةِ الحَقِّ" (1 طِيمُوتَاوُس 2: 4). وَهٰذَا مَا يَتَجَلَّى فِي خُرُوجِ رَبِّ الكَرْمِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، حَتَّى السَّاعَةِ الحَادِيَةِ عَشْرَةَ، لِكَيْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ خَارِجَ الكَرْمِ.

وَلٰكِنَّ عُمُومِيَّةَ الدَّعْوَةِ لَا تُلْغِي مَسْؤُولِيَّةَ الإِنْسَانِ فِي قَبُولِهَا. وَهٰذَا مَا يُظْهِرُهُ مَثَلُ وَلِيمَةِ العُرْسِ؛ فَالدَّعْوَةُ تُوَجَّهُ إِلَى كَثِيرِينَ، وَلٰكِنَّ الدُّخُولَ إِلَى الوَلِيمَةِ يَفْتَرِضُ اسْتِجَابَةً تَلِيقُ بِالدَّعْوَةِ (مَتَّى 22: 1–14). وَمِنْ هُنَا يَقُولُ يَسُوعُ فِي خِتَامِ ذٰلِكَ المَثَلِ: "فَإِنَّ جَمَاعَةَ النَّاسِ مَدْعُوُّونَ، وَلٰكِنَّ القَلِيلَ مِنْهُمُ المُخْتَارُونَ" (مَتَّى 22: 14). وَيُحَذِّرُ بُولُسُ الرَّسُولُ، مِنْ جِهَتِهِ، مِنْ أَنْ يَعِيشَ الإِنْسَانُ فِي أَعْمَالٍ تُنَاقِضُ حَيَاةَ المَلَكُوتِ، فَيَقُولُ عَنْ أَعْمَالِ الجَسَدِ: "إِنَّ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هٰذِهِ الأَفْعَالِ لَا يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ" (غَلَاطِيَة 5: 21).

إِنَّ "الدِّينَارَ" فِي مَثَلِ عُمَّالِ الكَرْمِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ كَثَمَنٍ يَدْفَعُهُ اللهُ مُقَابِلَ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ مِنْ سَاعَاتِ العَمَلِ، بَلْ كَصُورَةٍ لِعَطِيَّةِ اللهِ الَّتِي تَفُوقُ حِسَابَاتِ الاسْتِحْقَاقِ البَشَرِيِّ. فَاللهُ عَادِلٌ مَعَ الأَوَّلِينَ، وَسَخِيٌّ مَعَ الآخِرِينَ، وَصَالِحٌ نَحْوَ الجَمِيعِ. وَالخَلَاصُ، فِي أَصْلِهِ، نِعْمَةٌ تَسْبِقُ كُلَّ اسْتِحْقَاقٍ بَشَرِيٍّ؛ لٰكِنَّ هٰذِهِ النِّعْمَةَ تَدْعُو الإِنْسَانَ إِلَى الإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ وَالعَمَلِ وَالأَمَانَةِ وَالمَحَبَّةِ وَالثَّبَاتِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَلَا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يَفْتَخِرَ أَمَامَ اللهِ بِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الخَلَاصَ بِقُوَّتِهِ، وَلَا أَنْ يَحْتَقِرَ مَنْ جَاءَ إِلَى الكَرْمِ بَعْدَهُ.

وَهٰكَذَا يَنْقُلُنَا المَثَلُ مِنْ سُؤَالِ: "كَمْ عَمِلْتُ، وَمَاذَا أَسْتَحِقُّ؟" إِلَى سُؤَالٍ أَعْمَقَ: "كَيْفَ أَسْتَجِيبُ لِنِعْمَةِ اللهِ الَّتِي دَعَتْنِي إِلَى كَرْمِهِ؟" فَفِي مَلَكُوتِ اللهِ، لَيْسَتِ النِّعْمَةُ أُجْرَةً نَكْسَبُهَا، بَلْ عَطِيَّةً نَقْبَلُهَا؛ وَلَيْسَ العَمَلُ ثَمَنَ الخَلَاصِ، بَلْ ثَمَرَ الخَلَاصِ وَاسْتِجَابَةَ المَحَبَّةِ لِنِعْمَةِ اللهِ.

 

2) مَنْ هُمُ المَدْعُوُّونَ إِلَى الدُّخُولِ فِي مَلَكُوتِ اللهِ؟

إِنَّ الدُّخُولَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ هُوَ، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، عَطِيَّةُ نِعْمَةٍ وَدَعْوَةٌ إِلٰهِيَّةٌ مَجَّانِيَّةٌ. فَاللهُ هُوَ الَّذِي يُبَادِرُ إِلَى الإِنْسَانِ، وَيَدْعُوهُ إِلَى شَرِكَةِ حَيَاتِهِ، ثُمَّ يَنْتَظِرُ مِنْهُ اسْتِجَابَةَ الإِيمَانِ وَالحُرِّيَّةِ وَالمَحَبَّةِ. وَيُعَرِّفُ التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ النِّعْمَةَ بِأَنَّهَا عَوْنُ اللهِ المَجَّانِيُّ الَّذِي يُمَكِّنُ الإِنْسَانَ مِنَ الاسْتِجَابَةِ لِدَعْوَتِهِ وَالصَّيْرُورَةِ ابْنًا لَهُ وَمُشَارِكًا فِي الحَيَاةِ الإِلٰهِيَّةِ (التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ للكنيسة الكاثوليكية، 1996–1998). وَمِنْ هٰذَا المُنْطَلَقِ، يُمْكِنُ قِرَاءَةُ دَعْوَةِ اللهِ إِلَى المَلَكُوتِ فِي أَبْعَادِهَا اللَّاهُوتِيَّةِ، وَالكَنَسِيَّةِ، وَالمَسْكُونِيَّةِ، وَالرُّوحِيَّةِ، وَالإِسْخَاتُولُوجِيَّةِ.

 

أ- مَنْ هُمُ المَدْعُوُّونَ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ عَلَى الصَّعِيدِ اللَّاهُوتِيِّ؟

يَكْشِفُ السَّيِّدُ المَسِيحُ، مِنْ خِلَالِ مَثَلِ عُمَّالِ الكَرْمِ (مَتَّى 20: 1–16)، عَنْ وَجْهِ اللهِ الآبِ الَّذِي يُبَادِرُ الإِنْسَانَ بِالمَحَبَّةِ، وَيَخْرُجُ لِلْبَحْثِ عَنْهُ، وَيَدْعُوهُ إِلَى شَرِكَةِ مَلَكُوتِهِ. فَرَبُّ الكَرْمِ لَا يَخْرُجُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَحَسْبُ، بَلْ يَخْرُجُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى: عِنْدَ الفَجْرِ، وَفِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، وَالسَّادِسَةِ، وَالتَّاسِعَةِ، وَحَتَّى فِي السَّاعَةِ الحَادِيَةِ عَشْرَةَ. وَيَكْشِفُ هٰذَا التَّكْرَارُ عَنْ إِلٰهٍ لَا يَمَلُّ مِنَ الدَّعْوَةِ، وَلَا يَيْأَسُ مِنَ الإِنْسَانِ، وَلَا يُغْلِقُ أَبْوَابَ كَرْمِهِ أَمَامَ مَنْ يَسْتَجِيبُ لَهُ.

فَمُبَادَرَةُ اللهِ تَسْبِقُ عَمَلَ الإِنْسَانِ؛ َهٰذِهِ هِيَ أَوَّلِيَّةُ النِّعْمَةِ. وَيُعَلِّمُ التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ فَائِقَةٌ لِلطَّبِيعَةِ، وَتَعْتَمِدُ كُلِّيًّا عَلَى مُبَادَرَةِ اللهِ المَجَّانِيَّةِ؛ فَهُوَ وَحْدَهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكْشِفَ ذَاتَهُ وَيَهَبَهَا لِلإِنْسَانِ (التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ للكنيسة الكاثوليكية، 1996–1998).

وَيَظْهَرُ هٰذَا المَنْطِقُ فِي حَيَاةِ بُولُسَ الرَّسُولِ؛ فَقَدْ دَعَاهُ المَسِيحُ فِي مَرْحَلَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ مِنْ حَيَاتِهِ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَضْطَهِدُ تَلَامِيذَ الرَّبِّ، فَحَوَّلَتْهُ النِّعْمَةُ مِنْ مُضْطَهِدٍ إِلَى رَسُولٍ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 9: 1–19؛ غَلَاطِيَة 1: 13–16). وَبِهٰذَا المَعْنَى، يَصِيرُ مَنْ جَاءَ مُتَأَخِّرًا قَادِرًا، بِنِعْمَةِ اللهِ وَأَمَانَةِ الاسْتِجَابَةِ، عَلَى أَنْ يَحْمِلَ ثَمَرًا عَظِيمًا فِي كَرْمِ الرَّبِّ.

وَيُقَدِّمُ القِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الكَبِيرُ قِرَاءَةً رَمْزِيَّةً لِسَاعَاتِ المَثَلِ، فَيَرَى فِيهَا مَرَاحِلَ تَارِيخِ الخَلَاصِ: الفَجْرُ مِنْ آدَمَ إِلَى نُوح، وَالسَّاعَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ نُوح إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَالسَّادِسَةُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِلَى مُوسَى، وَالتَّاسِعَةُ مِنْ مُوسَى إِلَى مَجِيءِ المَسِيحِ، وَالحَادِيَةُ عَشْرَةَ مِنْ مَجِيءِ المَسِيحِ إِلَى نِهَايَةِ العَالَمِ. وَمَغْزَى هٰذِهِ القِرَاءَةِ أَنَّ اللهَ لَمْ يَتَوَقَّفْ، عَبْرَ تَارِيخِ الخَلَاصِ، عَنْ دَعْوَةِ البَشَرِ إِلَى كَرْمِهِ (1145-1158، PL 76).  وَيَسْتَخْدِمُ غِرِيغُورِيُوسُ نَفْسُهُ سَاعَاتِ النَّهَارِ لِلإِشَارَةِ إِلَى مَرَاحِلِ حَيَاةِ الإِنْسَانِ؛ فَقَدْ يَدْعُو اللهُ الإِنْسَانَ فِي طُفُولَتِهِ، أَوْ شَبَابِهِ، أَوْ نُضْجِهِ، أَوْ حَتَّى فِي شَيْخُوخَتِهِ. وَهٰكَذَا تَظَلُّ دَعْوَةُ اللهِ قَائِمَةً مَا دَامَ الإِنْسَانُ فِي "يَوْمِ" حَيَاتِهِ. وَلِذٰلِكَ يَحُثُّ كَاتِبُ الرِّسَالَةِ إِلَى العِبْرَانِيِّينَ المُؤْمِنِينَ قَائِلًا: "شَجِّعُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كُلَّ يَوْمٍ، مَا دَامَ يُقَالُ: اليَوْمَ" (عِبْرَانِيِّينَ 3: 13). فَـ"اليَوْمُ" هُوَ زَمَنُ الاسْتِجَابَةِ، وَكُلُّ سَاعَةٍ مِنْ حَيَاةِ الإِنْسَانِ يُمْكِنُ أَنْ تُصْبِحَ سَاعَةَ لِقَاءِ النِّعْمَةِ.

وَمِنْ هُنَا، لَا يَدْخُلُ الإِنْسَانُ مَلَكُوتَ اللهِ لأَنَّهُ امْتَلَكَ مُؤَهِّلَاتٍ بَشَرِيَّةً خَاصَّةً، وَلَا لأَنَّهُ جَعَلَ اللهَ مَدِينًا لَهُ بِأَعْمَالِهِ؛ بَلْ لأَنَّ اللهَ، بِمَحَبَّتِهِ وَرَحْمَتِهِ، دَعَاهُ إِلَى التَّبَنِّي وَالمُشَارَكَةِ فِي حَيَاتِهِ. وَمِنْ ثَمَّ فَالإِنْسَانُ لَا يَقِفُ أَمَامَ اللهِ مُجَرَّدَ "أَجِيرٍ" يُطَالِبُ بِأُجْرَةٍ، بَلْ ابْنًا بِالنِّعْمَةِ يَقْبَلُ المِيرَاثَ وَيَتَعَاوَنُ بِحُرِّيَّةٍ مَعَ عَطِيَّةِ الآبِ. وَهٰذَا مَا يَشْرَحُهُ التَّعْلِيمُ الكَاثُولِيكِيُّ حِينَ يُؤَكِّدُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ، مِنْ جِهَةِ الإِنْسَانِ وَحْدَهُ، اسْتِحْقَاقٌ صَارِمٌ أَمَامَ اللهِ؛ لأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ تَلَقَّاهُ الإِنْسَانُ مِنْ خَالِقِهِ. وَحَتَّى اسْتِحْقَاقُ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ يَنْبُعُ أَوَّلًا مِنْ نِعْمَةِ اللهِ، ثُمَّ مِنْ تَعَاوُنِ الإِنْسَانِ الحُرِّ مَعَهَا (التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ للكنيسة الكاثوليكية، 2007–2011). فَالدَّعْوَةُ إِلَى المَلَكُوتِ، عَلَى الصَّعِيدِ اللَّاهُوتِيِّ، هِيَ دَعْوَةٌ مُوَجَّهَةٌ إِلَى جَمِيعِ البَشَرِ، تَبْدَأُ بِنِعْمَةِ اللهِ، وَتَنْتَظِرُ اسْتِجَابَةَ الإِنْسَانِ الحُرَّةَ، وَتَهْدِفُ إِلَى إِدْخَالِهِ فِي شَرِكَةِ الحَيَاةِ مَعَ اللهِ.

 

ب- مَنْ هُمُ المَدْعُوُّونَ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ عَلَى الصَّعِيدِ الكَنَسِيِّ؟

يَحْمِلُ مَثَلُ عُمَّالِ الكَرْمِ بُعْدًا كَنَسِيًّا مُهِمًّا؛ فَجَمَاعَةُ مَتَّى كَانَتْ تَعِيشُ فِي سِيَاقٍ تَطْرَحُ فِيهِ بِقُوَّةٍ مَسْأَلَةُ انْضِمَامِ الأُمَمِ إِلَى جَمَاعَةِ تَلَامِيذِ المَسِيحِ، وَالعَلَاقَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ الآتِينَ مِنْ خَلْفِيَّةٍ يَهُودِيَّةٍ وَالمُؤْمِنِينَ الآتِينَ مِنَ الأُمَمِ. وَيُمْكِنُ، فِي إِحْدَى القِرَاءَاتِ الكَنَسِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ لِلْمَثَلِ، أَنْ يُرَى فِي عُمَّالِ السَّاعَاتِ الأُولَى صُورَةٌ لِمَنْ سَبَقُوا فِي تَلَقِّي الوَحْيِ وَالعَهْدِ، وَفِي عُمَّالِ السَّاعَةِ الأَخِيرَةِ صُورَةٌ لِلأُمَمِ الَّذِينَ دُعُوا لَاحِقًا إِلَى الإِيمَانِ بِالمَسِيحِ. وَلٰكِنَّ المَثَلَ لَا يَهْدِفُ إِلَى الحُكْمِ عَلَى شَعْبٍ بِأَكْمَلِهِ، بَلْ إِلَى نَقْدِ مَنْطِقِ الامْتِيَازِ وَالاسْتِحْقَاقِ وَالحَسَدِ كُلَّمَا تَسَلَّلَ إِلَى جَمَاعَةِ المُؤْمِنِينَ.

فَالعَهْدُ مَعَ إِسْرَائِيلَ يَحْتَلُّ مَكَانًا أَسَاسِيًّا فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ؛ وَبُولُسُ نَفْسُهُ يَقُولُ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: "لَهُمُ التَّبَنِّي وَالمَجْدُ وَالعُهُودُ وَالتَّشْرِيعُ وَالعِبَادَةُ وَالمَوَاعِيدُ، وَلَهُمُ الآبَاءُ، وَمِنْهُمُ المَسِيحُ مِنْ حَيْثُ الجَسَدُ" (رُومَة 9: 4–5). وَمِنْ ثَمَّ، لَا يَجُوزُ فَهْمُ المَثَلِ عَلَى أَنَّهُ إِلْغَاءٌ لِدَوْرِ إِسْرَائِيلَ فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ، بَلْ كَإِعْلَانٍ أَنَّ نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصَرُ فِي حُدُودٍ قَوْمِيَّةٍ أَوْ عِرْقِيَّةٍ.

وَقَدْ كَشَفَتِ الكَنِيسَةُ الرَّسُولِيَّةُ هٰذِهِ الحَقِيقَةَ بِوُضُوحٍ فِي خِبْرَةِ بُطْرُسَ مَعَ كُرْنِيلِيُوسَ، حِينَ أَعْلَنَ الرَّسُولُ: "أُدْرِكُ حَقًّا أَنَّ اللهَ لَا يُحَابِي الوُجُوهَ، بَلْ مَنْ خَافَهُ مِنْ أَيَّةِ أُمَّةٍ كَانَتْ وَعَمِلَ البِرَّ كَانَ عِنْدَهُ مَقْبُولًا" (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 10: 34–35). وَهٰكَذَا أَصْبَحَ انْضِمَامُ الأُمَمِ إِلَى جَمَاعَةِ المَسِيحِ لَا يَتَطَلَّبُ مِنْهُمْ أَنْ يَصِيرُوا يَهُودًا أَوَّلًا؛ َهٰذِهِ هِيَ إِحْدَى القَضَايَا الكُبْرَى الَّتِي حَسَمَهَا مَجْمَعُ أُورَشَلِيمَ الرَّسُولِيُّ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 15: 1–29). فَفِي المَسِيحِ فُتِحَتِ الدَّعْوَةُ أَمَامَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ.

وَيَسْبِقُ يَسُوعُ إِلَى الإِعْلَانِ عَنْ هٰذَا الأُفُقِ الشَّامِلِ حِينَ يَقُولُ: "سَيَأْتِي كَثِيرُونَ مِنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، فَيَجْلِسُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 8: 11). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى مَثَلِ العُمَّالِ مُبَيِّنًا أَنَّ المَسِيحَ يُرِيدُ أَنْ يَنْزِعَ مِنَ الَّذِينَ سَبَقُوا إِلَى الدَّعْوَةِ كُلَّ سَبَبٍ لِلتَّعَالِي عَلَى الَّذِينَ جَاءُوا مُتَأَخِّرِينَ؛ فَمَنْ سَبَقَ لَا يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَحْتَقِرَ مَنْ دُعِيَ بَعْدَهُ، لِأَنَّ الجَمِيعَ يَعِيشُونَ مِنْ جُودِ رَبِّ الكَرْمِ (611-614، PG 58). وَهُنَا تَظْهَرُ قُوَّةُ قَوْلِ يَسُوعَ: "فَهٰكَذَا يَصِيرُ الآخِرُونَ أَوَّلِينَ، وَالأَوَّلُونَ آخِرِينَ" (مَتَّى 20: 16). فَالقَاعِدَةُ لَيْسَتْ تَبْدِيلَ امْتِيَازٍ قَوْمِيٍّ بِامْتِيَازٍ قَوْمِيٍّ آخَرَ، بَلْ إِلْغَاءَ مَنْطِقِ الامْتِيَازِ ذَاتِهِ أَمَامَ مَجَّانِيَّةِ نِعْمَةِ اللهِ. وَلِذٰلِكَ يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ: "فَلَيْسَ الأَمْرُ إِذًا أَمْرَ إِرَادَةٍ أَوْ سَعْيٍ، بَلْ أَمْرَ رَحْمَةِ اللهِ" (رُومَة 9: 16). وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ يُعْلِنُ أَنَّ اللهَ "خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، لَا بِالنَّظَرِ إِلَى أَعْمَالِنَا، بَلْ وَفْقًا لِتَدْبِيرِهِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي وُهِبَتْ لَنَا فِي المَسِيحِ يَسُوعَ" (2 طِيمُوتَاوُس 1: 9).

وَيُعَبِّرُ التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ عَنْ هٰذَا البُعْدِ الجَامِعِ حِينَ يُعَلِّمُ أَنَّ جَمِيعَ البَشَرِ مَدْعُوُّونَ إِلَى وَحْدَةِ شَعْبِ اللهِ، وَأَنَّ المُؤْمِنِينَ الكَاثُولِيكَ، وَسَائِرَ المُؤْمِنِينَ بِالمَسِيحِ، وَالبَشَرِيَّةَ كُلَّهَا، يَرْتَبِطُونَ بِهٰذِهِ الوَحْدَةِ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ، إِذْ إِنَّ الجَمِيعَ مَدْعُوُّونَ بِنِعْمَةِ اللهِ إِلَى الخَلَاصِ (التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ للكنيسة الكاثوليكية، 836). وَبِهٰذَا المَعْنَى، فَإِنَّ "دِينَارَ" المَثَلِ لَا يُمَثِّلُ امْتِيَازًا لِفِئَةٍ عَلَى أُخْرَى، بَلْ يَكْشِفُ عَنْ وَحْدَةِ الدَّعْوَةِ إِلَى الحَيَاةِ مَعَ اللهِ. فَلَا يَسْتَطِيعُ مَنْ دُعِيَ أَوَّلًا أَنْ يَجْعَلَ مِنْ سَبْقِهِ سَبَبًا لِلتَّفَاخُرِ، وَلَا يَنْبَغِي لِمَنْ جَاءَ مُتَأَخِّرًا أَنْ يَيْأَسَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ.

وَيُمْكِنُ أَنْ نَرَى صَدًى لِهٰذَا المَنْطِقِ فِي عَدَدٍ مِنْ مَشَاهِدِ الإِنْجِيلِ: الابْنُ الأَكْبَرُ وَالابْنُ الأَصْغَرُ فِي مَثَلِ الأَبِ الرَّحِيمِ (لُوقَا 15: 11–32)، وَالفَرِّيسِيُّ وَالعَشَّارُ (لُوقَا 18: 9–14)، وَاللِّصُّ التَّائِبُ الَّذِي سَمِعَ مِنَ المَسِيحِ فِي السَّاعَاتِ الأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاتِهِ: "الحَقَّ أَقُولُ لَكَ: سَتَكُونُ اليَوْمَ مَعِي فِي الفِرْدَوْسِ" (لُوقَا 23: 43). وَتَجْمَعُ هٰذِهِ الصُّوَرُ كُلُّهَا حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ: لَا يَحِقُّ لِمَنْ سَبَقَ فِي الطَّرِيقِ أَنْ يَحْسُدَ مَنْ وَصَلَ مُتَأَخِّرًا، وَلَا لِمَنْ تَأَخَّرَ أَنْ يَيْأَسَ مِنَ الوُصُولِ. فَرَبُّ الكَرْمِ هُوَ الَّذِي يَدْعُو الجَمِيعَ، وَنِعْمَتُهُ هِيَ الَّتِي تَسْبِقُ الجَمِيعَ وَتَفْتَحُ أَمَامَهُمْ طَرِيقَ المَلَكُوتِ.

عَلَى الصَّعِيدِ اللَّاهُوتِيِّ، جَمِيعُ البَشَرِ مَدْعُوُّونَ إِلَى الخَلَاصِ، لِأَنَّ اللهَ "يُرِيدُ أَنْ يَخْلُصَ جَمِيعُ النَّاسِ وَيَبْلُغُوا إِلَى مَعْرِفَةِ الحَقِّ" (1 طيموثاوس 2: 4). وَعَلَى الصَّعِيدِ الكَنَسِيِّ، تَكْشِفُ دَعْوَةُ الأُمَمِ أَنَّ جَمَاعَةَ المَسِيحِ لَا تُبْنَى عَلَى امْتِيَازٍ عِرْقِيٍّ أَوْ قَوْمِيٍّ، بَلْ عَلَى دَعْوَةِ اللهِ وَالإِيمَانِ وَالاسْتِجَابَةِ لِنِعْمَتِهِ. وَلِذٰلِكَ فَإِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَطْرَحُهُ مَثَلُ عُمَّالِ الكَرْمِ لَيْسَ: "مَنْ يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ؟" بَلْ: "هَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْرَحَ لأَنَّ نِعْمَةَ اللهِ بَلَغَتْ أَخِي أَيْضًا؟" فَفِي مَلَكُوتِ اللهِ لَا تَنْقُصُ نِعْمَتِي حِينَ يُنْعِمُ اللهُ عَلَى غَيْرِي، وَلَا تَقِلُّ مَكَانَتِي حِينَ يَرْحَمُ اللهُ مَنْ جَاءَ بَعْدِي؛ بَلْ يَكْتَمِلُ فَرَحُ المَلَكُوتِ حِينَ أَفْرَحُ بِخَيْرِ أَخِي كَمَا أَفْرَحُ بِالخَيْرِ الَّذِي نِلْتُهُ أَنَا.

 

ج- مَنْ هُمُ المَدْعُوُّونَ إِلَى الدُّخُولِ فِي مَلَكُوتِ اللهِ عَلَى الصَّعِيدِ المَسْكُونِيِّ؟

يَكْشِفُ مَثَلُ عُمَّالِ الكَرْمِ (مَتَّى 20: 1–16) أَنَّ دَعْوَةَ اللهِ لَا تَقُومُ عَلَى الأَقْدَمِيَّةِ، وَلَا عَلَى المَكَانَةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ، وَلَا عَلَى الزَّمَنِ الَّذِي بَدَأَ فِيهِ الإِنْسَانُ عَمَلَهُ فِي الكَرْمِ؛ فَرَبُّ الكَرْمِ لَمْ يَحْتَقِرْ مَنْ جَاءَ فِي السَّاعَةِ الأَخِيرَةِ، بَلْ خَرَجَ هُوَ نَفْسُهُ لِلْبَحْثِ عَنْهُ وَدَعْوَتِهِ. وَهٰذَا يَكْشِفُ أَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ أَوْسَعُ مِنَ الحُدُودِ الَّتِي يَرْسُمُهَا البَشَرُ، لأَنَّ "اللهَ أَكْبَرُ مِنْ قُلُوبِنَا" (1 يُوحَنَّا 3: 20). وَمِنْ هُنَا يَحْمِلُ المَثَلُ مَبْدَأً مُهِمًّا لِلْبُعْدِ المَسْكُونِيِّ: لَا يَحِقُّ لأَحَدٍ أَنْ يَحْتَكِرَ نِعْمَةَ اللهِ، أَوْ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الآخَرِ كَأَنَّهُ أَقَلُّ كَرَامَةً فِي دَعْوَةِ اللهِ. فَإِنْ كَانَ رَبُّ الكَرْمِ قَدْ دَعَا الجَمِيعَ، فَالاسْتِجَابَةُ لِدَعْوَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ تَقُودَ إِلَى الأُخُوَّةِ، لَا إِلَى المُنَافَسَةِ؛ وَإِلَى الفَرَحِ بِخَيْرِ الآخَرِ، لَا إِلَى الحَسَدِ مِنْهُ.

وَفِي المَعْنَى المَسْكُونِيِّ الدَّقِيقِ، يَدْعُو هٰذَا المَنْطِقُ المَسِيحِيِّينَ إِلَى تَجَاوُزِ مَا يَفْصِلُهُمْ وَالسَّعْيِ إِلَى الوَحْدَةِ الَّتِي أَرَادَهَا المَسِيحُ لِتَلَامِيذِهِ، إِذْ صَلَّى قَائِلًا: "لِيَكُونُوا بِأَجْمَعِهِمْ وَاحِدًا" (يُوحَنَّا 17: 21). وَقَدْ أَكَّدَ المَجْمَعُ الفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي أَنَّ السَّعْيَ إِلَى وَحْدَةِ المَسِيحِيِّينَ لَيْسَ أَمْرًا ثَانَوِيًّا، بَلْ يَنْتَمِي إِلَى رِسَالَةِ الكَنِيسَةِ نَفْسِهَا؛ إِذْ يُعْلِنُ المَرْسُومُ فِي الحَرَكَةِ المَسْكُونِيَّةِ أَنَّ "تَعْزِيزَ إِعَادَةِ الوَحْدَةِ بَيْنَ جَمِيعِ المَسِيحِيِّينَ هُوَ أَحَدُ أَهْدَافِ المَجْمَعِ الفَاتِيكَانِيِّ الثَّانِي الرَّئِيسِيَّةِ " (استعادة الوحدة، 1). 

كَمَا يُذَكِّرُ المَجْمَعُ بِأَنَّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالمَسِيحِ وَنَالُوا المَعْمُودِيَّةَ نَوْعًا صَحِيحًا هُمْ فِي شَرِكَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ كَامِلَةٍ، مَعَ الكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ (القرار المجمعي استعادة الوحدة، 3). وَهُنَا يَكْتَسِبُ سُؤَالُ رَبِّ الكَرْمِ مَعْنًى مَسْكُونِيًّا خَاصًّا: "أَمْ عَيْنُكَ حَسُودٌ لأَنِّي كَرِيمٌ؟" (مَتَّى 20: 15). فَالمُؤْمِنُ لَا يَنْظُرُ إِلَى عَطَايَا اللهِ فِي الآخَرِينَ بِعَيْنِ المُنَافَسَةِ، بَلْ يَفْرَحُ بِكُلِّ مَا يَعْمَلُهُ الرُّوحُ القُدُسُ مِنْ خَيْرٍ وَقَدَاسَةٍ وَشَهَادَةٍ لِلْمَسِيحِ.

وَيُعَلِّمُ المَجْمَعُ الفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي أَنَّهُ تُوجَدُ خَارِجَ الحُدُودِ المَنْظُورَةِ لِلْكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ عَنَاصِرُ كَثِيرَةٌ لِلتَّقْدِيسِ وَالحَقِيقَةِ، مِنْهَا كَلِمَةُ اللهِ المَكْتُوبَةُ، وَحَيَاةُ النِّعْمَةِ، وَالإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالمَحَبَّةُ، وَمَوَاهِبُ أُخْرَى لِلرُّوحِ القُدُسِ (دستور نور الأمم، 8، والقرار المجمعي استعادة الوحدة، 3).  

لِذٰلِكَ فَالمَوْقِفُ المَسْكُونِيُّ الأَصِيلُ لَيْسَ مَوْقِفَ التَّنَافُسِ عَلَى مَنْ هُوَ "الأَوَّلُ"، بَلْ مَوْقِفُ الشُّكْرِ للهِ عَلَى مَا وَهَبَهُ لِلآخَرِينَ، وَالاعْتِرَافِ بِمَا يَجْمَعُ المُؤْمِنِينَ بِالمَسِيحِ، وَالسَّعْيِ إِلَى كَمَالِ الوَحْدَةِ فِي الحَقِّ وَالمَحَبَّةِ. وَبِهٰذَا المَعْنَى، يَتَحَوَّلُ مَثَلُ عُمَّالِ الكَرْمِ إِلَى دَعْوَةٍ لِتَطْهِيرِ القَلْبِ مِنْ "العَيْنِ الحَسُودَةِ" وَإِحْلَالِ "العَيْنِ الشَّاكِرَةِ" مَحَلَّهَا. فَالحَسَدُ يَحْزَنُ لِخَيْرِ الآخَرِ، أَمَّا المَحَبَّةُ فَـ"لَا تَحْسُدُ" (1 قُورِنْتُس 13: 4)، بَلْ تَفْرَحُ بِعَمَلِ نِعْمَةِ اللهِ فِي الجَمِيعِ.

وَإِذَا كَانَ رَبُّ الكَرْمِ قَدْ أَعْطَى أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ عُمَّالُ السَّاعَةِ الأَخِيرَةِ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَطْلُبُوا، فَهٰذَا يَكْشِفُ أَنَّ عَطَاءَ اللهِ يَفُوقُ الحِسَابَ البَشَرِيَّ: "ذَاكَ الَّذِي يَسْتَطِيعُ، بِقُوَّتِهِ العَامِلَةِ فِينَا، أَنْ يَبْلُغَ مَا يَفُوقُ كَثِيرًا كُلَّ مَا نَسْأَلُهُ أَوْ نَتَصَوَّرُهُ" (أَفَسُس 3: 20). فَمَلَكُوتُ اللهِ لَيْسَ مَيْدَانًا لِلتَّنَافُسِ عَلَى الامْتِيَازَاتِ، بَلْ شَرِكَةُ نِعْمَةٍ وَمَحَبَّةٍ وَأُخُوَّةٍ. وَكُلَّمَا اقْتَرَبَ المَسِيحِيُّونَ مِنَ المَسِيحِ، اقْتَرَبُوا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.

 

د- مَنْ هُمُ المَدْعُوُّونَ إِلَى الدُّخُولِ فِي مَلَكُوتِ اللهِ عَلَى الصَّعِيدِ الإِسْخَاتُولُوجِيِّ أَوِ الأُخْرَوِيِّ؟

يَحْمِلُ مَثَلُ عُمَّالِ الكَرْمِ بُعْدًا أُخْرَوِيًّا وَاضِحًا؛ فَالنَّهَارُ يَتَّجِهُ نَحْوَ المَسَاءِ، وَالعَمَلُ يَتَّجِهُ نَحْوَ نِهَايَتِهِ، وَفِي المَسَاءِ يَأْتِي وَقْتُ دَفْعِ الأُجْرَةِ: "وَلَمَّا جَاءَ المَسَاءُ، قَالَ صَاحِبُ الكَرْمِ لِوَكِيلِهِ: اُدْعُ العَمَلَةَ وَادْفَعْ لَهُمُ الأُجْرَةَ"(مَتَّى 20: 8).

وَفِي القِرَاءَةِ الرُّوحِيَّةِ وَالآبَائِيَّةِ، يَصِيرُ المَسَاءُ صُورَةً لِنِهَايَةِ حَيَاةِ الإِنْسَانِ وَلِاكْتِمَالِ التَّارِيخِ أَمَامَ دَيْنُونَةِ اللهِ. فَالتَّارِيخُ لَيْسَ حَرَكَةً بِلَا غَايَةٍ، بَلْ يَتَّجِهُ نَحْوَ اكْتِمَالِ مَلَكُوتِ اللهِ. وَيَقْرَأُ القِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الكَبِيرُ سَاعَاتِ المَثَلِ عَلَى ضَوْءِ مَرَاحِلِ تَارِيخِ الخَلَاصِ: فَيَرَى فِي الفَجْرِ الفَتْرَةَ مِنْ آدَمَ إِلَى نُوح، وَفِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ نُوح إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَفِي السَّادِسَةِ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِلَى مُوسَى، وَفِي التَّاسِعَةِ مِنْ مُوسَى إِلَى مَجِيءِ المَسِيحِ، وَفِي الحَادِيَةِ عَشْرَةَ الزَّمَنَ المُمتَدَّ مِنْ مَجِيءِ الرَّبِّ إِلَى نِهَايَةِ العَالَمِ (1154-1158، PL 76). وَهٰكَذَا فَإِنَّ كُلَّ تَارِيخِ الخَلَاصِ هُوَ يَوْمُ عَمَلِ اللهِ وَدَعْوَتِهِ. وَالأَجْيَالُ تَخْتَلِفُ فِي أَزْمِنَتِهَا، لٰكِنَّهَا تَلْتَقِي فِي الغَايَةِ الوَاحِدَةِ: الدُّخُولِ فِي شَرِكَةِ اللهِ وَالحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. وَفِي هٰذَا الإِطَارِ، يَدْعُو يُوحَنَّا الرَّسُولُ المُؤْمِنِينَ إِلَى الثَّبَاتِ وَالاسْتِعْدَادِ لِمَجِيءِ المَسِيحِ: "وَالآنَ، أَيُّهَا الأَوْلَادُ، اُثْبُتُوا فِيهِ، حَتَّى إِذَا ظَهَرَ كَانَ لَنَا ثِقَةٌ وَلَمْ نَخْجَلْ مِنْهُ فِي مَجِيئِهِ" (1 يُوحَنَّا 2: 28).

أَمَّا الدِّينَارُ، فَقَدْ رَأَى فِيهِ عَدَدٌ مِنَ الآبَاءِ صُورَةً لِعَطِيَّةِ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. وَيَقُولُ القِدِّيسُ أوغسطينوس فِي شَرْحِهِ لِلْمَثَلِ إِنَّ الجَمِيعَ، عِنْدَمَا يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِالحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ نَفْسِهَا، يَنَالُونَ "الدِّينَارَ"؛ لأَنَّ الدِّينَارَ يَرْمُزُ إِلَى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا جَمِيعُ المُخَلَّصِينَ (PL 38). وَلٰكِنَّ هٰذِهِ المُسَاوَاةَ فِي عَطِيَّةِ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ لَا تَعْنِي ضَرُورَةً تَمَاثُلَ كُلِّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ المُشَارَكَةِ فِي المَجْدِ. فَالعَهْدُ الجَدِيدُ نَفْسُهُ يَتَكَلَّمُ عَنِ الجَزَاءِ بِحَسَبِ أَعْمَالِ الإِنْسَانِ (مَتَّى 16: 27؛ 1 قُورِنْتُس 3: 8)، مَعَ بَقَاءِ الخَلَاصِ نِعْمَةً مِنَ اللهِ. وَلِذٰلِكَ يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ وَحْدَةِ الغَايَةِ وَهِيَ الحَيَاةُ مَعَ اللهِ، وَالتَّمَيُّزِ فِي كَيْفِيَّةِ الاشْتِرَاكِ فِي المَجْدِ بِحَسَبِ قَبُولِ كُلِّ إِنْسَانٍ لِنِعْمَةِ اللهِ وَأَمَانَتِهِ لَهَا. وَمِنْ هُنَا، فَالبُعْدُ الأُخْرَوِيُّ لِلْمَثَلِ لَا يَدْعُونَا إِلَى حِسَابِ مَوَاعِيدِ النِّهَايَةِ، بَلْ إِلَى الأَمَانَةِ فِي الحَاضِرِ. فَالسُّؤَالُ لَيْسَ: مَتَى يَأْتِي المَسَاءُ؟ بَلْ: كَيْفَ أَعْمَلُ فِي الكَرْمِ مَا دَامَ النَّهَارُ قَائِمًا؟

 

هـ- مَنْ هُمُ المَدْعُوُّونَ إِلَى الدُّخُولِ فِي مَلَكُوتِ اللهِ عَلَى الصَّعِيدِ الرُّوحِيِّ؟

عَلَى الصَّعِيدِ الرُّوحِيِّ، يَضَعُنَا المَثَلُ أَمَامَ حَقِيقَتَيْنِ مُتَكَامِلَتَيْنِ: مَجَّانِيَّةِ نِعْمَةِ اللهِ، وَضَرُورَةِ اسْتِجَابَةِ الإِنْسَانِ لَهَا. فَرَبُّ البَيْتِ لَمْ يَظْلِمْ عُمَّالَ السَّاعَةِ الأُولَى، لأَنَّهُ أَعْطَاهُمْ مَا اتَّفَقَ مَعَهُمْ عَلَيْهِ، وَلٰكِنَّهُ تَجَاوَزَ حِسَابَ الأُجْرَةِ فِي تَعَامُلِهِ مَعَ المُتَأَخِّرِينَ، فَأَعْطَاهُمْ مِنْ جُودِهِ. وَهُنَا يَنْتَقِلُ المَثَلُ مِنْ سُؤَالِ: "مَاذَا يَسْتَحِقُّ العَامِلُ؟" إِلَى سُؤَالٍ أَعْمَقَ: "مَنْ هُوَ رَبُّ الكَرْمِ؟" وَالجَوَابُ: إِنَّهُ الرَّبُّ الصَّالِحُ.

وَهٰذَا هُوَ مَعْنَى سُؤَالِهِ: "أَمْ عَيْنُكَ حَسُودٌ لأَنِّي كَرِيمٌ؟" (مَتَّى 20: 15). فَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ تَرِدُ كَلِمَةُ ἀγαθός، أَيْ "صَالِح". وَالمَثَلُ، إِذًا، لَا يُرِيدُ فَقَطْ أَنْ يُعَلِّمَنَا كَيْفَ يُكَافِئُ اللهُ، بَلْ أَنْ يَكْشِفَ لَنَا مَنْ هُوَ اللهُ: إِنَّهُ الصَّالِحُ الَّذِي يَفِيضُ جُودُهُ عَلَى الإِنْسَانِ.

وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ أَنْ نَرَى فِي العُمَّالِ المُتَذَمِّرِينَ صُورَةَ كُلِّ مُؤْمِنٍ يَخْطُرُ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ أَمَانَتِهِ سَبَبًا لِلتَّفَوُّقِ عَلَى غَيْرِهِ. وَيَظْهَرُ هٰذَا المَوْقِفُ فِي الإِنْجِيلِ عِنْدَمَا تَذَمَّرَ بَعْضُ الكَتَبَةِ وَالفَرِّيسِيِّينَ قَائِلِينَ عَنْ يَسُوعَ: "هٰذَا الرَّجُلُ يَسْتَقْبِلُ الخَاطِئِينَ وَيَأْكُلُ مَعَهُمْ" (لُوقَا 15: 2).

لَمْ يَفْهَمُوا أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ نَحْوَ الخَاطِئِ لَا تَنْتَقِصُ مِنْ مَحَبَّتِهِ لِلْبَارِّ. فَاللهُ يَبْحَثُ عَنِ الضَّالِّ لِيَرُدَّهُ، وَعَنِ المَرِيضِ لِيَشْفِيَهُ، وَعَنِ الخَاطِئِ لِيَدْعُوَهُ إِلَى التَّوْبَةِ. وَلِذٰلِكَ قَالَ يَسُوعُ: "لَيْسَ الأَصِحَّاءُ بِمُحْتَاجِينَ إِلَى طَبِيبٍ، بَلِ المَرْضَى. مَا جِئْتُ لأَدْعُوَ الأَبْرَارَ، بَلِ الخَاطِئِينَ" (مَرْقُس 2: 17). وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ قَوْلَ يَسُوعَ: "إِنَّ الجُبَاةَ وَالبَغَايَا يَتَقَدَّمُونَكُمْ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ" (مَتَّى 21: 31) لَا يَعْنِي أَنَّ الخَطِيئَةَ تُعْطِي صَاحِبَهَا أَفْضَلِيَّةً، بَلْ إِنَّ التَّوْبَةَ وَالإِيمَانَ وَقَبُولَ النِّعْمَةِ يَفْتَحُونَ أَمَامَ الخَاطِئِ بَابَ المَلَكُوتِ، فِي حِينِ أَنَّ البِرَّ الذَّاتِيَّ وَالكِبْرِيَاءَ وَرَفْضَ التَّوْبَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَحْجُبُوا الإِنْسَانَ عَنْ فَرَحِ النِّعْمَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى عُمَّالِ السَّاعَةِ الأَخِيرَةِ مُبَيِّنًا أَنَّ المَثَلَ يَحْمِلُ تَشْجِيعًا لِمَنْ جَاءُوا مُتَأَخِّرِينَ، حَتَّى لَا يَيْأَسُوا مِنْ دَعْوَةِ اللهِ، وَفِي الوَقْتِ عَيْنِهِ يَنْزِعُ مِنَ الأَوَّلِينَ كُلَّ ذَرِيعَةٍ لِلتَّعَالِي عَلَى الآخَرِينَ (611-614، PG 58).

وَأَسَاسُ هٰذِهِ الثِّقَةِ هُوَ مَا فَعَلَهُ اللهُ بِنَا فِي المَسِيحِ. فَبُولُسُ لَا يَقُولُ إِنَّ اللهَ أَحَبَّنَا بَعْدَ أَنْ أَصْبَحْنَا أَبْرَارًا، بَلْ: "أَمَّا اللهُ فَقَدْ دَلَّ عَلَى مَحَبَّتِهِ لَنَا بِأَنَّ المَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِنَا إِذْ كُنَّا خَاطِئِينَ" (رُومَة 5: 8). وَيُضِيفُ: "حَيْثُ كَثُرَتِ الخَطِيئَةُ فَاضَتِ النِّعْمَةُ" (رُومَة 5: 20). لٰكِنَّ فَيْضَ النِّعْمَةِ لَا يَعْنِي التَّسَاهُلَ مَعَ الخَطِيئَةِ، بَلْ قُوَّةَ اللهِ الَّتِي تَنْتَشِلُ الإِنْسَانَ مِنْهَا وَتَخْلُقُ فِيهِ حَيَاةً جَدِيدَةً. فَالنِّعْمَةُ لَا تُبَرِّرُ الخَطِيئَةَ، بَلْ تُبَرِّرُ الخَاطِئَ وَتُجَدِّدُهُ إِذَا قَبِلَهَا بِالإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ.

وَأَبْلَغُ صُورَةٍ إِنْجِيلِيَّةٍ لِعَامِلِ "السَّاعَةِ الأَخِيرَةِ" هِيَ اللِّصُّ التَّائِبُ عَلَى الصَّلِيبِ. فَفِي اللَّحَظَاتِ الأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاتِهِ قَالَ لِيَسُوعَ: "اُذْكُرْنِي يَا يَسُوعُ إِذَا مَا جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ" (لُوقَا 23: 42)، فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: "الحَقَّ أَقُولُ لَكَ: سَتَكُونُ اليَوْمَ مَعِي فِي الفِرْدَوْسِ" (لُوقَا 23: 43). وَهٰذَا لَا يَعْنِي أَنَّ الإِنْسَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُؤَجِّلَ تَوْبَتَهُ عَمْدًا إِلَى السَّاعَةِ الأَخِيرَةِ، بَلْ يَعْنِي أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ لَا تُغْلَقُ أَمَامَ التَّائِبِ الصَّادِقِ مَا دَامَ بَابُ الحَيَاةِ مَفْتُوحًا. وَهُنَا يَتَّضِحُ المَعْنَى الرُّوحِيُّ العَمِيقُ لِلْمَثَلِ: فَالخَطَرُ لَيْسَ فَقَطْ أَنْ نَبْقَى خَارِجَ الكَرْمِ، بَلْ أَنْ نَعْمَلَ فِي الكَرْمِ وَنَحْمِلَ فِي دَاخِلِنَا قَلْبًا مُتَذَمِّرًا وَعَيْنًا حَسُودَةً. فَقَدْ يَكُونُ الإِنْسَانُ قَرِيبًا مِنَ الكَرْمِ جَسَدِيًّا، وَلٰكِنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ قَلْبِ رَبِّ الكَرْمِ رُوحِيًّا.

إِنَّ مَثَلَ عُمَّالِ الكَرْمِ يَدْعُونَا إِلَى ثَلَاثَ انْتِقَالَاتٍ رُوحِيَّةٍ: مِنَ الحَسَدِ إِلَى الشُّكْرِ، وَمِنَ المُقَارَنَةِ إِلَى الشَّرِكَةِ، وَمِنْ حِسَابِ الاسْتِحْقَاقِ إِلَى فَرَحِ النِّعْمَةِ. فَلَا نَحْسُدُ مَنْ رَجَعَ إِلَى اللهِ فِي السَّاعَةِ الأَخِيرَةِ، بَلْ نَفْرَحُ لأَنَّ أَخًا كَانَ ضَالًّا فَوُجِدَ، وَكَانَ مَيْتًا فَعَاشَ (لُوقَا 15: 32). وَلَا نَجْعَلُ مِنْ سَنَوَاتِ خِدْمَتِنَا سَبَبًا لِلتَّفَوُّقِ عَلَى غَيْرِنَا، بَلْ سَبَبًا لِمَزِيدٍ مِنَ الشُّكْرِ؛ لأَنَّ أَنْ نَكُونَ فِي كَرْمِ الرَّبِّ مُنْذُ السَّاعَةِ الأُولَى هُوَ نَفْسُهُ نِعْمَةٌ، لَا عِبْئًا وَلَا ظُلْمًا. وَأَخِيرًا، فَإِنَّ السُّؤَالَ الأَعْمَقَ الَّذِي يَطْرَحُهُ عَلَيْنَا المَثَلُ لَيْسَ: "كَمْ سَاعَةً عَمِلْتُ فِي كَرْمِ الرَّبِّ؟"، بَلْ: "هَلْ أَصْبَحَ قَلْبِي، بَعْدَ كُلِّ هٰذِهِ السِّنِينَ فِي الكَرْمِ، شَبِيهًا بِقَلْبِ رَبِّ الكَرْمِ: صَالِحًا، وَرَحِيمًا، وَكَرِيمًا، وَفَرِحًا بِخَلَاصِ الآخَرِينَ؟"

 

الخُلَاصَةُ

يَتَنَاوَلُ النَّصُّ الإِنْجِيلِيُّ (مَتَّى 20: 1–16) مَثَلَ عُمَّالِ الكَرْمِ، حَيْثُ يَخْرُجُ رَبُّ البَيْتِ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ النَّهَارِ، مِنَ الفَجْرِ حَتَّى السَّاعَةِ الحَادِيَةِ عَشْرَةَ، لِيَسْتَأْجِرَ عُمَّالًا لِكَرْمِهِ. وَقَدِ اتَّفَقَ مَعَ عُمَّالِ السَّاعَةِ الأُولَى عَلَى دِينَارٍ فِي اليَوْمِ (مَتَّى 20: 2)، أَمَّا الَّذِينَ دَعَاهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فَوَعَدَهُمْ بِأَنْ يُعْطِيَهُمْ "مَا كَانَ عَدْلًا" (مَتَّى 20: 4). وَعِنْدَ مَجِيءِ المَسَاءِ أَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِينَارًا، فَكَانَ عَادِلًا مَعَ الأَوَّلِينَ، لأَنَّهُ أَعْطَاهُمْ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ مَعَهُمْ، وَكَانَ كَرِيمًا مَعَ الآخِرِينَ، لأَنَّهُ أَعْطَاهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ حِسَابُ سَاعَاتِ العَمَلِ يَقْتَضِيهِ.

وَيَكْشِفُ المَثَلُ، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَجْهَ اللهِ: فَهُوَ رَبُّ الكَرْمِ الَّذِي يُبَادِرُ إِلَى الخُرُوجِ وَالبَحْثِ عَنِ الإِنْسَانِ وَدَعْوَتِهِ إِلَى مَلَكُوتِهِ. وَالعُمَّالُ هُمُ المَدْعُوُّونَ إِلَى الاسْتِجَابَةِ لِهٰذِهِ الدَّعْوَةِ وَالعَمَلِ فِي كَرْمِ الرَّبِّ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ المَثَلَ لَا يَهْدِفُ إِلَى وَضْعِ نِظَامٍ اقْتِصَادِيٍّ لِلأُجُورِ، بَلْ إِلَى الكَشْفِ عَنْ مَنْطِقِ النِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ الَّذِي يَتَجَاوَزُ الحِسَابَ البَشَرِيَّ مِنْ دُونِ أَنْ يُلْغِيَ العَدْلَ.

وَلِذٰلِكَ لَا يَتَمَحْوَرُ المَثَلُ حَوْلَ الأُجْرَةِ المَادِّيَّةِ بِحَدِّ ذَاتِهَا، بَلْ حَوْلَ مَجَّانِيَّةِ الخَلَاصِ وَكَرَمِ اللهِ. فَاللهُ الصَّالِحُ لَا يُعَامِلُ الإِنْسَانَ بِمَنْطِقِ الحِسَابِ وَحْدَهُ، بَلْ بِمَنْطِقِ الرَّحْمَةِ وَالمَحَبَّةِ. وَهٰذَا هُوَ الإِلٰهُ نَفْسُهُ الَّذِي يُعِيدُ إِلَى الابْنِ الضَّالِّ كَرَامَةَ البُنُوَّةِ (لُوقَا 15: 11–32)، وَيَعْفُو عَنِ الدَّيْنِ العَظِيمِ فِي مَثَلِ العَبْدِ الَّذِي لَا يَرْحَمُ (مَتَّى 18: 23–35). أَمَّا مَثَلُ السَّامِرِيِّ الرَّحِيمِ (لُوقَا 10: 25–37) فَيُظْهِرُ، مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، كَيْفَ يَنْبَغِي لِرَحْمَةِ اللهِ أَنْ تَتَجَسَّدَ فِي رَحْمَةِ الإِنْسَانِ لِقَرِيبِهِ.

وَبِهٰذَا يَضَعُ المَثَلُ أَمَامَنَا مُفَارَقَةً لَاهُوتِيَّةً مُهِمَّةً: رَبُّ الكَرْمِ عَادِلٌ مَعَ الأَوَّلِينَ، وَكَرِيمٌ مَعَ الآخِرِينَ. فَإِعْطَاءُ الآخَرِينَ لَا يَسْلُبُ الأَوَّلِينَ شَيْئًا مِنْ حَقِّهِمْ، وَرَحْمَةُ اللهِ لِلآخَرِ لَا تَنْقُصُ مِنْ مَحَبَّتِهِ لِي. وَمِنْ هُنَا يَأْتِي السُّؤَالُ الحَاسِمُ: "أَمْ عَيْنُكَ حَسُودٌ لأَنِّي كَرِيمٌ؟" (مَتَّى 20: 15). فَالمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي عَدَالَةِ رَبِّ الكَرْمِ، بَلْ فِي عَيْنِ الإِنْسَانِ الَّتِي قَدْ تَعْجَزُ عَنِ الفَرَحِ بِالخَيْرِ الَّذِي يَنَالُهُ الآخَرُ.

وَيَتَّصِلُ المَثَلُ، فِي سِيَاقِ إِنْجِيلِ مَتَّى، بِسُؤَالِ بُطْرُسَ السَّابِقِ: "هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ، فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟" (مَتَّى 19: 27). فَيُصَحِّحُ يَسُوعُ كُلَّ فَهْمٍ لِلتَّلْمَذَةِ يَجْعَلُهَا مُجَرَّدَ حِسَابٍ بَيْنَ مَا يُقَدِّمُهُ الإِنْسَانُ وَمَا يَجِبُ أَنْ يَحْصُلَ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ. فَالتَّلْمَذَةُ نَفْسُهَا نِعْمَةٌ، وَالعَمَلُ فِي كَرْمِ الرَّبِّ مُنْذُ السَّاعَةِ الأُولَى امْتِيَازُ شَرِكَةٍ مَعَ اللهِ، لَا سَبَبٌ لِلمُطَالَبَةِ بِأَفْضَلِيَّةٍ عَلَى الآخَرِينَ.

وَيُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ يُقْرَأَ المَثَلُ عَلَى ضَوْءِ التَّوَتُّرِ الَّذِي تُظْهِرُهُ الأَنَاجِيلُ بَيْنَ يَسُوعَ وَبَعْضِ الكَتَبَةِ وَالفَرِّيسِيِّينَ بِسَبَبِ اسْتِقْبَالِهِ الخَاطِئِينَ وَالعَشَّارِينَ؛ إِذْ كَانُوا "يَتَذَمَّرُونَ قَائِلِينَ: هٰذَا الرَّجُلُ يَسْتَقْبِلُ الخَاطِئِينَ وَيَأْكُلُ مَعَهُمْ" (لُوقَا 15: 2). وَيَكْشِفُ يَسُوعُ أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ تَذْهَبُ فِي طَلَبِ الضَّالِّ، لَا لأَنَّ الخَطِيئَةَ تَمْنَحُ صَاحِبَهَا امْتِيَازًا، بَلْ لأَنَّ اللهَ "يُرِيدُ أَنْ يَخْلُصَ جَمِيعُ النَّاسِ" (1 طِيمُوتَاوُس 2: 4)، وَيَدْعُو الخَاطِئَ إِلَى التَّوْبَةِ وَالحَيَاةِ. وَيُلَخِّصُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ هٰذَا البُعْدَ فِي شَرْحِهِ لِلْمَثَلِ، إِذْ يَرَى أَنَّ المَسِيحَ يُشَجِّعُ الَّذِينَ يَأْتُونَ مُتَأَخِّرِينَ لِئَلَّا يَيْأَسُوا، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ يَمْنَعُ الأَوَّلِينَ مِنَ الازْدِرَاءِ بِالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلدَّعْوَةِ بَعْدَهُمْ (611-614، PG 58). وَكَذٰلِكَ يَرَى القِدِّيسُ أوغسطينوس فِي الدِّينَارِ صُورَةً لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ؛ فَحِينَ يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِعَطِيَّةِ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، يَنَالُ الأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ "الدِّينَارَ" نَفْسَهُ، لأَنَّ الغَايَةَ هِيَ الاشْتِرَاكُ فِي حَيَاةِ اللهِ (PL 38).

وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ مَجَّانِيَّةَ النِّعْمَةِ لَا تَعْنِي إِلْغَاءَ حُرِّيَّةِ الإِنْسَانِ أَوْ أَعْمَالِهِ. فَالإِنْسَانُ مَدْعُوٌّ إِلَى قَبُولِ النِّعْمَةِ وَالتَّعَاوُنِ مَعَهَا. وَيُعَبِّرُ القِدِّيسُ أوغسطينوس عَنْ هٰذِهِ الحَقِيقَةِ بِمَبْدَإٍ لَاهُوتِيٍّ عَمِيقٍ: إِنَّ اللهَ، حِينَ يُكَلِّلُ اسْتِحْقَاقَاتِنَا، يُكَلِّلُ فِي الحَقِيقَةِ عَطَايَاهُ هُوَ؛ لأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ صَالِحٍ فِينَا يَبْدَأُ بِنِعْمَتِهِ وَيَتِمُّ بِالتَّعَاوُنِ مَعَهَا (PL 33). وَهٰذَا مَا يُعَلِّمُهُ أَيْضًا التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ: فَاسْتِحْقَاقُ الإِنْسَانِ أَمَامَ اللهِ يَرْجِعُ أَوَّلًا إِلَى مُبَادَرَةِ نِعْمَةِ اللهِ، حَتَّى إِنَّ اسْتِحْقَاقَاتِ أَعْمَالِنَا الصَّالِحَةِ هِيَ عَطَايَا مِنَ الصَّلَاحِ الإِلٰهِيِّ (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 2007–2011).

وَهٰكَذَا فَإِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ عَطِيَّةٌ تُقْبَلُ بِالشُّكْرِ، وَنِعْمَةٌ تَطْلُبُ اسْتِجَابَةَ الإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ وَالمَحَبَّةِ.  وَمَا يَطْلُبُهُ الرَّبُّ مِنَّا لَيْسَ أَنْ نُقَارِنَ سَاعَةَ دَعْوَتِنَا بِسَاعَةِ دَعْوَةِ الآخَرِينَ، بَلْ أَنْ نَكُونَ أُمَنَاءَ لِلسَّاعَةِ الَّتِي دَعَانَا فِيهَا. لِذٰلِكَ فَالكَنِيسَةُ كَرْمُ الرَّبِّ الَّذِي تَتَّسِعُ فِيهِ الدَّعْوَةُ لِلْجَمِيعِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ فِيهَا عَمَلٌ وَرِسَالَةٌ. وَإِذَا سَمِعَ الإِنْسَانُ صَوْتَ رَبِّ الكَرْمِ، وَلَوْ فِي سَاعَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنْ حَيَاتِهِ، فَلَا يَقْسُ قَلْبَهُ، بَلْ يَسْتَجِبْ لِلدَّعْوَةِ. فَمَا دَامَ النَّهَارُ قَائِمًا، يَبْقَى بَابُ التَّوْبَةِ وَالعَمَلِ وَالرَّجَاءِ مَفْتُوحًا. فَرِسَالَةُ المَثَلِ الأَخِيرَةُ لَيْسَتْ: كَمْ عَمِلْتَ؟ بَلْ: هَلْ اسْتَجَبْتَ لِدَعْوَةِ رَبِّ الكَرْمِ؟ وَلَيْسَتْ: مَاذَا نَالَ غَيْرُكَ؟ بَلْ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَفْرَحَ مَعَ اللهِ لأَنَّ نِعْمَتَهُ وَصَلَتْ إِلَى أَخِيكَ أَيْضًا؟

 

دُعَاء

أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِيُّ، يَا مَنْ أَنْتَ صَالِحٌ وَكَرِيمٌ وَغَنِيٌّ بِالرَّحْمَةِ، نَشْكُرُكَ لأَنَّكَ لَا تَتْرُكُنَا بَطَّالِينَ، بَلْ تُبَادِرُنَا بِنِعْمَتِكَ، وَتَخْرُجُ إِلَيْنَا فِي كُلِّ حِينٍ، دَاعِيًا إِيَّانَا إِلَى العَمَلِ فِي كَرْمِكَ وَإِلَى شَرِكَةِ مَلَكُوتِكَ.

اِنْزِعْ مِنْ قُلُوبِنَا كُلَّ حَسَدٍ وَتَذَمُّرٍ، وَحَرِّرْنَا مِنْ رُوحِ المُقَارَنَةِ وَالبَحْثِ عَنِ الأَفْضَلِيَّةِ، وَافْتَحْ أَعْيُنَنَا لِنَرَى فِي الخَيْرِ الَّذِي تَمْنَحُهُ لِلآخَرِينَ سَبَبًا لِلْفَرَحِ وَالشُّكْرِ، لَا لِلْغَيْرَةِ وَالاسْتِيَاءِ.

عَلِّمْنَا أَنْ نُدْرِكَ أَنَّكَ إِلٰهُ المَحَبَّةِ وَأَبُ الجَمِيعِ، تَدْعُو جَمِيعَ البَشَرِ إِلَى مَائِدَةِ مَلَكُوتِكَ، مِنْ دُونِ تَمْيِيزٍ بِسَبَبِ الأَصْلِ أَوِ العِرْقِ أَوِ المَكَانَةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ، وَأَنَّ رَحْمَتَكَ تَتَوَجَّهُ بِعِنَايَةٍ خَاصَّةٍ إِلَى الضُّعَفَاءِ وَالمُحْتَاجِينَ وَالضَّالِّينَ، لَا مُحَابَاةً لَهُمْ، بَلْ لأَنَّهُمْ أَشَدُّ حَاجَةً إِلَى رَحْمَتِكَ وَعِنَايَتِكَ وَمَحَبَّتِكَ.

اِمْنَحْنَا أَنْ نَفْهَمَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي حَيَاتِنَا نِعْمَةٌ وَعَطِيَّةٌ مِنْكَ، وَأَنَّكَ فِي جُودِكَ تَهَبُنَا أَكْثَرَ مِمَّا نَسْتَحِقُّ، وَتَدْعُونَا إِلَى أَنْ نُجِيبَ عَنْ عَطَايَاكَ بِالإِيمَانِ وَالشُّكْرِ وَالأَمَانَةِ وَالمَحَبَّةِ.

نَشْكُرُكَ عَلَى كُلِّ نِعْمَةٍ أَفَضْتَهَا فِي حَيَاتِنَا، وَعَلَى كُلِّ خَيْرٍ وَهَبْتَهُ لِمَنْ حَوْلَنَا. وَهَبْ لَنَا قَلْبًا يَفْرَحُ بِنَجَاحِ الآخَرِينَ وَخَلَاصِهِمْ، وَيَشْكُرُكَ عَلَى نِعْمَتِكَ العَامِلَةِ فِيهِمْ.

وَإِذْ تَدْعُونَا فِي كُلِّ سَاعَةٍ قَائِلًا: "اِذْهَبُوا أَنْتُمْ أَيْضًا إِلَى كَرْمِي" (مَتَّى 20: 4)، أَعْطِنَا أَلَّا نُؤَجِّلَ الاسْتِجَابَةَ لِصَوْتِكَ، بَلْ أَنْ نَعْمَلَ فِي كَرْمِكَ بِفَرَحٍ وَأَمَانَةٍ، حَتَّى نَلْتَقِيَ بِكَ عِنْدَ مَسَاءِ حَيَاتِنَا، وَنَشْتَرِكَ مَعَ جَمِيعِ إِخْوَتِنَا فِي فَرَحِ مَلَكُوتِكَ الأَبَدِيِّ. آمِينَ.

 

قِصَّةٌ: دُخُولُ المَلَكُوتِ

تَرْوِي بَعْضُ التَّقَالِيدِ الرَّبَّانِيَّةِ قِصَّةَ رَبِّي شَابٍّ تُوُفِّيَ فِي الثَّامِنَةِ وَالعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ. وَمَعَ قِصَرِ سِنِي حَيَاتِهِ، عُدَّ مِنَ الأَبْرَارِ، فَطُرِحَ السُّؤَالُ: كَيْفَ يَنَالُ مَنْ عَاشَ وَعَمِلَ مُدَّةً قَصِيرَةً مَا يَنَالُهُ مَنْ أَمْضَى عُمْرًا طَوِيلًا فِي العَمَلِ؟

فَضُرِبَ لِذٰلِكَ مَثَلٌ بِمَلِكٍ اسْتَأْجَرَ عُمَّالًا لِلْعَمَلِ فِي كَرْمِهِ. وَكَانَ بَيْنَهُمْ عَامِلٌ شَابٌّ امْتَازَ بِمَهَارَتِهِ وَإِتْقَانِهِ، فَأُعْجِبَ المَلِكُ بِعَمَلِهِ وَقَرَّبَهُ مِنْهُ. وَلَمَّا حَانَ وَقْتُ دَفْعِ الأُجْرَةِ، أَعْطَى المَلِكُ ذٰلِكَ العَامِلَ مِثْلَ مَا أَعْطَى الَّذِينَ عَمِلُوا طَوَالَ النَّهَارِ. فَتَذَمَّرَ بَعْضُهُمْ وَقَالُوا: "إِنَّ هٰذَا لَمْ يَعْمَلْ إِلَّا سَاعَتَيْنِ، فَلِمَاذَا سَاوَيْتَهُ بِنَا وَنَحْنُ عَمِلْنَا النَّهَارَ كُلَّهُ؟" فَأَجَابَهُمُ المَلِكُ: "إِنَّهُ أَنْجَزَ فِي هَاتَيْنِ السَّاعَتَيْنِ، بِمَهَارَتِهِ وَاجْتِهَادِهِ، مَا أَنْجَزْتُمُوهُ أَنْتُمْ فِي يَوْمٍ كَامِلٍ". وَكَانَ المَقْصُودُ مِنَ القِصَّةِ تَفْسِيرَ كَيْفَ أَنَّ قِصَرَ حَيَاةِ ذٰلِكَ الرَّبِّي لَمْ يَنْقُصْ مِنْ قِيمَةِ مَا أَنْجَزَهُ فِيهَا.

وَتُشْبِهُ هٰذِهِ القِصَّةُ، فِي صُورَتِهَا الخَارِجِيَّةِ، مَثَلَ عُمَّالِ الكَرْمِ الَّذِي رَوَاهُ يَسُوعُ (مَتَّى 20: 1–16)، وَلٰكِنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُمَا مُهِمٌّ جِدًّا. فَفِي القِصَّةِ الرَّبَّانِيَّةِ تُبَرَّرُ مُسَاوَاةُ العَامِلِ المُتَأَخِّرِ بِالآخَرِينَ بِجَوْدَةِ عَمَلِهِ وَكَثْرَةِ إِنْجَازِهِ؛ أَمَّا فِي مَثَلِ يَسُوعَ فَلَا يَقُلْ رَبُّ الكَرْمِ إِنَّ عُمَّالَ السَّاعَةِ الأَخِيرَةِ أَنْجَزُوا مَا أَنْجَزَهُ الأَوَّلُونَ، بَلْ يُرْجِعُ عَطَاءَهُ إِلَى حُرِّيَّتِهِ وَصَلَاحِهِ وَكَرَمِهِ: "أَلَا يَجُوزُ لِي أَنْ أَتَصَرَّفَ بِمَالِي كَمَا أَشَاءُ؟ أَمْ عَيْنُكَ حَسُودٌ لأَنِّي كَرِيمٌ؟" (مَتَّى 20: 15).

وَمِنْ هُنَا يَكْشِفُ مَثَلُ يَسُوعَ مَنْطِقَ النِّعْمَةِ: فَالخَلَاصُ لَيْسَ أُجْرَةً تِجَارِيَّةً يُلْزَمُ اللهُ بِدَفْعِهَا بِحَسَبِ عَدَدِ سَاعَاتِ العَمَلِ، بَلْ هُوَ أَوَّلًا عَطِيَّةُ مَحَبَّةٍ وَرَحْمَةٍ.  وَهٰذَا لَا يُلْغِي أَهَمِّيَّةَ الإِيمَانِ وَالأَعْمَالِ وَالأَمَانَةِ، بَلْ يَعْنِي أَنَّ كُلَّ اسْتِجَابَةٍ بَشَرِيَّةٍ تَبْدَأُ أَصْلًا مِنْ مُبَادَرَةِ نِعْمَةِ اللهِ. لِذٰلِكَ فَالمُقَابَلَةُ الأَدَقُّ لَيْسَتْ بَيْنَ "يَهُودِيَّةِ الاسْتِحْقَاقِ" وَ"مَسِيحِيَّةِ النِّعْمَةِ"، بَلْ بَيْنَ مَنْطِقِ الأُجْرَةِ الحِسَابِيَّةِ وَمَنْطِقِ العَطَاءِ الإِلٰهِيِّ المَجَّانِيِّ الَّذِي يُرِيدُ يَسُوعُ أَنْ يَكْشِفَهُ فِي المَثَلِ. فَاللهُ عَادِلٌ، وَلٰكِنَّ عَدْلَهُ لَا يَسْتَنْفِدُ رَحْمَتَهُ؛ وَهُوَ يُكَافِئُ الأَمَانَةَ، وَلٰكِنَّ الخَلَاصَ يَبْقَى فِي أَصْلِهِ وَغَايَتِهِ نِعْمَةً وَعَطِيَّةً مِنْ مَحَبَّتِهِ.