موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٦ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦

مثل الابنين: كيف نعيش ما نقول؟

بقلم :
الأب لويس حزبون - فلسطين
الأحَد السَّادس والعِشْرون مِن السَّنة: مَثَلِ الابْنَيْنِ: كَيْفَ نَعِيشُ مَا نَقُولُ؟ (متى 21: 28-32)

الأحَد السَّادس والعِشْرون مِن السَّنة: مَثَلِ الابْنَيْنِ: كَيْفَ نَعِيشُ مَا نَقُولُ؟ (متى 21: 28-32)

 

النَّص الإنْجيلي

 28 ما رَأيُكم؟ كانَ لِرَجُلٍ ابنان. فدَنا مِنَ الأَوَّلِ وقالَ له: ((يا بُنَيَّ، اِذهَبِ اليَومَ واعمَلْ في الكَرْم.)) 29 فأَجابَه: ((لا أُريد)). ولكِنَّه نَدِمَ بَعدَ ذلك فذَهَب. 30 ودَنا مِنَ الآخَرِ وقالَ لَه مِثلَ ذلك. فَأَجابَ: ((ها إِنِّي ذاهبٌ يا سيِّد!)) ولكنَّه لم يَذهَبْ. 31فأَيُّهما عَمِلَ بِمَشيئَةِ أَبيه؟)) فقالوا: ((الأَوَّل)). قالَ لَهم يسوع: ((الحَقَّ أَقولُ لكم: إِنَّ الجُباةَ والبَغايا يَتَقَدَّمونَكم إِلى مَلَكوتِ الله.  32 فَقَد جاءَكُم يوحَنَّا سالِكاً طريقَ البِرّ، فلَم تُؤمِنوا بِه، وأَمَّا العشَّارونَ والبَغايا فآمَنوا بِه. وأَنتُم رَأَيتُم ذلك، فلَم تَندَموا آخِرَ الأَمرِ فتُؤمِنوا بِه.

 

مُقَدِّمَةٌ

يُسَلِّطُ إِنْجِيلُ هٰذَا الأَحَدِ الضَّوْءَ (متى 21: 28-32) عَلَى أَحَدِ الشُّرُوطِ الأَسَاسِيَّةِ لِلدُّخُولِ إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، أَلَا وَهُوَ عَمَلُ مَشِيئَةِ اللهِ، لا الاكْتِفَاءُ بِإِعْلَانِهَا بِالكَلَامِ. وَهٰذَا المَوْضُوعُ يَحْتَلُّ مَكَانَةً مَرْكَزِيَّةً فِي إِنْجِيلِ مَتَّى؛ إِذْ سَبَقَ لِيَسُوعَ أَنْ قَالَ فِي العِظَةِ عَلَى الجَبَلِ: "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ، بَلْ مَنْ يَعْمَلُ بِمَشِيئَةِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 7: 21). وَقَدْ شَدَّدَ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ، فِي تَفْسِيرِهِ لِهٰذِهِ الآيَةِ، عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ لا يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ الأَقْوَالِ وَالمَعْرِفَةِ، بَلْ يَظْهَرُ فِي المُمَارَسَةِ وَالعَمَلِ بِإِرَادَةِ اللهِ (PG 58, 631–640).

وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يَنْفَرِدُ مَتَّى الإِنْجِيلِيُّ بِرِوَايَةِ مَثَلِ الابْنَيْنِ (مَتَّى 21: 28–32)، بَيْنَمَا لا يَرِدُ هٰذَا المَثَلُ فِي إِنْجِيلَيْ مَرْقُسَ وَلُوقَا. وَقَدْ أَشَارَ القِدِّيسُ أوغسطينوس إِلَى هٰذَا الاخْتِصَاصِ المَتَّاوِيِّ عِنْدَ مُقَارَنَتِهِ بَيْنَ رِوَايَاتِ الأَنَاجِيلِ (De consensu evangelistarum II, 70, 133). وَيَأْتِي المَثَلُ مُبَاشَرَةً بَعْدَ مُوَاجَهَةِ يَسُوعَ مَعَ رُؤَسَاءِ الكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ حَوْلَ سُلْطَانِهِ وَحَوْلَ مَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ (مَتَّى 21: 23–27)، فَيَكْشِفُ، مِنْ خِلَالِ صُورَةِ الابْنَيْنِ، التَّنَاقُضَ المُمْكِنَ بَيْنَ القَوْلِ وَالعَمَلِ، وَبَيْنَ الادِّعَاءِ بِالطَّاعَةِ وَالطَّاعَةِ الفِعْلِيَّةِ.

فَالابْنُ الأَوَّلُ يُجِيبُ أَبَاهُ فِي البِدَايَةِ: "لا أُرِيدُ"، وَلٰكِنَّهُ "نَدِمَ بَعْدَ ذٰلِكَ وَذَهَبَ"؛ وَيَسْتَعْمِلُ النَّصُّ اليُونَانِيُّ الفِعْلَ μεταμέλομαι، الَّذِي يَدُلُّ هُنَا عَلَى تَغَيُّرِ المَوْقِفِ وَالنَّدَامَةِ الَّتِي تَقُودُ إِلَى فِعْلٍ جَدِيدٍ. أَمَّا الابْنُ الآخَرُ فَيُجِيبُ: ἐγώ, κύριε، أَيْ: "أَنَا، يَا سَيِّدُ"، مُعْلِنًا اسْتِعْدَادَهُ لِلطَّاعَةِ، "وَلٰكِنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ" (مَتَّى 21: 29–30). وَهُنَا تَظْهَرُ مُفَارَقَةُ المَثَلِ: الأَوَّلُ رَفَضَ بِالكَلَامِ ثُمَّ أَطَاعَ بِالعَمَلِ، وَالثَّانِي أَطَاعَ بِالكَلَامِ ثُمَّ رَفَضَ بِالعَمَلِ.

وَلِذٰلِكَ يَبْلُغُ المَثَلُ ذُرْوَتَهُ فِي سُؤَالِ يَسُوعَ: "أَيُّهُمَا عَمِلَ مَشِيئَةَ الأَبِ؟" (مَتَّى 21: 31). وَالتَّعْبِيرُ اليُونَانِيُّ ἐποίησεν τὸ θέλημα τοῦ πατρός يَجْمَعُ بَيْنَ الفِعْلِ ποιέω، "يَعْمَلُ/يَفْعَلُ"، وَالاسْمِ θέλημα، "المَشِيئَة/الإِرَادَة"، فَيُبَيِّنُ أَنَّ مِعْيَارَ البُنُوَّةِ الحَقِيقِيَّةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِعْلَانِ الطَّاعَةِ، بَلْ تَجْسِيدُ مَشِيئَةِ الآبِ فِي العَمَلِ وَالحَيَاةِ.

وَقَدْ رَأَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ فِي هٰذَا المَثَلِ إِدَانَةً لِلتَّنَاقُضِ بَيْنَ الادِّعَاءِ الدِّينِيِّ وَالمُمَارَسَةِ الفِعْلِيَّةِ؛ فَالَّذِينَ أَعْلَنُوا طَاعَتَهُمْ لِلهِ لَمْ يُصَدِّقُوا يُوحَنَّا، فِي حِينِ أَنَّ العَشَّارِينَ وَالخَاطِئِينَ اسْتَجَابُوا لِدَعْوَتِهِ وَغَيَّرُوا حَيَاتَهُمْ. وَيُلَخِّصُ الذَّهَبِيُّ الفَمِ هٰذِهِ المُفَارَقَةَ بِإِبْرَازِ أَنَّ الطَّاعَةَ ظَهَرَتْ فِي الأَعْمَالِ عِنْدَ مَنْ كَانُوا يُعَدُّونَ بَعِيدِينَ، فِي حِينِ أَنَّ آخَرِينَ أَعْلَنُوا الطَّاعَةَ وَلَمْ يُحَقِّقُوهَا فِي سُلُوكِهِمْ (يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم، العِظَة 67 عَلَى إِنْجِيلِ مَتَّى (PG 58, 631–640).

وَمِنْ هُنَا لا يَضَعُ المَثَلُ أَمَامَنَا مُقَابَلَةً بَيْنَ "إِنْسَانٍ صَالِحٍ" وَ"إِنْسَانٍ شِرِّيرٍ" بِقَدْرِ مَا يَضَعُ أَمَامَنَا نَمَطَيْنِ مِنَ الاسْتِجَابَةِ لِدَعْوَةِ اللهِ: إِيمَانًا يَبْقَى عِنْدَ حُدُودِ الكَلِمَاتِ وَالمَظَاهِرِ، وَإِيمَانًا يَتَحَوَّلُ، بَعْدَ التَّوْبَةِ، إِلَى قَرَارٍ وَعَمَلٍ وَحَيَاةٍ. فَالابْنُ الصَّادِقُ لَيْسَ مَنْ يَقُولُ لِأَبِيهِ "نَعَمْ" فَحَسْبُ، بَلْ مَنْ يَتَعَلَّمُ أَنْ يَجْعَلَ إِرَادَةَ الآبِ مِعْيَارًا لِسُلُوكِهِ، حَتَّى إِنْ كَانَ قَدْ رَفَضَهَا فِي البِدَايَةِ؛ لأَنَّ بَابَ الرُّجُوعِ وَالتَّوْبَةِ يَبْقَى مَفْتُوحًا.

وَبِهٰذَا يَتَّضِحُ أَنَّ المَثَلَ لَيْسَ مُجَرَّدَ انْتِقَادٍ لِمَوْقِفٍ دِينِيٍّ فِي المَاضِي، بَلْ هُوَ سُؤَالٌ مُوَجَّهٌ إِلَى كُلِّ تِلْمِيذٍ فِي كُلِّ زَمَانٍ: هَلْ تَتَوَافَقُ أَقْوَالُنَا وَاعْتِرَافَاتُنَا الإِيمَانِيَّةُ مَعَ أَعْمَالِنَا؟ وَهَلْ نَقْبَلُ دَعْوَةَ اللهِ إِلَى التَّوْبَةِ وَنَتَرْجِمُهَا إِلَى سُلُوكٍ مَلْمُوسٍ؟ فَالإِيمَانُ المَسِيحِيُّ الحَقِيقِيُّ لَيْسَ "نَعَمْ" تُقَالُ بِالشِّفَاهِ فَقَطْ، بَلْ "نَعَمْ" تَصِيرُ حَيَاةً. وَمِنْ هُنَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ البَحْثِ فِي وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 21: 28–32)، وَدِرَاسَةِ أَلْفَاظِهِ وَسِيَاقِهِ وَدَلَالَاتِهِ اللاهُوتِيَّةِ، ثُمَّ اسْتِخْلَاصِ تَطْبِيقَاتِهِ فِي حَيَاتِنَا الإِيمَانِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ.

 

أَوَّلًا: وَقَائِعُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 21: 28–32)

 

28" مَا رَأْيُكُمْ؟ كَانَ لِرَجُلٍ ابْنَانِ. فَدَنَا مِنَ الأَوَّلِ وَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ، اذْهَبِ اليَوْمَ وَاعْمَلْ فِي الكَرْمِ"

تُشِيرُ عِبَارَةُ "مَا رَأْيُكُمْ؟"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ Τί δὲ ὑμῖν δοκεῖ، إِلَى أُسْلُوبٍ تَعْلِيمِيٍّ يَسْتَعْمِلُهُ يَسُوعُ لِيَدْعُوَ سَامِعِيهِ إِلَى التَّفْكِيرِ وَاتِّخَاذِ مَوْقِفٍ شَخْصِيٍّ. فَهُوَ لَا يُصْدِرُ الحُكْمَ مُبَاشَرَةً، بَلْ يَجْعَلُ مُحَاوِرِيهِ يَصِلُونَ، مِنْ خِلَالِ جَوَابِهِمْ، إِلَى الحُكْمِ عَلَى مَوْقِفِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ. وَيُذَكِّرُنَا هٰذَا الأُسْلُوبُ بِمَا حَدَثَ مَعَ دَاوُدَ، حِينَ قَدَّمَ لَهُ نَاتَانُ النَّبِيُّ مَثَلًا، فَأَصْدَرَ دَاوُدُ حُكْمَهُ قَبْلَ أَنْ يَكْشِفَ لَهُ النَّبِيُّ أَنَّ المَثَلَ يَعْنِيهِ شَخْصِيًّا (2 صَمُوئِيل 12: 1–7). وهكذا يجعل يسوع سامعيه أنفسهم قضاةً في القضية التي تكشف موقفهم. وهذا المعنى يؤكده أيضًا التفسير الآبائي للمثل.

أَمَّا عِبَارَةُ "كَانَ لِرَجُلٍ ابْنَانِ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ ἄνθρωπος εἶχεν τέκνα δύο، فَتُدْخِلُنَا فِي صُلْبِ المَثَلِ. فَالأَبُ يُمَثِّلُ اللهَ الَّذِي يَدْعُو أَبْنَاءَهُ إِلَى طَاعَتِهِ وَالعَمَلِ بِإِرَادَتِهِ. وَيُمَثِّلُ الابْنَانِ مَوْقِفَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ مِنْ هٰذِهِ الإِرَادَةِ: فَالأَوَّلُ يَرْفُضُ فِي البِدَايَةِ، ثُمَّ يَنْدَمُ وَيَسْتَجِيبُ؛ وَيُطَبِّقُ يَسُوعُ هٰذَا المَوْقِفَ عَلَى العَشَّارِينَ وَالبَغَايَا الَّذِينَ آمَنُوا بِكَرَازَةِ يُوحَنَّا وَاسْتَجَابُوا لِدَعْوَةِ التَّوْبَةِ (مَتَّى 21: 31–32). أَمَّا الابْنُ الآخَرُ فَيُعْلِنُ طَاعَتَهُ بِلِسَانِهِ، وَلٰكِنَّهُ لَا يُتَرْجِمُهَا إِلَى عَمَلٍ؛ وَهٰذَا يَكْشِفُ مَوْقِفَ القِيَادَاتِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي سَمِعَتْ كَرَازَةَ يُوحَنَّا وَلَمْ تُؤْمِنْ بِهَا (مَتَّى 21: 23، 32). وَقَدْ وَسَّعَ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ هٰذِهِ الدَّلَالَةَ، فَرَأَى فِي الابْنَيْنِ أَيْضًا صُورَةً لِلأُمَمِ وَاليَهُودِ: فَالأُمَمُ لَمْ يَعِدُوا أَوَّلًا بِالطَّاعَةِ لِلشَّرِيعَةِ، لٰكِنَّهُمْ أَظْهَرُوا الطَّاعَةَ بِالأَعْمَالِ؛ أَمَّا اليَهُودُ فَقَالُوا: "كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ نَفْعَلُ" (خُرُوج 19: 8)، ثُمَّ لَمْ تُوَافِقْ أَعْمَالُهُمْ أَقْوَالَهُمْ. ويشدّد الذهبي الفم على أن المسيح جعل المخاطَبين يصدرون الحكم بأنفسهم، فيدينون موقفهم بجوابهم.  (PG, 631-640)

وَتَحْمِلُ كَلِمَةُ الأَبِ "يَا بُنَيَّ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِΤέκνον يا بُنَيَّ /يا وَلَدِي)، بُعْدًا أَبَوِيًّا مُهِمًّا؛ فَالدَّعْوَةُ إِلَى العَمَلِ لَا تَصْدُرُ عَنْ سَيِّدٍ إِلَى عَبْدٍ فَحَسْبُ، بَلْ عَنْ أَبٍ إِلَى ابْنِهِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَالطَّاعَةُ الَّتِي يَنْشُدُهَا المَثَلُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ خُضُوعٍ خَارِجِيٍّ، بَلْ هِيَ اسْتِجَابَةُ الابْنِ لِإِرَادَةِ أَبِيهِ.

أَمَّا الأَمْرُ "اذْهَبِ اليَوْمَ وَاعْمَلْ فِي الكَرْمِ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ ὕπαγε σήμερον ἐργάζου ἐν τῷ ἀμπελῶνι، فَيُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ الاسْتِجَابَةَ لِلهِ لَا تَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ القَوْلِ، بَلْ تَتَجَسَّدُ فِي العَمَلِ – ἐργάζου. وَتَحْمِلُ كَلِمَةُ "اليَوْمَσήμερον " دَلَالَةً رُوحِيَّةً: فَدَعْوَةُ اللهِ تَطْلُبُ اسْتِجَابَةً فِي الحَاضِرِ، وَلَا تَحْتَمِلُ التَّأْجِيلَ المُسْتَمِرَّ.

وَأَمَّا "الكَرْمُ ἀμπελών"، فَهُوَ مِنَ الصُّوَرِ الكِتَابِيَّةِ الغَنِيَّةِ بِالدَّلَالَةِ؛ إِذِ اسْتُعْمِلَ فِي العَهْدِ القَدِيمِ رَمْزًا لِشَعْبِ اللهِ: "إِنَّ كَرْمَ رَبِّ القُوَّاتِ هُوَ بَيْتُ إِسْرَائِيلَ" (أَشَعْيَاء 5: 7؛ راجع مَزْمُور 80: 9–17). وَفِي سِيَاقِ المَثَلِ، يَصِيرُ العَمَلُ فِي الكَرْمِ صُورَةً لِلاسْتِجَابَةِ الفِعْلِيَّةِ لِإِرَادَةِ اللهِ. وَتَكْمُنُ رِسَالَةُ الآيَةِ فِي أَنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى الأَقْوَالِ وَالادِّعَاءَاتِ فَحَسْبُ، بَلْ إِلَى الاسْتِجَابَةِ الفِعْلِيَّةِ لِإِرَادَتِهِ. فَالإِيمَانُ الحَقِيقِيُّ لَا يَقُولُ لِلَّهِ "نَعَمْ" بِاللِّسَانِ فَقَطْ، بَلْ يُتَرْجِمُ هٰذِهِ الـ"نَعَمْ" إِلَى طَاعَةٍ وَتَوْبَةٍ وَعَمَلٍ.

 

29 "فَأَجَابَهُ: لَا أُرِيدُ. وَلٰكِنَّهُ نَدِمَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَذَهَبَ"

تُشِيرُ عِبَارَةُ "لَا أُرِيدُ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ οὐ θέλω، إِلَى رَفْضِ الابْنِ الصَّرِيحِ إِرَادَةَ أَبِيهِ. وَهُوَ لَا يُقَدِّمُ عُذْرًا وَلَا تَبْرِيرًا، بَلْ يُعْلِنُ رَفْضَهُ مُبَاشَرَةً. وَفِي تَطْبِيقِ يَسُوعَ لِلْمَثَلِ، يُذَكِّرُ هٰذَا الابْنُ بِالعَشَّارِينَ وَالبَغَايَا الَّذِينَ كَانَتْ حَيَاتُهُمْ فِي البِدَايَةِ بَعِيدَةً عَنْ "طَرِيقِ البِرِّ"، وَلٰكِنَّهُمْ آمَنُوا بِكَرَازَةِ يُوحَنَّا وَاسْتَجَابُوا لِدَعْوَةِ اللهِ (مَتَّى 21: 31–32). وهكذا يقيم المثل مقابلةً بين الرَّفْضِ الأَوَّلِ وَالطَّاعَةِ اللَّاحِقَةِ، وبين القول الظاهر والفعل الحقيقي.

أَمَّا عِبَارَةُ "نَدِمَ"، فَتَرِدُ فِي اليُونَانِيَّةِ μεταμεληθείς ، مِنَ الفِعْلِ μεταμέλομαι، وَتَدُلُّ عَلَى النَّدَمِ وَتَغَيُّرِ المَوْقِفِ بَعْدَ التَّفْكِيرِ. وَيَنْبَغِي التَّمْيِيزُ، مِنَ النَّاحِيَةِ اللُّغَوِيَّةِ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ μετάνοια)، الَّتِي تَحْمِلُ فِي الاسْتِعْمَالِ المَسِيحِيِّ الأَوْسَعِ مَعْنَى التَّوْبَةِ وَتَحَوُّلِ الذِّهْنِ وَالحَيَاةِ. لٰكِنَّ μεταμεληθείς فِي هٰذَا المَثَلِ لَا تَبْقَى مُجَرَّدَ شُعُورٍ نَفْسِيٍّ بِالأَسَفِ، لأَنَّ النَّدَمَ أَثْمَرَ عَمَلًا: "فَذَهَبَ". وَيَعُودُ مَتَّى فَيَسْتَعْمِلُ الفِعْلَ نَفْسَهُ فِي الآيَةِ 32: "وَأَنْتُمْ رَأَيْتُمْ ذٰلِكَ، فَلَمْ تَنْدَمُوا آخِرَ الأَمْرِ فَتُؤْمِنُوا بِهِ". وَيَتَّفِقُ هٰذَا المَعْنَى مَعَ تَعْلِيمِ إِقْلِيمِسَ الإِسْكَنْدَرِيِّ عَنِ التَّوْبَةِ الحَقِيقِيَّةِ، إِذْ يَرْبِطُهَا بِالرُّجُوعِ إِلَى اللهِ وَالتَّخَلِّي الفِعْلِيِّ عَنِ الخَطِيئَةِ، لَا بِالأَسَفِ العَابِرِ وَحْدَهُ) 643-646، (PG 9.

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "فَذَهَبَ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ ἀπῆλθεν)، إِلَى اللَّحْظَةِ الَّتِي تَحَوَّلَ فِيهَا النَّدَمُ إِلَى طَاعَةٍ عَمَلِيَّةٍ. فَالابْنُ لَمْ يُصَحِّحْ كَلِمَتَهُ بِكَلِمَةٍ أُخْرَى، بَلْ صَحَّحَ رَفْضَهُ بِالعَمَلِ. وَمِنْ هُنَا يَأْتِي سُؤَالُ يَسُوعَ الحَاسِمُ: "فَأَيُّ الاثْنَيْنِ عَمِلَ بِإِرَادَةِ أَبِيهِ؟" (مَتَّى 21: 31). فَالمِعْيَارُ هُوَ "عَمِلَ – ἐποίησεν" بِإِرَادَةِ الأَبِ، لَا مُجَرَّدُ إِعْلَانِ الطَّاعَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذِهِ المُفَارَقَةِ مُشَدِّدًا عَلَى أَنَّ الطَّاعَةَ الحَقِيقِيَّةَ ظَهَرَتْ فِي الأَعْمَالِ، فِي حِينِ أَنَّ الطَّرَفَ الآخَرَ أَعْلَنَ الطَّاعَةَ وَلَمْ يُحَقِّقْهَا. وَيَرْبِطُ ذٰلِكَ بِقَوْلِ بُولُسَ: "لَيْسَ سَامِعُو الشَّرِيعَةِ هُمُ الأَبْرَارَ عِنْدَ اللهِ، بَلِ العَامِلُونَ بِالشَّرِيعَةِ هُمُ الَّذِينَ يُبَرَّرُونَ" (635-636، PG 58). وَمِنَ النَّاحِيَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ، لَا يَنْبَغِي أَنْ نَفْهَمَ "فَذَهَبَ" كَأَنَّ التَّوْبَةَ ثَمَرَةُ الإِرَادَةِ البَشَرِيَّةِ المُسْتَقِلَّةِ عَنْ نِعْمَةِ اللهِ؛ بَلْ إِنَّ الاسْتِجَابَةَ لِنِدَاءِ اللهِ تَكْشِفُ تَلَاقِيَ النِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ وَحُرِّيَّةِ الإِنْسَانِ: فَاللهُ يَدْعُو وَيَمُنُّ بِنِعْمَتِهِ، وَالإِنْسَانُ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَسْتَجِيبَ لَهَا بِحُرِّيَّةٍ. وَهٰكَذَا، لَيْسَ المَهَمُّ فِي الحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ أَلَّا يَقُولَ الإِنْسَانُ لِلَّهِ "لَا" فِي لَحْظَةِ ضَعْفٍ، بَلْ أَلَّا يَجْعَلَ هٰذِهِ الـ"لَا" كَلِمَتَهُ الأَخِيرَةَ. فَالنَّدَمُ الإِنْجِيلِيُّ الحَقِيقِيُّ يَقُودُ إِلَى الرُّجُوعِ، وَالتَّوْبَةُ تَظْهَرُ فِي الطَّاعَةِ وَالعَمَلِ بِإِرَادَةِ الآبِ.

 

30 "وَدَنَا مِنَ الآخَرِ وَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذٰلِكَ. فَأَجَابَ: هَا إِنِّي ذَاهِبٌ، يَا سَيِّدُ! وَلٰكِنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ»"

تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَدَنَا مِنَ الآخَرِ وَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذٰلِكَ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ προσελθὼν δὲ τῷ ἑτέρῳ εἶπεν ὡσαύτως، إِلَى أَنَّ الأَبَ تَوَجَّهَ إِلَى الابْنِ الآخَرِ بِالدَّعْوَةِ نَفْسِهَا. فَالأَمْرُ وَاحِدٌ، وَالكَرْمُ وَاحِدٌ، وَالدَّعْوَةُ إِلَى العَمَلِ وَاحِدَةٌ؛ وَإِنَّمَا يَكْمُنُ الاخْتِلَافُ فِي اسْتِجَابَةِ الابْنَيْنِ. فَاللهُ يَدْعُو، وَالإِنْسَانُ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يُجِيبَ دَعْوَتَهُ لَا بِالكَلَامِ فَحَسْبُ، بَلْ بِالعَمَلِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "هَا إِنِّي ذَاهِبٌ، يَا سَيِّدُ!"، فَيَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ تَعْبِيرٌ أَشَدُّ إِيجَازًا Ἐγώ, κύριε ، وَمَعْنَاهُ الحَرْفِيُّ: "أَنَا، يَا سَيِّدُ"، أَيْ: "أَنَا ذَاهِبٌ" أَوْ "أَنَا مُسْتَعِدٌّ". وَتَدُلُّ كَلِمَةُ κύριε، وَهِيَ صِيغَةُ النِّدَاءِ مِنْ κύριος، عَلَى الاحْتِرَامِ وَالإِقْرَارِ بِسُلْطَةِ الأَبِ. غَيْرَ أَنَّ هٰذَا الاحْتِرَامَ بَقِيَ عَلَى مُسْتَوَى اللِّسَانِ، لأَنَّ النَّصَّ يُضِيفُ مُبَاشَرَةً: "وَلٰكِنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ". وَلِذٰلِكَ، فَالأَدَقُّ أَلَّا نَصِفَ الابْنَ مُبَاشَرَةً بِأَنَّهُ "كَذَّابٌ مُرَاءٍ"، لأَنَّ النَّصَّ لَا يَكْشِفُ دَوَافِعَهُ النَّفْسِيَّةَ، بَلْ يُرَكِّزُ عَلَى التَّنَاقُضِ بَيْنَ قَوْلِهِ وَعَمَلِهِ. فَقَدْ أَعْلَنَ طَاعَتَهُ، وَلٰكِنَّهُ لَمْ يُنَفِّذْ إِرَادَةَ أَبِيهِ. وَهُنَا تَكْمُنُ المُفَارَقَةُ: الابْنُ الأَوَّلُ قَالَ "لَا" ثُمَّ عَمِلَ، أَمَّا الآخَرُ فَقَالَ "نَعَمْ" وَلَمْ يَعْمَلْ. وهذا هو جوهر المثل كما يشرحه الذهبي الفم: الطاعة الحقيقية تُكشف بالأعمال لا بمجرد الأقوال.  وَتَنْسَجِمُ هٰذِهِ المُفَارَقَةُ مَعَ تَعْلِيمِ يَسُوعَ فِي المَوْعِظَةِ عَلَى الجَبَلِ: "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ، بَلْ مَنْ يَعْمَلُ بِمَشِيئَةِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 7: 21). فَالإِيمَانُ لَا يُقَاسُ بِصِحَّةِ الأَقْوَالِ وَحْدَهَا، بَلْ بِمَدَى تَحَوُّلِهَا إِلَى طَاعَةٍ وَحَيَاةٍ.

أَمَّا عِبَارَةُ "وَلٰكِنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ καὶ οὐκ ἀπῆλθεν ، فَهِيَ مِفْتَاحُ فَهْمِ شَخْصِيَّةِ الابْنِ الآخَرِ. فَالفِعْلُ ἀπῆλθεν، مِنْ ἀπέρχομαι، هُوَ نَفْسُهُ المُسْتَعْمَلُ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ عَنِ الابْنِ الَّذِي نَدِمَ "فَذَهَبَ". وَبِذٰلِكَ يُقِيمُ مَتَّى مُقَابَلَةً لُغَوِيَّةً وَلَاهُوتِيَّةً دَقِيقَةً: الأَوَّلُ ἀπῆλθεν، "ذَهَبَ"؛ وَالآخَرُ οὐκ ἀπῆλθεν، "لَمْ يَذْهَبْ". فَالمِعْيَارُ النِّهَائِيُّ لَيْسَ مَا قَالَهُ كُلُّ ابْنٍ، بَلْ مَا فَعَلَهُ. وَفِي السِّيَاقِ المُبَاشَرِ لِلمَثَلِ، يُشِيرُ هٰذَا المَوْقِفُ إِلَى رُؤَسَاءِ الكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ الَّذِينَ يُوَجِّهُ يَسُوعُ إِلَيْهِمْ كَلَامَهُ (مَتَّى 21: 23). فَهُمْ يَنْتَمُونَ ظَاهِرًا إِلَى شَعْبِ العَهْدِ وَيَعْتَرِفُونَ بِسُلْطَانِ اللهِ، وَلٰكِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِدَعْوَتِهِ حِينَ جَاءَهُمْ يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ "فِي طَرِيقِ البِرِّ"؛ وَهٰذَا مَا سَيُصَرِّحُ بِهِ يَسُوعُ فِي الآيَةِ 32. لذلك فالأدقّ تفسير النص أولًا في ضوء مخاطَبيه المباشرين، قبل توسيعه ليشمل الكتبة والفريسيين بوجه عام. وَيُمْكِنُ رَبْطُ ذٰلِكَ أَيْضًا بِتَحْذِيرِ يَسُوعَ مِنَ الانْفِصَالِ بَيْنَ القَوْلِ وَالعَمَلِ: "يَقُولُونَ وَلَا يَفْعَلُونَ" (مَتَّى 23: 3). فَالمَشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي قَوْلِ "يَا سَيِّدُ"، بَلْ فِي أَنْ يَبْقَى هٰذَا الاعْتِرَافُ لَفْظِيًّا، مِنْ دُونِ أَنْ يَصِيرَ طَاعَةً لِمَشِيئَةِ اللهِ. يَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ فِي الابْنَيْنِ، إِلَى جَانِب التَّطْبِيقِ المُبَاشَرِ عَلَى العَشَّارِينَ وَالبَغَايَا وَمُخَالِفِيهِمْ، دَلَالَةً أَوْسَعَ عَلَى الأُمَمِ وَاليَهُودِ. فَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ اليَهُودَ أَعْلَنُوا اسْتِعْدَادَهُمْ لِلطَّاعَةِ: "كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ نَفْعَلُ" (خُرُوج 19: 8)، لٰكِنَّ الأَعْمَالَ لَمْ تُوَافِقِ الإِعْلَانَ. وَيَسْتَشْهِدُ بِالمَبْدَإِ البُولُسِيِّ: "لَيْسَ سَامِعُو الشَّرِيعَةِ هُمُ الأَبْرَارَ عِنْدَ اللهِ، بَلِ العَامِلُونَ بِالشَّرِيعَةِ هُمُ الَّذِينَ يُبَرَّرُونَ" (رُومِيَة 2: 13). ويؤكد يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أن المسيح جعل مخاطبيه يحكمون على أنفسهم من خلال جوابهم عن الابنين (PG 58, 634-636). وَيَذْكُرُ القِدِّيسُ أوغسطينوس مَثَلَ الابْنَيْنِ صراحةً عند بحثه في انسجام روايات الأناجيل، وينقل تسلسل المثل كما يورده متّى: أحدهما يرفض ثم يندم ويذهب، والآخر يَعِدُ بالذهاب ولا يذهب1145-1146)، PL 34). وَتَكْمُنُ رِسَالَةُ الآيَةِ فِي أَنَّ اللهَ لَا يَطْلُبُ مِنَ الإِنْسَانِ "نَعَمْ" تُقَالُ بِالشَّفَتَيْنِ فَحَسْبُ، بَلْ "نَعَمْ" تَتَجَسَّدُ فِي الحَيَاةِ. فَالطَّاعَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَا تُقَاسُ بِمَا نَقُولُهُ لِلَّهِ، بَلْ

 

31" فَأَيُّهُمَا عَمِلَ بِمَشِيئَةِ أَبِيهِ؟ فَقَالُوا: الأَوَّلُ. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ الجُبَاةَ وَالبَغَايَا يَتَقَدَّمُونَكُمْ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ"

تُشِيرُ عِبَارَةُ "عَمِلَ بِمَشِيئَةِ أَبِيهِ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ ἐποίησεν τὸ θέλημα τοῦ πατρός، إِلَى المِعْيَارِ الحَاسِمِ فِي المَثَلِ، وَهُوَ العَمَلُ بِإِرَادَةِ الآبِ، لَا مُجَرَّدُ الإِعْلَانِ عَنْهَا. فَالفِعْلُ ἐποίησεν، مِنْ ποιέω، يَعْنِي "عَمِلَ، فَعَلَ، أَنْجَزَ"، أَمَّا θέλημα فَتَعْنِي: الإِرَادَةَ، المَشِيئَةَ: وَبِذٰلِكَ يَرْتَبِطُ المَثَلُ بِقَوْلِ يَسُوعَ: "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ، بَلْ مَنْ يَعْمَلُ بِمَشِيئَةِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 7: 21). فَالطَّاعَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ لَا تَقُومُ عَلَى القَوْلِ فَحَسْبُ، بَلْ عَلَى تَحَوُّلِ القَوْلِ إِلَى عَمَلٍ.

أَمَّا جَوَابُهُمْ "الأَوَّلُ"ὁ πρῶτος، فَيَكْشِفُ أَنَّ مُخَاطَبِي يَسُوعَ أَدْرَكُوا بِأَنْفُسِهِمْ أَنَّ الابْنَ الَّذِي رَفَضَ أَوَّلًا، ثُمَّ نَدِمَ وَذَهَبَ إِلَى الكَرْمِ، هُوَ الَّذِي عَمِلَ بِمَشِيئَةِ أَبِيهِ. وَبِجَوَابِهِمْ هٰذَا أَصْدَرُوا، مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرُونَ، حُكْمًا عَلَى مَوْقِفِهِمْ هُمْ. وَيُشَدِّدُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذِهِ النُّقْطَةِ: فَيَسُوعُ يَجْعَلُهُمْ يُصْدِرُونَ الحُكْمَ بِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ يَكْشِفُ لَهُمْ مَعْنَى المَثَلِ.

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ" إِلَى الصِّيغَةِ اليُونَانِيَّةِ ἀμὴν λέγω ὑμῖν، وَهِيَ صِيغَةٌ يَسُوعِيَّةٌ ذَاتُ سُلْطَانٍ خَاصٍّ، يُمَهِّدُ بِهَا يَسُوعُ لِإِعْلَانٍ مُهِمٍّ. وَهُنَا يَكْشِفُ التَّطْبِيقَ الحَقِيقِيَّ لِلمَثَلِ: لَيْسَ المِعْيَارُ المَكَانَةَ الدِّينِيَّةَ الظَّاهِرَةَ، بَلِ الاسْتِجَابَةَ الفِعْلِيَّةَ لِنِدَاءِ اللهِ.

أَمَّا "الجُبَاةُ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ οἱ τελῶναι، فَهُمُ العَشَّارُونَ أَوْ جُبَاةُ الضَّرَائِبِ. وَكَانُوا فِئَةً مُحْتَقَرَةً اجْتِمَاعِيًّا وَدِينِيًّا لِارْتِبَاطِ عَمَلِهِمْ بِالنِّظَامِ الضَّرِيبِيِّ الرُّومَانِيِّ وَلِمَا كَانَ يَرْتَبِطُ بِهِ أَحْيَانًا مِنَ الاسْتِغْلَالِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، لَمْ يُغْلِقْ يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ أَمَامَهُمْ بَابَ التَّوْبَةِ، بَلْ قَالَ لَهُمْ: "لَا تَجْبُوا أَكْثَرَ مِمَّا فُرِضَ لَكُمْ" (لُوقَا 3: 12–13).

وَأَمَّا "البَغَايَا"، فَفِي اليُونَانِيَّةِ αἱ πόρναι، وَهُنَّ النِّسَاءُ اللَّوَاتِي كُنَّ يُعَدَدْنَ، فِي المَنْظُورِ الدِّينِيِّ وَالاجْتِمَاعِيِّ آنَذَاكَ، مِنَ الخُطَاةِ العَلَنِيِّينَ. وَلَا يَذْكُرُهُنَّ يَسُوعُ هُنَا لِلتَّشْهِيرِ بِهِنَّ، بَلْ لِيُظْهِرَ قُوَّةَ التَّوْبَةِ: فَمَنْ كَانُوا يُعَدُّونَ أَبْعَدَ النَّاسِ عَنِ اللهِ أَصْبَحُوا، بِإِيمَانِهِمْ وَاسْتِجَابَتِهِمْ، أَقْرَبَ إِلَى مَلَكُوتِهِ مِنْ أُنَاسٍ كَانُوا يَعُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ أَقْرَبَ إِلَيْهِ. وَيُفَسِّرُ يَسُوعُ نَفْسُهُ هٰذَا المَعْنَى فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ: "الجُبَاةُ وَالبَغَايَا آمَنُوا بِهِ" (مَتَّى 21: 32).

أَمَّا عِبَارَةُ "يَتَقَدَّمُونَكُمْ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ προάγουσιν ὑμᾶς، فَهِيَ مِنَ الفِعْلِ προάγω، أَيْ "يَسْبِقُ، يَتَقَدَّمُ". وَلَا يَعْنِي ذٰلِكَ أَنَّ الخَطِيئَةَ تُعْطِي أَفْضَلِيَّةً عَلَى البِرِّ، بَلْ إِنَّ التَّوْبَةَ وَالإِيمَانَ جَعَلَا أُولٰئِكَ الَّذِينَ كَانُوا خُطَاةً يَسْتَجِيبُونَ لِدَعْوَةِ اللهِ قَبْلَ القِيَادَاتِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي رَفَضَتْ كَرَازَةَ يُوحَنَّا. وَيُلاحِظُ الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ "يَتَقَدَّمُونَكُمْ" لَا تُغْلِقُ البَابَ أَمَامَ المُخَاطَبِينَ، بَلْ تَتْرُكُ لَهُمْ رَجَاءَ اللحاق إِنْ هُمْ تَابُوا وَآمَنُوا.  وَيَتَّضِحُ هٰذَا المَعْنَى فِي لُوقَا"جَمِيعُ الشَّعْبِ الَّذِي سَمِعَهُ، حَتَّى الجُبَاةُ أَنْفُسُهُمْ، بَرُّوا اللهَ، فَاعْتَمَدُوا عَنْ يَدِ يُوحَنَّا. وَأَمَّا الفِرِّيسِيُّونَ وَعُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ... فَأَعْرَضُوا عَنْ تَدْبِيرِ اللهِ فِي أَمْرِهِمْ" (لُوقَا 7: 29–30). وَهٰذَا يَشْرَحُ المُفَارَقَةَ الَّتِي يَقْصِدُهَا يَسُوعُ: لَيْسَ مَنْ يَبْدَأُ أَوَّلًا هُوَ بِالضَّرُورَةِ مَنْ يَصِلُ أَوَّلًا، بَلْ مَنْ يَسْتَجِيبُ لِنِدَاءِ اللهِ بِالإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ.

أَمَّا عِبَارَةُ: "مَلَكُوتِ اللهِ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ ἡ βασιλεία τοῦ θεοῦ، فَلَا تُشِيرُ أَوَّلًا إِلَى مَكَانٍ جُغْرَافِيٍّ، بَلْ إِلَى مُلْكِ اللهِ وَسِيَادَتِهِ وَحُكْمِهِ الخَلَاصِيِّ. وَمِنَ المُهِمِّ التَّنْبِيهُ إِلَى أَنَّ مَتَّى، مَعَ أَنَّهُ يُفَضِّلُ عَادَةً تَعْبِيرَ "مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ"، يَسْتَعْمِلُ هُنَا صَرَاحَةً "مَلَكُوتَ اللهِ"، كَمَا يُثْبِتُ النَّصُّ اليُونَانِيُّ.  يُفَسِّرُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ هٰذِهِ الآيَةَ تفسيرًا مباشرًا، فيُبَيِّنُ أَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَقُلْ ببساطة إنَّ البغايا يتقدّمنهم، بل جعلهم أولًا يُصدرون الحكم على الابنين بأنفسهم، ثم كشف لهم تطبيق المثل. ويشدّد أيضًا على أنَّ يوحنا جاء إليهم "في طريق البر"، ومع ذلك لم يؤمنوا، في حين آمن به الجباة والبغايا؛ وحتى بعد أن رأوا توبتهم لم يرجعوا عن موقفهم معتبرًا الجباة والبغايا مثالًا على الذين تغيّرت حياتهم بالإيمان (PG 58, 635-636). وَخُلاصَةُ الآيَةِ أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ لَا يُدْخَلُ بِالانْتِمَاءِ الدِّينِيِّ الظَّاهِرِ، وَلَا بِالادِّعَاءِ بِالبِرِّ، بَلْ بِالإِيمَانِ الَّذِي يَقُودُ إِلَى التَّوْبَةِ وَالعَمَلِ بِمَشِيئَةِ الآبِ. فَالخَاطِئُ الَّذِي يَتُوبُ وَيَعُودُ إِلَى اللهِ يَسْبِقُ مَنْ يَعْتَرِفُ بِاللهِ بِلِسَانِهِ، وَلٰكِنَّهُ يَرْفُضُ دَعْوَتَهُ بِحَيَاتِهِ.

 

32" فَقَدْ جَاءَكُمْ يُوحَنَّا سَالِكًا طَرِيقَ البِرِّ، فَلَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ، وَأَمَّا العَشَّارُونَ وَالبَغَايَا فَآمَنُوا بِهِ. وَأَنْتُمْ رَأَيْتُمْ ذٰلِكَ، فَلَمْ تَنْدَمُوا آخِرَ الأَمْرِ فَتُؤْمِنُوا بِهِ"

تُشِيرُ عِبَارَةُ "طَرِيقَ البِرِّ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ ἐν ὁδῷ δικαιοσύνης، إِلَى الطَّرِيقِ المُنْسَجِمِ مَعَ إِرَادَةِ اللهِ وَمَقَاصِدِهِ. فَكَلِمَةُ ὁδός تَعْنِي "الطَّرِيقَ"، وَδικαιοσύνη تَعْنِي "البِرَّ" أَوِ "السُّلُوكَ القَوِيمَ أَمَامَ اللهِ". وَالمَقْصُودُ المُبَاشَرُ هُنَا أَنَّ يُوحَنَّا جَاءَ نَبِيًّا بَارًّا، يَدْعُو إِلَى التَّوْبَةِ وَإِلَى حَيَاةٍ مُنْسَجِمَةٍ مَعَ إِرَادَةِ اللهِ. ولذلك ينبغي عدم مساواة عبارة "طريق البر" مباشرةً بقول المسيح "أنا الطريق والحق والحياة" (يوحنا 14: 6)؛ ويمكن الربط بينهما لاهوتيًّا، لكن متّى 21: 32 يتحدث مباشرةً عن طريق البر الذي جاء فيه يوحنا. ويؤكد الذهبي الفم أنَّ يسوع شدّد على أن يوحنا لم يأتِ إليهم فقط، بل جاءهم أيضًا "في طريق البر".

أَمَّا عِبَارَةُ "فَلَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ οὐκ ἐπιστεύσατε αὐτῷ ، فَتُشِيرُ إِلَى رَفْضِ مُخَاطَبِي يَسُوعَ شَهَادَةَ يُوحَنَّا وَدَعْوَتَهُ. والمخاطَبون مباشرةً، بحسب بداية الحوار، هم رُؤَسَاءُ الكَهَنَةِ وَشُيُوخُ الشَّعْبِ (مَتَّى 21: 23)، لا الفريسيون وحدهم. وقد تساءلوا هم أنفسهم قبل المثل عن مصدر معمودية يوحنا، وكانوا يدركون أن اعترافهم بأنها "من السماء" يثير السؤال: "فَلِمَاذَا إِذًا لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ؟" (مَتَّى 21: 25). وهكذا يرتبط المثل مباشرةً بالجدال السابق حول يوحنا وسلطانه.

وَأَمَّا عِبَارَةُ "العَشَّارُونَ وَالبَغَايَا فَآمَنُوا بِهِ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ οἱ δὲ τελῶναι καὶ αἱ πόρναι ἐπίστευσαν αὐτῷ، فَتُشِيرُ إِلَى المُفَارَقَةِ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا المَثَلُ. فَالَّذِينَ كَانُوا يُعَدُّونَ خُطَاةً عَلَنِيِّينَ اسْتَجَابُوا لِكَرَازَةِ يُوحَنَّا، فَصَارُوا كَالابْنِ الَّذِي قَالَ أَوَّلًا: "لَا أُرِيدُ"، ثُمَّ نَدِمَ وَذَهَبَ. أَمَّا الَّذِينَ كَانُوا يَتَمَتَّعُونَ بِمَكَانَةٍ دِينِيَّةٍ، فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا، فَأَشْبَهُوا الابْنَ الَّذِي قَالَ: ": «أَنَا، يَا سَيِّدُ"، ثُمَّ لَمْ يَذْهَبْ. وهذا هو التطبيق الذي يقدمه يسوع نفسه للمثل.

وَلَا تَعْنِي عِبَارَةُ "فَآمَنُوا بِهِ" أَنَّ العَشَّارِينَ وَالبَغَايَا آمَنُوا بِيُوحَنَّا عَلَى أَنَّهُ المَسِيحُ، بَلْ إِنَّهُمْ صَدَّقُوا رِسَالَتَهُ وَاسْتَجَابُوا لِدَعْوَتِهِ إِلَى التَّوْبَةِ. وَكَانَتْ رِسَالَةُ يُوحَنَّا نَفْسُهَا تُهَيِّئُ الطَّرِيقَ لِلْمَسِيحِ (مَتَّى 3: 1–12).

أَمَّا عِبَارَةُ "وَأَنْتُمْ رَأَيْتُمْ ذٰلِكَ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ ὑμεῖς δὲ ἰδόντες ، فَتُضِيفُ إِلَى رَفْضِهِمْ بُعْدًا أَشَدَّ خُطُورَةً؛ فَهُمْ لَمْ يَرْفُضُوا كَرَازَةَ يُوحَنَّا فَحَسْبُ، بَلْ رَأَوْا ثِمَارَهَا فِي حَيَاةِ الآخَرِينَ، وَمَعَ ذٰلِكَ لَمْ يُغَيِّرُوا مَوْقِفَهُمْ. فَتَوْبَةُ الخُطَاةِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَصِيرَ لَهُمْ دَعْوَةً إِضَافِيَّةً إِلَى مُرَاجَعَةِ الذَّاتِ وَالإِيمَانِ.

وَتَبْلُغُ الآيَةُ ذِرْوَتَهَا فِي قَوْلِهِ: "فَلَمْ تَنْدَمُوا آخِرَ الأَمْرِ فَتُؤْمِنُوا بِهِ". وَفِي اليُونَانِيَّةِ: οὐδὲ μετεμελήθητε ὕστερον τοῦ πιστεῦσαι αὐτῷ. وَالفِعْلُ μετεμελήθητε مِنْ μεταμέλομαι، وَهُوَ نَفْسُ الجِذْرِ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ مَتَّى فِي الآيَةِ 29 عَنِ الابْنِ الأَوَّلِ: " نَدِمَ   μεταμεληθείς". وبذلك يصنع الإنجيلي رابطًا لغويًّا مقصودًا بين المثل وتطبيقه: الابن ندم فذهب، أمّا هؤلاء فرأوا ولم يندموا.

وَتَحْمِلُ كَلِمَةُ ὕστερον مَعْنَى "بَعْدَ ذٰلِكَ، أَوْ لَاحِقًا". وَهِيَ أَيْضًا الكَلِمَةُ الوَارِدَةُ فِي الآيَةِ 29: "وَلٰكِنَّهُ نَدِمَ بَعْدَ ذٰلِكَ ὕστερον δὲ μεταμεληθείς". فَالمُقَابَلَةُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ دَقِيقَةٌ: الأَوَّلُ رَفَضَ، لٰكِنَّهُ بَعْدَ ذٰلِكَ نَدِمَ؛ أَمَّا مُخَاطَبُو يَسُوعَ فَرَأَوْا ثِمَارَ التَّوْبَةِ، وَمَعَ ذٰلِكَ لَمْ يَنْدَمُوا بَعْدَ ذٰلِكَ.  وَلِذٰلِكَ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ المَثَلِ أَنَّ الخَاطِئَ أَفْضَلُ مِنَ الإِنْسَانِ ذِي السِّيرَةِ الحَسَنَةِ، وَلَا أَنَّ الخَطِيئَةَ طَرِيقٌ إِلَى المَلَكُوتِ؛ بَلْ إِنَّ الخَاطِئَ الَّذِي يَتُوبُ وَيُؤْمِنُ يَسْتَجِيبُ لِمَشِيئَةِ اللهِ، فِي حِينِ أَنَّ البِرَّ الظَّاهِرَ إِذَا اقْتَرَنَ بِرَفْضِ التَّوْبَةِ لَا يُغْنِي عَنِ الاسْتِجَابَةِ الحَقِيقِيَّةِ لِلَّهِ. فَالآيَةُ لَا تُمَجِّدُ مَاضِيَ العَشَّارِينَ وَالبَغَايَا، بَلْ تُمَجِّدُ عَمَلَ النِّعْمَةِ الَّذِي قَادَهُمْ إِلَى الإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ.  يُقَدِّمُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ تَفْسِيرًا مُبَاشَرًا لِمَتَّى 21: 31–32، فَيَلْفِتُ إِلَى أَنَّ المَسِيحَ جَعَلَ مُخَاطَبِيهِ أَوَّلًا يُصْدِرُونَ الحُكْمَ عَلَى الابْنَيْنِ، ثُمَّ كَشَفَ لَهُمْ أَنَّ هٰذَا الحُكْمَ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ. وَيُشَدِّدُ خَاصَّةً عَلَى أَنَّ يُوحَنَّا جَاءَ إِلَيْهِمْ، وَجَاءَ "فِي طَرِيقِ البِرِّ"، وَمَعَ ذٰلِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا؛ بَيْنَمَا آمَنَ العَشَّارُونَ وَالبَغَايَا. وَالأَشَدُّ إِدَانَةً أَنَّهُمْ، بَعْدَ أَنْ رَأَوْا إِيمَانَ أُولٰئِكَ وَتَغَيُّرَهُمْ، لَمْ يَنْدَمُوا هُمْ أَيْضًا (PG 58, 635-636). يُجِيبُ يَسُوعُ فِي هٰذِهِ الآيَةِ عَنِ السُّؤَالِ الَّذِي افْتَتَحَ بِهِ المَثَلَ: "مَا رَأْيُكُمْ؟" (مَتَّى 21: 28). فَالمِعْيَارُ لَيْسَ مَا كَانَ الإِنْسَانُ عَلَيْهِ فِي المَاضِي، وَلَا مَا يَدَّعِيهِ فِي الحَاضِرِ، بَلْ كَيْفَ يَسْتَجِيبُ اليَوْمَ لِنِدَاءِ اللهِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَالنَّدَامَةُ وَالتَّوْبَةُ مَطْلُوبَتَانِ مِنَ الجَمِيعِ؛ لأَنَّ اللهَ لَا يَطْلُبُ مِنَّا مَظْهَرَ البِرِّ، بَلْ قَلْبًا يَسْمَعُ كَلِمَتَهُ، وَيُؤْمِنُ بِهَا، وَيَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَيَعْمَلُ بِمَشِي.  تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ التَّفْسِيرَ الَّذِي يُقَدِّمُهُ يَسُوعُ نَفْسُهُ لِمَثَلِ الابْنَيْنِ؛ فَالمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ مَنْ يَعْرِفُ إِرَادَةَ اللهِ أَوْ يُعْلِنُ قَبُولَهَا بِلِسَانِهِ فَحَسْبُ، بَلْ مَنْ يَسْتَجِيبُ لَهَا بِالإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ وَالعَمَلِ. ويؤكد النَّص اليوناني هذا الترابط من خلال تِكرار فِعلي الإيمان والندم.

 

 ثانِيًا: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ

بَعْدَ دِرَاسَةِ وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلِهِ (مَتَّى 21: 28–32)، نَسْتَنْتِجُ أَنَّهُ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ مَثَلِ الابْنَيْنِ وَالطَّاعَةِ الحَقِيقِيَّةِ لِمَشِيئَةِ اللهِ. وَمِنْ هُنَا نَطْرَحُ ثَلَاثَةَ أَسْئِلَةٍ: مَا هُوَ إِطَارُ مَثَلِ الابْنَيْنِ؟ وَمَا هِيَ أَبْعَادُهُ؟ وَكَيْفَ نَعِيشُ عِبْرَةَ هٰذَا المَثَلِ؟

 

1) مَا هُوَ إِطَارُ مَثَلِ الابْنَيْنِ؟

ضَرَبَ يَسُوعُ مَثَلَ الابْنَيْنِ (مَتَّى 21: 28–32) فِي سِيَاقِ مُوَاجَهَتِهِ مَعَ رُؤَسَاءِ الكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ فِي هَيْكَلِ أُورُشَلِيمَ (مَتَّى 21: 23). وَيَأْتِي هٰذَا الحِوَارُ بَعْدَ دُخُولِ يَسُوعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَتَطْهِيرِهِ الهَيْكَلَ (مَتَّى 21: 12–17). فَسَأَلَهُ أَصْحَابُ السُّلْطَةِ الدِّينِيَّةِ: "بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَعْمَلُ هٰذِهِ الأَعْمَالَ؟ وَمَنْ أَوْلَاكَ هٰذَا السُّلْطَانَ؟" (مَتَّى 21: 23).

وَلَمْ يَرْفُضْ يَسُوعُ الإِجَابَةَ لِمُجَرَّدِ تَجَنُّبِ السُّؤَالِ، بَلْ وَاجَهَهُمْ بِسُؤَالٍ عَنْ مَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ:" أَمِنَ السَّمَاءِ كَانَتْ أَمْ مِنَ النَّاسِ؟" (مَتَّى 21: 25). وَبِذٰلِكَ كَشَفَ تَنَاقُضَ مَوْقِفِهِمْ؛ فَهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلاعْتِرَافِ بِالمَصْدَرِ الإِلٰهِيِّ لِرِسَالَةِ يُوحَنَّا، وَلَمْ يَجْرُؤُوا عَلَى إِنْكَارِهِ أَمَامَ الشَّعْبِ الَّذِي كَانَ يَعُدُّهُ نَبِيًّا. وَمِنْ هُنَا يَأْتِي مَثَلُ الابْنَيْنِ لِيَكْشِفَ الفَرْقَ بَيْنَ إِعْلَانِ الطَّاعَةِ وَمُمَارَسَتِهَا.

فَقَدْ كَانَتِ القِيَادَاتُ الدِّينِيَّةُ تُعْلِنُ انْتِمَاءَهَا إِلَى اللهِ وَطَاعَتَهَا لِشَرِيعَتِهِ، وَلٰكِنَّهَا لَمْ تَسْتَجِبْ لِدَعْوَةِ يُوحَنَّا إِلَى التَّوْبَةِ. وَفِي المُقَابِلِ، اسْتَجَابَ أُنَاسٌ كَانُوا يُعَدُّونَ خُطَاةً عَلَنِيِّينَ لِهٰذِهِ الدَّعْوَةِ. وَيُضِيءُ لُوقَا عَلَى هٰذِهِ المُفَارَقَةِ: "جَمِيعُ الشَّعْبِ الَّذِي سَمِعَهُ، حَتَّى الجُبَاةُ أَنْفُسُهُمْ، بَرُّوا اللهَ، فَاعْتَمَدُوا عَنْ يَدِ يُوحَنَّا. وَأَمَّا الفِرِّيسِيُّونَ وَعُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ... فَأَعْرَضُوا عَنْ تَدْبِيرِ اللهِ فِي أَمْرِهِمْ" (لُوقَا 7: 29–30).

وَيُمَثِّلُ الابْنُ الأَوَّلُ فِي التَّطْبِيقِ الَّذِي يُقَدِّمُهُ يَسُوعُ العَشَّارِينَ وَالبَغَايَا. فَهُوَ قَالَ لِأَبِيهِ أَوَّلًا: "لَا أُرِيدُ"، وَلٰكِنَّهُ "نَدِمَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَذَهَبَ" (مَتَّى 21: 29). وَهٰكَذَا فَإِنَّ مَاضِيَ الإِنْسَانِ، مَهْمَا كَانَ خَاطِئًا، لَا يُغْلِقُ أَمَامَهُ بَابَ المَلَكُوتِ إِذَا رَجَعَ إِلَى اللهِ بِالإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ.

أَمَّا الابْنُ الآخَرُ فَقَالَ: "أَنَا، يَا سَيِّدُ"، أَيْ إِنَّهُ أَعْلَنَ اسْتِعْدَادَهُ لِلطَّاعَةِ، "وَلٰكِنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ" (مَتَّى 21: 30). وَهُوَ يُمَثِّلُ فِي سِيَاقِ المَثَلِ أُولٰئِكَ الَّذِينَ يَعْتَرِفُونَ بِاللهِ وَيَعْرِفُونَ شَرِيعَتَهُ، لٰكِنَّهُمْ لَا يَسْتَجِيبُونَ عَمَلِيًّا لِدَعْوَتِهِ. وَهُنَا يَلْتَقِي المَثَلُ مَعَ قَوْلِ يَسُوعَ: "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ، بَلْ مَنْ يَعْمَلُ بِمَشِيئَةِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 7: 21).

وَلَا يَعْرِضُ المَثَلُ أَحَدَ الابْنَيْنِ عَلَى أَنَّهُ كَامِلٌ مُنْذُ البِدَايَةِ؛ فَالأَوَّلُ أَخْطَأَ بِرَفْضِهِ، وَالثَّانِي أَخْطَأَ بِعَدَمِ مُطَابَقَةِ عَمَلِهِ لِقَوْلِهِ. غَيْرَ أَنَّ الفَرْقَ الحَاسِمَ أَنَّ الأَوَّلَ نَدِمَ وَغَيَّرَ مَوْقِفَهُ وَعَمِلَ بِمَشِيئَةِ أَبِيهِ، بَيْنَمَا بَقِيَ الثَّانِي عِنْدَ حُدُودِ الوَعْدِ. وَلِذٰلِكَ لَا تَكْمُنُ فَضِيلَةُ الابْنِ الأَوَّلِ فِي أَنَّهُ قَالَ "لَا"، بَلْ فِي أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ هٰذِهِ الـ"لَا" كَلِمَتَهُ الأَخِيرَةَ.

وَيَفْتَتِحُ يَسُوعُ المَثَلَ بِالسُّؤَالِ: "مَا رَأْيُكُمْ؟" (مَتَّى 21: 28)، ثُمَّ يَخْتِمُهُ بِسُؤَالٍ أَكْثَرَ حَسْمًا: "فَأَيُّهُمَا عَمِلَ بِمَشِيئَةِ أَبِيهِ؟" (مَتَّى 21: 31). فَأَجَابُوا: "الأَوَّلُ". وَبِهٰذَا الجَوَابِ أَقَرُّوا بِأَنْفُسِهِمْ بِأَنَّ العَمَلَ بِمَشِيئَةِ اللهِ هُوَ المِعْيَارُ، لَا مُجَرَّدُ القَوْلِ.

وَهُنَا يَكْشِفُ يَسُوعُ التَّطْبِيقَ المُبَاشَرَ لِلمَثَلِ: "الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ الجُبَاةَ وَالبَغَايَا يَتَقَدَّمُونَكُمْ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ" (مَتَّى 21: 31). فَهُمْ لَمْ يُمْتَدَحُوا بِسَبَبِ خَطَايَاهُمْ، بَلْ بِسَبَبِ تَوْبَتِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ؛ كَمَا أَنَّ القِيَادَاتِ الدِّينِيَّةَ لَمْ تُدَنْ بِسَبَبِ مَعْرِفَتِهَا لِلشَّرِيعَةِ، بَلْ لأَنَّهَا، بَعْدَ أَنْ رَأَتْ ثِمَارَ التَّوْبَةِ فِي الآخَرِينَ، " لَمْ تَنْدَمْ آخِرَ الأَمْرِ فَتُؤْمِنَ بِهِ" (مَتَّى 21: 32). وَيُلَخِّصُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ هٰذِهِ المُفَارَقَةَ بِإِبْرَازِ أَنَّ يَسُوعَ جَعَلَ مُخَاطَبِيهِ يَحْكُمُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِجَوَابِهِمْ، ثُمَّ أَظْهَرَ لَهُمْ أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يُعَدُّونَ خُطَاةً قَدِ اسْتَجَابُوا لِدَعْوَةِ اللهِ، بَيْنَمَا لَمْ يَسْتَجِبْ لَهَا مَنْ كَانُوا يَدَّعُونَ الطَّاعَةَ (PG 58, 635-636).   وَهٰكَذَا يَكْشِفُ إِطَارُ المَثَلِ أَنَّ السُّؤَالَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ: مَنْ قَالَ لِلَّهِ "نَعَمْ"؟ بَلْ: مَنْ عَمِلَ بِمَشِيئَتِهِ؟ فَفِي مَلَكُوتِ اللهِ لَا تُقَاسُ الطَّاعَةُ بِالأَقْوَالِ وَالمَظَاهِرِ، بَلْ بِالتَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ وَالإِيمَانِ الَّذِي يَتَجَسَّدُ فِي العَمَلِ.

 

2) مَا هِيَ أَبْعَادُ مَثَلِ الابْنَيْنِ؟

يُمْكِنُنَا أَنْ نُمَيِّزَ فِي مَثَلِ الابْنَيْنِ (مَتَّى 21: 28–32) ثَلَاثَةَ أَبْعَادٍ مُتَكَامِلَةً: البُعْدَ التَّارِيخِيَّ، وَالبُعْدَ اللَّاهُوتِيَّ، وَالبُعْدَ الرُّوحِيَّ. وَيَكْشِفُ البُعْدُ التَّارِيخِيُّ خَاصَّةً أَنَّ المَثَلَ وُلِدَ فِي سِيَاقِ المُوَاجَهَةِ بَيْنَ يَسُوعَ وَالقِيَادَاتِ الدِّينِيَّةِ فِي أُورُشَلِيمَ، وَأَنَّ مِحْوَرَ هٰذِهِ المُوَاجَهَةِ هُوَ الفَرْقُ بَيْنَ ادِّعَاءِ الطَّاعَةِ وَالعَمَلِ الفِعْلِيِّ بِمَشِيئَةِ اللهِ.

 

(أ) البُعْدُ التَّارِيخِيُّ

ضَرَبَ يَسُوعُ مَثَلَ الابْنَيْنِ فِي هَيْكَلِ أُورُشَلِيمَ، فِي أَيَّامِهِ الأَخِيرَةِ قَبْلَ الآلَامِ، وَفِي سِيَاقِ مُوَاجَهَتِهِ مَعَ رُؤَسَاءِ الكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ الَّذِينَ سَأَلُوهُ عَنْ مَصْدَرِ سُلْطَانِهِ: "بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَعْمَلُ هٰذِهِ الأَعْمَالَ؟ وَمَنْ أَوْلَاكَ هٰذَا السُّلْطَانَ؟" (مَتَّى 21: 23). وَيَأْتِي هٰذَا السُّؤَالُ فِي سِيَاقِ دُخُولِ يَسُوعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَتَطْهِيرِهِ الهَيْكَلَ (مَتَّى 21: 12–17).

وَيَكْشِفُ المَثَلُ مَوْقِفَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ مِنْ دَعْوَةِ اللهِ. فَالابْنُ الأَوَّلُ يَقُولُ لِأَبِيهِ: "لَا أُرِيدُ"، ثُمَّ يَنْدَمُ وَيَذْهَبُ. وَهُوَ، فِي تَطْبِيقِ يَسُوعَ نَفْسِهِ، يُمَثِّلُ العَشَّارِينَ وَالبَغَايَا الَّذِينَ كَانَ مَسَارُ حَيَاتِهِمْ فِي البِدَايَةِ بَعِيدًا عَنْ إِرَادَةِ اللهِ، وَلٰكِنَّهُمْ اسْتَجَابُوا لِكَرَازَةِ يُوحَنَّا وَدَعْوَتِهِ إِلَى التَّوْبَةِ. فَالرَّفْضُ الأَوَّلُ لَمْ يَكُنْ كَلِمَتَهُمْ الأَخِيرَةَ، بَلْ أَفْسَحَ المَجَالَ لِلنَّدَمِ وَالإِيمَانِ وَتَغْيِيرِ الحَيَاةِ.

أَمَّا الابْنُ الآخَرُ فَيُجِيبُ أَبَاهُ بِاحْتِرَامٍ: "أَنَا، يَا سَيِّدُ"، وَلٰكِنَّهُ "لَمْ يَذْهَبْ". وَهُنَا يَنْبَغِي تَجَنُّبُ وَصْفِهِ بِأَنَّهُ "كَذَّابٌ مُرَاءٍ" عَلَى سَبِيلِ الجَزْمِ؛ لِأَنَّ المَثَلَ لَا يَكْشِفُ دَوَافِعَهُ الدَّاخِلِيَّةَ، بَلْ يَكْشِفُ حَقِيقَةً أَكْثَرَ أَهَمِّيَّةً، هِيَ عَدَمُ التَّطَابُقِ بَيْنَ قَوْلِهِ وَعَمَلِهِ. فَقَدْ أَعْلَنَ الطَّاعَةَ، وَلٰكِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِمَشِيئَةِ أَبِيهِ.

وَيَنْطَبِقُ هٰذَا المَوْقِفُ مُبَاشَرَةً، فِي السِّيَاقِ التَّارِيخِيِّ لِلمَثَلِ، عَلَى رُؤَسَاءِ الكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ (مَتَّى 21: 23)، الَّذِينَ كَانُوا يَنْتَمُونَ إِلَى شَعْبِ العَهْدِ وَيَعْرِفُونَ الشَّرِيعَةَ، وَلٰكِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِدَعْوَةِ يُوحَنَّا. وَيُعَبِّرُ لُوقَا عَنْ مُفَارَقَةٍ مُشَابِهَةٍ فِي قَوْلِهِ: "وَأَمَّا الفِرِّيسِيُّونَ وَعُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ فَلَمْ يَعْتَمِدُوا عَنْ يَدِهِ، فَأَعْرَضُوا عَنْ تَدْبِيرِ اللهِ فِي أَمْرِهِمْ" (لُوقَا 7: 30).

وَمِنْ ثَمَّ، فَلَا يَسْتَهْدِفُ المَثَلُ إِدَانَةَ فِئَةٍ دِينِيَّةٍ بِأَكْمَلِهَا، بَلْ يَكْشِفُ خَطَرَ الانْفِصَالِ بَيْنَ الاعْتِرَافِ بِاللهِ وَالطَّاعَةِ الفِعْلِيَّةِ لَهُ. وَهٰذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ يَسُوعُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ، بَلْ مَنْ يَعْمَلُ بِمَشِيئَةِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 7: 21).

وَلَيْسَ المَقْصُودُ أَيْضًا أَنَّ الابْنَ الأَوَّلَ يُمْتَدَحُ لأَنَّهُ رَفَضَ أَبَاهُ فِي البِدَايَةِ؛ فَرَفْضُهُ خَطَأٌ. وَلَا يَصِحُّ القَوْلُ إِنَّهُ يُمْتَدَحُ لأَنَّهُ "كَانَ صَادِقًا فِي قَوْلِ لَا"، بَلْ مَوْضِعُ المَدْحِ هُوَ أَنَّهُ "نَدِمَ" εταμεληθείς، ثُمَّ حَوَّلَ نَدَمَهُ إِلَى عَمَلٍ: "ف َذَهَبَ ἀπῆλθεν" وَفِي المُقَابِلِ، لَيْسَ خَطَأُ الابْنِ الآخَرِ فِي قَوْلِهِ "نَعَمْ"، بَلْ فِي أَنَّ هٰذِهِ الـ"نَعَمْ" لَمْ تَصِرْ عَمَلًا.

وَيُعَبِّرُ الشَّاعِرُ العَرَبِيُّ القَدِيمُ المُثَقِّبُ العَبْدِيُّ عَنْ مَبْدَإِ الوَفَاءِ بِالقَوْلِ فِي قَوْلِهِ:

"حَسَنٌ قَوْلُ نَعَمْ مِنْ بَعْدِ لَا
وَقَبِيحٌ قَوْلُ لَا بَعْدَ نَعَمْ
وَإِذَا قُلْتَ نَعَمْ فَاصْبِرْ لَهَا
بِنَجَاحِ القَوْلِ إِنَّ الخُلْفَ ذَمّ"

وَمَعَ أَنَّ هٰذِهِ الأَبْيَاتَ تُضِيءُ عَلَى أَهَمِّيَّةِ مُطَابَقَةِ العَمَلِ لِلقَوْلِ، فَإِنَّ المَثَلَ الإِنْجِيلِيَّ يَذْهَبُ أَعْمَقَ مِنْ مُجَرَّدِ الوَفَاءِ بِالوَعْدِ؛ إِذْ يَجْعَلُ التَّوْبَةَ وَالعَمَلَ بِمَشِيئَةِ الآبِ مِعْيَارَ الاسْتِجَابَةِ الحَقِيقِيَّةِ.

وَقَدْ رَأَى يَسُوعُ هٰذِهِ الاسْتِجَابَةَ فِي أُنَاسٍ كَانَ المُجْتَمَعُ يَعُدُّهُمْ خُطَاةً. فَمَتَّى العَشَّارُ، عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، سَمِعَ دَعْوَةَ يَسُوعَ: "اتْبَعْنِي"، "فَقَامَ فَتَبِعَهُ" (مَتَّى 9: 9). وَفِي إِنْجِيلِ لُوقَا نَرَى زَكَّا يُتَرْجِمُ تَحَوُّلَهُ إِلَى عَمَلٍ مَلْمُوسٍ، فَيَقُولُ: "يَا رَبُّ، هَا إِنِّي أُعْطِي الفُقَرَاءَ نِصْفَ أَمْوَالِي، وَإِذَا كُنْتُ ظَلَمْتُ أَحَدًا شَيْئًا، أَرُدُّهُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ" (لُوقَا 19: 8). وَكَذٰلِكَ المَرْأَةُ الخَاطِئَةُ الَّتِي أَظْهَرَتْ بِأَفْعَالِهَا حُبًّا كَبِيرًا وَتَوْبَةً عَمِيقَةً (لُوقَا 7: 36–50).

وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ المَعْنَى التَّارِيخِيُّ لِلمَثَلِ: العَشَّارُونَ وَالبَغَايَا لَمْ يَتَقَدَّمُوا إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ لأَنَّهُمْ خُطَاةٌ، بَلْ لأَنَّهُمْ آمَنُوا وَتَابُوا؛ وَالقِيَادَاتُ الدِّينِيَّةُ لَمْ تُوبَّخْ لأَنَّهَا مُتَدَيِّنَةٌ، بَلْ لأَنَّهَا رَأَتْ دَعْوَةَ اللهِ وَثِمَارَهَا وَلَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهِ (مَتَّى 21: 32). وَهٰذَا مَا يُبْرِزُهُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ فِي تَفْسِيرِهِ لِلمَثَلِ؛ إِذْ يُبَيِّنُ أَنَّ المَسِيحَ جَعَلَ مُخَاطَبِيهِ يَحْكُمُونَ عَلَى الابْنَيْنِ بِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ كَشَفَ لَهُمْ أَنَّ العَشَّارِينَ وَالبَغَايَا اسْتَجَابُوا لِدَعْوَةِ يُوحَنَّا، بَيْنَمَا هُمْ، حَتَّى بَعْدَ أَنْ رَأَوْا هٰذِهِ الاسْتِجَابَةَ، لَمْ يَنْدَمُوا وَلَمْ يُؤْمِنُوا (635-636، PG 58).

وَنَسْتَنْتِجُ أَنَّ البُعْدَ التَّارِيخِيَّ لِلمَثَلِ يَقُومُ عَلَى مُفَارَقَةٍ حَاسِمَةٍ: الابْنُ الأَوَّلُ بَدَأَ بِالعِصْيَانِ، وَلٰكِنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّدَمِ وَالطَّاعَةِ؛ أَمَّا الابْنُ الآخَرُ فَبَدَأَ بِإِعْلَانِ الطَّاعَةِ، وَلٰكِنَّهُ انْتَهَى إِلَى عَدَمِ العَمَلِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَلَا يَسْأَلُ المَسِيحُ عَمَّا قُلْنَاهُ فَقَطْ، بَلْ عَمَّا فَعَلْنَاهُ بِمَشِيئَةِ الآبِ.

 

(ب) البُعْدُ اللَّاهُوتِيُّ

يَكْشِفُ البُعْدُ اللَّاهُوتِيُّ لِمَثَلِ الابْنَيْنِ (مَتَّى 21: 28–32) أَنَّ القَضِيَّةَ لَيْسَتِ العَمَلَ مُنْفَصِلًا عَنِ الإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ، بَلْ الاسْتِجَابَةَ الحَقِيقِيَّةَ لِمَشِيئَةِ اللهِ، الَّتِي تَبْدَأُ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ وَتَظْهَرُ فِي الطَّاعَةِ وَالعَمَلِ. فَالابْنُ الأَوَّلُ لَمْ يُمْدَحْ لأَنَّهُ رَفَضَ أَبَاهُ، بَلْ لأَنَّهُ "نَدِمَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَذَهَبَ" (مَتَّى 21: 29). وَهٰكَذَا يَرْبِطُ المَثَلُ بَيْنَ النَّدَمِ وَالرُّجُوعِ وَالطَّاعَةِ.

وَالتَّوْبَةُ فِي المَنْظُورِ الإِنْجِيلِيِّ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حُزْنٍ عَلَى المَاضِي، بَلْ تَحَوُّلٌ يَطَالُ اتِّجَاهَ الحَيَاةِ. فَهِيَ تَتَضَمَّنُ إِدْرَاكَ الخَطِيئَةِ وَالنَّدَمَ عَلَيْهَا، وَالرُّجُوعَ عَنْهَا، وَالانْفِتَاحَ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ، وَالاسْتِجَابَةَ لِمَشِيئَتِهِ. وَلِذٰلِكَ طَالَبَ يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ بِثَمَرٍ يَكْشِفُ صِدْقَ التَّوْبَةِ: "فَأَثْمِرُوا إِذًا ثَمَرًا يَدُلُّ عَلَى تَوْبَتِكُمْ" (مَتَّى 3: 8).

وَيُسَاعِدُ النَّصُّ اليُونَانِيُّ عَلَى فَهْمِ هٰذَا التَّدَرُّجِ. فَمَتَّى يَسْتَعْمِلُ فِي وَصْفِ الابْنِ الأَوَّلِ الفِعْلَ μεταμέλομαι μεταμεληθείς، أَيْ "نَدِمَ، غَيَّرَ مَوْقِفَهُ"، ثُمَّ يُتْبِعُهُ بِالفِعْلِ ἀπῆλθεν، "ذَهَبَ". وَهٰكَذَا لَمْ يَبْقَ النَّدَمُ شُعُورًا دَاخِلِيًّا، بَلْ تَحَوَّلَ إِلَى سُلُوكٍ. وَهُنَا يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ μεταμέλομαι، الَّذِي يُرَكِّزُ هُنَا عَلَى النَّدَمِ وَتَغَيُّرِ المَوْقِفِ، وَμετάνοια ، الَّتِي تُعَبِّرُ فِي الاسْتِعْمَالِ المَسِيحِيِّ الأَوْسَعِ عَنِ التَّوْبَةِ وَتَحَوُّلِ الذِّهْنِ وَالحَيَاةِ.

وَلَا تَقُومُ التَّوْبَةُ، مِنَ النَّاحِيَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ، عَلَى قُوَّةِ الإِنْسَانِ وَحْدَهَا، بَلْ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ الَّتِي تَسْبِقُهُ وَتَدْعُوهُ وَتُعِينُهُ، وَعَلَى حُرِّيَّةِ الإِنْسَانِ الَّتِي تَسْتَجِيبُ لِهٰذِهِ النِّعْمَةِ وَتَتَعَاوَنُ مَعَهَا. فَالآبُ هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ بِالدَّعْوَةِ: "يَا بُنَيَّ، اذْهَبِ اليَوْمَ وَاعْمَلْ فِي الكَرْمِ" (مَتَّى 21: 28)، وَالابْنُ مَدْعُوٌّ إِلَى الاسْتِجَابَةِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَالمَثَلُ يَجْمَعُ بَيْنَ مُبَادَرَةِ اللهِ وَحُرِّيَّةِ الإِنْسَانِ.

وَالمُهِمُّ فِي نَظَرِ اللهِ لَيْسَ أَنْ يَقُولَ الإِنْسَانُ لَهُ "نَعَمْ" ثُمَّ يَرْفُضَ العَمَلَ بِمَشِيئَتِهِ، بَلْ أَنْ تَتَحَوَّلَ الـ"نَعَمْ" إِلَى طَاعَةٍ. فَالقِيَادَاتُ الدِّينِيَّةُ المُخَاطَبَةُ فِي النَّصِّ كَانَتْ تَنْتَمِي إِلَى شَعْبِ العَهْدِ وَتَعْرِفُ الشَّرِيعَةَ، وَلٰكِنَّهَا لَمْ تَسْتَجِبْ لِكَرَازَةِ يُوحَنَّا. أَمَّا العَشَّارُونَ وَالبَغَايَا، فَمَعَ أَنَّ مَسِيرَتَهُمْ السَّابِقَةَ كَانَتْ تُعَبِّرُ عَنِ الرَّفْضِ، فَقَدْ "آمَنُوا بِهِ" (مَتَّى 21: 32).

وَيُضِيءُ النَّبِيُّ حِزْقِيَالُ عَلَى هٰذِهِ الحَقِيقَةِ: "إِذَا ارْتَدَّ البَارُّ عَنْ بِرِّهِ وَصَنَعَ الإِثْمَ... فَإِنَّهُ بِإِثْمِهِ الَّذِي صَنَعَهُ يَمُوتُ. وَإِذَا رَجَعَ الشِّرِّيرُ عَنْ شَرِّهِ الَّذِي صَنَعَهُ وَأَجْرَى الحَقَّ وَالبِرَّ، فَإِنَّهُ يُحْيِي نَفْسَهُ" (حِزْقِيَال 18: 26–27). فَاللهُ لَا يَحْبِسُ الإِنْسَانَ فِي مَاضِيهِ، بَلْ يَفْتَحُ أَمَامَهُ إِمْكَانَ الرُّجُوعِ وَالحَيَاةِ.

وَمِنْ هُنَا تَظْهَرُ رَحْمَةُ اللهِ بُعْدًا أَسَاسِيًّا فِي المَثَلِ. فَاللهُ لَا يَيْأَسُ مِنَ الخَاطِئِ، وَلَا يَجْعَلُ خَطِيئَتَهُ السَّابِقَةَ الكَلِمَةَ الأَخِيرَةَ فِي حَيَاتِهِ. إِنَّهُ يَدْعُوهُ إِلَى الرُّجُوعِ، وَيَفْرَحُ بِتَوْبَتِهِ: "هٰكَذَا يَفْرَحُ مَلَائِكَةُ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ" (لُوقَا 15: 10). وَهٰذَا هُوَ رَجَاءُ الابْنِ الأَوَّلِ: أَنَّ الـ"لَا" المَاضِيَةَ لَا تَمْنَعُ الـ"نَعَمْ" الجَدِيدَةَ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يُشَدِّدُ إِقْلِيمِسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ عَلَى أَنَّ بَابَ الرُّجُوعِ إِلَى اللهِ يَبْقَى مَفْتُوحًا أَمَامَ مَنْ يَتُوبُ بِصِدْقٍ، وَيَرْبِطُ التَّوْبَةَ بِتَحَوُّلٍ حَقِيقِيٍّ فِي الحَيَاةِ، لَا بِمُجَرَّدِ الأَسَفِ (PG 9, 643-650).

وَيَتَّضِحُ هٰذَا التَّحَوُّلُ فِي العَشَّارِينَ وَالخُطَاةِ الَّذِينَ انْفَتَحُوا عَلَى كَلِمَةِ اللهِ. فَيَقُولُ لُوقَا: "وَكَانَ الجُبَاةُ وَالخَاطِئُونَ يَدْنُونَ مِنْهُ جَمِيعًا لِيَسْتَمِعُوا إِلَيْهِ" (لُوقَا 15: 1). وَفِي زَكَّا تَتَحَوَّلُ التَّوْبَةُ إِلَى إِصْلَاحٍ مَلْمُوسٍ لِلحَيَاةِ: "يَا رَبُّ، هَا إِنِّي أُعْطِي الفُقَرَاءَ نِصْفَ أَمْوَالِي، وَإِذَا كُنْتُ ظَلَمْتُ أَحَدًا شَيْئًا، أَرُدُّهُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ" (لُوقَا 19: 8). فَالتَّوْبَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ تُثْمِرُ حَيَاةً جَدِيدَةً.

وَيُقَدِّمُ مَوْقِفُ الابْنِ الآخَرِ التَّحْذِيرَ المُقَابِلَ: فَقَدْ يَعْرِفُ الإِنْسَانُ كَلِمَةَ اللهِ، وَيَسْتَعْمِلُ لُغَةَ الإِيمَانِ، وَيُعْلِنُ طَاعَتَهُ، مِنْ دُونِ أَنْ تَتَغَيَّرَ حَيَاتُهُ. وَهُنَا يَظْهَرُ خَطَرُ التَّدَيُّنِ الشَّكْلِيِّ، أَيْ وُجُودُ اعْتِرَافٍ بِالشَّفَتَيْنِ لَا تُوَافِقُهُ طَاعَةُ القَلْبِ وَالعَمَلِ. وَلِذٰلِكَ يَقُولُ بُولُسُ: "فَكَمَا تَقَبَّلْتُمُ الرَّبَّ يَسُوعَ المَسِيحَ، سِيرُوا فِيهِ" (قُولُسِّي 2: 6).

وَيُلَخِّصُ يَسُوعُ هٰذَا المَبْدَأَ بِقَوْلِهِ: "لِمَاذَا تَدْعُونَنِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! وَلَا تَعْمَلُونَ بِمَا أَقُولُ؟" (لُوقَا 6: 46)، وَكَذٰلِكَ: "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ، بَلْ مَنْ يَعْمَلُ بِمَشِيئَةِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 7: 21). فَالأَعْمَالُ لَا تَحُلُّ مَحَلَّ النِّعْمَةِ وَالإِيمَانِ، بَلْ هِيَ ثَمَرَةُ الإِيمَانِ الحَيِّ وَالطَّاعَةِ لِلنِّعْمَةِ.

وَمِنْ ثَمَّ، فَلَا يَقُولُ المَثَلُ إِنَّ "الخَاطِئَ أَقْرَبُ إِلَى اللهِ مِنَ البَارِّ" عَلَى إِطْلَاقِهِ؛ بَلْ إِنَّ الخَاطِئَ الَّذِي يَعْتَرِفُ بِحَاجَتِهِ إِلَى التَّوْبَةِ وَيَرْجِعُ إِلَى اللهِ يَدْخُلُ فِي طَرِيقِ الخَلَاصِ، فِي حِينِ أَنَّ مَنْ يَتَّكِلُ عَلَى بِرِّهِ الذَّاتِيِّ وَيَرْفُضُ دَعْوَةَ اللهِ إِلَى التَّوْبَةِ يُغْلِقُ قَلْبَهُ أَمَامَ النِّعْمَةِ. وَهٰذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِ يَسُوعَ "إِنَّ الجُبَاةَ وَالبَغَايَا يَتَقَدَّمُونَكُمْ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ" (مَتَّى 21: 31). وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ المَسِيحَ لَمْ يَذْكُرِ العَشَّارِينَ وَالبَغَايَا لِمُجَرَّدِ إِدَانَةِ مُخَاطَبِيهِ، بَلْ لِيَدْفَعَهُمْ هُمْ أَيْضًا إِلَى التَّوْبَةِ؛ فَعِبَارَةُ "يَتَقَدَّمُونَكُمْ" تَحْمِلُ فِي ذَاتِهَا دَعْوَةً إِلَى أَنْ يَلْحَقُوا بِهِمْ بِالتَّوْبَةِ وَالإِيمَانِ (PG 58, 535-636)).

وَنَسْتَنْتِجُ أَنَّ البُعْدَ اللَّاهُوتِيَّ لِمَثَلِ الابْنَيْنِ يَقُومُ عَلَى أَرْبَعِ حَقَائِقَ مُتَرَابِطَةٍ: نِعْمَةُ اللهِ تَدْعُو، وَالتَّوْبَةُ تُغَيِّرُ اتِّجَاهَ الحَيَاةِ، وَالإِيمَانُ يَسْتَجِيبُ لِلدَّعْوَةِ، وَالطَّاعَةُ تُثْمِرُ عَمَلًا بِمَشِيئَةِ الآبِ. فَلَا مَاضِيَ الخَاطِئِ يَحْرِمُهُ مِنَ الرَّجَاءِ إِذَا تَابَ، وَلَا المَظْهَرُ الدِّينِيُّ يَكْفِي إِذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِالتَّوْبَةِ وَالطَّاعَةِ. وَدَعْوَةُ اللهِ تَبْقَى دَائِمًا دَعْوَةَ "اليَوْمِ: " اليَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ، فَلَا تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ" (مَزْمُور 95: 7–8؛ راجع عِبْرَانِيِّينَ 3: 7–8).

 

(ج) البُعْدُ الرُّوحِيُّ

يَكْشِفُ البُعْدُ الرُّوحِيُّ لِمَثَلِ الابْنَيْنِ (مَتَّى 21: 28–32) أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَفْحَصَ مَوْقِفَهُ مِنْ مَشِيئَةِ اللهِ. فَقَدْ نَقُولُ لِلَّهِ "نَعَمْ" بِأَلْسِنَتِنَا ثُمَّ نَرْفُضُهُ بِأَعْمَالِنَا، وَقَدْ نَقُولُ لَهُ "لَا" فِي لَحْظَةِ ضَعْفٍ أَوْ خَطِيئَةٍ، ثُمَّ نَنْدَمُ وَنَرْجِعُ إِلَيْهِ. وَمِنْ هُنَا، فَلَيْسَتِ العِبْرَةُ فِي البِدَايَةِ وَحْدَهَا، بَلْ فِي الاتِّجَاهِ الَّذِي يَخْتَارُهُ الإِنْسَانُ وَفِي اسْتِجَابَتِهِ الأَخِيرَةِ لِدَعْوَةِ اللهِ.

وَيُنَبِّهُنَا المَثَلُ إِلَى خَطَرِ الانْفِصَالِ بَيْنَ الإِيمَانِ المُعْلَنِ وَالحَيَاةِ المَعِيشَةِ. فَلَا يَكْفِي أَنْ نَعْتَرِفَ بِاللهِ بِالشَّفَتَيْنِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تُصَدِّقَ أَعْمَالُنَا أَقْوَالَنَا. فَاللهُ لَا يَنْظُرُ إِلَى المَظْهَرِ فَحَسْبُ، بَلْ إِلَى القَلْبِ وَإِلَى ثَمَرِ الحَيَاةِ. وَلِذٰلِكَ حَذَّرَ يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ قَائِلًا: "فَأَثْمِرُوا إِذًا ثَمَرًا يَدُلُّ عَلَى تَوْبَتِكُمْ، وَلَا تُعَلِّلُوا النَّفْسَ قَائِلِينَ: إِنَّ أَبَانَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ" (لُوقَا 3: 8). فَالانْتِمَاءُ الدِّينِيُّ، مَهْمَا كَانَ عَرِيقًا، لَا يُغْنِي عَنِ التَّوْبَةِ وَثِمَارِهَا.

وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، يَفْتَحُ المَثَلُ أَمَامَ الخَاطِئِ بَابًا وَاسِعًا لِلرَّجَاءِ. فَالابْنُ الأَوَّلُ قَالَ: "لَا أُرِيدُ"، وَلٰكِنَّ رَفْضَهُ لَمْ يَكُنْ نِهَايَةَ القِصَّةِ؛ إِذْ "نَدِمَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَذَهَبَ" (مَتَّى 21: 29). وَهٰذَا يَعْنِي أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يُخْتَزَلُ فِي خَطِيئَتِهِ، وَأَنَّ مَاضِيَهُ لَا يَحْكُمُ حَتْمًا عَلَى مُسْتَقْبَلِهِ. فَبِنِعْمَةِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْدَمَ، وَيَرْجِعَ، وَيُغَيِّرَ مَسَارَ حَيَاتِهِ.

وَلٰكِنَّ هٰذَا الرَّجَاءَ لَا يَعْنِي التَّهَاوُنَ مَعَ الخَطِيئَةِ؛ فَالتَّوْبَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَا تَقِفُ عِنْدَ الشُّعُورِ بِالنَّدَمِ، بَلْ تَنْتَقِلُ مِنَ "نَدِمَ" إِلَى "فَذَهَبَ". إِنَّهَا تَحَوُّلٌ مِنَ الرَّفْضِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَمِنَ النِّيَّةِ إِلَى العَمَلِ، وَمِنَ الحَيَاةِ لِلذَّاتِ إِلَى الحَيَاةِ وَفْقَ مَشِيئَةِ اللهِ.

وَيَجِدُ المُؤْمِنُ فِي المَسِيحِ قُوَّةَ هٰذِهِ الـ:نَعَمْ" الجَدِيدَةِ؛ فَالمَسِيحُ نَفْسُهُ هُوَ كَمَالُ الطَّاعَةِ لِلآبِ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ: "إِنَّ ابْنَ اللهِ يَسُوعَ المَسِيحَ... لَمْ يَكُنْ نَعَمْ وَلَا، بَلْ كَانَ فِيهِ نَعَمْ. فَإِنَّ مَوَاعِيدَ اللهِ كُلَّهَا فِيهِ نَعَمْ، وَلِذٰلِكَ بِهِ أَيْضًا نَقُولُ: آمِين، إِكْرَامًا لِمَجْدِ اللهِ" (2 قُورِنْثُس 1: 19–20). فَالـ"نَعَمْ" المَسِيحِيَّةُ لَيْسَتْ كَلِمَةً عَابِرَةً، بَلْ اشْتِرَاكٌ فِي طَاعَةِ المَسِيحِ وَأَمَانَتِهِ.

وَمِنْ هُنَا، يَضَعُ المَثَلُ أَمَامَنَا سُؤَالًا رُوحِيًّا شَخْصِيًّا: هَلْ نَقُولُ لِلَّهِ "نَعَمْ" بِالشَّفَتَيْنِ، بَيْنَمَا تَقُولُ حَيَاتُنَا "لَا"؟ أَمْ نَسْمَحُ لِنِعْمَتِهِ أَنْ تُحَوِّلَ "لَا" خَطِيئَتِنَا إِلَى "نَعَمْ" التَّوْبَةِ وَالطَّاعَةِ؟ فَالإِيمَانُ الحَقِيقِيُّ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الشَّعَائِرِ وَالمُمَارَسَاتِ الدِّينِيَّةِ، عَلَى أَهَمِّيَّتِهَا، بَلْ يَطْلُبُ أَنْ تَنْسَجِمَ العِبَادَةُ مَعَ الحَيَاةِ، وَالصَّلَاةُ مَعَ المَحَبَّةِ، وَالإِيمَانُ مَعَ العَمَلِ.

وَلِذٰلِكَ، فَإِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ لَا يُقَدَّمُ مُكَافَأَةً لِمَنْ يَدَّعِي البِرَّ، بَلْ هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُهَا بِالإِيمَانِ مَنْ يَتُوبُ وَيَسْتَجِيبُ لِمَشِيئَتِهِ. وَقَوْلُ يَسُوعَ إِنَّ "الجُبَاةَ وَالبَغَايَا يَتَقَدَّمُونَكُمْ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ" (مَتَّى 21: 31) لَا يَعْنِي تَفْضِيلَ الخَطِيئَةِ عَلَى البِرِّ، بَلْ تَفْضِيلَ التَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ عَلَى البِرِّ الذَّاتِيِّ المُتَوَهَّمِ.

وَيُضِيءُ حِزْقِيَالُ عَلَى هٰذِهِ الحَقِيقَةِ: "إِذَا ارْتَدَّ البَارُّ عَنْ بِرِّهِ وَصَنَعَ الإِثْمَ... فَإِنَّهُ بِإِثْمِهِ الَّذِي صَنَعَهُ يَمُوتُ. وَإِذَا رَجَعَ الشِّرِّيرُ عَنْ شَرِّهِ الَّذِي صَنَعَهُ وَأَجْرَى الحَقَّ وَالبِرَّ، فَإِنَّهُ يُحْيِي نَفْسَهُ" (حِزْقِيَال 18: 26–27). فَلَا يَكْفِي أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ قَدْ بَدَأَ جَيِّدًا؛ بَلْ هُوَ مَدْعُوٌّ إِلَى الثَّبَاتِ فِي الأَمَانَةِ. وَفِي المُقَابِلِ، لَا يَنْبَغِي لِمَنْ بَدَأَ بَعِيدًا عَنِ اللهِ أَنْ يَيْأَسَ؛ فَبَابُ الرُّجُوعِ يَبْقَى مَفْتُوحًا.

وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُ المَسِيرَةِ الرُّوحِيَّةِ الَّتِي يَرْسُمُهَا المَثَلُ فِي ثَلَاثِ حَرَكَاتٍ: أَنْ نَسْمَعَ دَعْوَةَ الآبِ، وَأَنْ نَرْجِعَ إِلَيْهِ إِذَا رَفَضْنَاهُ، وَأَنْ نُحَوِّلَ تَوْبَتَنَا إِلَى طَاعَةٍ عَمَلِيَّةٍ. فَالمَثَلُ لَا يَسْأَلُنَا فَقَطْ: مَاذَا قُلْنَا لِلَّهِ؟ بَلْ، عَلَى مِثَالِ سُؤَالِ يَسُوعَ: "أَيُّهُمَا عَمِلَ بِمَشِيئَةِ أَبِيهِ؟" (مَتَّى 21: 31).

وَنَسْتَنْتِجُ أَنَّ الرِّسَالَةَ الرُّوحِيَّةَ لِمَثَلِ الابْنَيْنِ هِيَ أَنَّ اللهَ لَا يَطْلُبُ مِنَّا "نَعَمْ" نَنْطِقُ بِهَا فَحَسْبُ، بَلْ "نَعَمْ" نَعِيشُهَا. وَإِذَا كُنَّا قَدْ قُلْنَا لَهُ "لَا" بِخَطَايَانَا، فَلَيْسَ الأَوَانُ قَدْ فَاتَ؛ فَبِالنِّعْمَةِ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَنْدَمَ وَنَرْجِعَ وَنَذْهَبَ إِلَى كَرْمِهِ. وَالسُّؤَالُ الَّذِي يَبْقَى أَمَامَنَا هُوَ: كَيْفَ نَعِيشُ هٰذِهِ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ؟

 

3)  عِبْرَةُ مَثَلِ الابْنَيْنِ: كَيْفَ نَعِيشُ مَا نَقُولُ؟

نَجِدُ فِي ذَوَاتِنَا شَيْئًا مِنَ الابْنَيْنِ: فَتَارَةً نَقُولُ لِلرَّبِّ "نَعَمْ"، وَلٰكِنَّنَا لَا نَتَحَرَّكُ لِلْعَمَلِ بِمَشِيئَتِهِ؛ وَتَارَةً أُخْرَى نَقُولُ "لَا"، ثُمَّ نَنْدَمُ وَنَرْجِعُ إِلَيْهِ. فَكَيْفَ نَتَخَلَّصُ مِنْ هٰذِهِ الازْدِوَاجِيَّةِ بَيْنَ القَوْلِ وَالعَمَلِ؟ وَكَيْفَ نَتَعَلَّمُ الطَّاعَةَ الحَقِيقِيَّةَ؟

لَمْ يَكُنْ أَيٌّ مِنَ الابْنَيْنِ مِثَالِيًّا: فَالأَوَّلُ رَفَضَ أَمْرَ أَبِيهِ، ثُمَّ نَدِمَ وَأَطَاعَ؛ وَالثَّانِي أَعْلَنَ اسْتِعْدَادَهُ لِلطَّاعَةِ، وَلٰكِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِمَا قَالَ. غَيْرَ أَنَّ الإِنْجِيلَ يَقُودُنَا إِلَى التَّطَلُّعِ إِلَى الابْنِ الوَحِيدِ، يَسُوعَ المَسِيحِ، الَّذِي تَطَابَقَتْ فِيهِ الإِرَادَةُ وَالكَلِمَةُ وَالعَمَلُ. وَإِنْ جَازَ التَّعْبِيرُ الرُّوحِيُّ، فَهُوَ "الابْنُ الثَّالِثُ" الَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ المَثَلُ، لٰكِنَّهُ يَقِفُ أَمَامَنَا مِثَالًا كَامِلًا لِلطَّاعَةِ.

فَحَيَاةُ يَسُوعَ كُلُّهَا كَانَتْ "نَعَمْ" لِلآبِ. فَقَدْ جَاءَ لِيَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَهُ (يُوحَنَّا 6: 38)، وَفِي جَثْسَيْمَانِي قَالَ: "لَا كَمَا أَنَا أَشَاءُ، بَلْ كَمَا أَنْتَ تَشَاءُ" (مَتَّى 26: 39)، وَبَلَغَتْ طَاعَتُهُ ذِرْوَتَهَا عَلَى الصَّلِيبِ: "وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى المَوْتِ، مَوْتِ الصَّلِيبِ" (فِيلِبِّي 2: 8). فَطَاعَتُهُ لَمْ تَكُنْ خُضُوعًا قَسْرِيًّا، بَلْ طَاعَةَ الابْنِ المُحِبِّ لِلآبِ.

وَمِنْ هُنَا يَصِيرُ المَسِيحُ لَيْسَ مِثَالَ طَاعَتِنَا فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا مَصْدَرَهَا وَقُوَّتَهَا. فَبِالاتِّحَادِ بِهِ، وَبِنِعْمَةِ الرُّوحِ القُدُسِ، نَتَعَلَّمُ أَنْ نَقُولَ لِلآبِ "نَعَمْ" وَأَنْ نَجْعَلَ حَيَاتَنَا مُنْسَجِمَةً مَعَ هٰذِهِ الـ"نَعَمْ". وَهٰذَا مَا يُضِيءُ عَلَيْهِ بُولُسُ: "إِنَّ ابْنَ اللهِ يَسُوعَ المَسِيحَ... لَمْ يَكُنْ نَعَمْ وَلَا، بَلْ كَانَ فِيهِ نَعَمْ. فَإِنَّ مَوَاعِيدَ اللهِ كُلَّهَا فِيهِ نَعَمْ" (2 قُورِنْثُس 1: 19–20).

وَيُمْكِنُنَا أَنْ نَعِيشَ هٰذِهِ الطَّاعَةَ مِنْ خِلَالِ سَبْعَةِ أَبْعَادٍ عَمَلِيَّةٍ:

أَوَّلًا: الطَّاعَةُ سَيْرٌ مَعَ اللهِ: لَيْسَتِ الطَّاعَةُ تَنْفِيذًا آلِيًّا لِأَوَامِرَ، بَلْ مَسِيرَةُ شَرِكَةٍ وَثِقَةٍ مَعَ اللهِ. فَقَدْ قِيلَ عَنْ أَخْنُوخَ: "سَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ" (تَكْوِين 5: 22). وَيَصِفُ بُطْرُسُ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُمُ المُخْتَارُونَ "بِسَابِقِ عِلْمِ اللهِ الآبِ وَتَقْدِيسِ الرُّوحِ، لِيُطِيعُوا يَسُوعَ المَسِيحَ" (1 بُطْرُس 1: 2). فَالطَّاعَةُ تَبْدَأُ مِنَ الثِّقَةِ بِأَنَّ اللهَ أَبٌ يَقُودُ أَبْنَاءَهُ إِلَى الحَيَاةِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَنَحْنُ مَدْعُوُّونَ إِلَى أَنْ نَسِيرَ مَعَ المَسِيحِ كَمَا سَارَ التَّلَامِيذُ الَّذِينَ سَمِعُوا دَعْوَتَهُ وَتَبِعُوهُ.

ثَانِيًا: الطَّاعَةُ انْفِتَاحٌ عَلَى عَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ. لَا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يَعِيشَ الطَّاعَةَ المَسِيحِيَّةَ بِقُوَّتِهِ وَحْدَهَا؛ فَالرُّوحُ القُدُسُ يَعْمَلُ فِي القَلْبِ، وَيُنِيرُهُ وَيُقَوِّيهِ لِيَسْتَجِيبَ لِنِعْمَةِ اللهِ. وَيُقَدِّمُ إِبْرَاهِيمُ نَمُوذَجًا لِهٰذِهِ الطَّاعَةِ بِالإِيمَانِ: "بِالإِيمَانِ لَبَّى إِبْرَاهِيمُ الدَّعْوَةَ" (عِبْرَانِيِّينَ 11: 8). فَالطَّاعَةُ، إِذًا، لَيْسَتْ إِلْغَاءً لِحُرِّيَّةِ الإِنْسَانِ، بَلْ هِيَ تَحْرِيرُ الإِرَادَةِ لِتَسْتَجِيبَ لِلنِّعْمَةِ. وَبِعَمَلِ الرُّوحِ نَنْتَقِلُ مِنْ قَلْبٍ يُقَاوِمُ اللهَ إِلَى قَلْبٍ يَسْتَمِعُ إِلَيْهِ وَيَثِقُ بِهِ.

ثَالِثًا: الطَّاعَةُ تَقْدِمَةُ الذَّاتِ لِلَّهِ. قَالَ صَمُوئِيلُ النَّبِيُّ لِشَاوُلَ: "إِنَّ الطَّاعَةَ خَيْرٌ مِنَ الذَّبِيحَةِ" (1 صَمُوئِيل 15: 22). فَاللهُ لَا يَطْلُبُ مِنَ الإِنْسَانِ عَطَايَاهُ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ قَلْبَهُ وَإِرَادَتَهُ وَحَيَاتَهُ. وَفِي المَسِيحِ تَبْلُغُ هٰذِهِ الطَّاعَةُ كَمَالَهَا: "هَا أَنَا آتٍ... لأَعْمَلَ بِمَشِيئَتِكَ، يَا اللهُ" (عِبْرَانِيِّينَ 10: 7). وَهٰكَذَا تَصِيرُ حَيَاةُ المُؤْمِنِ نَفْسُهَا تَقْدِمَةً لِلَّهِ، فَيُقَدِّمُ ذَاتَهُ لَهُ فِي الخِدْمَةِ وَالمَحَبَّةِ وَالأَمَانَةِ.

رَابِعًا: الطَّاعَةُ اقْتِدَاءٌ بِطَاعَةِ المَسِيحِ. المِعْيَارُ الأَسْمَى لِلطَّاعَةِ المَسِيحِيَّةِ هُوَ يَسُوعُ نَفْسُهُ. فَقَدْ قَالَ: "نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَا لأَعْمَلَ بِمَشِيئَتِي، بَلْ بِمَشِيئَةِ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (يُوحَنَّا 6: 38). وَيَقُولُ كَاتِبُ الرِّسَالَةِ إِلَى العِبْرَانِيِّينَ: "تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ، وَهُوَ الابْنُ، بِمَا عَانَى مِنَ الأَلَمِ" (عِبْرَانِيِّينَ 5: 8). وَيَصِلُ نَشِيدُ فِيلِبِّي إِلَى قِمَّةِ هٰذِهِ الرُّؤْيَةِ: "وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى المَوْتِ، مَوْتِ الصَّلِيبِ" (فِيلِبِّي 2: 8). وَمِنْ ثَمَّ، فَالطَّاعَةُ المَسِيحِيَّةُ لَيْسَتْ طَاعَةَ العَبْدِ الخَائِفِ، بَلْ طَاعَةَ الابْنِ المُحِبِّ.

خَامِسًا: الطَّاعَةُ أَمَانَةٌ لِلعَهْدِ وَطَرِيقٌ إِلَى الحَيَاةِ. الطَّاعَةُ مِنْ أَسَاسِيَّاتِ العَهْدِ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ. فَيَقُولُ الرَّبُّ عَلَى لِسَانِ إِرْمِيَا: "اِسْمَعُوا كَلِمَاتِ هٰذَا العَهْدِ وَاعْمَلُوا بِهَا" (إِرْمِيَا 11: 6). وَفِي هٰذِهِ العِبَارَةِ يَتَرَابَطُ السَّمَاعُ وَالعَمَلُ: فَلَا يَكْتَمِلُ سَمَاعُ كَلِمَةِ اللهِ إِلَّا عِنْدَمَا تَصِيرُ حَيَاةً.

وَهٰذَا هُوَ جَوْهَرُ مَثَلِ الابْنَيْنِ: فَالابْنُ الأَوَّلُ لَمْ يَكْتَفِ بِالنَّدَمِ، بَلْ ذَهَبَ؛ أَيْ إِنَّ التَّوْبَةَ أَصْبَحَتْ طَاعَةً عَمَلِيَّةً.

سَادِسًا: الطَّاعَةُ طَرِيقُ الحُرِّيَّةِ وَالخَلَاصِ. قَدْ تَبْدُو الطَّاعَةُ لِلوَهْلَةِ الأُولَى تَقْيِيدًا لِحُرِّيَّةِ الإِنْسَانِ، لٰكِنَّ الكِتَابَ المُقَدَّسَ يَكْشِفُ أَنَّ الخَطِيئَةَ هِيَ الَّتِي تَسْتَعْبِدُ، أَمَّا نِعْمَةُ اللهِ فَتَقُودُ إِلَى حُرِّيَّةِ الأَبْنَاءِ. فَالخَلِيقَةُ نَفْسُهَا "سَتُحَرَّرُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الفَسَادِ لِتُشَارِكَ أَبْنَاءَ اللهِ فِي حُرِّيَّتِهِمْ وَمَجْدِهِمْ" (رُومَة 8: 21). وَلٰكِنَّ الخَلَاصَ لَيْسَ ثَمَنًا يَكْسِبُهُ الإِنْسَانُ بِطَاعَتِهِ؛ بَلْ هُوَ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُهَا الإِنْسَانُ بِالإِيمَانِ، وَتَظْهَرُ ثِمَارُهَا فِي الطَّاعَةِ وَالحَيَاةِ الجَدِيدَةِ.

سَابِعًا: الطَّاعَةُ شَهَادَةٌ تَقُودُ الآخَرِينَ إِلَى اللهِ. لَا تَقِفُ ثِمَارُ الطَّاعَةِ عِنْدَ الإِنْسَانِ نَفْسِهِ، بَلْ تَمْتَدُّ إِلَى الآخَرِينَ. فَعِنْدَمَا دَعَا الرَّبُّ شَاوُلَ قَالَ لَهُ: "قُمْ فَادْخُلِ المَدِينَةَ، فَيُقَالَ لَكَ مَا يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَفْعَلَ" (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 9: 6). فَاسْتَجَابَ، وَصَارَتْ طَاعَتُهُ بَدَايَةَ رِسَالَةٍ حَمَلَتِ الإِنْجِيلَ إِلَى أُمَمٍ كَثِيرَةٍ. فَطَاعَةُ المُؤْمِنِ لَا تَبْنِيهِ وَحْدَهُ، بَلْ تَجْعَلُ مِنْ حَيَاتِهِ شَهَادَةً. وَقَدْ تَكُونُ "نَعَمْ" وَاحِدَةٌ صَادِقَةٌ لِلَّهِ سَبَبًا فِي أَنْ يَكْتَشِفَ آخَرُونَ طَرِيقَ الإِيمَانِ.

إِنَّ عِبْرَةَ مَثَلِ الابْنَيْنِ لَا تَقِفُ عِنْدَ السُّؤَالِ: " مَاذَا نَقُولُ لِلَّهِ؟ بَلْ تَصِلُ إِلَى السُّؤَالِ الأَعْمَقِ: هَلْ نَعِيشُ مَا نَقُولُهُ؟ فَالإِيمَانُ الحَقِيقِيُّ يَطْلُبُ وَحْدَةً بَيْنَ القَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالعَمَلِ. وَإِذْ نَجِدُ فِي ذَوَاتِنَا شَيْئًا مِنَ الابْنَيْنِ، فَإِنَّنَا نَرْفَعُ أَنْظَارَنَا إِلَى يَسُوعَ المَسِيحِ، الابْنِ المُطِيعِ، الَّذِي جَعَلَ حَيَاتَهُ كُلَّهَا "نَعَمْ" لِلآبِ. وَفِيهِ نَتَعَلَّمُ أَنْ نَنْتَقِلَ مِنَ القَوْلِ إِلَى العَمَلِ، وَمِنَ النَّدَمِ إِلَى التَّوْبَةِ، وَمِنَ الإِرَادَةِ الذَّاتِيَّةِ إِلَى مَشِيئَةِ الآبِ، فَنَقُولَ مَعَهُ: "لَا كَمَا أَنَا أَشَاءُ، بَلْ كَمَا أَنْتَ تَشَاءُ" (مَتَّى 26: 39). فَالطَّاعَةُ المَسِيحِيَّةُ هِيَ أَنْ تَقُولَ لِلَّهِ "نَعَمْ" بِقَلْبِكَ، وَأَنْ تُثْبِتَ هٰذِهِ الـ"نَعَمْ" بِحَيَاتِكَ.

 

الخُلاصَةُ

دَخَلَ يَسُوعُ أُورُشَلِيمَ، وَأَخَذَ يُعَلِّمُ فِي الهَيْكَلِ. وَهُنَاكَ وَاجَهَهُ رُؤَسَاءُ الكَهَنَةِ وَشُيُوخُ الشَّعْبِ، وَسَأَلُوهُ عَنْ مَصْدَرِ سُلْطَانِهِ فِي التَّعْلِيمِ وَالعَمَلِ (مَتَّى 21: 23). وَفِي سِيَاقِ هٰذِهِ المُوَاجَهَةِ، قَدَّمَ يَسُوعُ سِلْسِلَةً مِنَ الأَمْثَالِ: مَثَلَ الابْنَيْنِ (مَتَّى 21: 28–32)، وَمَثَلَ الكَرَّامِينَ القَتَلَةِ (مَتَّى 21: 33–46)، وَمَثَلَ وَلِيمَةِ العُرْسِ (مَتَّى 22: 1–14). وَتَحْمِلُ هٰذِهِ الأَمْثَالُ دَعْوَةً حَاسِمَةً إِلَى التَّوْبَةِ وَقَبُولِ مَشِيئَةِ اللهِ.

وَفِي مَثَلِ الابْنَيْنِ نَقِفُ أَمَامَ مَوْقِفَيْنِ مُتَعَاكِسَيْنِ: ابْنٌ يَقُولُ "لَا"، ثُمَّ يَنْدَمُ وَيَعْمَلُ؛ وَابْنٌ يُعْلِنُ اسْتِعْدَادَهُ لِلطَّاعَةِ، وَلٰكِنَّهُ لَا يَعْمَلُ. كِلَاهُمَا ابْنٌ لِلأَبِ نَفْسِهِ، وَكِلَاهُمَا سَمِعَ الدَّعْوَةَ نَفْسَهَا إِلَى العَمَلِ فِي الكَرْمِ، وَلٰكِنَّ الفَرْقَ كَانَ فِي الاسْتِجَابَةِ العَمَلِيَّةِ.

وَيَكْشِفُ المَثَلُ أَنَّ اللهَ يَحْتَرِمُ حُرِّيَّةَ الإِنْسَانِ وَيَدْعُوهُ إِلَى اسْتِجَابَةٍ حُرَّةٍ لِنِعْمَتِهِ. وَمَعَ هٰذِهِ الحُرِّيَّةِ تَأْتِي المَسْؤُولِيَّةُ؛ فَاخْتِيَارَاتُ الإِنْسَانِ لَيْسَتْ بِلَا ثَمَرٍ، بَلْ تَطْبَعُ حَيَاتَهُ وَعَلَاقَتَهُ بِاللهِ وَبِالآخَرِينَ. وَالمِعْيَارُ الَّذِي يَضَعُهُ يَسُوعُ وَاضِحٌ: "فَأَيُّهُمَا عَمِلَ بِمَشِيئَةِ أَبِيهِ؟" (مَتَّى 21: 31). فَالقَضِيَّةُ لَيْسَتْ مَا نَقُولُهُ فَحَسْبُ، بَلْ مَا نَفْعَلُهُ اسْتِجَابَةً لِمَشِيئَةِ الآبِ.

وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، يَحْمِلُ المَثَلُ رِسَالَةَ رَجَاءٍ عَظِيمَةً: فَالابْنُ الأَوَّلُ قَالَ "لَا"، وَلٰكِنَّ الـ"لَا" لَمْ تَكُنْ كَلِمَتَهُ الأَخِيرَةَ؛ إِذْ "نَدِمَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَذَهَبَ" (مَتَّى 21: 29). وَهٰكَذَا يُعَلِّمُنَا يَسُوعُ أَنَّ مَاضِيَ الإِنْسَانِ لَا يُغْلِقُ أَمَامَهُ بَابَ الخَلَاصِ. فَاللهُ يَدْعُو الخَاطِئَ إِلَى التَّوْبَةِ، وَيَقْبَلُ مَنْ يَرْجِعُ إِلَيْهِ بِقَلْبٍ صَادِقٍ.

وَيَدْعُونَا المَثَلُ أَيْضًا إِلَى مُرَاجَعَةِ ذَوَاتِنَا؛ فَقَدْ نَقُولُ لِلرَّبِّ اليَوْمَ "نَعَمْ" بِالصَّلَاةِ وَالإِيمَانِ وَالمُمَارَسَةِ الدِّينِيَّةِ، ثُمَّ نَقُولُ لَهُ "لَا" بِاخْتِيَارَاتِنَا وَأَعْمَالِنَا. وَقَدْ نَكُونُ قَدْ قُلْنَا لَهُ "لَا" بِخَطَايَانَا، لٰكِنَّ نِعْمَتَهُ تَفْتَحُ أَمَامَنَا دَائِمًا طَرِيقَ الرُّجُوعِ. فَالتَّوْبَةُ هِيَ أَنْ نَسْمَحَ لِنِعْمَةِ اللهِ بِأَنْ تُحَوِّلَ: "لَا" الخَطِيئَةِ إِلَى "نَعَمْ" الإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ.

وَإِنْ كَانَ الابْنَانِ فِي المَثَلِ لَمْ يَكُونَا كَامِلَيْنِ فِي اسْتِجَابَتِهِمَا، فَإِنَّ أَنْظَارَنَا تَتَّجِهُ إِلَى يَسُوعَ المَسِيحِ، الابْنِ المُطِيعِ، الَّذِي جَعَلَ حَيَاتَهُ كُلَّهَا "نَعَمْ" لِلآبِ، حَتَّى قَالَ فِي جَثْسَيْمَانِي: "لَا كَمَا أَنَا أَشَاءُ، بَلْ كَمَا أَنْتَ تَشَاءُ" (مَتَّى 26: 39). فَفِيهِ نَجِدُ مِثَالَ الطَّاعَةِ وَنِعْمَتَهَا، وَمِنْهُ نَتَعَلَّمُ أَنْ نُوَحِّدَ بَيْنَ مَا نَقُولُهُ وَمَا نَعِيشُهُ.

إِنَّ كَلِمَةَ "نَعَمْ" قَصِيرَةٌ، وَلٰكِنَّهَا، إِذَا وُجِّهَتْ إِلَى اللهِ، تَحْمِلُ مَسْؤُولِيَّةَ حَيَاةٍ بِأَكْمَلِهَا. وَقَدِ اخْتَصَرَ البَابَا القِدِّيسُ يُوحَنَّا الثَّالِثُ وَالعِشْرُونَ هٰذِهِ الرُّوحَانِيَّةَ فِي شِعَارِهِ الأُسْقُفِيِّ: "الطَّاعَةُ وَالسَّلَامُ" (Oboedientia et Pax)؛ فَالطَّاعَةُ لِمَشِيئَةِ اللهِ تَقُودُ إِلَى السَّلَامِ الحَقِيقِيِّ.

وَخُلاصَةُ رِسَالَةِ المَثَلِ أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ لَا يُدْخَلُ بِادِّعَاءِ البِرِّ، وَلَا بِالكَلِمَاتِ وَالمَظَاهِرِ وَحْدَهَا، بَلْ بِالإِيمَانِ الَّذِي يَقُودُ إِلَى التَّوْبَةِ وَالطَّاعَةِ وَالعَمَلِ بِمَشِيئَةِ الآبِ. فَالمَسِيحِيُّ الصَّادِقُ لَا يَكْتَفِي بِأَنْ يَقُولَ لِلرَّبِّ "نَعَمْ"، بَلْ يَسْعَى، بِنِعْمَةِ اللهِ، إِلَى أَنْ يَجْعَلَ حَيَاتَهُ كُلَّهَا "نَعَمْ" لَهُ؛ لأَنَّهُ "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ، بَلْ مَنْ يَعْمَلُ بِمَشِيئَةِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 7: 21).

 

دُعَاء

أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِيُّ،
يَا مَنْ تَدْعُو الجَمِيعَ إِلَى مَلَكُوتِكَ، وَتَفْتَحُ بَابَ رَحْمَتِكَ أَمَامَ كُلِّ خَاطِئٍ يَرْجِعُ إِلَيْكَ بِقَلْبٍ تَائِبٍ، سَاعِدْنَا أَنْ نَسْمَعَ نِدَاءَكَ، وَنَحْتَرِمَ مَشِيئَتَكَ، وَنَحْفَظَ وَصَايَاكَ.

وَإِذَا ابْتَعَدْنَا عَنْكَ، وَقُلْنَا لَكَ "لَا" بِخَطَايَانَا وَعِصْيَانِنَا، فَامْنَحْنَا نِعْمَةَ النَّدَامَةِ الصَّادِقَةِ وَالتَّوْبَةِ الحَقِيقِيَّةِ، لِنَرْجِعَ إِلَيْكَ بِكُلِّ قُلُوبِنَا، وَلَا نَكْتَفِيَ بِطَاعَتِكَ بِالقَوْلِ، بَلْ نَعْمَلَ بِمَشِيئَتِكَ فِي حَيَاتِنَا.

أَعْطِنَا، يَا رَبُّ، قَلْبًا مُطِيعًا عَلَى مِثَالِ ابْنِكَ يَسُوعَ المَسِيحِ، لِنَقُولَ لَكَ "نَعَمْ" بِالقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالعَمَلِ، وَنَذْهَبَ بِأَمَانَةٍ وَإِخْلَاصٍ لِنَعْمَلَ فِي كَرْمِكَ.

وَبِنِعْمَتِكَ وَقُوَّةِ رُوحِكَ القُدُسِ، أَخْرِجْنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَانْقُلْنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِكَ الحَبِيبِ، حَيْثُ نَحْيَا مَعَكَ فِي نُورِكَ وَسَلَامِكَ إِلَى الأَبَدِ. آمِين.

 

قِصَّةٌ وَاقِعِيَّةٌ: القِدِّيسُ فَرَنْسِيسُ الأَسِيزِيُّ وَالأَبْرَص

يَرْوِي القِدِّيسُ فَرَنْسِيسُ الأَسِيزِيُّ (1181/1182–1226)، فِي وَصِيَّتِهِ الَّتِي كَتَبَهَا قُرْبَ نِهَايَةِ حَيَاتِهِ، حَادِثَةً كَانَ لَهَا أَثَرٌ حَاسِمٌ فِي مَسِيرَةِ تَوْبَتِهِ.

فَقَبْلَ تَغَيُّرِ حَيَاتِهِ، كَانَ فَرَنْسِيسُ يَنْفُرُ مِنَ البُرْصِ وَمِنْ مُصَابِيهِ، حَتَّى إِنَّ رُؤْيَتَهُمْ كَانَتْ مُرَّةً عَلَيْهِ. وَلٰكِنَّهُ، عِنْدَمَا بَدَأَ الرَّبُّ يَقُودُهُ فِي طَرِيقِ التَّوْبَةِ، لَمْ يَبْقَ إِيمَانُهُ مُجَرَّدَ أَفْكَارٍ وَمَشَاعِرَ، بَلْ تَحَوَّلَ إِلَى فِعْلٍ مَلْمُوسٍ: ذَهَبَ إِلَى البُرْصِ وَخَدَمَهُمْ وَأَظْهَرَ لَهُمُ الرَّحْمَةَ.

وَيَشْهَدُ فَرَنْسِيسُ نَفْسُهُ لِهٰذَا التَّحَوُّلِ فِي وَصِيَّتِهِ، مُبَيِّنًا أَنَّ مَا كَانَ يَبْدُو لَهُ مُرًّا تَحَوَّلَ، بَعْدَ مُلاقَاةِ البُرْصِ وَخِدْمَتِهِمْ، إِلَى حَلاوَةٍ فِي النَّفْسِ وَالجَسَدِ (Testamentum Sancti Francisci، 1–3).

إِنَّ قِيمَةَ هٰذِهِ الحَادِثَةِ لا تَكْمُنُ فِي أَنَّ فَرَنْسِيسَ قَالَ كَلِمَاتٍ جَمِيلَةً عَنِ المَحَبَّةِ، بَلْ فِي أَنَّهُ فَعَلَ مَا كَانَ يَرْفُضُهُ مِنْ قَبْلُ. فَقَدْ تَغَيَّرَ قَلْبُهُ، ثُمَّ تَغَيَّرَ سُلُوكُهُ. وَهُنَا يَلْتَقِي اخْتِبَارُهُ، مِنَ النَّاحِيَةِ الرُّوحِيَّةِ، مَعَ رِسَالَةِ مَثَلِ الابْنَيْنِ: «يَا بُنَيَّ، اذْهَبِ اليَوْمَ وَاعْمَلْ فِي الكَرْمِ" (مَتَّى 21: 28).

فَالابْنُ الأَوَّلُ قَالَ: "لا أُرِيدُ"، وَلٰكِنَّهُ رَاجَعَ نَفْسَهُ وَذَهَبَ (مَتَّى 21: 29). وَفَرَنْسِيسُ، بِطَرِيقَةٍ مُشَابِهَةٍ، كَانَ يَنْفُرُ مِنَ البُرْصِ، لٰكِنَّهُ سَمَحَ لِنِعْمَةِ اللهِ أَنْ تُغَيِّرَ مَوْقِفَهُ، فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ وَخَدَمَهُمْ.

وهٰذَا هُوَ مَعْنَى التَّوْبَةِ الحَقِيقِيَّةِ: لَيْسَ أَنْ نَقُولَ لِلرَّبِّ فَقَطْ: "نَدِمْتُ"، بَلْ أَنْ نَقُومَ وَنَذْهَبَ وَنَعْمَلَ مَا يَطْلُبُهُ مِنَّا. فَقَدْ تَكُونُ أَوَّلُ إِجَابَةٍ مِنَّا "لا"، لٰكِنَّ نِعْمَةَ اللهِ قَادِرَةٌ أَنْ تُحَوِّلَهَا إِلَى "نَعَمْ" تُكْتَبُ بِالأَعْمَالِ.

وَلِذٰلِكَ يَبْقَى السُّؤَالُ الَّذِي يَضَعُهُ مَثَلُ الابْنَيْنِ أَمَامَ ضَمِيرِنَا: هَلْ نَكْتَفِي بِأَنْ نَقُولَ لِلرَّبِّ "نَعَمْ"، أَمْ نَذْهَبُ فِعْلًا لِنَعْمَلَ فِي كَرْمِهِ؟ فَالإِيمَانُ الَّذِي لا يَنْتَقِلُ مِنَ الكَلِمَةِ إِلَى العَمَلِ يَبْقَى نَاقِصًا، أَمَّا التَّوْبَةُ الحَقِيقِيَّةُ فَتُحَوِّلُ "لا" الأَمْسِ إِلَى "نَعَمْ" نَعِيشُهَا اليَوْمَ.
 

قِصَّةٌ وَاقِعِيَّةٌ: "سَأَفْعَلُ" وَ"لَنْ أَفْعَلَ"

يُرْوَى عَنْ أَبٍ مُسِنٍّ كَانَ يَعِيشُ وَحْدَهُ، وَكَانَ لَهُ ابْنَانِ يَسْكُنَانِ بَعِيدًا عَنْهُ. وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ مَرِضَ الأَبُ، فَاتَّصَلَ بِابْنَيْهِ وَطَلَبَ مِنْهُمَا أَنْ يَأْتِيَا لِمُسَاعَدَتِهِ فِي بَعْضِ شُؤُونِ البَيْتِ.

أَجَابَ الابْنُ الأَوَّلُ سَرِيعًا: "بِالتَّأْكِيدِ يَا أَبِي، سَآتِي اليَوْمَ وَأَفْعَلُ كُلَّ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ". فَفَرِحَ الأَبُ وَانْتَظَرَهُ. وَلٰكِنَّ الابْنَ انْشَغَلَ بِأَعْمَالِهِ وَمَوَاعِيدِهِ، وَمَرَّ النَّهَارُ وَلَمْ يَأْتِ.

أَمَّا الابْنُ الثَّانِي، فَقَالَ لِأَبِيهِ فِي البِدَايَةِ: "يَا أَبِي، أَنَا مُتْعَبٌ، وَلَدَيَّ أَعْمَالٌ كَثِيرَةٌ، وَلا أَظُنُّ أَنَّنِي أَسْتَطِيعُ المَجِيءَ". وَلٰكِنَّهُ، بَعْدَ أَنْ أَغْلَقَ الهَاتِفَ، شَعَرَ بِتَأْنِيبِ ضَمِيرِهِ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: "كَيْفَ أَقُولُ إِنِّي أُحِبُّ أَبِي، ثُمَّ أَتْرُكُهُ وَحْدَهُ عِنْدَمَا يَحْتَاجُ إِلَيَّ؟"

فَتَرَكَ مَا فِي يَدِهِ، وَذَهَبَ إِلَى أَبِيهِ. أَحْضَرَ لَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَرَتَّبَ البَيْتَ، وَجَلَسَ إِلَى جَانِبِهِ. وَلَمْ يَقُلْ كَلِمَاتٍ كَثِيرَةً، لٰكِنَّ حُضُورَهُ وَخِدْمَتَهُ قَالَا مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنَ الكَلَامِ: "يَا أَبِي، أَنَا أُحِبُّكَ".

وَفِي المَسَاءِ، نَظَرَ الأَبُ إِلَى ابْنِهِ وَقَالَ: "فِي الصَّبَاحِ قُلْتَ لِي: لا أَسْتَطِيعُ، وَلٰكِنَّكَ جِئْتَ. وَأَخُوكَ قَالَ: سَآتِي، وَلٰكِنَّهُ لَمْ يَأْتِ. فَأَيُّكُمَا أَظْهَرَ مَحَبَّتَهُ لِي؟".

إِنَّهَا صُورَةٌ بَسِيطَةٌ لِمَا يُعَلِّمُنَا إِيَّاهُ يَسُوعُ فِي مَثَلِ الابْنَيْنِ (مَتَّى 21: 28–32). فَاللهُ لا يَطْلُبُ مِنَّا كَلِمَاتٍ جَمِيلَةً فَحَسْبُ، بَلْ قَلْبًا يَسْمَعُ وَحَيَاةً تَسْتَجِيبُ. وَقَدْ يَبْدَأُ الإِنْسَانُ بِالرَّفْضِ أَوِ الخَطَإِ، لٰكِنَّ بَابَ الرُّجُوعِ يَبْقَى مَفْتُوحًا؛ فَالتَّوْبَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ شُعُورٍ بِالنَّدَمِ، بَلْ تَغْيِيرُ المَوْقِفِ وَالانْتِقَالُ إِلَى العَمَلِ.

وَهُنَا يَطْرَحُ المَثَلُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا سُؤَالًا شَخْصِيًّا: كَمْ مَرَّةً نَقُولُ لِلرَّبِّ: "نَعَمْ"، فِي صَلَاتِنَا وَعِبَادَتِنَا، ثُمَّ تَقُولُ أَعْمَالُنَا: "لا"؟ وَكَمْ مَرَّةً نَسْتَطِيعُ أَنْ نُحَوِّلَ "لا" الأُولَى، بِالتَّوْبَةِ، إِلَى "نَعَمْ" نَعِيشُهَا بِالمَحَبَّةِ وَالخِدْمَةِ؟ فَالإِيمَانُ الحَقِيقِيُّ لَيْسَ أَنْ نَقُولَ للهِ: "يَا رَبُّ، سَأَفْعَلُ"، بَلْ أَنْ نَقُومَ وَنَذْهَبَ وَنَعْمَلَ فِي كَرْمِهِ. فَأَصْدَقُ "نَعَمْ" نَقُولُهَا للهِ هِيَ الَّتِي تَظْهَرُ فِي أَعْمَالِنَا.