موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ١٤ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦

كارلو: من شرفة الأبدية

بقلم :
كارول علمات - الأردن
كارلو أكوتيس... في عيد ميلادك السماوي اليوم، قبل عشرين عاما... صلّ لأجلنا

كارلو أكوتيس... في عيد ميلادك السماوي اليوم، قبل عشرين عاما... صلّ لأجلنا

 

لم يكن الثاني عشر من شهر تشرين الأول عام 2006 ( اي قبل عقدين من الزمن) ...  يوماً اعتيادياً في حياة الأبوين أندريا أكوتيس وأنطونيا سالزانو، فهو اليوم الذي ودّع فيه الوالدان فلذة كبدهما بانتقاله إلى الحياة الأبدية بعد مرض لوكيميا الدم الذي غرس مخالبه في جسد فتى غض، نشيط، محبوب، كان له من العمر خمسة عشر عاماً.

 

في برد لندن، في الثالث من أيار عام 1991، صرخ كارلو صرخته الأولى. لم تكن أمه تعلم أنها أنجبت قديساً. عادت به العائلة سريعاً إلى ميلانو، وهناك كبر طفل مختلف. لم يعد من المدرسة ليلعب كغيره من  الأطفال ، بل ليطرق باب الكنيسة بنبض قلب عشق يسوع و امه مريم . في السابعة من عمره  قال جملته التي صارت دستور حياته: "أن أكون متحداً بيسوع، هذه هي خطة حياتي".

 

كان وحيداً في البيت لكنه صديق الجميع، محبوب المدرسة، شغوف بالصلاة والتأمل، يرى وجه يسوع في كل  فقير و محتاج . وكان عبقرياً في علم  الحاسوب، فلم يجعل من الانترنت مكاناً للهروب، بل مذبحاً رقمياً، جلس أمام شاشته ليحصي معجزات القربان الأقدس الذي كان يسميه "طريقي السريع إلى السماء" ليقول لجيله: الله هنا. وعلى سرير الألم لم يبكِ، بل قال: "أقدم كل آلامي من أجل البابا والكنيسة". ورحل في 12 تشرين الأول، في عيد سيدة العمود، التي أحبها بجنون وجعل من ورديتها رفيقة يومه، كأنها جاءت في عيدها لتأخذه بيدها.

 

وظن الجميع أن القصة انتهت، لكنها بدأت. فظهر لأمه في الحلم وهمس: "ستصبحين أماً مجدداً". وفي ذات التاريخ بعد أربع سنوات، 12 تشرين الأول 2010، صرخت الحياة من جديد في بيت أكوتيس بميلاد توأمين، فرانشيسكا وميشيل، اللذين يحتفلان اليوم بعيد ميلادهما السادس عشر.

 

اليوم يصحو سكان أسيزي على وقع أقدام المؤمنين الذين يهرعون بشغف ومحبة إلى مزار التجرد، إلى كنيسة سانتا ماريا ماجوري، حيث ينام كارلو بسلام،  لم يختر أسيزي صدفة، فقد أوصى أن يُدفن هناك، قريباً من قديسه المحبوب *فرنسيس الأسيزي الذي تجرد من كل شيء ليجد كل شيء، وقريباً من كلارا الأسيزية* التي صارت نوراً في العتمة. هناك يرقد بجسد شاب يرتدي بنطال  الجينز والتيشيرت الأحمر ، كأنه واحد منا، والابتسامة لا تفارق وجهه.

 

اليوم في أسيزي ..يأتي الناس أفواجاً من كل القارات، و بين أناملهم  حبات المسبحة الوردية في شهر الوردية المقدسة. يضيئون الشموع ويتلون السلام الملائكي، يصلون ويصلون من أجل السلام في القلوب والعائلات والأوطان التي تعاني من ويلات الحروب، يصلون من أجل المتألمين والمرضى والمنسيين، من أجل كل من يطلب طفلاً، وكل من يطلب عملاً، وكل من يطلب رجاءً جديداً. كل شمعة هناك هي صلاة، وكل صلاة هناك تُسمع  في السماء.

 

ونستذكر في هذا اليوم  مع والديه أندريا وأنطونيا، وشقيقيه ميشيل وفرانشيسكا، مشهد إعلان القداسة الذي رُسِمَ في السابع من أيلول عام 2025 في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان. هناك، أمام أكثر من ثمانين ألف مؤمن، وفي أول قداس تقديس له، أعلن البابا لاون الرابع عشر قداسة كارلو أكوتيس مع بيير جورجيو فراساتي قائلاً: "حتى عندما أصابهما المرض وقطع حياتهما الشابة، لم يوقفهم ذلك ولم يمنعهم من أن يحبوا ويقدموا ذواتهم لله"، وذكرنا بكلمته الخالدة: "أكبر خطر في الحياة هو أن نبددها خارج مخطط الله. لا أنا، بل الله".

 

وكانت اللحظة الأكثر خشوعاً، حين تقدم شقيقاه التوأم اللذان لم يرياه في حياته الأرضية، ميشيل وفرانشيسكا، ليحملا ذخيرته إلى المذبح. ميشيل يقرأ القراءة الأولى بالإنجليزية، والعائلة كلها تقدم التقادم. أمٌ ترى ابنها يعود إليها ذخيرة، وابنان قُدّما لها عطية بشفاعته.

 

و تمر امامنا كلمات البابا الراحل فرنسيس ، الذي كان من المفترض أن يعلن قداسته.  كان البابا فرنسيس هو من أحب كارلو كثيراً وانتظر هذا اليوم طويلاً، وكان قد أعلن بنفسه أن تقديسه سيكون في يوبيل 2025. لكن الرب شاء أن يستدعيه هو أولاً إلى السماء قبل أيام  قليلة من الموعد، كأنه ذهب ليهيئ لفتاه مكاناً بين القديسين.

 

قال عنه : "كان يعرف كيف يستخدم تقنيات الاتصال الجديدة لنقل الإنجيل، ونقل القيم والجمال. لم يستقر في حالة من الجمود المريح، بل فهم احتياجات عصره لأنه كان يرى وجه المسيح في الأشخاص الأشد ضعفاً. وتشير شهادته لشباب اليوم إلى أن السعادة الحقيقية تكمن في وضع الله في المرتبة الأولى". فرنسيس الذي كان سيعلن قداسته على الأرض، استقبله قديساً في السماء.

 

مشهدان في لحظة واحدة اليوم: على الأرض كعكة عيد ميلاد مزينة بست عشرة شمعة تُضاء فرحاً ببلوغ فرانشيسكا وميشيل عامهما السادس عشر، وفي السماء عيدٌ لا ينطفئ. التوأمان يحتفلان هنا، وكارلو يحتفل هناك بميلاده الأبدي، يطل علينا من شرفة الأبدية، ومعه فرنسيس وكلارا، ويهمس لجيله: اصنعوا من ذكائكم سلماً إلى السماء، فلا شيء مستحيل أمام الخالق الذي يتمجد دوماً في قديسيه.

 

واليوم، إذ نحتفل بمرور عشرين عاماً على ولادته في السماء، فإنها المرة الثانية التي تحتفل فيها الكنيسة بهذه الذكرى وهو قديس معلن على مذابحها، بعد أن كانت احتفلت به العام الماضي للمرة الأولى كقديس.

 

كارلو أكوتيس... في عيد ميلادك السماوي اليوم، قبل عشرين عاما... صلّ لأجلنا