موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أحببتُ الكتب وأُغرِمتُ بها منذ يفاعتي. وما كان والدي يمنحني إياه من مصروف يومي بسيط، كنت أوفّر بعضه لشراء الكتب التي كانت تُباع في العربات بأسعار أقل من تلك التي في المكتبات. وفي نهاية كل أسبوع كانت مكتبتي تُرفَد بكتاب جديد، وكان فرحي يكبر معها.
أذكر أنني قرأت آنذاك عنوانًا في بيروت يرسل مجانًا كتاب «العهد الجديد» لمن يطلبه. فكتبت الرسالة ووضعت عليها طابعًا بريديًا قيمته ثلاثون فلسًا. وكان مثل ذلك المبلغ يساوي ثمن كتاب، ومع ذلك حسبتها كأنني سأقتني «العهد الجديد» بهذا السعر.
بعد أسابيع قليلة، حمل إليّ العم إبراهيم، ساعي البريد العجوز طيب القلب، أول طرد بريدي استلمته في حياتي. كان مربّطًا بالخيوط من جميع جوانبه. فتحته بفرح كمن اقتنى كنزًا؛ وكان الكنز نسخة رائعة من «العهد الجديد».
بعدها تشجعتُ أن أفتش عن عناوين أخرى ترسل الكتب بلا مقابل. وكانت الخطوة التالية أنني كتبت رسالة أخرى إلى جهة لا أتذكر اسمها أو عنوانها اليوم. وبعد أسابيع قليلة وصلني كتاب رائع: «سائح روسي على دروب الرب». لا أذكر من هو كاتبه، لكن كل ما أذكره ذلك الشغف الهائل الذي رافقني وأنا أتجول في دروب العالم رفقة ذلك السائح الفقير، نقلّب في العهد الجديد عن آية تقول: «صَلُّوا بِلَا ٱنْقِطَاعٍ». كنت أخاف من تلك الآية أن يصيبني الوهن وأنا أصلّي بلا انقطاع.
وجاءني الكتاب الثالث: «الاقتداء بالمسيح». كان غلافه من الكرتون المقوّى، وصفحاته من الورق الرخيص. أذكر أن اسم مؤلف وُضع على غلافه: «توما الكمبيسي». التهمته بصعوبة، كما التهمت رحلة السائح الفقير من قبله. بدا لي أصعب من الإنجيل نفسه. قلت لنفسي، وأنا لا أعرف كيف أقارن في ذلك العمر بين كتابٍ والإنجيل: لعله إنجيل آخر من أربعة أسفار! فما قصة هذا الكتاب؟
الكتاب
يحمل الكتاب في اللاتينية اسم De Imitatione Christi، أي «في اقتداء المسيح»، وهو من أشهر النصوص الروحية في المسيحية الغربية في أواخر العصور الوسطى. ويتكوّن في صورته المعروفة من أربعة أسفار و114 فصلًا، ويتناول كل سفر جانبًا من جوانب الحياة الروحية للمؤمن:
السفر الأول: إرشادات نافعة للتحذير من أباطيل العالم.
السفر الثاني: السعي نحو الحياة الداخلية.
السفر الثالث: في التعزية الداخلية والحوار بين النفس والمسيح.
السفر الرابع: في الإفخارستيا.
غير أن التاريخ النصي للعمل أكثر تعقيدًا مما توحي به صورته المطبوعة الحديثة؛ فالمخطوطات الأولى لا تحتوي دائمًا الأسفار الأربعة معًا، كما أن ترتيبها وتكوينها مرّا بمراحل تاريخية معقدة.
أين وُلد الكتاب؟
نشأ الكتاب في الأراضي المنخفضة الهولندية في البيئة الروحية التي عُرفت باسم «حركة التقوى الحديثة» (Devotio Moderna)، وهي حركة دينية وروحية ظهرت في أواخر القرن الرابع عشر، وارتبطت بصورة خاصة باسم «غيرت غروته» (Gerard Groote)، (1340-1384) - وكانت الحركة تسعى إلى تجديد الحياة المسيحية من الداخل: التوبة، والتواضع، وضبط النفس، والصلاة، والتأمل في حياة المسيح، وقراءة الكتاب المقدس، مع قدر من الحذر تجاه الجدل اللاهوتي المجرد حين ينفصل عن تغيير حياة الإنسان.
وكان من مراكزها المهمة «جماعة إخوة الحياة المشتركة»، ثم مجمع (Windesheim) للقانونيين المنتظمين الذين عاشوا وفق قانون القديس أغسطينوس.
ولم يكن المقصود من هذه الحركة إنشاء منظومة لاهوتية جديدة بقدر ما كان المقصود استعادة حياة مسيحية داخلية عميقة، يكون فيها اتباع المسيح ممارسة يومية أكثر منه موضوعًا للنقاش النظري.
لماذا أصبح الكتاب ظاهرة عالمية؟
هنا تكمن إحدى قصصه المدهشة.
انتشر الكتاب أولًا مخطوطًا، ثم دخل عالم الطباعة في النصف الثاني من القرن الخامس عشر. وبحلول نهاية ذلك القرن كان قد ظهر في عدد كبير من الطبعات، ثم تُرجم إلى لغات أوروبية متعددة. وتشهد المصادر على وجود مئات المخطوطات، إلى جانب الترجمات والطبعات التي ساعدت على انتشاره الواسع.
ولم يكن تأثيره محصورًا في الكاثوليكية. فقد تُرجم إلى الإنجليزية في القرن السادس عشر، وظهرت له ترجمات وقراءات كاثوليكية وبروتستانتية على السواء. واستمر حضوره في تقاليد مسيحية مختلفة، وأثر في شخصيات روحية بارزة، من إغناطيوس دي لويولا إلى جون ويسلي. وهكذا خرج الكتاب من البيئة الرهبانية التي نشأ فيها، وأصبح واحدًا من أكثر كتب الروحانية المسيحية انتشارًا في الغرب.
الكتاب المجهول الذي "نافس" الكتاب المقدس
وُصف الكتاب بأنه «الأكثر شهرة والأقل معرفة بصاحبه»، نظرًا إلى أن النسخ الأولى منه انتشرت في أوروبا على نطاق واسع، وكُتبت باليد قبل انتشار الطباعة، ولم تحمل في كثير من الأحيان اسم مؤلف ثابت. ومع انتشار الطباعة، أصبح الكتاب من أكثر النصوص الدينية تداولًا في أوروبا، وتوالت طبعاته وترجماته إلى لغات كثيرة.
ولعل سبب هذه الشهرة لا يعود إلى تعقيده، بل إلى العكس تمامًا؛ فالكتاب يتحدث إلى الإنسان مباشرة، ويضع أمامه أسئلة الحياة الداخلية: ماذا تفعل الشهرة بالإنسان؟ ماذا يبقى له حين يفقد ما يملك؟ كيف يتعلم التواضع؟ كيف يحتمل الألم؟ وكيف يجعل المسيح مركز حياته بدلًا من أن يبقى المسيح مجرد موضوع للإيمان؟
هل كان توما الكمبيسي هو المؤلف فعلًا؟
ظهر الكتاب في بداياته دون اسم مؤلف ثابت، ثم نُسب إلى عدد من الأسماء، من بينها القديس برنارد، وبونافنتورا، وجان غيرسون، وشخصية إيطالية عُرفت باسم Giovanni Gersen، وغيرهم.
أما نسبة الكتاب إلى توما الكمبيسي فليست اختراعًا متأخرًا بلا أساس. فقد نشأ تقليد مبكر داخل بيئة Windesheim نفسها ينسب إليه الكتاب، وهناك شهادات تاريخية مبكرة تؤيد هذه النسبة.
والأهم من ذلك وجود مخطوط محفوظ اليوم في «المكتبة الملكية البلجيكية في بروكسل»، مؤرخ سنة 1441، كتبه توما الكمبيسي بيده، ويضم الأسفار الأربعة من «الاقتداء بالمسيح». وتصف المكتبة نفسها المخطوط بأنه نسخة بخط توما، وفي خاتمته عبارة تفيد بأنه أُنجز سنة 1441 «بيد الأخ توما الكمبيسي» في جبل القديسة أغنيس قرب «زفوله» (Zwolle).
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين أمرين: كون توما قد كتب المخطوط بيده، وكونه المؤلف الأول لكل مادة الكتاب. فقد ناقش الباحثون طويلًا ما إذا كان توما هو المؤلف بالمعنى الحديث، أم أنه جمع وصاغ وحرر مواد روحية كانت متداولة في بيئة «التقوى الحديثة».
ولهذا فإن القول الأكثر احتياطًا هو أن توما الكمبيسي هو المؤلف المنسوب إليه الكتاب تقليديًا، وأن الأدلة المخطوطية والتاريخية تؤيد هذه النسبة بقوة، مع بقاء أسئلة نقدية حول نشأة بعض مواده وصياغتها النهائية. وقد ظلت قضية التأليف موضع نقاش تاريخي طويل، ولا سيما بسبب النسب التي أُعطيت للكتاب في بعض المخطوطات والطبعات المبكرة.
أبرز السمات والروحانيات في الكتاب
الزهد والتقشف: يدعو الكتاب إلى التحرر من التعلقات المفرطة بالعالم الزائل، وإلى توجيه القلب نحو ما يتجاوز الحياة الأرضية.
التركيز على يسوع بوصفه قدوة: محوره الأساسي هو الاقتداء بالمسيح في التواضع والمحبة والاحتمال والصمت.
البساطة والعمق: أسلوبه ليس فلسفيًا معقدًا، بل لغة قلبية مباشرة تخاطب الوجدان بصدق مذهل.
جهاد الذات: يؤكد أن الصراع الحقيقي للإنسان ليس مع العالم الخارجي وحده، بل مع أهوائه وأنانيته وتعلقه بذاته.
ومن هنا لا يقدم الكتاب المسيحية بوصفها مجموعة من الأفكار التي ينبغي للإنسان أن يعرفها فحسب، بل بوصفها حياة ينبغي أن يعيشها.
اقتباسات خالدة من الكتاب
«كن صديقًا متواضعًا وديعًا، ولا تحب الملق ولا المداهنة».
«الحق هو الذي ينطق لا الرأي؛ الحق هو الذي يثبت لا الفصاحة».
«إذا حملت الصليب بطيبة خاطر، فهو يحملك ويقودك إلى الغاية المنشودة، حيث لا ألم، بل حياة أبدية».
خاتمة
كتاب «الاقتداء بالمسيح»، الذي احتفلتُ بمرور ستين سنة على أول قراءة لي له، ليس مجرد كتاب يُقرأ مرة ثم يُركن على الرف، بل هو كتاب صلاة وتأمل، يمكن أن يُقرأ صفحة صفحة، أو حتى فقرة فقرة، ببطء وعمق، من أجل تهذيب النفس وبلوغ شيء من سلام القلب.
وربما كانت هذه إحدى خصائص الكتب العظيمة: أننا لا نعود إليها بالعينين نفسيهما اللتين قرأناها بهما أول مرة. فالكتاب الذي بدا لي في مراهقتي أصعب من الإنجيل، والذي تساءلت يومها إن كان «إنجيلًا آخر من أربعة أسفار»، أعود إليه اليوم بعد عقود فأراه جزءًا من تاريخ طويل من البحث المسيحي عن الحياة الداخلية، وعن الإنسان الذي يريد أن يقتدي بالمسيح لا أن يكتفي بالحديث عنه.
ولذلك أظن أن قيمة «الاقتداء بالمسيح» لا تتوقف على انتماء القارئ الطائفي؛ فهو، قبل كل شيء، وثيقة مهمة في تاريخ الروحانية المسيحية، ونص يطرح أسئلة إنسانية وروحية ما زالت قادرة على مخاطبة القارئ بعد أكثر من خمسة قرون من ظهوره.