موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ٢ مارس / آذار ٢٠٢٦

قراءات في «زوفا» العهدين القديم والجديد

بقلم :
رمزي ناري - الأردن
«طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ»

«طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ»

 

تُعد نبتة الزوفا (Hyssop) من أكثر النباتات دلالةً في الكتاب المقدّس، حيث ترتبط بشكل جوهري بمفاهيم التطهير، الفداء، والانتقال من الموت إلى الحياة.

 

أولًا. الزوفا في العهد القديم

 

استُخدمت الزوفا كأداة طقسية لنضح (رش) الدم أو الماء للتطهير، وترمز إلى التواضع لصغر حجمها مقارنة بأرز لبنان.

 

· خروج 22:12 (عيد الفصح): أول ذكر لها، حيث أُمر بنو إسرائيل بغمس حزمة زوفا في دم خروف الفصح ورش القائمتين والعتبة العليا للبيوت للنجاة من المُهلِك.

 

· لاويين 14-7:4، 49-52 (تطهير الأبرص والبيت): استُخدمت مع خشب الأرز والقرمز لنضح دم عصفور مذبوح على الشخص الأبرص لإعلان الطهارة.

 

· عدد 6:19-18 (تطهير المنجسين بالموت): كانت تُحرق مع البقرة الحمراء لإعداد «ماء النجاسة» الذي يُرش بالزوفا لتطهير من لمس جثة ميت.

 

· مزمور 7:51 (تطهير القلب): صلاة داود النبي «طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ»، وهي استعارة للتطهير الداخلي من الخطية، وليس مجرد طقس خارجي.

 

· ملوك الأول 33:4: ذُكرت في سياق حكمة سليمان التي شملت النباتات، «مِنَ ٱلْأَرْزِ ٱلَّذِي فِي لُبْنَانَ إِلَى ٱلزُّوفَا ٱلنَّابِتِ فِي ٱلْحَائِطِ».

 

 

ثانيًا. الزوفا في العهد الجديد

 

تظهر الزوفا في العهد الجديد كتحقيق للرموز القديمة، وربط مباشر بين الفصح القديم وذبيحة المسيح.

 

· يوحنا 29:19 (الصلب): عندما قال المسيح «أَنَا عَطْشَانُ»، وضع العسكر إسفنجة مملؤة بالخل على ساق زوفا وقدموها إلى فمه.

 

· عبرانيّين 19:9: يشير الكاتب إلى موسى الذي أخذ دم العجول والتيوس مع ماء وصوفًا قرمزيًا وزوفا ورش الكتاب والشعب، ليؤكد أن العهد القديم دُشّن بالدم، ممهدًا الطريق لدم المسيح الأكمل.

 

 

ثالثًا. الرابط اللاهوتي بين العهدين (The Typology)

 

يجمع الدارسون على أن الزوفا هي «فرشاة الإيمان» التي تُطبق مفعول الدم:

 

1. من النجاسة الجسدية إلى الفداء الروحي: في الخروج، حمت الزوفا من الموت الجسدي بدم الخروف؛ وعند الصليب، حضرت الزوفا عند تقديم «حمل الله» نفسه الذي يرفع خطية العالم.

 

2. أداة تطبيق الاستحقاق: الزوفا في حد ذاتها لا تُطهر، بل هي الأداة التي تنقل «الدم» إلى «المكان المحتاج للتطهير». هذا يرمز للإيمان الذي ينقل استحقاقات فداء المسيح إلى قلب الإنسان.

 

3. التواضع: كونها نبتة صغيرة تنمو في الجدران، فهي ترمز للمسيح الذي أخلى نفسه، وللإنسان الذي يحتاج للتواضع أمام الله ليقبل التطهير.

 

الشواهد الكاملة التي وردت فيها الزوفا في الكتاب المقدّس:

 

1. قائمة شواهد الزوفا في العهد القديم (10 مواضع)

(الخروج 22:12)، (اللاويين 4:14)، (اللاويين 6:14)، (اللاويين 49:14)، (اللاويين 51:14)، (اللاويين 52:14)، (العدد 6:19)، (العدد 18:19)، (الملوك الأول 33:4)، (المزامير 7:51).

 

2. قائمة شواهد الزوفا في العهد الجديد (موضعين)

(يوحنا 29:19)، (العبرانيّين 19:9).

 

 

لماذا قد يلتبس الأمر؟

 

في بعض الترجمات الحديثة أو الدراسات النباتية، يُشار إلى أن الزوفا في يوحنا 29:19 كانت وسيلة لحمل الإسفنجة، بينما في متّى ومرقس قيل «قصبة» (Reed). التوفيق اللاهوتي يوضّح أن الإسفنجة وُضعت على ساق نبات الزوفا القوي الذي رُبط بدوره بقصبة ليصل لثغر المصلوب.

 

الفرق العلمي بين زوفا العهد القديم والزوفا الحالية (Hyssopus officinalis) وكيف يؤثر ذلك على فهمنا للنصوص:

 

خطأ تسمية تاريخي جعلنا نخلط بين نبتتين مختلفتين تمامًا.

 

1. الإشكالية: الزوفا الطبية مقابل زوفا الكتاب المقدّس

 

· الزوفا الحالية (Hyssopus officinalis): هي نبتة أوروبية المنشأ، لم تكن تنمو في منطقة سيناء أو فلسطين في العصور الكتابية. فروعها رقيقة ولا تصلح لتكون «فرشاة» للنضح أو لحمل إسفنجة ثقيلة مشبعة بالخل.

 

· زوفا الكتاب المقدّس (Origanum Syriacum): يُجمع علماء النبات الكتابي (مثل دراسات The Biblical Archaeology Society) على أنها هي «الزعتر السوري» أو «المردقوش البرّي».

 

2. لماذا «الزعتر السوري» هو المقصود؟ (الأدلة العلمية والنصيّة)

 

(أ). القدرة على الامتصاص (الخروج 12): أوراق الزعتر السوري مغطاة بشعيرات دقيقة تجعلها تعمل كـ «إسفنجة طبيعية» قادرة على حبس قطرات الدم أو الماء لنضحها، وهذا يفسّر استخدامها كـ «فرشاة طقسية» في سفر اللاويين والعدد.

 

(ب). البيئة الجغرافية (الملوك الأول 4): ذكر سليمان أنها «تنبت في الحائط» (الشقوق الصخرية)، وهو الوصف الدقيق لنبات الزعتر البري في فلسطين الذي ينمو بين صخور الجدران القديمة، على عكس الزوفا الأوروبية التي تحتاج تربة زراعية.

 

(ت). الصلابة الهيكيلة (يوحنا 19): لكي تحمل حزمة الزوفا «إسفنجة مملؤة بالخل» وتصل لثغر المسيح على الصليب، يجب أن تكون سيقانها قوية، وهو ما يتوفر في سيقان الزعتر البري الناضجة التي قد تصل لطول متر تقريبًا.

 

(ث). الرائحة العطرية (المزمور 51): الزعتر السوري يحتوي على مادة «الثيمول» المطهرة وله رائحة زكية قوية، مما يربط في ذهن المصلي بين «التطهير من الخطية» والرائحة الطيبة والشفاء.

 

3. الرابط بين العهدين من منظور «الزعتر»

 

هذا النبات كان مُتاحًا للفقير والغني (ينمو طبيعيًا على الجدران»، وهذا يحمل دلالة لاهوتية عميقة:

 

· التواضع: اختار الله نبتة بسيطة جدًا (الزعتر) لتكون أداة التطهير، مما يكسر كبرياء الإنسان.

 

· سهولة الوصول: كما أن الزوفا متاحة للجميع على جنبات الطريق، فإن «نعمة التطهير» بدم المسيح متاحة لكل إنسان يقبلها بالإيمان.

 

باختصار: الزوفا في العهد القديم كانت «ميكروبيولوجيا» رمزية للتطهير من النجاسة، وفي العهد الجديد أصبحت «الجسر» الذي نقل خل العالم إلى فم الفادي، ليتحوّل موته إلى حياة لنا.

 

 

مراجع مختارة:

  1.  بباوي. وليم (المحرر). دائرة المعارف الكتابية – المجلد 4. (القاهرة: دار الثقافة، 1992).
  2.  عبد الملك. بطرس وآخرون (هيئة التحرير). قاموس الكتاب المقدّس. (القاهرة: دار الثقافة، 1994).

 (3) Walton. John and others. The IVP Bible Background Commentary: Old Testament (Downers Grove, Illinois, 2000).

(4) Keener. Craig. The IVP Bible Background Commentary: New Testament (Downers Grove, Illinois, 2014).

(5) The Biblical Archaeology Society: https://www.biblicalarchaeology.org/