موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
مواكبة للأحداث في الجوار الإقليمي، لا بد من إدراك ما أدخلته الحروب السيبرانية والأسلحة الجو-فضائية، من مفاهيم ومعايير خاصة بما يعرف بالفضاء العام مقابل الخاص، ولكل حرماته..
لضمان سلامة البناء وحسن التخطيط والنمو العمراني وتوسع وتطوير المدن، تضمن النظم والقوانين الخاصة بالبناء، وجود فضاء ملائم وارتدادات مناسبة ما بين المباني من جهة، وبينها وبين المرافق العامة والممتلكات الخاصة، من جهة أخرى.
وإلى جانب هذا وذاك، ثمة حق للطريق العام، لا يقل أهمية بأي حال عن الحق الخاص والعام في الحفاظ على الفضاء العام كما الخاص أيضا. للفراغات حكمة في الأصل ربانية، أكثر الناس معرفة بها المهندسون المعماريون، والبناؤون عموما. امتد ذلك واستمر من العصر الحجري، وحتى ما يراد له أن يكون عصرا للذكاء الاصطناعي!
حكمة الخلق في الحفاظ على الفراغ، الحافظ للمسافات والأبعاد، عديدة منها، إظهار قدرة الأشياء على المرونة، حتى في حال السكون ونقيضه من هزات وزلازل وتسونامي. في البناء الخاص بالجسور على نحو خاص، تُراعى الفراغات، وتتولّى مقاومات الزلازل وارتدادات الحركة والمواصلات على متنها أمانة السلامة من حيث كونها تتجلى في القدرة على الصمود عبر المرونة. كل ذلك، حتى لا يقع ما لا تحمد عقباه، في حال الصدام أو التصدّع أو الانهيار لا قدّر الله، سواء إن كان السبب كارثيا، خارجا عن إرادة الجميع، أو ذاتيا لوجود علة ما، في البنى التحتية أو الإنشائية الخاصة بذلك البناء، عموميا، عامّا كان، أو خاصَّ المُلكية أو الإدارة. فقوانين الهندسة، وهندسة الكميات على وجه الخصوص، لا تأخذ شيئا بعين الاعتبار، سوى تلك القوانين الخاصة بالبناء، والبقاء أكبر زمن ممكن، بأفضل حال.
ومن البديهي، أن تتفاوت فضاءات وارتدادات المباني بحسب أحجامها وبنيتها وأغراضها العمرانية والبشرية. حتى من الناحية البيئية أو الصحية، يؤخذ في عين الاعتبار مثلا، حظر التدخين إن كان في فضاء، وخاصة مدخل قسم الطوارئ، أو المدارس، سيما الخاصة، برياض الأطفال.
وفيما يخص المشروبات الكحولية التي تسمى على نحو جائر بالروحية، أو محال بيع وصيانة الأسلحة والذخائر، تنص قوانين معظم ما لم تكن جميع مدن وبلديات العالم، على مراعاتها الجوانب الأمنية والاجتماعية والتربوية والأخلاقية، لمدى قربها أو بعدها عن التجمعات السكنية، وعلى نحو خاص الأطفال وكبار السن، لما لهاتين الفئتين العمريتين، من حرمات إضافية، في سلم الأولويات الإنسانية.
بعد أن صار لبعض النظم والتنظيمات المارقة المتنمرة، من ذباب ودبابير إلكترونية تزوّر وتشوّش وتلوّث الفضاء السيبراني (العام وحتى الخاص)، وبعد أن زادوا عليها بإضافة سلاح الفضاء، لسلاح الجو، في بلاد لديها مشاكل كهرباء ومياه وصرف صحي رغم تربعها على بحار من النفط والغاز، إمعانا فيما تريد المسيّرات والمقذوفات الصاروخية من إحداثه من أضرار لا تراعي حرمات جوار، ولا حرمات مقدسات، كما هو في الاستهداف العشوائي لقدسنا الحبيبة مؤخرا، من قبل "الحرس الثوري"، صار لا بد من إعادة تعريف الفضاء العام، قبل الخوض فيما هو حق عام ورأي عام ومزاج عام.
فليس من حق أي كان، من أي سلطة أو حزب أو جماعة كانت، أن يواصل استباحة حرمات المرافق العامة، وخاصة الدينية والأكاديمية، للتحريض على اختراق فشلت المسيّرات والصواريخ في الانقضاض على حرماته، داخل حدود مملكتنا الأردنية الهاشمية الحبيبة، الأرضية والبحرية والجوية والفضائية!
أمام القانون ومن قبله العرف، دور العبادة كافة، وأوقات الصلاة، لها في هذا العرين الهاشمي العبدليّ، حرمات مشددة، لا يتراخى مؤمن بدينه ووطنه في الذود عنها وليست الجهات ذات العلاقة بإنفاذ القانون وهي منظومة متكاملة في تلك الحالة عسكرية أمنية مدنية أكاديمية. للمسجد الحسيني كما الملك الشهيد المؤسس كما مسجد الجامعة الأردنية أم الجامعات في مملكتنا الحبيبة حرمات إضافية على كونها دور عبادة للصلاة ولا لشيء غيرها.
قبل أسابيع تم إلقاء القبض في أمريكا على مذيع شهير (مطرود)، تم إلقاء القبض عليه، وتكبيل يديه واحتجازه لدى الشرطة، ومن ثم اقتياده إلى المحكمة، لقيامه هو و "رجل دين" مُسيَّس، باختطاف الفضاء العام والخاص لكنيسة، بدعوى "نصرة" من "يلاحقهم" الجهاز المختص بضبط الهجرة الشرعية وأمن الحدود والجمارك، المعروف اختصارا ب "آيس".
الدولة ورجالاتها، قالت كلمتها في حق من زاروا سفارة نظام إيران، وكذلك وانطلاقا من المعيار عينه، قد يكون من المفيد ضبط القوانين والنظم الخاصة بردع من يمارسون التطاول و"البلطجة" على من يعارضهم الرأي السياسي، أو القناعة الدينية أو المذهبية، أو الإيمان والتوجه الوطني، فيما يخص التعامل مع إيران أو أدواتها، فيما سموه محور "المقاومة والممانعة"، أولئك البائسين الذين يريدون تحويل الأوطان إلى مجرد "ساحات" تماما كما حاولوا في عقود خلت من القرن الماضي إبان ما كان التمويل والتسليح والتدريب والتحريض يندرج في الحرب الباردة، بين قطبي الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة.
الأكثر سوءا في تحالفات هذا الزمان، أن أقصى اليمين تحالف مع أقصى اليسار، تحالفوا في خلطة هجينة لغايات مشينة، ما عادت مجرد مريبة. التحالف المسمى "أخضر-أزرق" وفي بعض التسميات "أخضر-أحمر"، كشف عن حقيقة راياته وأزياء ناشطيه "الملونة"، في مسيرات شهدناها في الغرب، بالتزامن مع المتحالفين من وكلاء الوكلاء، أو في بعض الحالات، أجراء العملاء..
الأخطر من اختطاف غزة ومضيق هرمز -ولعله قريبا يسترد اسمه التاريخي مضيق "باب السلام"- هو ذلك الاختطاف للقضايا الوطنية والروحية، بما في ذلك المؤسسات المحمية بحكم العرف والقانون، من أي شكل من أشكال التنازع، ألا وهي دور العبادة جميعها، وكذلك دارات الخبرات المهنية والأكاديمية من جامعات ونقابات، وخلافه.
ربما يتطلب الأمر تشريعات جديدة تؤدب "الهايبَر" ذلك الأهوج المتنمر إلكترونيا، بعد ضبط فضاء "السايبَر"، أو تفعيل القائم من التشريعات ذات الصلة، أو تعزيز ما يشد من عزم إدارات لا تهاب في قول الحق أحدا، ولا تهادن في إعمالِه، أيا كان، ولو تعمّمَ أو تحزّم! تحزّم بـ"هتّيفة" "بكبات" ذات دفع رباعي، أو حسابات ولّادة، حسابات الـ"بوتس"، تلك التي أنجبتها شاشات ومنصات شاذّة.. شاذّة عن الإجماع الوطني، الرافض لأي دخيل، غريب أو "بالشُّفْعَة"!