موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
ما أجمل الدعوة التي يوجهها إلينا النبي هوشع لكي نسرع إلى معرفة الرب، ومن ثمّ لكي نعمل على تعريف أبنائنا وأصدقائنا وبه، لكي يحبوه ويتبعوه!
ولكن يبدو أحيانا أن إلهنا "لا يعرف" ما عليه أن يفعله معنا، بسبب محبتنا الضعيفة، المتقلبة وسريعة الزوال: إنها "كغمام الصباح وكالندى الذي يزول باكراً". وإذا كان الرب يؤدبنا في بعض الأحيان، فذلك لأنه يحبنا، ويريدنا أن نعرفه بشكل أفضل، وأن نحبه أكثر، وأن نخدمه كما يريد هو، لا كما نريد نحن. إنه يطلب منا أن نسير في الطريق المستقيم، وهو الضمان للسلام والسكينة في هذه الحياة، وللخلاص في الآتية.
كذلك يوضح لنا المزمور الذي تُلي على مسامعنا ماهية العبادة المرضيّة عند الله: ليست تقديم شيء ما، بل هي المحبة البنوية، والامتنان، والأمانة، والتسبيح. أما الله أبونا، فإن أمانته ومحبته وعنايته بنا مضمونة، لأنه لا يمكن أن ينكر نفسه أو ألا يفي بوعوده.
وفيما يتعلق بالله الأمين لوعوده، نجد تجسيداً بليغاً لهذا في قصة إبراهيم، كما يوضحها القديس بولس في رسالته إلى أهل روما. فقد وعد الله إبراهيم بذرية كثيرة، رغم أنه كان طاعناً في السن، ما يعني غير قادر على الإنجاب، ورغم أنّ زوجته كانت عاقرا وتجاوزت سن الأمومة ("مات رحمها")، ورغم الاستحالة الظاهرية لتحقيق ذلك، وثق إبراهيم بالله، وآمن بوعوده وبقدرته على تحقيقها. وقد حُسِب ذلك لإبراهيم برّاً، كما يبيّن القديس بولس. وكم نحن محظوظون لأن هذا "الرصيد" لم يُحسب لأبينا إبراهيم وحده، بل لنا نحن أيضاً، ولإيماننا بأمر غاية في السمو : نحن نؤمن بالله الذي أقام يسوع ربنا من بين الأموات من أجل تبريرنا، هو الذي أُسلم من أجل خطايانا (راجع رومة 4، 25).
لقد أظهر يسوع، كلمة الله المتجسد، وجه الآب الرحوم، بكل ما عمل وعلّم. لقد أطلعنا ربنا على كل شيء عن الرحمة الإلهية: لا تصنيفات، لا إقصاء، لا تمييز، لا مفاضلة بين صالحين وطالحين، أو بين مجتهدين ومقصرين، لا تفضيل على أساس عرقي أو ديني أو قومي، ورفضٌ لكبرياء الأقوياء ونفاقهم. وبدلاً من ذلك، مارس السيد له المجد الرحمة، والصبر، والنبل، والمغفرة، وإعادة الكرامة المفقودة، وأظهر تفضيلاً مُعلناً للضالين التائبين، وركض وراء الخروف الضال، وفتح ذراعيه للفئات التي يزدريها مَن يظنون أنهم أبرار، أي العشارين والخطأة والغرباء. إنّ أمثال الرحمة الإلهية هي صفحات سامية تُظهر قلب الله المتعالي عن كل وصف. لهذا، كيف لا نصرخ قائلين: "شكراً لك يا رب، لأنك صالح ورحوم، بطيء عن الغضب، صبور، رؤوف، ولأنك تحبني كثيراً."
إنّ دعوة متى، وهو لا يزال وراء طاولة الجباية، والمأدبة التي أقامها لزملائه السابقين والتي حضرها يسوع كضيف الشرف، وانتقاد الفريسيين، المعروفين بنفاقهم لدعوة عشارين إلى الوليمة، كل ذلك أعطى يسوع الفرصة ليعلن نفسه طبيباً للبشرية الجريحة بالخطيئة والتي تحتاج إلى شفاء. ثم استشهد بما ورد على لسان النبي هوشع: "إنما أريد رحمة لا الذبيحة". وبعد ذلك، أطلق يسوع تلك العبارة الحاسمة التي تملأنا تعزية وامتناناً: "إني ما جئت لأدعو الأبرار، بل الخاطئين". وفي هذا السياق أكد البابا الراحل بندكتس السادس عشر: "إنّ كلمة الله هذه قد وصلت إلينا، من خلال الأناجيل، كخلاصة للرسالة المسيحية بأكملها: الدين الحقيقي يقوم على محبة الله ومحبة القريب" (صلاة التبشير الملائكي، 8 حزيران 2).
ومن واجبنا بالتأكيد أن نذكر البابا فرنسيس، "بابا الرحمة الإلهية"، وكم كان حريصًا على تذكيرنا مرارًا وتكرارًا برحمة الله غير المحدودة وبأنه، تبعًا لذلك، لا ينبغي لنا إقصاء أحد. إنّ صرخته "todos todos, todos" )"الجميع، الجميع، الجميع") ستبقى ذكرى بليغة عنه. وكيف لا نتذكر أيضًا يوبيل الرحمة الاستثنائي (20 تشرين الثاني - 8 كانون الأول 2016) الذي أعلنه تحت شعار بليغ: "رحماء كالآب". إنه منهاج حياة لكل واحد منا.