موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
نحن الآن على بُعد ما يقرب من ألفي عام من ميلاد الكنيسة، الذي تمّ، كما نعلم، في يوم العنصرة. وبصفتنا مؤمنين بالمسيح وأعضاء في الكنيسة، يهمنا تاريخ بداياتها، ليس فقط من باب الفضول الفكري، بل لأنه تاريخ بدايتنا نحن كذلك.
بعد هذه الملاحظات، يمكننا إعادة قراءة نص أعمال الرسل الذي يزودنا بمعلومات هامة. كان بإمكان الشمامسة، مثل فيلبّس، أن يبشروا ويعمدوا من يَقبل بشارة الإنجيل. لكنهم لم يكونوا يستطيعون وضع الأيدي على المعمدين لمنحهم الروح القدس؛ فقد كانت هذه مهمة الرسل، كما فعل بطرس ويوحنا مع الذين عمدهم الشماس فيلبس. هناك إذًا تمييز واضح بين المعمودية والتثبيت. ومع ذلك، كان الرب يسند بشارة الشمامسة، كما كان الحال بالنسبة للرسل، بالآيات والعجائب.
إن إيماننا بالله، الذي نجدده كل يوم أحد وعيد بتلاوة "قانون الإيمان"، يقوم على شهادة الرسل؛ ولهذا السبب فإن الكنيسة هي رسولية.
القديس بطرس، في رسالته الثانية، يعطينا إرشادات لسلوكنا مع الأشخاص الذين يسألوننا عن إيماننا أو الرجاء الذي يسكننا. قد يكون هؤلاء الأشخاص كاثوليكيين مثلنا، أو من طائفة مسيحية أخرى، أو من دين آخر، أو بلا أي انتماء ديني، أو حتى ملحدين. هذا التنوع في الواقع الديني موجود أيضاً في مجتمعنا وأحيانا في عائلاتنا.
هناك شرط مسبق يخصنا: أن نكون عبّادا للسيد المسيح في قلوبنا، بالروح والحق، كما قال يسوع للسامرية (راجع يوحنا 4: 23-24). فقط من ينتمي للمسيح ومن يثبت فيه يمكنه التحدث عنه. فلنجتهد، إذًا، أن نرتقي إلى مستوى تقديم الشهادة للرجاء الذي يسكننا.
في هذا السياق، من الضروري أن نعرف إيماننا وديننا، أقله بشكل كاف، لنتمكن من التحدث عنهما بشكل صحيح. نحن محظوظون بوجود ليس فقط المواد المطبوعة تحت تصرفنا، بل والرقمية أيضاً. لدينا جميعاً هواتف وحواسيب تتيح لنا إجراء أبحاث سريعة للإجابة على تساؤلاتنا وتساؤلات الآخرين، وأيضاً لتوسيع معرفتنا في الشؤون الدينية. يصبح هذا الهدف أكثر ضرورة لمن لديهم أبناء عليهم تربيتهم وتنشئتهم، أيضاً من الناحية الدينية والروحية.
بخصوص محبة الله: كيف يمكنني أن أعرف أنني أحب الله حقاً؟ إذا أطعتُه وحفظتُ وصاياه. لقد طلب يسوع الانتقال من الكلمات إلى الأفعال: "ليس من يقول لي «يا رب، يا رب»، يدخل ملكوت السماوات، بل من يعمل بمشيئة أبي الذي في السماوات" (متى 7، 21). المحبة الحقيقية تتحول إلى طاعة.
ثم هناك عطية الروح القدس، التي نلناها يوم المعمودية، ثم بفيض يوم التثبيت. نلاحظ أن يسوع يخبرنا بأنه سيرسل لنا "مؤيدًا (باراقليطاً) آخر"، ما يعني أنه هو أيضاً معزينا. مصطلح "بارقليط" يوناني الأصل، ويعني المؤيد أو المعزي أو المدافع أو المحامي.
الروح هو عطية يسوع الفريدة التي تكشف عن عمق محبته لنا. الباراقليط، بصفته المعزي والمدافع والمحامي لدى الآب، سيبقى معنا دائماً ويرشدنا إلى الحق كله. إن الحضور الإلهي الذي يضمنه الروح القدس ليس مجرداً، بل هو ملموس رغم كونه داخلياً. إذا عشنا في محبة الله الحقيقية، فسنطيعه بحفظ وصاياه ونعيش في شركة مع الآب. يسوع لا يتركنا يتامى، بل يظهر لنا بطرق متنوعة لأننا نحبه. لقد لاحظنا كيف تحقق الوعد بالمعونة الإلهية دعماً لرسالة فيلبس التبشيرية، والتي اكتملت بمهمة بطرس ويوحنا. كلمة الله تغيّر، تحرر، وتعطي حياة جديدة. وهذا ينطبق علينا نحن أيضاً.
نحن مدعوون للتأمل في سر حضور يسوع المستمر في حياتنا. ربما نشعر في الصعوبات أو في الروتين اليومي، بأن الله بعيد عنا، فنستسلم للقلق. لكن يسوع يذكّرنا بأننا حين نلتزم بمحبته وحفظ وصاياه، لا نبقى وحيدين أبداً: روح الحق يمكث فينا، يوجه خياراتنا ويسندنا في تجارب الحياة. الإيمان يفتح نظرة جديدة على الواقع: عيون القلب تسمح لنا بتمييز حضور الرب، حتى عندما يبدو مختفيًا. حضور الروح وعمله لا يلغيان الصعوبات، بل يجعلاننا قادرين على مواجهتها بحكمة وهدوء، محوّلين إياها إلى فرصة للنمو وللشهادة الصادقة.
إنّ حضور الروح وعمله فينا هما قوة صامتة وفاعلة، تحوّلنا باستمرار إلى تلاميذ حقيقيين، فنعمل الخير، ونسند المتألمين، وننقل سلام المسيح بالأعمال والكلمات.
نُتهم أحياناً كمؤمنين بأننا منغلقون في كنائسنا، لكن يسوع يُظهر لنا أنّ الحب الحقيقي هو حب علائقي وديناميكي: من يقبل وصاياه ويحفظها، يحبه الآب ويحبه يسوع نفسه ويظهر له ذاته. إنه تجلٍّ يمثّل وعياً في حياتنا الملموسة، في خياراتنا اليومية، في رعاية الآخرين، وفي الإيمان الراسخ.
نسأل الله أبانا نعمة إدراك حضوره، حتى في لحظات التعب، والاستجابة بحب ملموس يحمل السلام والرجاء والفرح إلى عالمنا المنقسم المنهك الذي ينتظر الشفاء والتجديد.