موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
بصفتنا مسيحيين مُمارسين، نسعى دائمًا لنكون "مسيحيين حقيقيين"، ولهذا نطرح على أنفسنا سؤالاً: "ماذا يعني أن نكون قديسين؟"، ومن ثم سؤالاً آخر يتبعه: "كيف نصبح قديسين؟".
إن بحثنا هذا عن الفهم وما يترتب عليه من سلوك، يصبح أكثر إلحاحاً من خلال كلمة الله التي تُقدَّم لنا اليوم في القراءة من العهد القديم، وكذلك تلك من العهد الجديد. ففي سفر الأحبار، يتلقى الشعب اليهودي هذا الأمر: "كونوا قديسين، لأني أَنا الرب إلهكم قدوس" (19، 1)، بينما يقول لنا يسوع، المشرّع الجديد والنهائي: "كونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم السماوي كامل" (متى 5، 48).
أستلهم تعليم البابا المحبوب الراحل فرنسيس خلال المقابلة العامة بتاريخ 19 كانون الأول 2014 لمشاركتكم بعض الخواطر حول قراءات هذا الأحد.
جميع المسيحيين، لكونهم معمدين، يتمتعون بنفس الكرامة أمام الله، وتجمعهم الدعوة عينها إلى القداسة. هذا هو تعليم المجمع الفاتيكاني الثاني، لا سيما في الدستور العقائدي عن الكنيسة "نور الشعوب" (Lumen Gentium).
الملاحظة الأولى هي أن القداسة هبة يمنحنا إياها الرب، كأعضاء في كنيسته؛ فهو يُلبسنا ذاته ويجعلنا مثله. ومن الواضح أن هذه الهبة، لكي تصل إلى كمالها، تحتاج إلى تعاوننا الكامل، خاصة فيما يتعلق بـ "لبس المسيح" والاقتداء بسلوكه. وبالفعل، كان الاقتداء بالمسيح هو الطريق الذي سلكه كثيرون لبلوغ القداسة، بما في ذلك أولئك التي اعترفت بهم الكنيسة رسمياً كقديسين.
القداسة هي أجمل وجه للكنيسة التي أحبها المسيح وبذل نفسه لأجلها لكي يقدسها (راجع أفسس 5، 25-26). إنها إعادة اكتشاف أنفسنا في شركة مع الله، في ملء حياته ومحبته. ومن هنا نفهم أن القداسة ليست امتيازاً مخصصاً للبعض فقط: القداسة هبة تُقدَّم للجميع، وبالتالي لنا أيضاً، فهي تشكّل السمة المميِّزة لكل مسيحي.
وينتج عن ذلك أنه لكي نكون قديسين، ليس بالضرورة أن نكون كهنة أو رهباناً أو راهبات: لا، فالجميع مدعوون إلى بلوغ القداسة! ليس من الضروري أن ننفصل عن شؤوننا اليومية لنكرس أنفسنا للصلاة بشكل حصري. القداسة شيء مختلف، أعظم وأعمق، يمنحنا إياه الله. نحن مدعوون لنصبح قديسين من خلال العيش بمحبة وتقديم شهادتنا المسيحية في مشاغل الحياة اليومية، كل واحد في الظروف والحالة التي يعيشها.
في كل مكان وفي كل زمان يمكن للمرء أن يصبح قديساً، أي يمكنه الانفتاح على هذه النعمة التي تعمل في داخلنا وتقودنا إلى الكمال. ومن خلال ممارسة الصبر، نسير نحو القداسة ونصبح علامة منظورة لمحبة الله وحضوره في وسط شعبه. كل حالة حياة يمكن أن تكون طريقا نحوالقداسة، دائماً! كل مساحة في حياتنا يمكن بل ويجب أن تصبح طريقاً مفتوحاً نحو القداسة: البيت، الشارع، العمل، الكنيسة. في تلك اللحظة وفي تلك الحالة، يُفتح لك - ولي - طريق القداسة. دعونا لا نفقد عزيمتنا في السير على هذا الطريق، فالله هو الذي يمنحنا النعمة. الرب يطلب منا شيئاً واحداً فقط: أن نكون في شركة معه ونخدم أحدنا الآخر.
إذ وصلنا إلى هذه النقطة، يمكن لكل واحد منا أن يقوم بفحص ضمير، ويجيب في قرارة نفسه على هذا السؤال: كيف استجبت حتى الآن لدعوة الرب للقداسة؟ هل لدي رغبة في أن أصبح أفضل قليلاً، أن أكون مسيحياً أكثر صدقاً؟ هذا هو طريق القداسة.
علاوة على ذلك، عندما يدعونا الله لنكون قديسين، فهو لا يدعونا لشيء ثقيل أو محزن: على العكس تماماً! إنها دعوة لمشاركته فرحه، لنعيش بسلام ونقدّم كل لحظة من حياتنا بفرح، جاعلين منها في الوقت نفسه عطاء حب للأشخاص المحيطين بنا. إذا فهمنا هذا، يتغير كل شيء ويكتسب معنى جديداً وجميلاً. لنبدأ بالأمور اليومية البسيطة:
· عندما تكون في بيتك مساءً، ويطلب منك ابنك أن يتحدث معك قليلاً، لا تقل له إنك عملت كثيرًا وإنك متعب، بل اجلس واستمع إليه بصبر: هذه خطوة نحو القداسة.
· عندما ينتهي اليوم ونكون متعبين، يحين وقت الصلاة، فلنصلِّ: هذه أيضًا خطوة نحو القداسة.
· عندما يأتي يوم الأحد نذهب لحضور القداس ونتناول القربان المقدس، الذي يسبقه أحياناً اعتراف تقي يطهرنا: هذه خطوة نحو القداسة.
· عندما نفكر في العذراء مريم، أمنا الحنونة المُحبّة، ونمسك المسبحة الوردية لنصلي: هذه خطوة نحو القداسة.
· عندما أسير في الشارع وأرى فقيراً أو محتاجاً، وأتوقف لأسأله وأعطيه شيئاً: هذه خطوة نحو القداسة.
إنها أشياء صغيرة، لكنها خطوات مهمة ومتنوعة نحو القداسة. كل خطوة على هذا الطريق ستجعل منا أشخاصاً أفضل، أحراراً من الأنانية ومن الانغلاق على ذواتنا، ومنفتحين على الإخوة واحتياجاتهم، وقبل كل شيء منفتحين على الله أبينا الذي يحبنا ويريدنا جميعاً معه في بيته، مستقرِّنا النهائي بعد نهاية رحلتنا الأرضية.