موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ١٣ يونيو / حزيران ٢٠٢٦

عظة الأحد الحادي عشر من الزمن العادي - السنة أ

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
المونسنيور خالد عكشة

المونسنيور خالد عكشة

 

أمام نقص الكهنة والراهبات، وقلة الدعوات لحياة مكرسة لله ولشعبه، نحن مدعوون من قِبل يسوع إلى الصلاة، لا إلى الشكوى. إن الرب يطلب إلينا أن نصلي، مذكرًا إيانا بأن الكنيسة هي كنيسته، والحصاد هو حصاده أيضًا، وكذلك الفعلة. كل تلميذ، في أي حالة من حالات الحياة -وليس فقط الحالة الكهنوتية أو الرهبانية- مرسَل إلى "حقل" العالم ليعلن ملكوت الله ويبنيه. الملكوت هو منطق حياة جديدة يهبه الله، يقوم على المحبة والأخوّة والعدل والسلام، يغيّر العالم من الداخل، كما تخمر الخميرة العجين.

 

يتطلب هذا منا التحرر من المعايير الدنيوية والضمانات المنغلقة أمام العناية الإلهية، وأن نتعلم التفكير والعمل وفقًا لمشيئة الله. إنها مسيرة ارتداد لا تولَد إلا من الحوار معه، في الإصغاء له والصلاة إليه. على جبل سيناء، مكان العهد، يُعلن الله: "إن سمعتم سماعا لصوتي وحفظتم عهدي، فإنكم تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوب" (سفر الخروج 5،19). إنها دعوة دائمة لتذكّر أعماله، واستيعاب كلمته، والعيش كشعب مقدّس، أمين وقادر على الشهادة لحضوره الفعّال والخفي في التاريخ.

 

يؤثر فينا مرة أخرى نظرُ يسوع الرحوم والثاقب -ونحن في الشهر المكرس لقلبه الأقدس- أمام الجموع: يراهم ضائعين، "كغنم لا راعي لها"، محرومين من قادة حقيقيين قادرين على إرشادهم بأمان إلى الطريق الواجب سلوكه، وحمايتهم من خطر الضياع. من هنا تأتي الدعوة للصلاة إلى "رب الحصاد" لكي يرسل فعلة إلى حصاده: رجالاً ونساءً مستعدين لوضع أنفسهم في خدمة الملكوت والجماعة المؤمنة، ومشاركة تعب البشارة وفرحها.

 

إن شفقة المسيح، رب الحصاد، تنبع من خطر ضياع "القمح". فرجال زمنه ونساؤه -وكل زمن- يمكن أن يظلوا مشتتين، متعبين ومنهكين، عاجزين عن الوصول إلى ملء الحياة. أما يسوع، فيريد ألا يهلك أحد، بل أن تُجمع كل حياة في أهراء الملكوت. إن معجزة الوصول إلى الملكوت، أي الخلاص، تتطلب أيضًا استجابة منا: قبول الدعوة، والسماح للإنجيل أن يغيّرنا.

 

الرسالة ليست فردية أبدًا: يسوع يدعو الاثني عشر ليكونوا شركاء في المسؤولية، ليعلنوا إنجيل الخلاص والفرح، مانحًا إياهم السلطان على طرد الأرواح النجسة وشفاء المرضى، كعلامات ملموسة على أنّ ملكوت الله قد اقترب.

 

إلى جانب التفويض، يعطي يسوع تعليمات دقيقة: ألا يكرزوا دون تمييز في كل مكان. في الواقع، يفاجئنا النهي عن "الذهاب إلى الوثنيين"، والتوجيه بالذهاب أولاً "إلى الخراف الضالة من بيت إسرائيل" (متى 10، 6). يبدو هذه التوجيه في ظاهره تضييقًا، وتناقضًا شبه تام مع شفقته. لكنه في الواقع خطوة حكيمة: الاعتراف بأن أول من يحتاج إلى البشارة هو نحن أنفسنا. وبذلك يصبح النهي الؤقت دعوة للاعتناء بذواتنا أولاً، وألا نوهم أنفسنا بأننا نستطيع الاستغناء عن الراعي. كم من مرة ظننا أننا قادرون على العيش بدون الله، فوجدنا أنفسنا متعبين ومنهكين، تمامًا مثل الجموع التي كانت أمام يسوع. إذا أردنا أن نُرسَل، فعلينا أولاً أن ندع المسيح يرعانا، وأن نتغذى بكلمته، وجسده، وحضوره. وفي أساس كل شيء تكمن الأمانة للعهد، وطاعة وصاياه، متذكرين أنه حررنا من العبودية التي تأسرنا. فبدون الصلاة أمام شرور العالم، تتحول شهادة التلميذ إلى مجرد عمل خيري أو إحسان اجتماعي.

 

الرسالة ليست ضمانًا للنجاح البشري، بل هي تشبّه بالمسيح، من خلال العيش في المجانية والعطاء: " أخذتم مجانًا فمجانًا أعطوا" (متى 10، 8). وفيما يتعلق بالمجانية التي يطلبها الرب من خدامه وينتظرها شعبه منهم، يُطرح السؤال: كيف يعيش الكاهن أو أي خادم آخر مكرَّس بالكامل للرسالة؟ يأتي الجواب من يسوع نفسه: عندما يرسل التلاميذ، يطلب منهم ألا يحملوا معهم مالاً ولا زادًا، لأن الجماعة ستعتني بهم: "لأن العامل يستحق أجرته" (لوقا 10: 7)، و"يستحق طعامه" (متى 10، 10). وسيكرر القديس بولس المفهوم نفسه لأهل قورنتس، انطلاقًا مما كان يمارَس لدى الشعب اليهودي: "أما تعلمون أن خدم الهيكل يأكلون مما هو للهيكل، والذين يخدمون المذبح يقاسمون المذبح؟" (1 قورنتس 9، 13). ومباشرة بعد ذلك، يطبّق هذا المبدأ على المدعوين إلى الخدمة: "وهكذا قضى الرب للذين يعلنون البشارة أن يعيشوا من البشارة" (الآية 14).

 

المشهد الإنجيلي الذي يظهر أمامنا يفتتح "خطبة الرسالة" (الفصل العاشر من إنجيل متى): يسوع يدعو الاثني عشر ويرسلهم. والتعليمات الموجهة إليهم تعكس سياق الرسالة الأولى في الجليل، المتميز بالبساطة والثقة. ومع ذلك، يظل الجوهر الدائم ثابتًا: الكنيسة تولَد من شفقة المسيح على البشرية، وهي مدعوة لمواصلة رسالته، لكي لا يهلك أحد.