موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأحد، ١٢ ابريل / نيسان ٢٠٢٦

عظة الأحد الثاني للفصح - أحد الرحمة الإلهية

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
عظة الأحد الثاني للفصح - السنة (أ) - أحد الرحمة الإلهية

عظة الأحد الثاني للفصح - السنة (أ) - أحد الرحمة الإلهية

 

يُعتبر الرسول توما، "بطل" إنجيل اليوم، رمزاً للشخص الذي لا يثق إلا إذا رأى بعينيه ولمس بيديه، فموقفه واضح جداً: "إذا لم أبصر أثر المسمارين في يديه، وأضع إصبعي في مكان المسمارين، ويدي في جنبه، لن أومن" (يوحنا 20: 25).

 

"توما يمتلك الشجاعة للتعبير عما نخبئه جميعاً في أعماق قلوبنا ونحاول إسكاته: الشك. لا تكفيه أصوات الآخرين، ولا يقنع بما يُقال له. إنه بحاجة إلى اللمس، إلى لقاء وجهاً لوجه، وإلى علاقة شخصية. وبالفعل، يعود يسوع من أجله، ليس ليوبخه أو يذله، بل ليقدم له ما طلبه: جراحه، تلك الجراح التي أصبحت أبواباً مفتوحة يمر من خلالها كل حب هذا العالم" (Luigi Verdi، صحيفة Avvenire، 8 نيسان 2026).

 

إن إعلان توما، بعد رؤية يسوع القائم ولمسه، قوبل ببعض التخفظ من قِبل القائم من الموت، الذي طوّب المؤمن الحقيقي: "لأنك رأيتني آمنت؟ طوبى للذين يؤمنون ولم يروا" (يوحنا 20: 29).

 

لقد أدخل المرحوم الأب ماريو فورلان، كاهن رعية الزرقاء الشمالي سابقا، عادة: أن يهتف المؤمنون بعد رفع القربان والكأس المقدسين: "ربي وإلهي!".

 

لم يبقَ توما غير مؤمن، بل أصبح مؤمناً ومبشرا بالإنجيل في أراضٍ بعيدة. وفي الواقع، فإن الكنيسة الكلدانية في العراق وبلاد الانتشار، والكنيستين السريانية الملا بارية والسريانية الملانكارية في الهند ودول أخرى، يجدون جذورهم الإيمانية في العمل التبشيري للقديس توما وتلاميذه.

 

أما بخصوص الإيمان، فقد عرّفته الرسالة إلى العبرانيين كالتالي: «الإيمان قِوام الأمور التي تُرجى وبرهان الحقائق التي لا تُرى، وبفضله شُهد للأقدمين. بالإيمان ندرك أن ما يُرى يأتي مما لا يُرى" (11: 1-3).

 

إن عدم إيمان توما الأوليّ يحيلنا إلى أزمة الإيمان التي يعيشها الكثيرون اليوم، لا سيما في الغرب. أعراض هذا "المرض الديني" كثيرة: اللامبالاة، العلمانية، قلة الممارسة الدينية أو هجرها، وحتى التخلي  عن الإيمان في بعض الأحيان.

 

ومع ذلك، ولحسن الحظ، هناك أيضاً علامات إيجابية، مثل ازدياد عدد البالغين في الغرب الذين يطلبون المعمودية أو التثبيت، والعطش للروحانية ولاكتشاف معنى للحياة، والعمل التطوعي والتضامن لدوافع دينية، والاهتمام بالطبيعة والرفق بالحيوان. علاوة على ذلك، فإن الذين يبقون مخلصين ويمارسون إيمانهم، بعد تحررهم من الضغوط الاجتماعية، يفعلون ذلك عن قناعة فقط.

 

أما بالنسبة لنا، نحن المؤمنين والممارسين، فنحن مدعوون لعيش إيمان ناضج وفعال، ولحياة متسقة تجعلنا في سلام وسعداء وذوي مصداقية في الشهادة التي نحن مدعوون لتأديتها للرب القائم من بين الأموات.

 

إضافة، هناك في إنجيل اليوم فقرة هامة تتعلق بمغفرة الخطايا. فبعد أن نفخ فيهم، قال يسوع لتلاميذه: "خذوا الروح القدس. مَن غفرتم لهم خطاياهم، تُغفر لهم، ومن أمسكتم عليهم الغفران يُمسك عليهم" (الآيات 22-24). إن الطرف المهان -الله- وضع الغفران بين أيدي الرسل وخلفائهم. لذا، لا يمكننا القول: "أنا أعترف لله مباشرة". ومع ذلك، فمن البديهي أن الاعتراف للكاهن يجب أن يسبقه "لقاء" مع الله، وهو "فحص الضمير"، لنرى تحت نظر الآب الرحيم والعادل وضعنا، بجوانبه الإيجابية والسلبية، لنعرضه على الكاهن بقلب نادم، ونسمع نصائحه وننال الغفران الإلهي عن طريقه.

 

وفي هذا الصدد، تعلمون أننا ككهنة نُحث على الاقتراب من سر المصالحة بشكل منتظم، كبُعد هام من أبعاد القداسة الكهنوتية التي نحن مدعوون إليها. ويُقال أكثر من ذلك: "الكاهن الذي يعترف بانتظام، يعرف كيف يمنح سر الاعتراف بشكل جيد".

 

واسمحوا لي أن أضيف ملاحظة: عندما أُهمل الاعتراف أو هُجر، زادت الاضطرابات النفسية وما شابهها. والأمر المؤكد هو أن الممارسة السليمة والمنتظمة للاعتراف مفيدة للروح، وكذلك للنفس والجسد.

 

هذا الأحد، الثاني بعد الفصح، هو أحد الرحمة الإلهية الذي أعلنه القديس البابا يوحنا بولس الثاني عام ألفين، عندما رفع الراهبة البولندية فاوستا كوفالسكا إلى مصاف القديسين؛ "فلنتقدم بثقة إلى عرش النعمة لننال رحمة ونلقى حظوة ليأتينا الغوث في حينه" (عبرانيين 4: 16).

 

لنقل ليسوع مع توما: "ربي وإلهي!". وعندما نعترف بخطايانا، لنردد مع صاحب المزامير: «طُوبَى لمن معصيته غُفرت وخطيئته سُترت. طوبى لمن لا يحسُب عليه الرب إثما ولا في روحه خداع" (مزمور 32: 1-2).