موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أيها الإخوة والأخوات الأحباء!
قد يحدث لنا أن نسهر لأسباب عديدة، ولكن هذه السهرة أو العشية مختلفة، لأنها تكريمٌ للرب. بل إنها، بالنسبة للقديس أغسطينوس، "أمُّ جميع العشيّات".
كانت العشية الفصحية في 7 نيسان 2012 الأخيرة التي احتفل بها طيب الذكر البابا بندكتس السادس عشر، إذ أنه أعلن تنحيه عن الخدمة البطرسية في 28 شباط 2013. وما أشارككم به في هذه العظة مستلهم إلى حد كبير مما قاله قداسته في تلك الليلة المباركة.
الفصح هو عيد الخليقة الجديدة. يسوع قام ولن يكون للموت عليه من سلطان بعد الآن (راجع رومة 6،9). لقد كسر الباب نحو حياة جديدة لا تعرف المرض ولا الموت ولا الدموع. لقد اتحد الإنسان بالله نفسه. والكاتب الكنسي ترتليانس (القرن الثالث)، وفي إشارة إلى قيامة المسيح وقيامتنا، كتب بجرأة: "ثقوا، أيها اللحم والدم، فبفضل المسيح قد اكتسبتم مكاناً في السماء وفي ملكوت الله". لقد انفتح بُعد جديد للإنسان: أصبحت الخليقة أكبر وأوسع. الفصح هو يوم خليقة جديدة، ولهذا السبب بالذات تبدأ الكنيسة خدمة الكلمة في هذه العشية من خلال رواية خلق العالم، لكي نتعلم كيف نفهم الخليقة الجديدة جيداً.
في هذا السياق، هناك أمران مهمان بشكل خاص في ليتورجيا هذا المساء. أولاً، تُقدَّم الخليقة ككل متكامل يشكّل الزمن جزءاً منه. الأيام السبعة هي صورة لكلٍّ يتطور عبر الزمن. وهي مرتبة من أجل اليوم السابع، يوم حرية جميع الخلائق لله ولبعضها البعض. لذا فإن الخليقة موجهة نحو الشركة بين الله وخلائقه؛ إنها موجودة ليكون هناك مساحة للاستجابة لمجد الله العظيم، وليكون لقاء حب وحرية. ثانياً، في رواية الخليقة، تستمع الكنيسة في عشية الفصح بشكل خاص إلى الجملة الأولى: "قال الله: «ليكن نور!» (تكوين 1، 3). تبدأ رواية الخليقة، بشكل رمزي، بخلق النور.
ماذا تريد رواية الخليقة أن تقول لنا بذلك؟ النور يجعل الحياة ممكنة، يجعل اللقاء ممكنا، يجعل التواصل ممكناً، يجعل المعرفة والوصول إلى الواقع والحقيقة أمراً ممكناً. وبجعله المعرفة ممكنة، فإنه يجعل الحرية والتقدم ممكنين. الشر يختبئ. لذا فإن النور هو أيضاً تعبير عن الخير، الذي هو إشراق ويخلق الإشراق. إنه "اليوم" الذي يمكننا فيه العمل: "يجب علينا، ما دام النور، أن نعمل أعمال الذي أرسلني" (يوحنا 9، 4). حقيقة أن الله خلق النور تعني أنه خلق العالم كفضاء للمعرفة والحقيقة، فضاء للقاء والحرية، فضاء للخير والحب. كل ما خلق الله حسن، بل حسن جدا (راجع تكوين 1،31)؛ والشر لا يأتي مما خلق الله، بل من نفيه: إنه الـ "لا".
في الفصح، في صباح اليوم الأول من الأسبوع، قال الله مرة أخرى: "ليكن نور!". قبل ذلك، جاء ليل بستان الزيتون، وكسوف شمس الآلام وموت يسوع، وظلمة القبر. ولكن يوم القيامة هو مرة أخرى "اليوم الأول" - الخليقة تبدأ من جديد تماماً. "ليكن نور!"، يقول الله، "فكان نور". يسوع يقوم من القبر: الحياة أقوى من الموت؛ الخير أقوى من الشر؛ الحب أقوى من الكراهية؛ الحقيقة أقوى من الكذب. ظلام الأيام الماضية تبدد في اللحظة التي قام فيها يسوع من القبر وأصبح هو نفسه نور الله الخالص. بقيامة يسوع، يُخلق النور نفسه من جديد. إنه يجذبنا جميعاً وراءه إلى حياة القيامة الجديدة، ويغلب كل أشكال الظلام: "تنبه أيها النائم وقم من بين الأموات يضىء لك المسيح" (أفسس 14،5). لهذا السبب، أطلقت الكنيسة في السابق على المعمودية اسم "الاستنارة". إنه يوم الله الجديد، الذي يخصنا جميعاً.
ولكن كيف يمكن أن يحدث هذا؟ كيف يمكن لكل هذا أن يصل إلينا بحيث لا يبقى مجرد كلمات، بل يصبح واقعاً نكون مشتركين فيه؟ من خلال سر المعمودية والاعتراف بالإيمان، بنى الرب جسراً نحونا، يمر من خلاله اليوم الجديد إلينا. في المعمودية، يقول الرب لمن ينالها: "Fiat lux – ليكن نور". اليوم الجديد، يوم الحياة غير القابلة للفناء، يأتي إلينا أيضاً. المسيح يأخذك بيدك. ومن الآن فصاعداً ستكون مؤيدا منه، وستدخل هكذا في النور، في الحياة الحقيقية.
لماذا؟ لأن الظلام الذي يهدد الإنسان حقاً هو أنه، مع كونه قادرا على رؤية الأشياء الملموسة والمادية وفحصها، لا يرى من أين أتى العالم وإلى أين يذهب. إلى أين تذهب حياتنا نحن؟ ما هو الخير وما هو الشر؟ الظلمة التي تلف رؤية الله والظلمة التي تلف القيم هي التهديد الحقيقي لوجودنا وللعالم بشكل عام. إذا ظلت رؤية الله والقيم والفرق بين الخير والشر في الظلام، فإن جميع "الاستنارات" الأخرى هي غير قابلة للتصديق، بل هي في الوقت نفسه تهديدات تعرضنا نحن والعالم للخطر. اليوم يمكننا إضاءة مدننا بشكل مبهر لدرجة أن نجوم السماء لم تعد مرئية. أليس هذا صورة لمشكلة "استنارتنا"؟ في الأشياء المادية نعرف ونستطيع فعل الكثير بشكل لا يُصدّق، ولكن ما يتجاوز ذلك، أي الله والخير، لم نعد نتمكن من تحديده. لذلك فإن الإيمان هو الذي يرينا نور الله، هو الاستنارة الحقيقية، هو اقتحام لنور الله في عالمنا، وفتح لأعيننا على النور الحقيقي.
في عشية الفصح، "ليلة الخليقة الجديدة"، تقدم الكنيسة سر النور برمز خاص جداً ومتواضع للغاية: بالشمعة الفصحية. نورها يشع بفضل "التضحية": الشمعة تضيء باستهلاك نفسها، تعطي النور ببذل ذاتها. وهكذا تمثّل بشكل رائع سر المسيح الفصحي الذي يبذل ذاته وبهذا يمنح النور العظيم. ثانياً، يمكننا كذلك التأمل في حقيقة أن نور الشمعة هو "نار". النار هي قوة تشكل العالم، وقدرة تغيّر وتمنح الدفء. وهنا أيضاً يظهر سر المسيح مرة أخرى. المسيح النور هو نار، هو لهب يحرق الشر ويغيّر العالم وأنفسنا. "من هو قريب مني فهو قريب من النار": هذه كلمة ليسوع نقلها إلينا أوريجانس (القرن الثاني-الثالث). وهذه النار ليست نوراً بارداً، بل هي نور نلتقي فيه بدفء الله وصلاحه.
إن نشيد "لتتهلل أجواق الملائكة" (Exsultet) العظيم يذكّرنا بأن الشمعة تعود في المقام الأول إلى عمل النحل. وهكذا تدخل الخليقة بأكملها في الاحتفال. في الشمعة، تصبح الخليقة حاملة للنور. ولكن، وفقاً لفكر الآباء، هناك أيضاً إشارة ضمنية إلى الكنيسة: إن تعاون الجماعة الحية للمؤمنين في الكنيسة يشبه عمل النحل؛ إنه يبني جماعة النور. يمكننا هكذا أن نرى في الشمعة الفصحية أيضاً تذكيراً بأنفسنا وبشركتنا في جماعة الكنيسة، الموجودة لكي يضيء نورُ المسيح العالم.
نصلي في هذه الساعة كي يجعلنا السيد نختبر فرح نوره، ونصلي كذلك كي نصبح نحن أنفسنا حاملين لنوره، حتى يدخل بهاءُ وجه المسيح إلى العالم من خلال الكنيسة. آمين.