موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ١٣ مايو / أيار ٢٠٢٦

عظة احتفال صعود الرب - السنة (أ)

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
هكذا نحن اليوم في الاحتفال بصعود الرب إلى السماء، وفي تطلّعنا للوصول إليه يوماً ما

هكذا نحن اليوم في الاحتفال بصعود الرب إلى السماء، وفي تطلّعنا للوصول إليه يوماً ما

 

إذا كان الملاكان، بسؤال بلاغي نوعاً ما، قد خاطبا التلاميذ -"الرجال الجليليين"- لماذا ينظرون إلى السماء حيث رأوا يسوع صاعداً، فإن هذين الملاكين سيقولان لنا اليوم بعتاب أخوي: "انظروا إلى السماء!"، لأننا ننظر كثيراً إلى الأرض على حساب السماء. ورغم أننا لم نرَ الرب يصعد إلى السماء كما حدث للرسل، إلا أن تطمينه ينطبق علينا أيضاً: " يسوع هذا الذي رُفع عنكم إلى السماء سيأتي كما رأيتموه ذاهبًا إلى السماء" (أعمال 1: 11). علاوة على ذلك، فإن صعود الرب هو أحد أركان قانون الإيمان، الذي نعلنه كل يوم أحد وعيد: "وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين الآب".

 

لنفتح قوساً حول عبارة "أيها الجليلون". كان الجليل منطقة حدودية، يسكنها خليط من السكان، بينهم أجانب كانوا يُعتبرون وثنيين. هناك بدأ يسوع بالتبشير بالتوبة والملكوت (راجع متى 4: 15. 17. 23)، واختار تلاميذه من بين البسطاء، الذين لم يتلقوا تعليماً دينياً خاصاً، وكان معظمهم من الصيادين. في الواقع، كانت الطبقة المتعلمة، المكونة من عائلات رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين، موجودة في اليهودية، وتحديداً في القدس حول الهيكل. إن الله يختار أدوات متواضعة ليُظهر عظمته وقدرته، لكي لا يفتخر أحد أمامه: "ما كان في العالم من حماقة فذاك ما اختاره الله ليُخزي الحكماء، وما كان في العالم من ضُعف فذاك ما اختاره ليخزي ما كان قويًا" (1 قورنتس 1: 27).

 

هنا، في هذا المكان الحدودي، ضرب يسوع موعداً لتلاميذه الذين تفرقوا عندما ضُرب هو، الراعي (راجع متى 28: 8-10). لقد عاد إلى أماكن البداية ليعطيهم الملء: القائم من بين الأموات هو النور الحاسم الذي يضيء لكل السالكين في الظلمة وفي ظلال الموت، كما تنبأ أشعيا. واليوم أيضاً يرافقنا يسوع على طرق الحياة وينيرنا، لكي لا تصدم بحجر أرجلنا (راجع مزمور 91: 12). وعلاوة على ذلك، هنا بدأ الرب رسالته بالدعوة إلى التوبة وإعلان اقتراب ملكوت الله، أي نظام جديد بقيادة إلهية وبقيَم جديدة من العدل والسلام والمصالحة الشاملة مع الله، وبين البشر، ومع الخليقة. إنها بداية لسموات جديدة وأرض جديدة (راجع رؤيا 21: 1).

 

إنّ يسوع، كلمة الله، الذي تجسد من أجل خلاصنا، يعود إلى الآب بجسده وبآثار جراحه، جالساً عن يمينه وشافعاً فينا. إليكم اقتباس بليغ للبابا فرنسيس في هذا الصدد: "يسوع أمام الآب هكذا في هذه اللحظة: يصلي لأجلنا، ويريه جراحه، لكي يرى الآب الثمن الذي دفعه من أجلنا ويرحمنا". جراح يسوع هي "الشقوق" التي يدخل منها نور الرجاء والدليل الأبدي على أن الله لم يتخلَّ عنا.

 

بالعودة إلى إنجيل اليوم، يلتقي يسوع بالتلاميذ في الجليل، حيث كان قد واعدهم عن طريق مريم المجدلية. ومن الملفت للنظر استمرار شك الرسل: يمكننا القول إن هذا تعزية لنا عندما تهاجمنا الشكوك في مواقف أو لحظات معينة من حياتنا. فلا تغيب التساؤلات، مثلاً، عندما نتقدم في السن: "ماذا ينتظرنا عندما ننتقل إلى الحياة الأخرى، الحياة الأبدية؟".

 

ثم يأتي الأمر بالبشارة: "إني أوليت كل سلطان في السماء والأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والإبن والروح القدس، وعلموهم أن يحفظو كل ما أوصيتكم به" (متى 28: 18-20أ)". إنه الالتزام بعدم الاحتفاظ بالإيمان لأنفسنا، بل مشاركته من خلال الكلمة، وقبل كل شيء، من خلال القدوة والمحبة. وطاعةً لهذا الأمر، التزمت الكنيسة، بدءاً من الرسل وعبر التاريخ وتلتزم حتى نهاية العالم، بنشر البشرى السارة التي هي يسوع، والخلاص الذي حققه للبشرية جمعاء. ومن المهم التأكيد على أن يسوع وإنجيله هما "عرض" وليسا "فرضاً"، وبالتالي يجب أن يظل الناس أحراراً في قراراتهم التي تخص ضمائرهم وما يتعلق بالدين: إنها حرية الضمير والحرية الدينية، حجر الزاوية في بناء حقوق الإنسان النابعة من كرامته الأصيلة، هبة الخالق المنّان لكل إنسان.

 

يسوع، الجالس عن يمين الآب والشفيع لنا، والذي أرسل لنا الروح القدس، يحقق أيضاً وعداً تجاهنا: إنه يعدّ لنا مكاناً عندما في وطننا النهائي عندما يدعونا من هذه الحياة إلى الحياة الأبدية. وفي هذا الصدد، يقول القديس بولس: "أما نحن فموطننا في السموات ومها ننتظر مجيء المخلص الرب يسوع المسيح" (فيلبي 3: 20). إنه وعد يملأنا بسلام مفرح، ونحن ممتنون جداً لله من أجله، ونريد أن نشاركه مع الآخرين إذا رغبوا في ذلك.

 

أقدام على الأرض لا عالقة في الوحل؛ رؤوس في السماء لا في الغيوم؛ رجاء ليس خاملاً بل فاعلاً؛ فرحون بالعيش طويلاً، ولكن دون خوف من الرحيل عن هذه الحياة عندما يدعونا الرب: هكذا نحن اليوم في الاحتفال بصعود الرب إلى السماء، وفي تطلّعنا للوصول إليه يوماً ما.