موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٣ مايو / أيار ٢٠٢٦

عظة أحد العنصرة - السنة (أ)

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
هكذا تولد الكنيسة، من نفخة الروح الذي هو نَفَسها ومبدأ حياتها

هكذا تولد الكنيسة، من نفخة الروح الذي هو نَفَسها ومبدأ حياتها

 

إن إنجيل يوحنا الذي قرأناه للتو يدعونا إلى تأمل متعمق في أصل للكنيسة، الذي تعودنا أن نراه في رواية حلول الروح القدس التي قدّمها لوقا في سفر أعمال الرسل.

 

ففي مساء يوم الفصح عينه، عندما تراءى يسوع القائم من بين الأموات لتلاميذه الذين كانوا قد تخلّوا عنه، لم يوبخهم، بل منحهم السلام والحياة الجديدة. لقد قام بحركة مليئة بالمعاني: نفخ فيهم وقال: "خذوا الروح القدس". وفي تلك النفخة تتجدد الحركة التي حدثت في بدء الخليقة، عندما جبل الله الإنسان ونفخ فيه الحياة. الآن، في القائم من الموت، هناك خَلق آخَر، بشرية متجددة، لم تعد ملطّخة بالخطيئة وأسيرة الخوف، بل تسكنها قوة الله ذاته.

 

هكذا تولد الكنيسة، لا كمجرد منظّمة، بل كواقع حي، تولد من نفخة الروح الذي هو نَفَسها ومبدأ حياتها. وبدون هذا المرجع الأساسي، يحدق بالكنيسة خطر الاختزال إلى واقع بشري بحت، يُنظر إليه ويُحكم عليه وفقاً لمعايير اجتماعية وسياسية فقط؛ ولا يندر أن تتسلل هذه النظرة المحدودة حتى بين المؤمنين، الذين ينتهي بهم الأمر إلى التركيز على المظاهر الخارجية والديناميكيات السطحية، غافلين عن السر الذي يُشكّل جوهر الكنيسة.

 

ومع ذلك، بالنظر إلى المشهد الإنجيلي، نفهم كم أن هذا السر حاسم ومصيري: فالتلاميذ قابعون خلف الأبواب المغلقة بسبب الخوف، وسجناء الخيبة والفشل، وعاجزون عن تخيّل أي مستقبل؛ أليست هذه أيضاً، في لحظات كثيرة، صورة كنيسة اليوم - بما في ذلك جماعتنا -، المثقلة أحياناً بالإحباط، والموسومة بنوع من التعب الداخلي، والأكثر ميلاً إلى الشكوى والتذمر منه إلى الرجاء؟ ولكن يكفي عطاء الروح ليتبدل كل شيء: فالأبواب المغلقة تنفتح، والخوف يتحوّل إلى شجاعة، والتلاميذ يتحولون من هاربين إلى مرسَلين، وما كان منغلقاً على ذاته يتسع لكي يبلُغ كل إنسان. وإن قائمة الشعوب الحاضرة يوم العنصرة التي نالت الروح توضح لنا ذلك جلياً.

 

في تعليم المسيح وعمله، لا شيء أكثر أساسية من الغفران. لقد أعلن يسوع عن ملكوت الآب الآتي كملكوت للحب الرحيم. وعلى الصليب، بذبيحته الكاملة، كفّر عن خطايانا. وفي انتصاره الفصحي، أتمّ كل شيء. لهذا السبب، يُسَرّ الآب بأن يُفيض، بالابن، روح المغفرة. وفي كنيسة الرسل، تُقدَّم المغفرة من خلال سرّي المعمودية والمصالحة وفي مساحات أخرى من الحياة المسيحية.

 

لقد منح الله شعبه سلطاناً عظيماً إذ قرر أنّ الخلاص يُعطى للبشر عن طريق الكنيسة! ولكن هذا السلطان، لكي يكون متوافقاً مع منطق العنصرة، يجب أن يُمارس دائماً برحمة وفرح، وهما صفتان للمسيح الذي تألم وقام، والذي يبتهج إلى الأبد في الروح القدس. إنه ليس سلطان احتكار أو هيمنة، بل هو خدمة تحرير، يواصل الروح من خلالها العمل في قلوب البشر. لهذا السبب نؤمن أن التاريخ لا يقوده الركام أو الصدفة، ولا قوى الشر المظلمة، ولا المصير الأعمى، بل يقوده روح الله الذي يرافق البشرية ويوجهها، غالباً بطريقة سرية تخفى علينا ولكنها حقيقية، نحو إتمام الخير.

 

من هنا يولَد الوجه الملموس للكنيسة التي أرادها المسيح: كنيسة لا تكتفي بالشرح أو إعطاء الإجابات، بل تثير الأسئلة؛ كنيسة لا تلجأ إلى لغة معقدة وبعيدة، بل تتحدث ببساطة وتصل إلى قلوب الناس؛ كنيسة منفتحة ومرحِّبة، قادرة على إثارة الدهشة، لأن المرء يلمح فيها شيئاً عظيما يتجاوز الكلمات ويلمس القلوب.

 

وكل هذا يُترجم إلى أسلوب ملموس للجماعة: فلا يكفي الاحتفال الليتورجي إذا ظلت الجماعة المؤمنة منقسمة ومنغلقة على ذاتها. إن الشهادة الأولى هي المحبة الفاعلة: بأن نصبح قريبين من الآخرين، ونبحث عن روابط حقيقية، ونقدّم الغفران، ونتقاسم الأثقال كما الرجاء. هنا يصبح الروح "مرئياً" وتستمر العنصرة. إن الإيمان يجعل ما يبدو معقداً بسيطاً، لأن الإيمان هو الثقة بالله الأمين لذاته ولوعوده. وهكذا تصبح العنصرة واقعاً حاضراً: فباختيار الغفران والسلام والشركة، تولَد بشرية جديدة وتعود الكنيسة لتكون ذاتها.

 

نختم تأملنا سائلين الله مرة أخرى أن يُجدد في قلوبنا العجائب التي صنعها في بدايات الكرازة الإنجيلية، من أجل شهادة جريئة وفرِحة للرب القائم من بين الأموات.